انت هنا: الرئيسية جميع المقالاتتقرير خاصالأمن الإقليمي العربي بين المحددات والتحديات: إسرائيل وإيران وتركيا ثالوث الخطر

الأمن الإقليمي العربي بين المحددات والتحديات: إسرائيل وإيران وتركيا ثالوث الخطر

انشأ بتاريخ: الخميس، 28 آذار/مارس 2019

تعريف الأمن الإقليمي: قبل الحديث عن مفهوم الأمن الإقليمي، فلابد من تعريف أو صياغة ثمة مفهوم خاص بالأمن. إلا أن تضارب الرؤى وتداخل المفاهيم وتشابك التحاليل بخصوص الأمن تحديدًا كونه غامض ومعقد إذ بات محل جدال كبير بين المنظرين والمفكرين في حقل الدراسات الأمنية. والأمن هو نسبة من الوعي المجتمعي التي من الواجب توافرها عند كل من الحاكم أو القائد على حد سواء من أجل صد السبيل أمام الغازي، أو المعتدي، أو الذي يحمل تهديدًا ما في الداخل أو في الخارج أم كلاهما معًا. إن نقل ثقل الدولة الوطنية في إطار نهاية الحرب الباردة حيث بات الأمن مطروحًا وبكثرة نتيجة الإلحاح عليه بل تفاقم أوضاعه جراء أحداث سبتمبر / أيلول 2001م، نتيجة إحداث شرخ في العلاقات الدولية من حيث أمننة Securitization الأوضاع ، والأشخاص والدول.

هذا ما ألزم بنقل عدوى الحرب من بين الدول وبعضها البعض إلى داخلها عن طريق ما بات يعرفه الأمن من المفهوم الكلاسيكي إلى المفهوم النقدي الحديث لكن تحت مسميات ومسوغات متعددة ومتنوعة بحسب المدارس والتيارات والعقائد لدى هؤلاء وأولئك. ولعل تحديد مفهوم الأمن كثيرًا ما يدفعنا إلى فهم ما يجري في العالم على أن الدولة الوطنية السيد أضحت في تراجع مستمر فاسحة المجال أمام فواعل جديدة (كالفرد، والسوق، والمنظمات غير الحكومية، الشركات المتعددة الجنسيات والمجتمع المدني العالمي...إلخ) والتي أصبحت تناوئها المنافسة المطلقة في هذا الشأن وفي أكثر من ميدان وقطاع. وانتقل هذا العد العكسي كما هو معروف لدى الباحثين والمنظرين والمفكرين من الأمن العسكري (الخشن) تحت مسمى السياسة العليا   Hight Politics ؛ كونهأحادي التوجه بحكم سيطرة الدولة الوطنية عليه بمفردها إلى ما هو متعدد (ناعم) تحت مسمى السياسة الدنيا Low Politics نتيجة بروز العديد من العوامل المتنوعة التي أضحت تشمل مجالات عدة كالاقتصاد والتجارة والثقافة والدبلوماسية بحسب الدراسات الأمنية ذاتها انطلاقًا من التقليدي إلى النقدي .

من جهة أخرى، وإذا أصبحت قيمة الأمن مختلف حولها جل المنظرين والمفكرين بشأنها لا لأنها قيمة غير ملموسة كالعدالة والحق والحرية وغيرها فحسب، بل أصبحت تستهدف الدول التي كانت من ورائها باعتبارها كانت تمس الاستراتيجية العسكرية مقابل ما كانت تتوخاه عن طريق إداراتها للحروب. وبالتالي بات الأمن لصيق الدول إن لم يكن تبحث عنه بالدرجة الأولى بعدما أصبح التنافس عليه بكثرة بين الدول إن لم يكن منعدمًا أو ضئيلاً في أرض الواقع لكن بنسب متفاوتة بحسب الدول وطبيعتها السياسية، تاريخها وحضارتها، ثقافاتها واقتصاداتها، صناعتها وتسلّحها ...إلخ.

أما بخصوص تعريف الأمن الإقليمي فهو ذو طبيعة مختلفة انطلاقًا من المنطقة التي تشمل مجموعة من الدول تحت مسمى الإقليم بهدف تحقيق الاستقرار العام للدولة المعنية في بيئتها الإقليمية والدولية. وبالتالي برز مفهوم الأمن بقوة في تسعينيات القرن الماضي بالرغم من قدمه قدم الإنسان على الأرض فهو ما جاءت به جميع الديانات والفلسفات والشرائع. ومن هنا اكتسى طابع الأمن عدة مفاهيم ومضامين مختلفة ومتداخلة لدرجة أنه أصبح كل ما ينبثق عليه معرض للنقد على ضوء السياسات وما تنتهجه دولها، فضلاً عن نواياها الباطنية والمعلنة سواءً أكانت قوية أو صغيرة. وعليه فإن الأمن الإقليمي تغيّر هو الآخر بحيث لم يعد يشمل الأمن الدفاعي التقليدي المرتبط بالأمن الغذائي أو أمن العمالة أو الأمن البيئي أو الأمن الداخلي أو يتعداه في تحقيق ما تصبو إليه سياسة هذا الإقليم أو ذاك كالأمن الاقتصادي، والأمن الغذائي، والأمن الصحي، والأمن البيئي، والأمن الشخصي، وأمن المجتمع المحلي والأمن السياسي بحسب برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في إطار الأمن الإنساني عام 1994م، عن طريق الأمن في تعزيز قدرات الدولة الواحدة للتخلي عن الثغرات وملء النقائص السلبية التي تدفع بها إلى الانجرار في حملات غير حميدة العواقب.

وبتحديد مفهوم الأمن يمكننا الذهاب إلى فهم جذور الإرهاب كظاهرة ضاربة في المجتمعات العربية الإسلامية بالحد من انعكاساتها وإفرازاتها السلبية سواءً بداخلها أو خارجها. بيد أن توسيع نطاق مفهوم الأمن في حد ذاته كثيرًا ما يعتمد على تعميق الرؤية لدى مفهوم الأمن القومي والإقليمي فالدولي. كما إن تعميق علاقتنا بالأمن هو الباعث على الاستقرار النسبي مقابل الخوف ما لم يتحقق ما تصبوا إليها السياسات وبطرق كفيلة من تخليصها مما آلت إليه الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والدينية والطاقوية والبيئية وغيرها عن طريق العدالة والحرية والصحة والتعليم والإسكان وغيره بالحد أو بقطع دابر التهديد الداخلي في إطار التنمية الشاملة. لذا جاء تعريف الإقليم يعبر عن ذلك المفهوم المكاني الذي يحدد البعد الجغرافي، وكثافة التبادل، والمشاركة في المؤسسات والتجانس الثقافي، ويحدد الإقليم عمليًا، بحجم المبادلات والتدفقات التجارية وصفات مكوناته وقيمه وخبراته المشتركة. وتنتج الإقليمية من تيارات وحركات تبادل البضائع والأشخاص والأفكار، ضمن مساحة كيان معين ليصبح متجانسًا ومتماسكًا(1).

وإذا كان الأمن على العموم معقدًا Complex Securityبحيث بات يدعو بموازاة ذلك إلى الاعتماد المتبادل – تأثر دولة بدولة أخرى يعني أمن الدول فيما بينها – أو بما يصطلح عنه بالنظام التابع International Subordinate؛ أي تأثير الجغرافيا على الحدود المترامية الأطراف للدول والتي بدورها تتأثر بها هي الأخرى مما تمخض عنه تيار العالمية ضد الإقليمية Universalism Versus Regionalism. وهو تيار ظهر في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي في إطار النظام الإقليمي باسم التكامل Integrattion والذي يقوم على ثلاثة اتجاهات رئيسية أبرزها ما يلي: (2).

الاتجاه الأول: يقوم على التقارب الجغرافيGeographic Proxmity Approach.

الاتجاه الثاني :يركز على عناصر التماثل بين الدول في إطار الإقليم الواحد ويدعو إلى ربط النواحي الثقافية والاجتماعية والاقتصادية عن طريق المقاربة التجانسيةHomogeneity Approach.

الاتجاه الثالث: يحاول أن يلغي الاتجاهين السابقين ويؤكد على العامل الحيوي من خلال جدوى تفاعلات العلاقات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية بين الدول Intraction Approach.

   وعلى ضوء هذه المعطيات الأولية يمكن القول بأن هذا كثير ما يسمح ببناء تكتلات وتحالفات مصغّرة أكانت أو مكبّرة بحسب طبيعة الإقليم ذاته، بهدف ضبط حركية الدول من خلال توسيع نطاق تحالفاتها وتكاملها في مجالات عديدة ومتنوعة بدءًا من ترابها التي تقيم عليه انطلاقًا من جملة من الركائز الأساسية أبرزها ما يلي: (3).

1. وضع حد للصراعات والنزاعات في الإقليم، وحلها بطرق سلمية، لضمان الاستقرار الداخلي لدول الإقليم، والوقوف في وجه التدخل الخارجي الذي يهدد كيان وسيادة الإقليم.

2. التنازل عن جزء من السيادة الوطنية، من أجل التمتع ببعض مميزات الأمن الجماعي كالدفاع المشترك.

3. العمل على الرفع من وتيرة التعاون والتكامل.

4. احترام حقوق الإنسان، وتفعيل دور المجتمع المدني، بما في ذلك المشاركة أو إبداء الرأي في إدارة مؤسسات النظام الأمني والإقليمي.

5. اعتبار الأمن الإقليمي جزءًا لا يتجزأ من الأمن الدولي .

وإذا كان الاختلاف بارزًا بشدة حول الأمن فإن الأمن الإقليمي يختلف هو الآخر من حيث المفهوم والمحددات والتأثيرات البارزة بشأنها بخصوص الدول وتكاملها بدلًا من صراعها شريطة توافر جملة من المعطيات والآليات بهدف تعزيز هذا الصرح الاندماجي والبناء التكاملي بحيث بات يُعرف على أنه يعبّر على أساس أنه يقوم على سياسة مجموعة من الدول تنتمي لإقليم واحد، ويكون الهدف هو تعاون عسكري وتنظيمي لدول الإقليم هذا، لمنع أي قوة أجنبية أو خارجية في ذلك الإقليم، حيث لا يرتبط برغبة بعض الأطراف فحسب، وإنما يتوافق إرادات تنطلق من مصالح ذاتية بكل دولة، ومن مصالح مشتركة بين مجموع دول الإقليم (4). بينما مبادرة جامعة الدول العربية من جهتها حاولت تعريف الأمن الإقليمي على أنه توثيق الصلات بين الدول الأعضاء وتنسيق خططها السياسية وتحقيقًا للتعاون فيما بينها، وصيانة لاستقلالها وسيادتها مع الحرص على المصالح المشتركة على كافة الأصعدة، ومنها تحقيق الأمن الإقليمي بما يوفر الاستقرار الداخلي لكل دولة وعناصر الحماية ضد الاختراقات المحتملة للأمن القومي العربي (5).

هذا ما أكدته، في المقابل، هيأة الأمم المتحدة في الفصل الثامن بمقتضى (المادة 52، الفقرة 2) بهدف حل النزاعات بالطرق السلمية قبل عرضها على مجلس الأمن. وعليه بات الأمن الإقليمي رديف التقارب الجغرافي بين الدول المكونة لإقليم ما خاصة تلك التي تتشابه وفق اعتبارات ثقافية واقتصادية واجتماعية.

محددات الأمن الإقليمي العربي

لقد اتضح بأن الأمن الإقليمي العربي تتقدمه قوى إقليمية خرجت معافاة بعد ثورات الربيع العربي كالمملكة العربية السعودية، ومصر، وإيران وتركيا وإسرائيل.ولعل تداخل المصالح وتعاظم النوايا من دولة إلى أخرى ربما هو السبب في افتقاد منسوب الأمن بالمنطقة العربية نتيجة تباعد الرؤى وتقاطع الأهداف الاستراتيجية من دولة إلى أخرى. هذا ما بات يقوي من الصراعات بل النزاعات بينها في ظل غياب المشاريع الحية والفاعلة باتجاه الحوار والشراكة خاصة بين هذه الدول العربية والباقي منها تحديدًا .

كما إن تراجع دور الجامعة العربية في معظم القرارات التي كان يُرجى منها أن تكون صائبة في حق المصير العربي حيث لم تُوفق لدرجة أن أصبح إلحاح عليها بشدة إن لم يكن نسبيًا، وذلك بدعم مواقفها وما حدث من ضغط على دور الجامعة من طرف بعض الأحزاب أو المنظمات العربية وما أثرته من انقسامات في الصف العربي. ومن هنا يمكن القول بأن وحدة الصف العربي تناثرت بل ضعفت لدرجة أنها لم تعد تحمي ما يفرض بالقوة من خارجها عليها لكي يدفع بالدولة العربية الواحدة في الدفاع عن القضايا المصيرية بل ذات الاهتمام المشترك للخروج من هذا الوضع المزري. فالدولة القُطرية العربية دفعت الثمن بشكل غير مسبوق ليس نتيجة العولمة فحسب، بل في ضعف النسيج الاجتماعي والاقتصادي والسياسي دون أن تتطور منذ نشأتها للقيام بدورها المنوط بها في توسيع نطاق قواها بدل الوقوع في ضعفها بهدف التخلص من التهديدات التي تطالها بدلًا من الحروب التي أوقعتها .

بيد أن الأمن الإقليمي العربي عامة، والشرق أوسطي خاصة وفقًا لما يقوم عليه بحسب القواسم المشتركة كاللغة والدين والتاريخ ووحدة المصير ... إلخ، والتي من الواجب استغلالها بما يدر عليها من الفوائد الجمة ما لا يعد ولا يحصى؛ إلا أن واقعه يفند ذلك بكثرة نظرًا لعدم تثمين علاقته على جبهات عدة كونه غير فعال وغير ناجح على مستوى العلاقات التفاعلية والتبادلات الاقتصادية، والأهم التعاون الأمني (6). علمًا أن الأمن الإقليمي بتفاعله إذ يسهم في تكامل الاقتصاديات وإدماج السياسات عامة لدرجة أن يعود على أمن وتنمية كل دولة على حدة.

الأمن الإقليمي العربي وتداعياته في الشرق الأوسط: الرزنامة والتحديات

يحاول الأمن الإقليمي العربي في الشرق الأوسط تدارك ما فاته بالرغم من تأزم الوضع العربي وتراجع صفه في مجمله نتيجة لغياب دور مصر المعتاد من جهة، وبروز إيران كقوة إقليمية لها وزنها هي الأخرى في المنطقة من جهة أخرى. ولعل ذلك كثير ما يعود إلى تراجع النظام العربي ذاته بسبب أزمة اليمن، وبروز أمريكا، وظهور إيران دون أن تصبح هذه المنطقة فاعلة في موازين القوى العالمية بالرغم من مكانتها الاستراتيجية وثرائها الاقتصادي (الغاز والنفط) كمصدر أساسي في المعادلة العالمية. يتجلى ذلك مليًا عبر عاصفة الحزم التي قادتها المملكة العربية السعودية في إطار التحالف العربي والإسلامي والذي هو الأول من نوعه بهدف قطع الطريق أمام التواجد الإيراني في اليمن؛ هذا التواجد الإيراني الذي نراه ماثلاً للعيان في كل من بيروت وبغداد ودمشق وعُمان. وعن مدى فعالية استراتيجية الحزم في الوقوف في وجه المد الإيراني تجاه الأمن الإقليمي العربي في المنطقة، نرى أن ذلك محاولة جادة لاستعادة هيبة الأمن الإقليمي العربي، حيث أن الأمن القومي العربي بات ضعيفًا لدرجة أنه بات غير متفاعل مع المنطقة عبر ما يخدمها في العمق من المشروعات التنموية الهادفة لتخليصها من التطرف والتخلف والتبعية بما يقلل من التدخل الخارجي فيها.

فالكل يعود إلى مقدرات الداخل وإدراكات الواقع المعاش بما يضمن تطورهما وتنميتهما بما يخدمهما من الداخل أكثر من الخارج بحكم أن الأمر يقوم على سداد الرؤية ونضج الفكرة وعمق الاستراتيجية بما يضمن التطور المنشود للمنطقة قبل أن تنجر بدواعي أمنية بالتدخل الأجنبي في إطار مخططات التقسيم والتفتيت ضد الكيانات السياسية القائمة بها. كما أن عدم نجاح القضية الفلسطينية على مستوى الأمن القومي العربي في ظل الأمن الإقليمي الأوسع الغائب أو الضعيف والذي أملى مثل هذه التصدعات البنيوية بحثًا عن الأمن القومي في ظل التهديد الإقليمي والخطر الخارجي إن لم تصبح مرتعًا للفوضى وإرهاب الجماعات المتطرفة الجهادية. أين الخطر؟ أبرزت العمليات الجارية في الشرق الأوسط في العقد الثاني من القرن الـ 21 العجز الأمني بشكل كبير، في حين أن المباشرة في تغييرات مؤلمة على الصعيدين الوطني والإقليمي والدولي أصبحت ضرورة. لقد أدى وجود أنظمة ومؤسسات ضعيفة في بعض الدول العربية التي اجتاحتها ما يسمى بثورات الربيع العربي إلى إنتاج مجتمعات وحكومات غير منظمة وغير قادرة على أداء الوظائف الأساسية، وبالتالي خلق صراعات جديدة نتيجة لذاك، وتشمل هذه الصراعات المختلطة وغير المتكافئة بؤر الصراع الأخيرة (سوريا والعراق وليبيا واليمن) والصراعات التي هي إرث للعالم ثنائي القطبية، مثل الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي والصراع حول الصحراء الغربية (7).

ولعل في غياب الرؤية الاستراتيجية لبعض أنظمة الحكم العربية القائمة في إطار العلاقات العربية – العربية في توافقها الداخلي وتكاملها الخارجي على أسس وبرامج حية هو الذي دفع بقدراتها الحيوية ومن منظور أمني محض دون توافر ثمة أرضية صلبة للتخلص وبشكل أكيد ما يدفع بها إلى مدارج الضعف ومحطات الفشل. فالأهمية الجيو ــ استراتيجية للشرق الأوسط تعني النهوض به؛ إلا أنه ما زال ينقصه الكثير وفق إرادة سياسية عالية وأهمية اقتصادية فاعلة للخروج به بما يضمن قوته لا ضعفه دون المرور حتمًا لا بالإرهاب ولا بالتطرف من جهة، ولا بالتدخل الأجنبي أيًّا كان إقليميًا أو دوليًا، من جهة أخرى، بحيث كلها معاول هدامة في العمق إذ تريد الإطاحة بها دون أن تقم بدورها المنوط بها كباقي المناطق التاريخية والحضارية المعول عليها في العالم والتي جلها من الدول الناشئة كالاتحاد الأوروبي (ألمانيا وفرنسا)، أو آسيا (إندونيسيا وماليزيا)، أو أمريكا اللاتينية (البرازيل والمكسيك)، أو إفريقيا (جنوب إفريقيا ونيجيريا) .

الأمن الإقليمي العربي بين الردع النووي (الإيراني ) والحضور الأمريكي

تسهم الولايات المتحدة بحضورها غير المسبوق في الشرق الأوسط لتضييق الخناق على إيران، وتأمين ضخ النفط. وإيران من جهتها تريد كسر الطوق عبر تصدير الثورة للبروز كقوة إقليمية في المنطقة. ولعل دخولها حرب الخليج الأولى ضد العراق (1980-1988م) حتم عليها تطوير طاقتها باسم الخطر العربي الخارجي. إلا أن الولايات المتحدة بغزوها لكل من أفغانستان واحتلالها للعراق تريد إذ ذاك الضغط على إيران عن طريق نشر قوتها العسكرية دون قبول الخيار العسكري المباشر بهدف التخلي عن برنامجها النووي مقابل تهديدها بضرب منشآتها النووية تحت رغبة إسرائيل. لكن الاستراتيجية الإيرانية ليست متعلقة فيما يخص الملف النووي بهذا أو ذاك التيار بل هي استراتيجية ثابتة تحصل على إجماع النخب في طهران. وتلح هذه النخب على ضرورة الاستقلال النووي الذي له أهداف استراتيجية أخرى، فبالإضافة إلى البعد العسكري تسعى إيران لامتلاك طاقة بديلة للبترول الذي تصدره، إذ أن إيران تعاني فعلاً من نقص في البنزين، وهي تستورد 40 % من حاجاتها منه ومن المنتوجات المكررة، رغم أنها من بين الدول الكبرى المنتجة للبترول في العالم (8). ومن هنا أصبح مؤكدًا لدى القادة الإيرانيين أنه بتحقيق المشروع النووي مقابل نشر التشيّع في المناطق السنّية العربية يعني ربح للوقت في انتظار حصولها على النووي العسكري.

هذا ما سيعمق بالفعل من التدخل الأجنبي مقابل المزيد من الحروب الهامشية، الأمر الذي سينعكس سلبًا على قدرات الدول العربية ذاتها والفاقدة للتكتلات والتحالفات العربية - العربية والمنعدمة بشكل واضح من أجل الحد من هذه التداعيات المتسارعة والخطيرة في آن واحد والتي لا طائل من ورائها في خدمة منطقة الشرق الأوسط . كما إن هناك في المقابل ذلك الثالوث الإقليمي المنافس والخطير في التأثير على الخارطة الشرق أوسطية والمتمثل في كل من إسرائيل وإيران وتركيا. تسابق هذه الدول ربما للتقرب من إدارة واشنطن بهدف إحكام قبضتهم على المنطقة في ظل غياب ما يؤهلها من القوة العسكرية والاقتصاد المنتج والنظم الدفاعية المشتركة .     

الخاتمة:

لا يمكننا الحديث عن الأمن الإقليمي العربي إلا بربطه بدول الجوار نتيجة لما يحمله من تهديدات وتحديات مباشرة أو غير مباشرة بحيث أن اختراقها للأمن الإقليمي العربي هو تطور قواعدها العسكرية والاقتصادية والعلمية بالدرجة الأولى كونه يشكل تحولاً ذا أهمية قصوى لابد من التأكيد عليه في هذا المقام . علمًا أن البيئة الجوارية لمنطقة الشرق الأوسط والخليج لم تتوافق بعد على هذا المنحى بما يذهب عنها هذا الضعف المستشري في كامل قواها حتى تبرز على شكل قوة إقليمية لها ما يحد عنها مثل هذه التدخلات الأجنبية السافرة في شؤونها الداخلية ما دامت غير مهيأة لاستقطاب شروط القوة ولوازمها بداخل كل دولة وبإيعاز من قبل كل مجتمع وقواه الحية لضمان سلامة التراب الوطني بما يحقق لديها التنمية الشاملة المطلوبة عن طريق التكامل الإقليمي والتعاون الدولي.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أستاذ بالمدرسة الوطنية العليا للعلوم السياسية الجزائر 3

 

المراجع:

1. مارتن غريفيثس وتيري أوكلاهان ، المفاهيم الأساسية في العلاقات الدولية (دبي: مركز الخليج للدراسات ،2004)، ص67 .

http// kotbarabia.com.2001. 2

3. محمد عبد السلام ، ترتيبات الأمن الإقليمية في مرحلة ما بعد 11 سبتمبر / أيلول 2001 ، مجلة دراسات استراتيجية (العدد 127، صيف 2003) ، ص10.

4. حليمة بوزناد ، دلال أحسن، تأثير الأقليات على المن اٌلإقليمي في منطقة الشرق الأوسط: أكراد سوريا نموذجاً ، رسالة ماجستير عير منشورة (الجزائر: جامعة العربي تبسيي، كلية الحقوق والعلوم السياسية 2016)، ص21-22.

5. المرجع نفسه، ص23.

6. المركز الديمقراطي العربي، الأمن القومي العربي كجزء من الأمن الإقليمي الشرق أوسطي ''الأخطار وأدوار الفاعلين ، 15 كانون الأول / ديسمبر 2017 في http 

كلمات دليلية

الشركات المعلنة