;
الصفحة السابقة

العلاقات الاقتصادية الخليجية - الصينية: 4 مقومات للتعاون و 5 عوامل جاذبة للصين

انشأ بتاريخ: الإثنين، 31 كانون1/ديسمبر 2018

منذ الأزمة العالميةالماليةفي عام 2008م، كانت هناك زيادة في الطلب في سوق الطاقة العالمي وارتفاع في أسعار النفط أدى إلى مواصلة النمو الاقتصادي لدول مجلس التعاون الخليجي، بما يعد نقطة إيجابية على صعيد العلاقات الاقتصادية بين الصين ومجلس التعاون الخليجي. ثمة عناصر أربعة دعمت انتعاش هذه العلاقة: زيادة الطلب على نفط دول مجلس التعاون الخليجي بسبب النمو السريع للصين؛ وتحسن اقتصاديات دول التعاون الخليجي؛ والهيكل الاقتصادي التكميلي لكلا الجانبين؛ وتطور الشراكة الاقتصادية بين الصين ومجلس التعاون الخليجي.

نمو اقتصاد الصين السريع يزيد من احتياجاتها النفطية

أدى النمو المستمر والسريع للاقتصاد الصيني إلى زيادة الطلب على النفط والمنتجات النفطية. وقد أصبحت الصين في الوقت الحالي ثاني أكبر مستهلك للنفط، الأمر الذي يجعلها معنية بشدة بالقضايا الأمنية المتعلقة بإمدادات النفط. فلكي تحافظ الصين على أمنها الاقتصادي، فإنها تحتاج لإمداد مستقر وطويل المدى من النفط.

ويوجد سببان لاستئثار الشرق الأوسط بالحصة الأكبر من تصدير الواردات النفطية للصين واستمراره في كونه المصدر الأكبر للواردات النفطية للصين في المستقبل القريب. السبب الأول هو حجم احتياطي النفط وسعة التصدير لديهم، مما يجعلهم مركز الإمداد العالمي للنفط، وبالتالي للصين أيضًا. ففي عام 2010، استوردت الصين 130 مليون طن من النفط من منطقة الشرق الأوسط (بالتحديد من دول مجلس التعاون الخليجي) تقدر بنسبة 47.1% من وارداتها النفطية. السبب الثاني هو استفادة الصين من العلاقات السياسية والاقتصادية الجيدة مع دول مجلس التعاون الخليجي، مما يوفر إمدادات نفطية طويلة الأجل.

 

شكل 1: 2008 - 2010 القيمة الإجمالية لواردات الصين من النفط، ووارداتها من النفط من دول مجلس التعاون الخليجي (مقاسة بمليارات الدولارات)

 

 

تكامل اقتصاديات الصين ودول الخليج في التجارة والمقاولات والاستثمار.

التكامل في مجال التجارة

تعتمد دول مجلس التعاون الخليجي بشكل حيوي على الواردات بسبب الضعف النسبي لديهم في قطاعات الزراعة والتصنيع. عادة تستورد دول التعاون الخليجي المنتجات الإلكترونية ومعدات النقل والمشتقات المالية ومنتجات معدنية والمواد الغذائية والأقمشة وغيرها من المجالات التي تتمتع الصين بميزة نسبية في إنتاجها وتصديرها. ففي عام 2009م، أصبحت الصين ثالث أكبر شريك لتجارة البضائع، وتظل أكبر مصدر للواردات وثالث أكبر سوق تصدير لدول مجلس التعاون الخليجي. في هذه الأثناء، أصبح مجلس التعاون الخليجي سادس أكبر شريك لتجارة البضائع، ويظل سادس أكبر مصدر استيراد وثامن أكبر وجهة للتصدير.

لطالما كان النفط الأكثر أهمية ضمن المنتجات التي تستوردها الصين من دول مجلس التعاون الخليجي، وبجانب النفط تعد المنتجات البتروكيميائية من المنتجات الهامة التي تستوردها الصين من دول مجلس التعاون الخليجي. أما أبرز المنتجات فيما يتعلق بصادرات الصين إلى دول مجلس التعاون الخليجي فهي منتجات الملابس، وصناعة النسيج، والمنتجات الكهروميكانيكية. ولقد زادت الصادرات من المنتجات الكهروميكانيكية على وجه الخصوص لتشكل 30.4% من إجمالي قيمة صادرات الصين لدول التعاون الخليجي في عام 2008م، مقارنة بنسبة 18.8% في عام 2000م، إضافة إلى ذلك، زيادة قيمة تجارة الصلب ومنتجات النقل والأثاث وأجزاء الأثاث والتجميع التي تصدرها الصين إلى دول مجلس التعاون الخليجي بنسبة متزايدة في القيمة الإجمالية.

 

شكل 2: 2008 - 2001 متوسط أسعار النفط الخام الرئيسي

 

التكامل في سوق المقاولات

تعد مشاريع المقاولات في دول مجلس التعاون الخليجي حاليًا هي السوق المهيمن للصين فيما يتعلق بمشاريع المقاولات الخارجية. وهناك خمسة عوامل ترتكز عليها التنمية في دول مجلس التعاون الخليجي. العامل الأول هو زيادة عائدات النفط. تضمن عائدات النفط ازدهار سوق مشاريع المقاولات في مجلس التعاون الخليجي مما يتيح اتساع نطاق التنمية الاقتصادية. العامل الثاني هو النمو السكاني وتحديث المناطق الحضرية. ويصاحب التزايد السكاني وزيادة الدخل في دول مجلس التعاون الخليجي رغبة في الحصول على مساكن ذات مستوى عالٍ وهندسة معمارية أنيقة ومعالم معمارية ومباني للمكاتب الفارهة وأنواع جديدة من وسائل المواصلات. العامل الثالث هو اتجاه استراتيجية التنمية نحو التنويع. العامل الرابع هو التعجيل بخُطى التكامل الاقتصادي. ففي عام 2003م، شكلت دول مجلس التعاون الخليجي اتحاد جمركي خاص بها قدم فرصًا جديدة في هندسة المشاريع. العامل الخامس هو التأثير الإيجابي الذي أحدثته تغييرات السياسة العامة في الاستثمار الأجنبي وعادة ما ترتبط بدخول المنظمة العالمية للتجارة. لقد تحسن سوق مشاريع العقارات في دول مجلس التعاون الخليجي بعد انضمامه للمنظمة العالمية للتجارة وتخلصه من العديد من الأنظمة غير المناسبة.

وفيما يتعلق بمشاريع العقارات يوجد أربعة عوامل تساهم في تنمية سوق مربح في دول مجلس التعاون الخليجي. أولًا، أصبح استثمار الصين في دول مجلس التعاون الخليجي نقطة النمو الجديدة لمشاريع المقاولات الخاصة بها عبر البحار. ففي عام 2008م، كانت الصين خامس أكبر مستثمر عالمي، بنسبة 6.5% من أهم 225 مشروع خاص بالمقاولات في منطقة الشرق الأوسط. ثانيًا، قدرة الصين على تولي مشاريع كبيرة في دول التعاون الخليجي ويرجع ذلك إلى التحسينات في المقدرة على التصميم وسعة التركيب والتشييد. لقد استثمرت الصين بقدر كبير في مشاريع سكك حديدية كبرى في المملكة العربية السعودية، على سبيل المثال ميجا لايت ريل وسكك حديد الشمال والجنوب. ووقعت شركة بتروشينا عقد تصميم واشتراء وتشييد بقيمة 3،29 مليار دولار في أبو ظبي عام 2008م، ثالثًا، تغير العقود الصينية لاسيما من تكثيف العمالة في الهندسة المعمارية ومشاريع عقود المقاولة من الباطن إلى مشاريع تتسم بكثافة رأس المال مثل الطاقة المائية والبتروكيماوية. وأخيرًا، تتسم الشركات الصينية بالروح التنافسية ولذلك تقدم العديد من المزايا في سوق المقاولات والتصميم والإنشاء بدول مجلس التعاون الخليجي.

وثمة عوامل أربعة للنجاح الذي حققته الصين في سوق مشاريع المقاولات المتسم بالروح التنافسية. أولاً، تتميز الصين بالمقدرة على عرض عمالة ذات كفاءة عالية وبأقل التكاليف في مجال الصناعات التي تتطلب كثافة عمالية عالية في دول مجلس التعاون الخليجي. وعلى الرغم من اللوائح التي وضعتها السعودية لتوطين العمالة إلا أن المواطنين السعوديين لم يتمكنوا من منافسةالعمالة الصينية المميزة بخلفيتها العلمية وحماسها للعمل. ثانيًا، تمكن الشركات الصينية من تقديم مستوى متقدم في تكنولوجيا التصنيع والتصميم والبناء.

تتسم الصين بالريادة في المشاريع الكبيرة في مجال التكنولوجيا العالية، وخاصة مشاريع الاتصالات الإلكترونية، وذلك بسبب تراكم المعرفة والخبرة لديها في هذه المجالات. وهي في وضع جيد للتنافس على المشاريع الكبيرة، ولديها القدرة التقنية والخبرة في تقنيات الطاقة، مثل الطاقة النووية والطاقة الشمسية وطاقة الرياح. ثالثًا، بدأت الصين باعتبارها مقاول من الباطن ثم تطورت حتى أصبحت تتبنى أساليب مقاولات خاصة بالتصميم والاشتراء والإنشاء، لتتولى بذلك دور المقاول العام في تلك المجالات. ولقد دخل بالفعل المقاولون الصينيون مجال التنقيب عن النفط واستغلاله، والتنقيب عن الغاز الطبيعي واستغلاله، وهندسة البتروكيماويات، وتشييد البنية التحتية، والهندسة الصناعية والمدنية وإنشاء الطرق والجسور.

 

وأخيرًا، تمتلك الصين مجموعات كاملة لتصنيع المعدات تميزها في سوق المقاولات في دول مجلس التعاون الخليجي. وتقوم الصين ببناء سلسلتها الصناعية في المنتجات الميكانيكية ذات الحمولات الضخمة والمجموعات الكاملة لتصنيع المعدات. ولقد عملت القدرة التصنيعية القوية والأسعار المعقولة على تمكين الصين من تولي مسؤولية مشاريع مقاولات دولية.

 

التكامل المتعلق بالاستثمار الثنائي

من منظور دول التعاون الخليجي، يوجد طلب متزايد على الاستثمار الأجنبي المباشر. وتتركز تدفقات رأس المال إلى دول التعاون الخليجي في القطاعات التالية: قطاع الخدمات، والتمويل والنقل والاتصالات والعقارات والهندسة الهيدروليكية والمنتجات البتروكيماوية والتكرير. لقد شكلت الصين هيأة تشجيع الاستثمار الأجنبي، لتشجيع الاستثمار الأجنبي ومشاريع تطوير البنية التحتية والإنشاء والتي من الممكن أن تلعب دورًا في تطوير مجلس التعاون الخليجي. 

ينمو الاستثمار الثنائي بين الصين ودول مجلس التعاون الخليجي عامًا بعد عام في فترة ما بعد الأزمة. وبناءً على استراتيجية المنفعة المتبادلة يركز استثمار الصين في دول مجلس التعاون الخليجي بشكل أساسي على قطاعات التنقيب التقليدي عن الطاقة وتنميتها وقطاع الخدمات. لقد زاد استثمار دول الخليج في الصين منذ عام 2003م، حيث ارتفع من 790 مليون دولار في عام 2003 إلى 7.76 مليار دولار في عام 2010م، ولا تزال المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة أول وثاني أكبر المستثمرين. ويتم تخصيص معظم استثمارات دول مجلس التعاون الخليجي في الصين من خلال صناديق الثروة السيادية والموجودة في مشاريع مشتركة.

 

شكل 3: معدل نمو إجمالي الناتج المحلي لدول مجلس التعاون
الخليجي

 

وقد أدت السياسات الغربية في العالم العربي بعد أحداث 11/9إلى تعزيز عمل مجلس التعاون الخليجي فيالصين. لقد وضعت الولايات المتحدة والدول الأوروبية عوائق جديدة أمام تدفق رأس المال والأفراد من العالم العربي ونتج عن ذلك تحويل عائدات النفط تجاه بلاد أخرى. بعد ذلك بدأ مستثمرو مجلس التعاون الخليجي في توجيه اهتمام وثيق إلى تمويل العقارات والصناعات البتروكيميائية في الصين. ولقد استفادت التنمية الاقتصادية في كل من الصين ودول مجلس التعاون الخليجي من مشاريع المقاولات والتجارة والاستثمار الثنائي، ومن المحتمل أن تتوسع العلاقات الاقتصادية نتيجة لخطة الصين للتنمية المتعلقة بالغاز الطبيعي المُسال.

 

تنمية الشراكة الاستراتيجية

اعتماد مجلس التعاون الخليجي استراتيجيًا على الصين فيما يتعلق بالواردات النفطية، يمكن تفسير اعتماد الصين فيما يتعلق بالطاقة على مجلس التعاون الخليجي بطريقتين. الطريقة الأولى هي أن دول مجلس التعاون الخليجي مصدر رائد للنفط في السوق العالمي. الطريقة الثانية هي أنه من الصعب جدًا على الصين استيفاء طلبها من الغاز بدون استيراده من دول أخرى. علاوة على ذلك، لن يلبي استيراد النفط من روسيا وآسيا الوسطى وإفريقيا احتياجات الصين. ولا يمثل استيراد النفط من إفريقيا بديلاً مجديًا بسبب المنافسة الضارية وهيمنة شركات النفط الغربية في المنطقة. لذا تعتمد الصين بشكل أساسي واستراتيجي على مجلس التعاون الخليجي فيما يتعلق باستيراد النفط لوقت أطول.

 

 

اعتماد مجلس التعاون الخليجي استراتيجيًا على الصين فيما يتعلق بالصادرات النفطية

إن سوق النفط العالمي يتسم بالروح التنافسية في ظل اكتشافات النفط الجديدة التي تم إجراؤها في أمريكا اللاتينية وإفريقيا. بالرغم من وجود فرصعظيمة تتعلق بتنقيب النفط في دول مجلس التعاون الخليجي إلا أنها تحتاج إلى أن تنظر إلى أسواق أخرى لتصدير النفط بخلاف الولايات المتحدة وأوروبا لكي تستفيد من هذه الفرص. إن الصين ثاني أكبر مستهلك للطاقة وتوفر الصين ملجأً آمن لاستثمار عائدات النفط ومن المحتمل أن تصبح سوقًا للمنتجات البتروكيميائية. وقد عزز السجل الجيد للصين في مشاريع المقاولات داخل دول مجلس التعاون الخليجي من سمعتها بصفتها شريك تجاري ذو قيمة.

الصين ودول مجلس التعاون الخليجيبوصفهما بلدانًا نامية

نظرًا لأن الصين ودول مجلس التعاون الخليجي من البلدان النامية، فهم يواجهون مشاكل متشابهة وفي حاجة للدعم مما يجعلهم يسعون للحصول عليه، فعلى سبيل المثال تحتاج الصين لدعم دول مجلس التعاون الخليجي في معالجة قضية تايوان، وتأمل دول مجلس التعاون الخليجي أن تلعب الصين دورًا هامًا في مسائل الشرق الأوسط خاصة الصراع العربي الإسرائيلي والمعضلة التي تتعلق بالقضية النووية في إيران. وتحتاج كلا من الصين ودول مجلس التعاون الخليجي إلى التكيف لكي يتمكنوا من مقاومة تأثير الأزمة المالية والتغيير المناخي. إن دول مجلس التعاون الخليجي والصين، بوصفهما بُلدانا نامية في مجموعة العشرين والبلدان ذات الاقتصاديات الكبرى، تمتلك مصالح مشتركة حول سير الإدارة العالمية وحماية مصالح البلدان النامية.

تحديات أمام العلاقات الاقتصادية بين الصين ودول مجلس التعاون الخليجي

بالرغم من أن العلاقات الاقتصادية بين الصين ودول مجلس التعاون الخليجي آخذه في النمو إلا أنها تواجه تحديات تقف في طريق المزيد من التطوير. أولاً، بالرغم من اهتمام الصين بتوسع نطاق الاستثمار في دول مجلس التعاون الخليجي إلا أن هناك مجالات قد تكون مربحة ولكن يصعب على الصين الدخول فيها مثل قطاع المواد الخام والقطاع المالي. ثانيًا، هناك صعوبات تواجه المستثمرين الأجانب في بعض دول مجلس التعاون الخليجي، مثل نظام الضمانات والعمليات المعقدة لتأسيس شركات مملوكة لأجانب بشكل حصري. ثالثًا، بالرغم من بدء المفاوضات حول اتفاقية منطقة التجارة الحرة بين الصين ودول مجلس التعاون الخليجي منذ عدة سنوات وإحرازها تقدمًا ملحوظًا، إلا أنه لم يتم التوقيع على اتفاقية منطقة التجارة الحرة بعد. وأخيرًا، هناك منافسة تتعلق بالتجارة ومشاريع المقاولات بين الصين ومستوردين آخرين للنفط مثل اليابان وجنوب كوريا والهند وجميعهم شركاء تجاريين لدول مجلس التعاون الخليجي.

لقد أثرت الأزمة المالية بشدة على العلاقات بين الصين ودول مجلس التعاون الخليجي والتي أدت إلى انكماش التجارة الثنائية ومشاريع المقاولات والاستثمار. ومع ذلك، أدى الاعتماد المتبادل في تجارة النفط بينهما إلى تعميق التكامل الاقتصادي. على الرغم من استمرار التحديات، إلا أن العلاقات الاقتصادية بين الصين ودول مجلس التعاون الخليجي آخذة في النمو ولديها إمكانات كبيرة للتوسع.

 

شكل 4: الشركاء التجاريون الأساسيون لدول مجلس التعاون الخليجي

 

 

كلمات دليلية