;
الصفحة السابقة

الأمن الإقليمي في الخليج: منظور أمريكا وحلفائها لإيران أكثر تصالحية

انشأ بتاريخ: الخميس، 28 آذار/مارس 2019

ُعتبر التدخل الاستراتيجي الخارجي في منطقة الخليج حقيقة قديمة ومستمرة. وكان يأتي في شكل سيطرة خارجية على بعض مناطق الخليج على الأقل، وذلك قبل عام 1971م. غير أنه منذ ذلك الحين، انخرطت القوى الخارجية في أشكال متنوعة من التدخل. ويعتبر توريد الأسلحة والدعم الدبلوماسي للحلفاء المختارين من القوى المعنية جزءًا من هذا التدخل. وتأتي الأبعاد الأخرى للتدخل استنادًا للقوة والفترة الزمنية، في صورة إنشاء وصيانة القواعد العسكرية أو البحرية وفرض العقوبات وغيرها من الأساليب غير العسكرية ضد الدولة والتي تعتبر دعمًا لدول معينة، فيما تراه دول أخرى أنه تهديد لأمنها، كما تعتبر إيران التقارب الخليجي ـ الغربي ليس في صالحها، وفي بعض الأحيان الاستخدام المباشر للقوة العسكرية.

في حين أن دور القوى الخارجية قد يكون مفيدًا للمصالح قصيرة المدى لبعض الدول في الخليج، إلا أنه كان أيضًا جزءًا لا يتجزأ من الانقسامات والانشقاقات والنزاع في المنطقة، كما يحدث في دعم بعض القوى الإقليمية والدولية لدعم دولة قطر في نزاعها مع بقية دول مجلس التعاون، أو في دعم إيران، ومن ثم يكون من الإنصاف التكهن بما إذا كان الخليج قد يكون أكثر استقرارًا وسلامًا إذا ابتعدت القوى الخارجية، متى شعرت الدول الخليجية بأنها بحاجة إلى التفاوض بشأن التحديات الأمنية الخاصة مع بعضها البعض مباشرة. إن دعم دول خارجية لدول معادية لدول مجلس التعاون يعمق الانقسامات بين هذه الدول كما هو الحال في دعم قوى دولية لإيران، كما أن ذلك يجعل مصالح القوى الخارجية متأصلة في ديناميكية العلاقات الإقليمية. ومن الناحية العملية، فإن الأهمية الاستراتيجية للخليج، المنبثقة عن اعتماد الاقتصادات الغربية الصناعية على نفط الخليج، كفلت استمرارية التدخل الخارجي، وكذلك فعلت المنافسات الإقليمية بين دول الخليج نفسها.

 

وعلى مدار العقود الماضية، قدمت دولة خليجية أو أخرى مقترحات لترتيبات أمنية على نطاق المنطقة تستند إلى دول الخليج نفسها. ومع ذلك، لم يكن هناك أي احتمال جدي بأن مثل تلك المقترحات سوف تؤمن الدعم على نطاق المنطقة، ناهيك عن تطبيقها. وقد تعمقت المنافسات الإقليمية، وكثيرًا ما كان للقوى الخارجية اهتمام أكبر باستغلال تقسيم المنطقة بدلًا من تيسير المصالحة والتسوية.

 

ومع ذلك، في الظروف الراهنة، هناك ما يدعو إلى النظر مرة أخرى في جدوى ترتيب أمني على نطاق المنطقة واحتمالاته. وهناك اثنين من العوامل الرئيسية التي غيرت الديناميكية السابقة. يتمثل العامل الأول في أن القوى الخارجية الرئيسية تبدو أقل اهتمامًا من ذي قبل باستغلال الأوضاع في منطقة الخليج أي فتر اهتمامها بالمنطقة، بينما تهتم أكثر بتعزيز التوفيق وحل النزاعات. في أعقاب تبني خطة العمل الشاملة المشتركة بين إيران ومجموعة (5+1) والاتحاد الأوروبي في يوليو 2015م، كانت للولايات المتحدة الأمريكية (على الأقل خلال فترة تولي أوباما الرئاسة) وحلفائها الغربيين مصلحة واضحة في سريان الاتفاقية. ويتطلب ذلك التعاون مع الحكومة الإيرانية، على الأقل إلى الحد الذي يضمن احترام الاتفاقيات التي تم التوصل إليها والوفاء بها. ولا يزال الالتزام باستقرار أنظمة ودول مجلس التعاون الخليجي في غاية الأهمية، ولكن ترى الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها، إلى حد ما، أن أمن دول مجلس التعاون الخليجي مدعوم بظهور إيران أكثر تصالحية. كما تشكل العراق جزءًا من هذا السيناريو المتطور. ويتعين دعم الدولة العراقية في نضالها ضد القوات المتمردة الراديكالية. لذلك، لم يكن من الممكن الحصول على أي شيء وهناك الكثير من الأمور الضائعة، بسبب تبني سياسة تسعى إلى تعميق الانقسامات وتعزيز التوتر.

 

وعلى الرغم من أنه لم يكن للقوى الكبرى الأخرى مصلحة في دعم دولة خليجية ضد دولة أخرى. كان للدول الآسيوية الكبرى، وخاصة الصين والهند التزامات طويلة الأمد للحفاظ على العلاقات الودية مع جميع دول الخليج، مع الحفاظ على التشابكات الأمنية التي من شأنها توريطهم في صراعات إقليمية.

 

إن وصول إدارة ترامب إلى السلطة في يناير 2017م، يثير بطبيعة الحال تساؤلات عما إذا كانت المنظورات المذكورة أعلاه لا تزال قائمة. هناك دلائل تشير إلى أن الإدارة الأمريكية ربما تكون أكثر ميلًا لاستخدام القوة العسكرية في المنطقة، وأنها أقل ميلًا إلى التوافق مع إيران. ويبدو أن تعزيز التعاون مع المملكة العربية السعودية على وجه الخصوص، قد بدأ في الظهور. ومع ذلك، وفي وقت كتابة هذا التقرير من السابق لأوانه معرفة ما إذا كان هذا بالفعل تراجعًا عن الاتجاهات السابقة، وإذا كان الأمر كذلك، فكم من الوقت قد يدوم؟ فقد اتسمت سياسات إدارة ترامب، حتى الآن، بعدم القدرة على التنبؤ بشكل كبير. ولا يمكن التحدث بثقة بشأن السمات طويلة الأجل لسياسة الإدارة تجاه الخليج، أو حتى المدة التي قد يستغرقها دونالد ترامب في المنصب ليتمكن من تحديد السياسة. وعليه، فلا يزال من الجدير بالاهتمام، وضع توقعات تستند إلى احتمال استمرار ميل القوى الخارجية إلى التركيز على التوفيق الإقليمي بدلًا من استغلال التقسيم.

 

أما فيما يتعلق بالعامل الثاني، فإنه ينبع من الصراعات الجارية في عموم منطقة الشرق الأوسط. وتشكل النزاعات المستمرة تهديدًا لجميع الدول، وتعتبر بعض الحركات المنخرطة في النزاعات ("داعش" على وجه الخصوص) أكثر مجابهة نحو المملكة العربية السعودية وغيرها من دول مجلس التعاون الخليجي، كما هو الحال بالنسبة لإيران. ويمكن الافتراض بأن إيران ودول مجلس التعاون الخليجي من شأنهما السعي للحصول على شكل من أشكال المصالحة، حيث يمكن لكل منهما أن يركز طاقته على هزيمة داعش والسعي لإيجاد حل للصراع الدائر في سوريا.

 

من الناحية العملية، لم يؤد أي من العوامل المذكورة أعلاه، حتى الآن، إلى توجيه التعاون الأمني الإقليمي، بل ما كان جليًا هو التعاظم المضطرد للعداء عبر الخليج. وبينما في الماضي، كانت القوى الخارجية في الغالب تسعى إلى حشد دول الخليج في تحالفات ضد الدول المعتدية في المنطقة، أضحت العملية المعاكسة الآن واضحة: تسعى دول الخليج نفسها إلى جذب القوى الخارجية إلى تحالفات استراتيجية ضد دولة خليجية شقيقة. كما تفعل قطر بعد ظهور أزمتها مع دول الخليج. وقد لا يكون الوقت الحالي مناسبًا للسعي إلى وضع هذه المخططات قيد التنفيذ، ولكن على المدى الطويل، تتطلب مصالح المنطقة إطارًا يُمًكِن جميع دول الخليج من الحصول على الأمن من خلال التعاون.

 

أستاذ  سياسات الشرق الأوسط ـ جامعة أكستر ـ المملكة المتحدة

كلمات دليلية