انت هنا: الرئيسية جميع المقالاتدراسة الصراع العربي ـ الإسرائيلي: إدارة الصراع .. والردع الأعرج

الصراع العربي ـ الإسرائيلي: إدارة الصراع .. والردع الأعرج

انشأ بتاريخ: الأحد، 31 آذار/مارس 2019
  • يسود أدبيات السياسة والإعلام، بل وحتى الثقافة، في العالم العربي هذه الأيام ومن مدة غير قصيرة، مفهوم مختزل للصراع في المنطقة. هذا الصراع المختزل لوضعية حركة الصراع النشطة، في المنطقة، يعاني من مشاكل منهجية وسياسية وأخلاقية، كثيرًا ما يُغض النظر عنها، لأسباب لها دواعٍ سياسية لها علاقة بالأوضاع الداخلية لأطراف الصراع.. وكذا سياسات ومواقف القوى الدولية، من حالة الصراع ومدى قربها وبعدها من أطرافه.

تاريخيًا ولأسباب لها علاقة بطبيعة المنطقة الإنسانية والتضاريسية والثقافية، منطقة الشرق الأوسط، التي تمتد جغرافيًا من جنوب البلقان وهضبة الأناضول شمالاً.. إلى تخوم شبه القارة الهندية وبحر العرب جنوبًا.. ومنطقة وادي النيل، حتى حدود مصر الغربية غربًا.. وبلاد فارس وتخوم باكستان الشمالية في سفوح الهملايا شرقًا، تُعد من أكثر مناطق العالم توترًا، تعاني من حالة مزمنة من عدم الاستقرار والاضطراب، الذي يتجلى عنفًا في شكل حروب شاملة أحيانًا.. وأعمال عنف دون حروب نظامية شاملة في أحيانٍ كثيرة. هذه الأوضاع غير المستقرة التي تسود المنطقة، وخاصةً، قلب بؤرتها "البركانية" النشطة، في المنطقة العربية، تُعد من أهم مظاهر عدم استقرار المنطقة، بصورة قد تكون دائمة ومن سماتها الحصرية التي لا تشاركها فيها أي منطقة أخرى في العالم، من حيث مستويات التوتر وعدم الاستقرار عالية الخطورة، وتتجاوز المنطقة لتطال سلام العالم وأمنه.

 

المقصود، بظاهرة الاختزال المتعمد لحالة الصراع في بؤرته بالمنطقة العربية الشديدة السخونة، التي تعجز في تطوير تفسير منهجي وأخلاقي وإنساني وتاريخي لحالة الصراع تلك، مما يحول دون التعامل معها بمستوى خطورتها الاستراتيجية لأمن المنطقة بل والعالم. هذا الإصرار المتعمد بتجريد حالة الصراع في المنطقة من مسماها الحقيقي الاستراتيجي والأخلاقي والتاريخي الذي يتضمنه مفهوم الصراع العربي ـ الإسرائيلي، إلى مفهوم مبتور لا يعكس طبيعة وحركة الصراع وخطورته الاستراتيجية على أمن المنطقة والعالم، عن طريق تداول اصطلاح (الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي).

 

اصطلاح الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي المبتور لحالة الصراع التاريخي في أرض الرسالات، أخذ يُتداول هذه الأيام في الأوساط السياسية، ويُتردد في أدبيات بعض المثقفين في المنطقة والعالم.. وصباحًا مساءًفي وسائل الإعلام بكافة صورة، عوضًا عن الحالة الحقيقية للصراع، كونه صراعًاتمتد جذوره التاريخية لفترات أكثر سحقًا في تاريخ المنطقة، تتجاوز بحقب تاريخ الإنسانية المكتوب. 

 

الصهيونية القومية القُطرية

 

في تاريخ المنطقة الحديث، لم يشهد العرب إجماعًا ملزمًا بقوميتهم، منذ إرهاصات تطور قيم وحركة الدولة القومية الحديثة في مجتمعاتهم، من نهاية الحرب العظمى في نهاية العقد الثاني من القرن الماضي، التي تجذرت فعليًا، بنهاية الحرب الكونية الثانية، حتى قبل قيام الأمم المتحدة. لقد شاركت وفودًا رسمية للعرب تمثل خمس دولٍ عربية (جديدة)، هي: مصر السعودية العراق سوريا ولبنان في مؤتمر سان فرانسسكو. كانت تلك الدول الخمس من أوائل الدول التي وقعت على ميثاق الأمم المتحدة (٢٦ يونيو ١٩٤٥م)، لتصبح من الدول الخمسين المؤسسة للأمم المتحدة.

 

رغم هذا التطور "الدراماتيكي" في رسم خريطة المنطقة، منذ نهاية الحرب العظمى، الذي يجد أساسه في نشوء الدولة القومية الحديثة (عربيًا)، بعد ما يقرب من ثلاثة قرون ونصف من قيامها في أوروبا، عقب صلح وستفاليا ١٦٤٨م، الذي أنهى حروب الثلاثين عامًا في أوروبا، لم يتخل العربُ عن أصولهم ومرجعيتهم القومية، التي أكثر ما تجلت في التزامهم القومي بالقضية الفلسطينية، في مواجهة المشروع الصهيوني بإقامة دولة إسرائيل في فلسطين.

 

رأى العرب في المشروع الصهيوني بفلسطين خطرًا استراتيجيًا على أمنهم القومي، ربما قبل أن يصبح الحلم الصهيوني واقعًا، خلال قرنٍ من الزمان، عندما أعلن اليهود (رسميًا)، بزعامة تيودور هرتزل (١٨٦٠ -١٩٠٤م) في مؤتٍمر بازل بسويسرا ١٨٩٧م، عن مشروعهم الصهيوني بإقامة وطنٍ قوميٍ لهم في فلسطين. بعد أن فشل هرتزل في الحصول على موافقة السلطان العثماني عبد الحميد الثاني (١٨٤٢ -١٩١٨م) بالسماح لليهود بالهجرة إلى فلسطين، مقابل إغراءات مالية تضمنت التكفل بسداد ديون الإمبراطورية العثمانية ذهبًا،نجح الصهاينة في أوج الحرب العظمى الحصول من بريطانيا العظمى على ما أطلق عليه وعد بلفور (٢ نوفمبر ١٩١٧م)، بتأكيد دعم حكومة صاحب الجلالة من أجل تحقيق غاية اليهود أن يكون لهم وطنٌ قوميٌ في فلسطين.

 

قد تكون فكرة الدولة القومية الحديثة في العالم العربي تطورت بفعل قوىً استعمارية استعصى عليها التوسع في أرض العرب، غير تلك الظروف التي قادت لنشأتها في أوروبا، نتيجة لمخاض إقليمي عنيف بسبب حروب الثلاثين سنة التي طحنت أوروبا، في النصف الأول من القرن السابع عشر.. وانتهت بتوقيع صلح وستفاليا ١٦٤٨م، الذي يؤرخ لبداية نشأة الدولة القومية الحديثة في أوروبا. في المقابل: العرب، رغم ما يبدو من مواكبة تطورهم السياسي الحديث، لحركة التاريخ، بتوجههم نحو إقامة الدولة القومية الحديثة في مجتمعاتهم، إلا أن حلم الوحدة باستعادة لحمتهم القومية لم يخبو في ضميرهم وثقافتهم والخطاب الرسمي لدولهم، حيث كانت القضية الفلسطينية واسطة العقد لتطلع العرب لتحقيق وحدتهم، رغم الصعاب الكأداء، التي يمثلها واقع الدولة القومية الحديثة في مجتمعاتهم.

 

إحساس مبكّر بالخطر الصهيوني  

 

مهما كانت ظروف نشأة الدولة العربية القومية الحديثة، التي جاءت على أي حال، اتساقًا مع حركة التاريخ، بإيجابياتها وسلبياتها، إلا أن العرب استشعروا خطرًا وجوديًا بقيام إسرائيل في قلب أرضهم التاريخية وعلى حساب قومٍ منهم (الفلسطينيون)، رغم حالة "التشرذم" الإقليمي بينهم، الذي كان من أهم مثالب تطور واقع الدولة القومية الحديثة.

 

الملفت أن فكرة الجامعة العربية، رغم الزعم كونها مشروعًا بريطانيًا لإقامة كيان تكاملي هش بين الدول العربية الناشئة، أطاح بمشروع الدولة العربية الموحدة، التي وعد بها الإنجليز شريف مكة الحسين بن علي فيما عرف برسائل الحسين مكماهون، أثناء الحرب العظمى. إلا أنه من الناحية الاستراتيجية كان مشروع الجامعة العربية، الذي جاء عقب أول قمة عربية في مصر (قمة أنشاص ٢٨ -٢٩ مايو ١٩٤٦م)، أمنيًا في المقام الأول، حفزته إرهاصات المشروع الصهيوني بإقامةِ وطنٍ قوميٍ لليهود في فلسطين.

 

سبعة من بين تسعة قرارات صدرت عن قمة أنشاص، كانت عن الخطر الصهيوني الداهم على الأمن العربي، بدءًا من التنديد بالهجرة المنظمة لليهود إلى فلسطين، مرورًا بالالتزام القومي بالدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني، بالمال وكل الوسائل الممكنة، وبالتبعية: تأكيد التزام العرب القومي بقضية الشعب الفلسطيني العادلة.. واعتبار الخطر الصهيوني علىالفلسطينيين خطرًا استراتيجيًا على العرب جميعًا... وانتهاءً بتحذير الدول الداعمة للمشروع الصهيوني، بالتحديد بريطانيا وأمريكا اللتان ذُكِرَتا بالاسم، في أحدِ تلك القرارات، بأنهما تُمارسان سياسة عدائية ضد العرب. الملفت أيضًا، في قرارات قمة أنشاص التسعة تلك، أن جاءت فكرة إقامة كيان تكاملي عربي، الذي تطور فيما بعد بقيام الجامعة، في ذيل القائمة، أيضًا -وبصورة أساسية ملفتة -لغرض مواجهة الاعتداء الصهيوني الداهم.

 

قرارات قمة أنشاص كانت بمثابة جرس إنذار للخطر الاستراتيجي الداهم الذي كان يمثله المشروع الصهيوني، المدعوم من القوى الاستعمارية، والذي حكم الخطاب الرسمي العربي، حتى اليوم. لقد كان الحس القومي العربي، بخطورة قيام إسرائيل على أمن العرب وسلام المنطقة، مبكرًا، ولم تكن مصادفةَ تطوره مواكبًا لبزوغ نجم الدولة العربية القومية الحديثة، ربما من أجل استدراك سلبيات التشرذم العربي الذي مثلته صيغة الدولة القومية الحديثة على ضمير العرب وانجذابهم الغريزي لقيم وواقع الوحدة الوجودية. هذا الحس الأمني الذي أقلق العرب وهم يَرَوْن المشروع الصهيوني يقترب تحقيقه في فلسطين، الذي هو في حقيقة الأمر بمثابةِ استرجاعٍ لصراعهم الأزلي لمواجهة الخطر المزدوج الذي تمثله الحروب الصليبية، التي انتهت فعليًا عند استعادت القدس (٢ أكتوبر ١١٨٧م)، بعد ما يقرب من مائة عام على احتلال الصليبين لزهرة المدائن.

 

عاد الأوربيون في غزوة صليبية جديدة، بعد ما يزيد عن سبعة قرون ونصف من طرد صلاح الدين لهم من المشرق العربي.. الموجة الحديثة للحملة الصليبية، كسابقاتها الأولى، بداية الألفية الثانية في القرن الحادي عشر الميلادي، كانت تغذيها أساطير توراتية إنجيلية متزمتة كارهةً للسلام والإنسانية. عندما دخل الجنرال هنري غورو (١٨٦٧ -١٩٤٦م) قائد الجيش الفرنسي في نهاية الحرب العظمى والمندوب السامي للانتداب الفرنسي على سوريا ولبنان دمشق (غازيًا) ذهب رأسًا إلى قبر صلاح الدين وقال له: يا صلاح الدين أنت قلت لنا إبان الحروب الصليبية: أنكم خرجتم من الشرق ولن تعودوا إليه.. وها نحن نعود فانهض لترانا في سوريا.

 

كان العرب، واعون منذ بداية تحول مجتمعاتهم لقيم ومؤسسات الدولة القومية الحديثة، وحتى قبل تحول الفكرة الصهيونية لواقع على أرض فلسطين، بإعلان قيام الدولة العبرية (١٤ مايو ١٩٤٨م)، أن هناك تلازمًا طرديًا بين وجودهم كأمة وثقافة وحضارة، وبين وحدتهم القومية في مواجهة المشروع الصهيوني في سويداء قلبهم (فلسطين). لقد كانت أهم مؤشرات الحملة الصليبية الحديثة التي أطلقت صفارات إنذار الخطر الصهيوني القادم لتهديد أمن العرب القومي، وقبل قيام إسرائيل، ارتفاع وتيرة الهجرة اليهودية لفلسطين قبل وأثناء وعقب الحرب الكونية الثانية. وتُوِّجَ هذا الخطر الاستراتيجي الداهم على وجود العرب (دوليًا) بتبني الأمم المتحدة لقيام دولة إسرائيل في فلسطين، بقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم: ١٨١ (٢٩ نوفمبر ١٩٤٧م).

 

الحروب العربية الإسرائيلية

 

مهما كانت نتيجة الحروب النظامية الرئيسية الأربع بين العرب وإسرائيل (١٩٤٨، ١٩٥٦، ١٩٦٧ و١٩٧٣م)، والجدل الذي دار حولها، إلا أن تلك الحروب كانت تعكس أقصى درجات التوتر العنيف لحركة الصراع بين العرب وإسرائيل. تلك الحروب، التي اتخذت في معظمها، من الجانب الإسرائيلي "استراتيجيات" و"تكتيكات" العدوان، عكست الصفة التوسعية لإسرائيل، على حساب أراضي العرب وأمنهم القومي، بما يترتب على ذلك من اعتبار الدولة العبرية عنصر عدم استقرار خطير في المنطقة والعالم. إلا أن مسلسل الحروب النظامية الشاملة، بين العرب وإسرائيل، سرعان ما أسقط العرب خيارها، بالإعلان من جانب واحد: أن حرب ١٩٧٣م، كانت آخر الحروب النظامية مع إسرائيل! مع ذلك، فإن حالة الحرب الرسمية بين الدول العربية وإسرائيل ظلت قائمة، على مستوى النظام الرسمي العربي، حتى بعد أن اختارت دولٌ عربية، عقد اتفاقات ومعاهدات سلام، وخرجت فعليًا وعمليًا، من معادلة الصراع العنيف مع إسرائيل.

 

مهام كانت "الاستراتيجيات" و" التكتيكات" العربية في إدارة تلك الحروب، إلا أنها من الناحية السياسية والوجدانية والحضارية، كانت تلك الحروب تعكس ضمير الأمة وقلقها الوجودي من واقع قيام إسرائيل في قلب العالم العربي تلك الحروب، من الجانب العربي، كانت تعكس الخاصية (الشعوبية) لحالة الصراع الرسمي العنيف مع إسرائيل، والتي يصعب على النظام الدولي بمؤسساته وقيمه أن يتجاوز تلك الشرعية الشعوبية العربية، بخلفيتها السياسية والأخلاقية. ثم أن تلك الشرعية الشعوبية هي وراء هذا الصمود الحقيقي للقضية الفلسطينية في وجدان العرب القومي، بما لا يمكن تجاهله وتفادي آثار ذلك التجاهل السلبية على استقرار المنطقة والاطمئنان إلى سلام العالم وأمنه.

 

المقاومة الفلسطينية.. قطرية القضية!

في حقيقة الأمر لم يترك الفلسطينيون الجانب الوجودي لهم كشعب يمتلك وحده إرادة تقرير مصيره، وربط ذلك بتقلبات موقف العرب من أمنهم القومي وتذبذب مواقف القوى الدولية ونفاقها. لقد قرر الفلسطينيون، منذ مراحل متقدمة حمل لواء مقاومة المشروع الإسرائيلي، حتى قبل تطور التحول القطري في العالم العربي بقيام الدولة القومية الحديثة ولا نبالغ إذا قلنا: أن الحس المبكر لدى العرب بخطورة المشروع الصهيوني في فلسطين، كان بسبب ما بدا من إرهاصات ذلك المشروع من خطر داهم على حق الشعب الفلسطيني في السيادة على أرضه.

 

أول مقاومة حقيقية للمشروع الصهيوني في فلسطين، كانت بداية ثلاثينيات القرن الماضي، حيث لمس الفلسطينيون خطورة المشروع الصهيوني على هويتهم ووجودهم، وكانت المقاومة العنيفة لنظام الانتداب البريطاني، الذي أقرته عصبة الأمم على فلسطين، الذي كان يهدف في الحقيقة لتنفيذ وعد بلفور، في دعم المشروع الصهيوني بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، حينها لم يكن عدد اليهود يمثل ٥٪‏ من سكان فلسطين،وكانت ثورتي ١٩٣٣، ١٩٣٦م، من أعنف ثورات الفلسطينيين ضد الانتداب البريطاني، وكان الانتداب يعكس دور الدول الأوروبية، حتى قبل اندلاع الحربين العظميين  في زيادة وتيرة الهجرة اليهودية لفلسطين، وفقًا لمشروع أممي أوروبي، لتصفية المسألة اليهودية، في المجتمعات الأوروبية، بالإضافة إلى تحقيق مطامع الدول الاستعمارية في المنطقة العربية.

 

عندما وصلت استراتيجية التوسع الإسرائيلية إلى مداها الأقصى، وجرى احتلال كامل فلسطين، وأراضٍ من دول عربية في مصر وسوريا، في حرب الأيام الستة يونيو١٩٦٧م، ظهر لأول مرة في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي، في الجانب العربي، الميل ناحية تغليب الاعتبارات القطرية، لتتجاوز الاعتبارات الاستراتيجية القومية. عندها بدأ الفلسطينيون جديًا التّفكير في القيام بدورهم تجاه قضيتهم.

 

من جانب آخر، تنبهت بعض الدول العربية، التي خسرت أراضٍ لها في حرب ١٩٦٧م، إلى المتغير الفلسطيني، وخاصةً جانب الحركة العنيفة لما أطلق عليه المقاومة الفلسطينية، للاستفادة منه فيما أطلق عليه في مؤتمر الخرطوم بمصطلح إزالة آثار العدوان. قرارات مؤتمر الخرطوم (٢٩ أغسطس ١ سبتمبر ١٩٦٧م)، رغم ما اشتهرت به لاءاتها الثلاث (لا اعتراف، لا صلح، ولا تفاوض مع إسرائيل)، كانت أول "خطيئة" استراتيجية عربية، بنزع مركزية القضية الفلسطينية، لتتوارى خلف أولوية استرجاع أراضي الدول العربية.. وإلزام النظام العربي رسميًا بمساعدة الدول التي فقدت أراضٍ لها في تلك الحرب لاستعادتها، دون دعم فعلي وحقيقي للقضية الفلسطينية، حتى أنه جرى اعتبار ما تم احتلاله من بقية فلسطين، يأتي في ضمن ما خسرته الدول العربية من أراضٍ في تلك الحرب، بالذات في الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس.

 

شكلت المقاومة الفلسطينية في حركة الصراع العربي، ضغطًا استراتيجيًا وصل إلى عمق إسرائيل، ونجحت فيما فشلت في إنجازه الجيوش النظامية العربية في المقابل: نجح ما أطلق عليه حينها حركة الفدائيين الفلسطينيين في النيل من الجيش الإسرائيلي، حيث نجح الفدائيون في الوصول إلى عمق المدن الإسرائيلية والتجمعات الاستيطانية، لدرجة أنه في مرحلة متقدمة من المقاومة الفلسطينية، طالت يد الفدائيين مصالح إسرائيل وداعميها حول العالم، مما كان سببًا مباشرًا في تغيير أنظمة حكم وتقويض سياسات وتشكيل مواقف في كثير من الدول خارج نطاق الأطراف الرئيسية المباشرة للصراع العربي الإسرائيلي، كما حدث على سبيل المثال في إيران.

 

لقد صدرت عن المنظمة الأممية قرارات بعضها ملزمة لإدانة إسرائيل وممارساتها غير الإنسانية.. وكذا ممارساتها المخالفة للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، خاصةً محاولتها تغيير الطبيعة الجغرافية والسكانية في الأراضي المحتلة. حيث وصل الأمر ببعض تلك القرارات الأممية، أن وصمت إسرائيل كونها كيان عنصري.. وشبهت معاملتها للفلسطينيين، بتلك التي تمارسها حكومة جنوب إفريقيا العنصرية ضد السكان الأصليين، أي سياسة الفصل العنصري (الأبارتايد).

 

فلسطين: عبقرية الموقع.. وإرث التاريخ

 

استراتيجيًا وأمنيًا: حركة الصراع بين العرب وإسرائيل لا يقتصر عنفها على خيار الحروب النظامية.. ولا خيار المقاومة المسلحة من قبل الفلسطينيين، التي جرى تشويهًا أخلاقيًا، مؤخرًا، بتلويثها عمدًا بـ "جرثوم" الإرهاب، بل حركة الصراع العنيف في المنطقة تجد جذورها وقوة زخمها ودافع حركتها المستمرة في إسرائيل نفسها. نجد تفسيره في خلفية الدولة العبرية العنصرية المتطرفة، التي تضرب بجذورها سحيقًا في التاريخ وتحكمها أساطير غيبية تكمن في ضمير الشخصية اليهودية، تحكمت في سلوك وعزلة وبغض اليهود للإنسانية والسلام.

 

كان خيار إقامة وطن دولي لليهود في فلسطين يحقق للغرب غايتين استراتيجيتين. الأولى: التخلص من المسألة اليهودية في مجتمعاتهم، التي تاريخيًا، تُجمع على أهميتها الاستراتيجية مجتمعات أوروبا، بغض النظر عن أنظمتها السياسية، سواء كانت شمولية سلطوية، أم ليبرالية ديمقراطية. الاختلاف هنا فقط في درجة وكيفية التعامل مع المسألة اليهودية في تلك المجتمعات، وتصفيتها. الثانية: جعل من الكيان الصهيوني في قلب العالم القديم بثرواته وثقافته وحضارته وتنوع تركيبته الإنسانية وتراثه الأخلاقي والديني، رأس حربة لتصفية ثارات قديمة مع العرب.. واستعادة مواطئ قدم طالما دُقت أعناقهم وأسِيلت دماؤهم على ثرى أرضها.. ومن أجل استعادة ماضٍ تليد، كانت لهم الهيمنة فيه.

 

أرض الرسالات في فلسطين وما حولها، بطول وعرض أرض العرب، كانت مسرح الصراع العنيف بين قوى العالم الكبرى على مر التاريخ.. ومن يسيطر عليها يسيطر على العالم. هذه هي عبقرية المكان (فلسطين)، التي يجري الصراع حولها بين العرب وإسرائيل، لكن الخلل يكمن في اختلال ميزان القوى بين الطرفين، حيث أعيت حركة الصراع العنيف أحدهما، فاختار حالة الهزيمة النفسية والحضارية والإنسانية، دون أن تتم هزيمته في معركة فاصلة حقيقية.. بينما اختار الآخر الاحتفاظ بأدوات الصراع العنيف.. واحتكار إمكانات الردع التقليدي وغير التقليدي، لأن بقاءه واستمراره ووجوده، يعتمد على جعل حالة الصراع متقدة، بامتلاك زمام المبادرة، في أي وقت لتحرير عنفها وإطلاق طاقتها، حتى لو كان الثمن التضحية، باستقرار المنطقة، بل وحتى سلام العالم.

 

الردع الأعرج!

 

لم تتخل إسرائيل عن العنف ولا إمكانات ردعها التقليدية وغير التقليدية، في إدارة صراعها مع العرب. فهي لازالت متمسكة بخيار الحرب لحسم الصراع، بعد أن تخلى العرب عن خيار الحرب، بينما ظل خيار استخدام العنف بما فيه اللجوء إلى الحرب خيارًا استراتيجيًا رادعًا لإسرائيل، تستخدمه كما شاءت وأين شاءت ومتى شاءت.

 

إسرائيل اجتاحت لبنان ١٩٨٢م، ودخلت بيروت.. واحتلت أجزاءً منه لعشرين سنة، ويد إسرائيل الطويلة وصلت إلى بغداد ودمرت المفاعل الذري العراقي أوزيراك (٧ يونيو ١٩٨١م). وفي الأول من أكتوبر ١٩٨٥م، وصل الطيران الحربي الإسرائيلي إلى تونس ودمر مقر منظمة التحرير الفلسطينية في قرية حمام الشط راح ضحيتها ٦٨ قتيلاً وجرح ١٠٠ من الفلسطينيين والتونسيين، ووصلت قوة الردع الإسرائيلية إلى تونس مرة أخرى (١٦ أبريل ١٩٨٨م) لاغتيال قيادة رفيعة في منظمة التحرير الفلسطينية أبو جهاد (خليل الوزير) في بيته وداخل غرفة نومه، في قلب العاصمة تونس، حيث قامت فرقة كوماندوز إسرائيلية من ٢٠ عنصرًا تساندها غواصتين وقوارب مطاطية وطائرتي هليكوبتر، بالعملية وانسحبت من مسرح عنفها بسلام، الأمر الذي يشير إلى أن الردع لم يَعُد متبادلاً، بل أضحى يُمارس من جانب واحد. 

 

عملية تونس، لم تكن تستهدف اغتيال شخصية رفيعة بمثابة الشخصية الثانية في منظمة التحرير الفلسطينية بعد ياسر عرفات، بل في البعد الاستراتيجي لإدارة إسرائيل صراعها مع العرب، بالإعلان عن امتلاكها لإمكانات ردع استراتيجي تقليدي، يمكن أن تصل إلى أي بقعة في العالم العربي لفرض واقع وجودها بالقوة على حساب الأمن القومي العربي.

 

مشكلة الردع الأعرج الاستراتيجية

 

إلا أن هذا الردع، الذي لو جاز أن نصفه بالأعرج، لأنه يقوم على ساقٍ واحدة، يعاني من مشكلة استراتيجية وهيكلية وسياسية خطيرة، تجعله عاجزًا أن يحقق الهدف منه، أو يخضع أطرافًا، خارج نطاق محيطه الرسمي والعملياتي الضيق.

 من جانب إسرائيل، هذا الردع الأعرج، لا يوفر الأمن الذي تنشده، ولا يضمن القبول بها في منطقة، مزروعًا فيها كيانها عنوةً، دون روافد محلية أو إقليمية تمده بسبل الحياة. دعك من البقاء والاستمرار. حتى على مستوى النظام الدولي الأوسع، هناك افتقار مدقع بالشرعية السياسية والأخلاقية، اللازمة لأي نظام فعال للردع. كما أن إسرائيل وإن امتلكت أدوات الردع المادية، من قوى صلبة تقليدية أو غير تقليدية، إلا أنها تفتقر إلى الإرادة السياسية اللازمة لاستخدام تلك الإمكانات المادية، بصورة فعلية، إلا في حالات نادرة وبعيدة الحدوث، لها علاقة مباشرة ببقائها نفسه.

 

 

المشكلة الاستراتيجية في هذا الردع الأعرج في المنطقة بين العرب وإسرائيل، أنه لم يتمخض عن حرب شاملة فاصلة بين العرب والإسرائيليين، نتج عنها انتصارٌ ساحقٌ تمخض عن هزيمةِ ساحقة، لأيٍ من أطرافه. لم تنجح إسرائيل، رغم تفوقها الساحق عسكريًا وتقدمها العلمي تكنلوجيًا وصلاتها الوثيقة بقيم وحركة النظام الدولي وفعالياته المؤثرة، أن تفرض تصورها للسلام مع العرب، لا عنوةً.. ولا حتى مجازًا.

 

إسرائيل بالرغم من إمكانات الردع الهائلة التي تمتلكها، حقيقة أو محتملة، لا يمكن التأكد من وجودها، خاصةً شقها غير التقليدي، الذي يُقام على ما يُعرف باستراتيجية الغموض البناء، تعيش حالة من عدم الشعور بالأمن، ربما تتجاوز تلك التي عايشتها، وقت إعلان قيامها. مازال هاجس الأمن يؤرق مآقي الإسرائيليين على مستوى العالم، حتى أن هذا الهاجس عمق من شخصية اليهود المنعزلة والقلقة وغير المستقرة، التي حكمت علاقة اليهود ببقية أجناس وثقافات البشر، عبر التاريخ. إسرائيل من الناحية النفسية والاجتماعية والإنسانية، لا تعدو كونها "جيتو" كبير يعيش ضمن محيطات بشرية تتلاطم أمواجها، بفعل عواصف إقليمية ودولية، تعكس مناخًا غير مواتٍ لإقامة حياة اجتماعية مستقرة.. أو حتى كيان سياسي مستقر، قابل للبقاء والاستقرار.

 

قصور إمكانات الردع الإسرائيلية

 

اعتقاد البعض بامتلاك إسرائيل لإمكانات ردع تقليدية واحتمال امتلاكها لإمكانات ردع غير تقليدية، لا يعكس تميزًا استراتيجيًالإسرائيل، بقدر ما يعكس إرادة مواصلة الصراع من قبل الجانب العربي تاريخيًا واستراتيجيًا: كل الدول التي تمتلك، إمكانات ردع استراتيجية، هي دولٌ تمتلك عمقًا جغرافيًا ممتدًا زاخرًا بإمكانات طبيعية وإنسانية وافرة، تدعمها حضارة أو قيم حضارية تعكس ثقافة متجذرة تاريخيًا في ضمير ووجدان وسلوك شعوبها. بينما إسرائيل لا تمتلك شيئًا من إمكانات الردع الفعلية تلك. 

 

إسرائيل، هذا إن تجاوزنا لأغراض التحليل الذي تفرضه هذه الدراسة، كونها دولة... وهي لا تمتلك من عناصر الدولة مقوماتها الحقيقية، ليست لديها من إمكانات الردع الحقيقية الكثير. رغم أن إسرائيل، يمكن القول من الناحية العسكرية كسبت كل حروبها النظامية مع العرب، إلا أنها في حقيقة الأمر لم تستطع آلتها العسكرية، أن تتوغل كثيرًا في أراضي العرب الشاسع عمقها الاستراتيجي، في قارتين. إسرائيل فعلاً استطاعت أن تحتل كامل فلسطين وأراضٍ على تخومِ أربع دولٍ عربية حولها، إلا أنها لم تستطع أن تحتفظ بتلك الأراضي طويلاً، كما لم تنعم أمنياً ببقائها في الأراضي الفلسطينية، خارج خطوط هدنة حرب ١٩٤٨.

 

إسرائيل أُرغمت على التخلي عن كامل شبه جزيرة سيناء المصرية، بعد ربع قرن من احتلالها.. وعلى الانسحاب من لبنان، بعد أن وصلت إلى مشارف بيروت، واحتلال الجنوب اللبناني حتى الليطاني، لعقدين من الزمان.. والانسحاب من قطاع غزة عنوة بعد ثلاثة عقود ونصف من احتلال القطاع عقب حرب ١٩٦٧م.. وأُجبرت على قبول رفع العلم الفلسطيني على أراضي الضفة الغربية والقدس الشرقية.. وعلى الانسحاب من أراضٍ أردنية في غور الأردن، بعد البقاء فيها لمدة عقدين ونصف بموجب اتفاقية وادي عربة (٢٦ أكتوبر ١٩٩٤م)، التي أنشأت سلامًا باردًا مع الأردن. 

 

صحيح يد إسرائيل الطويلة وصلت إلى ما وراء خطوط المواجهة المباشرة في مسرح حلبة الصراع القريبة من حدودها مع الدول العربية، حيث وصلت إلى تونس وصنعاء وبغداد وعنتيبي قرب منابع النيل.. وزحفت جيوشها الجرارة إلى قلب بيروت، حتى وصلت في حرب ١٩٧٣م، إلى بعد ١٠٠ كيلو من القاهرة. إلا أن تلك العمليات العسكرية لم تعكس، من الناحية الاستراتيجية، إمكانات ردع حقيقية تستطيع أن تتحمل الدولة العبرية تكلفتها الاستراتيجية والاقتصادية والعسكرية والأخلاقية. هي كما وصف، الرئيس المصري أنور السادات، عبور القوات الإسرائيلية لقناة السويس في نهاية حرب أكتوبر ١٩٧٣م، بأنها عمليات عسكرية "تلفزيونية" أكثر منها تحولات حقيقية في ميزان القوى بين العرب وإسرائيل، تعكس إمكانات ردع حقيقية للدولة العبرية في إدارة صراعها مع العرب.  

 

لسنوات كانت المقاطعة العربية لإسرائيل، التي طالت فعاليات مهمة في النظام الدولي، فعالة وتعمل بكفاءة عالية في إدارة صراع العرب مع إسرائيل. ثم أن العزلة الدولية التي فرضها العرب سياسيًا، نجحت في دعم عدم مشروعية قيام إسرائيل نفسها.. ونجحت في استصدار قرارات إدانة من منظمات الأمم المتحدة توصم إسرائيل بالعنصرية وتدين احتلالها لأراضي الدول العربية وانتهاكها للسكان العرب في فلسطين والأراضي المحتلة. 

 

ليس على مستوى الإدارة غير العنيفة مع إسرائيل، نجح العرب في تجاوز ما يُزعم من إمكانات الردع الحقيقية والمحتملة للدولة العبرية، بل على مستوى الإدارة العنيفة للصراع نفسه. في نطاق غير نظامي محدود الإمكانات والحركة، نجحت حركة المقاومة الفلسطينية، من إبقاء جذوة الصراع العنيف متقدة مع إسرائيل، رغم محاولة تلويث حركة المقاومة ضد إسرائيل، مؤخرًا، بـ "جرثومة" الإرهاب. يكفي القول هنا أن المقاومة نجحت في وضع حدٍ لاحتلال إسرائيل للجنوب اللبناني، جنوب الليطاني، بعد احتلاله لقرابة عقدين من الزمان. في المقابل: نجحت المقاومة الفلسطينيةفي إرغام إسرائيل علىالانسحاب من قطاع غزة، بعد احتلاله من قبل إسرائيل، لمدة ثلاثة عقود ونصف.

 

الملفت أن المقاومة الفلسطينية، لم تنجح في فرض انسحاب عسكري إسرائيلي مذلٍ من قطاع غزة، بل كونها في حقيقة الأمر، تواجه تحديًا مزدوجًا، في شكل حصارٍ قاسٍ، جعل من القطاع سجنًا كبيرًا لأكثر من مليون ونصف إنسان، في أكثر مناطق العالم اكتظاظًا بالسكان. مع كل ذلك العنت الذي يواجهه الفلسطينيون في حالة الحصار المحكم على قطاع غزة، فشلت إسرائيل في عمليات عسكرية شاملة استمرت كل واحدة منها أيامًا بل أشهرًا، في إخضاع القطاع.

 

في غضون ذلك تسعى بعض الأطراففي المنطقة إلى إدارة الصراع وفقًا لما يسمى بالنظرية الواقعية وارتفاع تكلفة استمرار حالة الحرب المجمدة. كما أن البعض يجادل: أن "السلام" مع إسرائيل، يحفز لتعاون إقليمي، تستفيد أطرافه من إمكانات التعاون بينها، في الجوانب الاقتصادية والعلمية والتكنولوجية، مما يتكفل، مع الوقت، بالتخلص من جذور هذا الصراع التاريخي والثقافي والجغرافي والإنساني، ومن ثَمّ إقامة "سلام" في المنطقة. سلام مثل هذاحتى لو كان الثمن قضية الشعب الفلسطيني، والقدس.

 

تعدد الأدوات والحرب ليس الخيار الوحيد

 

الخطر الاستراتيجي الحقيقي في حالة سيادة الردع الأعرج بين العرب وإسرائيل، ليس جانب احتمالات حركته العنيفة، بقدر ما تعكسه الوضع غير المعلن لواقع إسرائيل بدعوى اختبار خيارات غير عنيفة للتعامل مع الدولة العبرية، على أمل خادعٍ.. وليس بالضرورة وفق شروط وضعها النظام العربي وأعلن التزامه بها من أعلى منابر مؤسساته القومية الرسمية (القمة العربية) لتصور أي حالة لسلام متوقع مع الدولة العبرية. 

 

من حالة أولوية إزالة آثار العدوان، بالرغم من قصورها القطري المعيب، التي جاءت في لاءات قمة الخرطوم عقب حرب الأيام الستة يونيو ١٩٦٧م، إلى إمكانية تصور إقامة علاقات طبيعية مع إسرائيل، تتجاوز اتفاقات السلام الموقعة بين إسرائيل وبعض الدول العربية، والعرب يفقدون يوميًا أوراق إدارتهم للأزمة ورقة، ورقة، في مواجهة تعنت إسرائيلي مدعوم بموقفٍ دوليٍ يتنامى مع الوقت، من أجل تحقيق غاية الصهاينة من إقامة وطنٍ قوميٍ خالصٍ لليهود في فلسطين. 

 

الحلم الإسرائيلي، لن يصبح حقيقة، إلا إذا تم تجريد العرب، من كافة إمكانات ومبررات صراعهم مع إسرائيل، بتصفية قضيتهم المركزية، بخلفيتها الجغرافية والتاريخية والحضارية والإنسانية والاستراتيجية، بالتدريج بدعوى البحث عن سبل السلام في المنطقة، بعيدًا عن الحرب أو التهديد بالحرب، وكأن الحرب هي الأداة الوحيدة لإدارة الصراع، لتحقيق الغاية من حركته، وإن كان خيار الحرب من الضروري أن يكون مطروحًا، تفرض واقع الحاجة إليه حركة الصراع نفسها، كأحد أدواتها المُحتملة، لكن ليس الخيار الوحيد.

 

لقد جرت عملية تسويق هاجس إسرائيل الأمني، من مرحلة فرض واقع احتلالها للأراضي العربية بموجب تفهم سياستها التوسعية في البحث عن حدودٍ آمنة، لمرحلة فرض هيمنة إقليمية لإسرائيل في المنطقة، حتى مع غياب تسوية لقضايا الصراع المعلقة، من المطالبة بزوال الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية المحتلة. إلى التخلي عن منطلقات القضية المركزية، بما تشمله من قضايا عودة الفلسطينيين ووضع القدس، بل وحتى احتمالات إقامة شبه دولة فلسطينية.

 

في السنتين الأخيرتين، تبنت إدارة الرئيس ترامب سياسة غير تقليدية، تخالف مواقف الولايات المتحدة الرسمية، من الصراع في المنطقة، حتى في صورته المختزلة باعتباره صراعًا بين إسرائيل والفلسطينيين، من أجل تصفية القضية المركزية لأزمة الشرق الأوسط، تمهيدًا لما يُطلق عليه صفقة القرن. لقد عمدت إدارة الرئيس ترامب إلى اتخاذ إجراءات غير تقليدية، من شأنها تصفية القضية الفلسطينية... بل وحتى المساومة على أراضٍ عربية تحتلها إسرائيل خارج حدود فلسطين التاريخية.

 

البداية كانت الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة والقنصلية الأمريكية من تل أبيب والقدس الغربية إلى القدس الشرقية. الخطوة الثانية، كانت سحب اعتراف واشنطن بالسلطة الفلسطينية، وغلق مكاتبها الدبلوماسية والقنصلية في الولايات المتحدة، مما يعني عمليًا سحب الولايات المتحدة لمبادرة حل الدولتين، التي أعلن عنها من مكتبه البيضاوي في البيت الأبيض الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الابن في: ٢٤ يونيو ٢٠٠٢م. وكذا: سحب الولايات المتحدة لمعاونتها السنوية المقررة، منذ ما يقرب من سبعين سنة، لوكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، مما يعني عملياً تصفية قضية اللاجئين الفلسطينيين.

 

الخطوة الثالثة، والأخيرة، في مسلسل تصفية القضية الفلسطينية، تمهيداً لتطبيق مشروع صفقة القرنيتضمن اعتراف الولايات المتحدة بضم الأراضي العربية لإسرائيل، التي احتلتها عقب حرب الأيام الستة ١٩٦٧م، وتشمل كامل فلسطين، بما فيها القدس الشرقية، والجولان السورية ومزارع شبعا اللبنانية، وما قضمته إسرائيل من أراضٍ أردنية في وادي عربة والجليل الأعلى من الحدود اللبنانية مع فلسطين.  

 

وقد لا تكون مصادفة تاريخية أن ينتقل جرثوم التطبيع مع إسرائيل في جسد الأمة العربية، بفعل متغيرات خارجية، شأنه شأن منطلقات نشأة الدولة القومية الحديثة في الوطن العربي، مع ما صاحب ذلك من إقامة المشروع الصهيوني في قلب العالم العربي (إسرائيل). التطبيع من الناحية التاريخية، لم تكن الحاجة إليه تم فرضها بقوة وتحت ضغط ما يُزعم من تفوق استراتيجي إسرائيلي لا قبل للعرب في مجارات إمكاناته الرادعة، بقدر ما جاء عن طريق تسويق فكرة "تشجيع" إسرائيل الاقتراب من عقد سلام مع العرب، يقوم أساسًا على التعامل بكفاءة عملية من هاجس الأمن الذي يؤرقها. تمامًا، كما كانت حجة مساعدة إسرائيل "الحَمَل الوديع" "واحة" الديمقراطية في المنطقة في الدفاع عن نفسها، من "الذئب العربي" المتربص بها من جميع الجهات، لتبرير تحقيق استراتيجية تفوق إسرائيل النوعي على بقية الجيوش العربية مجتمعة. 

 

بتفاعل تلك الاستراتيجية بتسويق المشروع الصهيوني في المنطقة، شيئًا فشيئًا، لتحقيق ما وصفه وزير الدفاع الإسرائيلي الأشهر موشي ديان (١٩١٥ -١٩٨١م)، عندما وصف البعد الاستراتيجي لحرب الأيام الستة عام ١٩٦٧م، بقوله: الآن دخل الخيط الإسرائيلي في النسيج العربي. وعندما سئلت يومًا رئيسة وزراء إسرائيل العتيدة غولدا مائير (١٨٩٨ -١٩٧٨م) عن تصورها عن السلام مع العرب، قالت: عندما أستطيع أن أذهب إلى القاهرة في الصباح وأتسوق ما أحتاجه، لأتناوله مع أسرتي على الغداء، في تل أبيب. 

 

لم تنجح اتفاقات السلام المجتزئة، في إقامة ذلك السلام الذي كان في مخيلة النخبة السياسية الحاكمة في إسرائيل، منذ قيامها وإلى اليوم، كما عبر عنه بصورة مجازية في غاية البلاغة السياسية والأدبية، كلٌ من موشي ديان وغولدا مائير. إسرائيل تريد سلامًا يصل لدرجة الاستسلام منبتاً تماماً عن ذلك الذي جاء في مبادرة العرب بقمة بيروت العربية ٢٠٠٢م، عندما عرض العرب سلامًا مع إسرائيل.. أو ذلك الاقتراب الذي بادرت به بعض الدول العربية الأخرى لفتح قنوات للاتصال مع إسرائيل، سرعان ما تم غلق بعضها، بينما بقي البعض الآخر مواربةً أبوابه، هي أقرب إلى الإغلاق منه إلى الفتح. 

 

ثم أن هناك مشكلة سياسية،فإسرائيل نفسها، أخذت تطالب ما هو أبعد من التطبيع معها.. وتتمانع في الإقدام عليه، وتتردد في المطالبة به. إسرائيل تنظر نظرة استراتيجية واقعية للعلاقة مع العرب، تحكمها معطيات تاريخية وإنسانية وثقافية تتجاوز مقدرة أي إرادة عربية رسمية يمكن أن تقدم على التزامات سياسية بفرض حالة تطبيع مع إسرائيل لا تستند إلى ظهير شعبي حقيقي، يمكن أن يقبل بأي تسوية سلام لا تأخذ في الاعتبار منطلقات الصراع الأزلي مع إسرائيل، الذي تحكمه منطلقات تاريخية وإنسانية ودينية، لا يمكن التنازل، لمجرد الخضوع لواقعية غير حقيقية، تتجافى منطق الدولة وحركة التاريخ.

 

الخاتمة

في غياب حسم جذري للصراع، لا يمكن الزعم بانتهاء حالة الحرب الفعلية بين العرب وإسرائيل.. ولا يمكن عمليًا: إقامة سلام دائم في المنطقة. اقتراب الصراع المختزل، بين طرفين أحدهما قوي والآخر ضعيف معزول، لن يأتي بالأمن للقوي.. ولن يضمن حقوق الضعيف... وتستمر حركة الصراع.. وتسود حالة عدم الاستقرار في المنطقة، ويمتد العنف إلى آفاقٍ غير تقليدية مدمرة، حتى في ظل ردع أعرج بساقٍ واحدة. حتى وإن ظل الفلسطينيون فريسة استفراد الصهاينة، لن تنعم المنطقة بأمن حقيقي، ولن تأخذ من إسرائيل أكثر مما ينتقي الصهاينة، مقابل ابتزاز رخيص لأمن المنطقة وثرواتها وقيم حضارتها... بل وحتى مستقبل وجودها الحضاري والإنساني والنوعي.

 

وجود إسرائيل في سويداء قلب الأمة العربية (فلسطين)، هي قضية تتجاوز نطاق حيزها الجغرافي الضيق، رغم غناه الثقافي والحضاري وما يعنيه لأطرافه المباشرين... إلى قضية إقليمية محورية، يفشل في التعامل معها منطق الدولة القومية الحديثة، إلى آفاق أممية واسعة وغنية، تحكي تاريخًا طويلاً من الصراع على أرض السلام والرسالات. قضية الصراع في المنطقة هي في حقيقة الأمر قضية تحكي تاريخ الإنسانية، في الثلاث آلاف سنة الأخيرة.. وقبل تسجيل حركة التاريخ كتابةً، في أدبيات وملاحم، بحثًا عن السلام وانتصارًا لإرادة الإنسان الحرة. 

 

لقد جرب العرب، طوال سبعة عقود، إدارة صراعهم مع إسرائيل بمنطق الدولة الضيق، وكانت النتيجة، أن تغلب منطق الدولة الضيق على سلوك فعاليات النظام العربي الرسمية، في إدارة صراع العرب مع إسرائيل، وكانت النتيجة: تواصل التنازلات عن القضايا التي تحكم الصراع مع إسرائيل، بينما بقيت جذوة الصراع كامنة في ضمير الأمة، بعيدًا عن الخيارات والبدائل الرسمية لإدارة الصراع.

 

حتى لو وصل اختزال حركة الصراع إلى منتهاه.. وَقّاد إلى تصفية القضية والمساومة على حقوق الفلسطينيين.. والتنازل عن حقوق العرب في القدس.. والرضا بواقع القبول بالقدس عاصمة أبدية لإسرائيل، والاعتراف بالهوية القومية لدولة إسرائيل باعتبارها وطن خالص لليهود من النهر إلى البحر.. والإقرار بتصفية قضية العودة للفلسطينيين ونزع صفة الاحتلال من الوجود الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية والقدس والجولان كما يريد ترامب، فإن هذا لن يرضي إسرائيل.. ولن يدفعها للتقليل من وطأة عدائها التاريخي للعرب، ولا يخفف من نار الثأر التي تتأجج في ضمير وجدان اليهود، منذ أكثر من ثلاثة آلاف سنة، تاريخ خروجهم الكبير من مصر.. ولا تاريخ خروجهم المذل القريب، من ١٤ قرنًا من شبه جزيرة العرب. 

 

الصراع مع إسرائيل يتطلب الخروج من ضيق القطرية الضيقة إلى رحابة القومية وفضائها الواسع، لينظروا بإنعام وتبصر وحكمة وواقعية حقيقية إلى الخطر الاستراتيجي الماحق والناجز لوجود إسرائيل، على مصيرهم الوجودي والثقافي والحضاري وإرثهم الديني، الذي جعل منهم خير أمة أخرجت للناس.

 

عندها فقط ينتصر العرب على المشروع الصهيوني في المنطقة.. ويتحقق لهم أمنهم القومي الحقيقي.. وتعود حركة التاريخ إلى مسارها الصحيح، ويسود السلام أرض الرسالات.. وتنعم الإنسانية بالأمن، أرجاء المعمورة.  

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*محلل سياسي وأستاذ العلوم السياسية بجامعة الملك عبد العزيز ـ جدة 

كلمات دليلية

الشركات المعلنة