;
الصفحة السابقة

أوضاع العالَم 2019: "عَودة الشعبويات"

انشأ بتاريخ: الإثنين، 04 آذار/مارس 2019

صدر، عن مؤسّسة الفكر العربي ترجمة كِتاب "أوضــاع العالم 2019"، عن سلسلة "حضارة واحدة"، بعنوان "عودة الشعبويات". تحت إشراف الباحثان الفرنسيان بمعهـد الدراسات السياسية في باريس، بـرتران بــادي ودومينيك فيـــدال، وترجمة نصير مروّة.

وترى، إذا كانت مَوجة الشعبويات الأولى انتهت (الثورة البلشفيّة في روسيا، الجمهورية الرابعة في فرنسا، الانقلاب العسكري في الأرجنتين) فالمَوجةً الثانية ولدت بين الحربَيْن العالميّتَين؛ ففي دراسته "الفاشية، أسطورية الحقد وسياسته"، يجعل زئيف شتيرنيل من الفاشية محور هذه الشعبوية وأساسها، وتخلف البوجاديةُ البولانجيةَ في فرنسا. دومينيك باري في دراسته "ماو وخلفاؤه وخطّ الجماهير"، يدرج ماو تسي تونغ "وشعبويّته الريفية" بين أقطابها. ويجعل الباحث الفرنسي رافاييل ليوجيه في دراسته "الشعبوية المائِعَة في الديمقراطيات الغربية" من فيديل كاسترو، زعيمًا شعبويًا.

المَوجة الثانية، اقترنت وفقًا لفيليب مارليير، "بالنّظم القيصرية اللاتينية، التي يحكم فيها ديكتاتور يستند إلى الشعب". ورينيه مونزا يضيف إلى هؤلاء شعبويات الاستقلالات ما بعد الحرب العالمية الثانية، وخصوصًا الناصرية، ما يسمّيه شعبويات حركات التحرّر الوطني والاستقلالات. فقد كان العالَم في حينها نهض على أُسسٍ شعبوية. ويشير مارك فيرّو إلى بروز شكلٍ جديد من الشعبوية، في العالَم الثالث، استندت إلى الطائفة أو العِرق، وكذلك فرانسوا بورغا الذي ربط بينها وبين "الإسلاموية".

هناك شعبويات اندلعت بعد انهيار الاشتراكية في أوروبا الشرقية، ومنظّروها الرئيس التشيكي فاكلاف هافيل والروسي سولجينيستين والبولوني ميشنيك. وشهدت أوروبا موجة من الأحزاب والحركات الشعبوية، وصل بعضها إلى الحُكم كما في هنغاريا وبولونيا وإيطاليا، أو دخَل في حكومات، كما هو في النمسا وإسبانيا وبلدان إسكندنافيا.

أخيرًا الشعبويات التي يربطها رافاييل ليوجيه بأزمة عام 2008م، المُعولَمة. وهو لا ينكر صلتها بشعبويات ما بين الحَربيْن، لكنّها هذه المرّة، برأيه، شعبوية وليست إيديولوجية. فهي لا تتغذّى من عقيدة ماركسية أو فاشية، بل تُعاني من فقدان إيديولوجيات القرن العشرين. إنّها شعبوية موسومة بسِمات القلق من العَولَمة، والضيق من "الهجرةِ الزاحفة" أو التوجّس من "رأسماليةٍ لا تعترف بالحدود" أو"أسلَمة العالَم"؛

شعبويات اليوم، تعاني من قلق ٍفي صورة المُسلِم المكروه، الغجري المطرود، والمُهاجِر المرفوض .. هي شعبوية رأي. أو" المائعة" أو "السائلة" وفقًا لرافاييل ليوجيه: " متأرجِحة متقلّبة". وتغيّر عداؤها، بل طرأ جديدًا، فدولة الرعاية في البلدان الإسكندينافية التي كانت تجسدها، باتت مُصابة بعارِض الشعبوية. لكن إلى ماذا يتطلّع شعبويّوها؟ الأجوبة: لا يتطلّعون، يتوجّسون خطر العَولمة والهجرة.

تبقى، الشعبوية كمفهوم. فإذا كانت هي علاقة بين شعب وزعيم، أو إذا كانت "تعبّدًا لزعيم" وفقًا لتعبير جان كلود مونو، وكان الزعماء يبدون أكثر تنافُرًا من قبول مفهوم واحد، فكيف سيُصاغ هذا المفهوم؟

يبدو مفهوم الشعبوية واسعًا، ومضطّربًا. إذ يرى فيليب ريوتور أنّ ثمّة سِمات مُشترَكة بين الشعبويات، تتمثّل في أنّها حركات تبحث عن الإجماع بأيّ ثمن، وتخوض حربًا إيديولوجية ضدّ المُعارِضين. وعند جان كلود مونو تتحدّى مقولات العلوم السياسية. وتبدو عند جان-إيف كامو، أسلوبًا في الحُكم. ويستند فرانسوا بورغا إلى المؤرّخ فيليب روجر الذي تشير الشعبوية لديه "إلى مُركّب معقّد من الأفكار والتجارب، وهو ما يؤكّده مونزا فالشعبوية عنده أبعد من أن تشير إلى إيديولوجية بل تتجسّد في أجندات مُتنافِرة. فالشعبوية اسم لأزمة بأكثر ممّا هي تعبير عن إيديولوجية، كما يرى بـرتران بادي، الذي يعتبرها شاهدًا على فشل الإيديولوجيات، أو ربّما ضربًا من الفراغ.

وإذا كان لشعبوية اليمين ما يميّزها ولشعبوية اليسار ما تختصّ به، إلّا أنّ الشعبويتين تشتركان -كما يقول لازار-في نقاط لا تُنكَر. فالشعبويون جميعًا، يطرحون الطبقات القيادية ويمقتون التنظيمات التي تُشارك وفقًا لهم في "النظام". ويُعارضون العَولَمة، ويهدفون إلى نُصرة السيادة الشعبية.

كلمات دليلية