انت هنا: الرئيسية جميع المقالاتتقرير خاصمستقبل أمن الطاقة ودينامية العلاقات الدولية في ظل التحول للطاقات المتجددة والبديلة

مستقبل أمن الطاقة ودينامية العلاقات الدولية في ظل التحول للطاقات المتجددة والبديلة

انشأ بتاريخ: الثلاثاء، 14 أيار 2019

تحتل الموارد الطاقوية أهمية قصوى في تشكيل ملامح المشهد الجيوسياسي، ولها انعكاسات بالغة الأهمية على العلاقات الدولية؛ حيث كانت ولا تزال مصدرًا للأزمات والحروب الإقليمية، إذ لا يمكن تصور استمرار رفاه الدول الصناعية دون ضمان المنافذ إلى موارد الطاقة المختلفة. من هنا أضحى أمن الطاقة ضمن مقاربات الأمن الدولي والعلاقات الدولية.

وتسعى الدول إلى ضمان مستقبل شعوبها، من خلال العمل على توفير بدائل للطاقة تضمن لهم العيش الكريم والمستدام، ولم يعد الاستثمار في الطاقات المتجددة رفاهية فحسب، بل أصبح حاجة لا بد منها اقتصاديًا وبيئيًا.فالطاقات غير المتجددة وأهمها النفط مهددة بالنضوب حسب الدراسات الاستشرافية قبل نهاية القرن الواحد والعشرين على أكثر تقدير، يقابلها طلب متزايد على الطاقة عالميًا. بالإضافة إلى تهديدات المناخ وتقلباته.

ويؤكد علماء الجيولوجيا أنه وقبل نهاية هذا القرن، سيؤدي الإفراط في استخراج المعادن إلى نضوب احتياطي الكوكب كله. ولذلك فإن الطاقات المتجددة كالطاقة الشمسية والرياح والمياه والطاقة الحيوية والنووية والطاقة المستخرجة من النفايات، مرشحة وحدها لسد النقص العالمي لاستهلاك الطاقة المتنامي حاليًا، وإحلالها تدريجيًا مكان الطاقة الأحفورية لدى نضوبها، وهو ما تعمل عليه الاقتصاديات العالمية الكبرى في إطار الحفاظ على ديمومة أمنها الطاقوي.

 

v    الأمن الطاقوي والعلاقات الدولية ... بين المفهوم والتحديات

يعتبر مفهوم الأمن في العلاقات الدولية من أكثر وأهم المواضيع إثارة للجدل باعتباره قيمة ملازمة للإنسان وسيادة الكيانات منذ القدم، ويمكن اعتباره من بين أهم المحدّدات التي تحكم سلوك الأفراد والجماعات، فهناك الحديث عن أمن الأفراد أو الأمن الإنساني، والأمن القومي بالنسبة للدول.

ولقد عرّفت دائرة المعارف البريطانية الأمن بأنه حماية الأمة من خطر تهديد قوى أجنبية؛ أي تأمين الدولة داخليًا ودفع التهديد عنها خارجيًا. ويعتبر هذا المفهوم تقليديًا، ساد خلال القرن الماضي أين كان التهديد العسكري واضحًا ومسيطرًا، واستمر إلى غاية نهاية الحرب الباردة؛ أمّا وقد برزت تحدّيات وتهديدات جديدة بعد هذه الفترة، فظهرت مفاهيم جديدة للأمن تأخذ في الحسبان هذه التحديات تتعلق أساسًا بالجوانب الاقتصادية والبيئية والتي نواتها الأساسية الطاقة والموارد الطبيعية، أو ما يعرف بالأمن الطاقوي.

تعّرف الأمم المتحدة أمن الطاقة بأنه الحالة التي تكون فيها إمدادات الطاقة متوافرة في كل الأوقات وبأشكال متعددة، وبكميات كافية وأسعار معقولة؛ وبذلك فإن قضايا الأمن الطاقوي تتأرجح بين وفرة الإمدادات وفي كل الأوقات وبأسعار معقولة. ويعتبر هذا المفهوم تقليديًا يخدم مصالح المستهلكين للطاقة على حساب المنتجين لها؛ فموضوع أمن الطاقة يجمع بين العديد من المتغيرات والعوامل الاقتصادية والسياسية والأمنية والبيئية، مثيرًا بذلك جملة من التحديات الجيوستراتيجية على عدة مستويات محلية وإقليمية ودولية، وهو ما يتماشى مع المفهوم الجديد للأمن الطاقوي الذي يشمل إضافة إلى الجوانب الاقتصادية، المجالات البيئية والأمنية والسياسية.

يرتبط مفهوم الدول المنتجة والمصدرة للأمن الطاقوي بمفهوم بقاء الطلب عند حدوده القصوى مع السعي لإبقاء العرض أقل من الطلبّ بغرض تحقيق زيادة في عمر احتياطاتها، إضافة إلى ضمان أسعار مرتفعة تزيد من إيراداتها المالية، بينما يرتبط مفهوم الأمن الطاقوي لدى الدول المستهلكة والمستوردة للطاقة باستقرار الأسعار في مستويات دنيا، وذلك عبر سياسات خفض الطلب على الطاقة لجعل المعروض منها أكبر من الطلب، كما أنها تعمل في سبيل الحفاظ على أمنها الطاقوي على تنويع مصادر الطاقة بإحلال الطاقات المتجددة والبديلة.

يمكن أن نلاحظ تقليديًا قدرًا من التّباين في تعريف أمن الطاقة بين منظور الدول المستوردة والمستخدمة للطاقة، ومنظور الدول المنتجة والمصدرة لها، خاصة مصادر الطاقة التقليدية، وعلى نحو أخص النفط والغاز الطبيعي،اللذان لايزالان يمثلان أكبر وأهم مصادر الطاقة حتى الآن، وذلك رغم تنامي اهتمامات الدول المختلفة خاصة المتقدمة منها بمصادر الطاقة الجديدة والمتجددة.

ولأن الدول الأكثر استيرادًا واستهلاكًا للطاقة التقليدية ممثلة في الولايات المتحدة ،والصين،والدول الأوروبية، كانت ولا تزال الدول الكبرى والأقوى في العالم، فإن منظورها لقضية أمن الطاقة هو المنظور الأقوى والأكثر تأثيرًا في صياغة ذلك المفهوم طوال القرن العشرين وحتى الآن بدرجة كبيرة. وفي المقابل فإن أكبر الدول إنتاجًا للنفط ممثلة في روسيا،ودول مجلس التعاون الخليجي،وإيران،والعراق،ودول آسيا الوسطى. وهي كلها باستثناء روسيا ليست دولا كبرى، بل تعتمد في قوتها الاقتصادية بالأساس على مواردها النفطية. ومعنى هذا أن لأمن الطاقة منظورًا آخر يتمثل في استمرار عملية إنتاج النفط والغاز وعرضهما للبيع بأسعار جيدة من منظور مصالح تلك الدول المنتجة والمصدرة. ولأن ثمة فارقًا كبيرًا في القوة بين كبرى الدول المستوردة والمستهلكة للنفط والغاز الطبيعي، وكبرى الدول إنتاجًا وتصديرًا، فإن منظور الدول المستوردة والمستهلكة للنفط ظل هو المنظور الأهم والأكثر سوادا في النظر إلى مفهوم أمن الطاقة.ومن الملاحظ هنا أن السيطرة على أسواق النفط العالمية وتحديد سعر برميل النفط ظلا تحت سطوة الدول الكبرى المستوردة والمستهلكة له حتى عام1974.مفقبل ذلك التاريخ لم يكن للدول المنتجة رغم إنتاجها لمعظم النفط المتاح عالميًا أي تأثير في سوق النفط. وظل برميل النفط يعرض ويباع بثلاثة دولاراتوهو سعر متدنّ يخدم مصالح الدول المستوردة المستهلكة ولم يكن يخدم مصالح الدول المنتجة والمصدرة.

ولم يتغير ذلك الوضع إلا بعد حرب أكتوبر1973م،التي حققت فيها الدول العربية لأول مرة في العصر الحديث إنجازًا تاريخيًا عسكريًا،وهو ما مكّن دول الخليج العربي من اتخاذ قرارغير مسبوق بفرض حظر نفطي على الدول الغربية التي كانت قد ساعدت إسرائيل عسكريًا بشكل مباشر أثناء الحرب، وكان التأثير الأكبر لذلك القرار العربيغير المسبوق على الولايات المتحدة الأمريكية. ونتيجة لذلك حدثت طفرات كبيرة في أسعار برميل النفط، وبدأت الدول المنتجة للنفط في الخليج العربي وخارجه في الاستفادة من آثار ذلك القرار، بل وتقرير مزيد من الزيادات في أسعار برميل النفط الخليجي. ولأول مرة تم تنشيط منظمة الدول العربية المصدّرة للبترول (أوابك - OAPEC). في المقابل أنشأت الدول المستوردة للطاقة منظمة دولية موازية تمثلت في وكالة الطاقة الدولية في منتصف سبعينيات القرن العشرين،لكي تنسق علاقات التعاون فيما بين تلك الدول حتى تستطيع مواجهة سياسات ومواقف منظمة "أوبك" والدول المنتجة المصدرة للبترول.

وبذلك يمكن ملاحظة أنه مع توسع نطاق العلاقات الدولية، اتسع بدوره نطاق مفهوم أمن الطاقة عما كان عليه خلال القرن العشرين. فلم يعد المفهوم مقتصرًا على تحقيق مصالح الدول الكبرى المستوردة للطاقة والمستهلكة لها، وإنما امتد المفهوم ليضم إلى جانب ذلك مصالح الدول المنتجة للنفط والمصدرة له،التي بدأت تسعى إلى إحكام سيطرتها على قطاع الطاقة وأسواقه. كما يرتبط بتغير خريطة الطاقة العالمية تغير بنية منظومة عرض مصادر الطاقة وإمدادها، خاصة مع بروز الطفرة الكبيرة في الطاقة الصخرية لدى كل من الولايات المتحدة الأمريكية،وجمهورية الصين الشعبية. وفي المقابل يتصاعد الطلب العالمي على مختلف مصادر الطاقة خاصة مع ظهور مستهلكين كبار مثل الصين والهند. وفي الإجمال فقد بات أمن الطاقة تحكمه العديد من المتغيرات التي تلقى آثارًا متباينة.وهكذا تتعدد وتتنوع أبعاد مفهوم أمن الطاقة.

وفي إطار هذين المفهومين المتضادّين للأمن الطاقوي والعلاقات الدولية الناتجة عن هذا التضاد، تتعدد التحديات التي يواجهها أمن الطاقة في العالم. والتي قد تكون جيولوجية، أو تقنية، أو اقتصادية، أو جيوسياسية، أو بيئية.وترتبط التحديات الجيولوجية بنضوب مصادر الطاقة التقليدية، فتبرز أهمية الاكتشافات التكنولوجية في مجالات البحث والتنقيب، والتحول إلى الطاقات البديلة.

وتتمثل التحديات التقنية في الأعطال التي قد تصيب الأجهزة،جراء العوامل المناخية. وتزيد احتمالات هذه التحديات مع قلة الاستثمار في هذا المجال، بما يؤدي إلى انخفاض منتج التنقيب أو النقل.

وتتعلق التحديات الاقتصادية أساسًا بتذبذب أسعار الطاقة في الأسواق العالمية. مما قد يضر بالمنتجين في حالة ما إذا انخفضت أسعارها، وبالمستهلكين في حالة ارتفاع أسعارها.

أما عن التحديات الجيوسياسية فتبرز في توقف إمدادات الطاقة من دولة ما،نتيجة لاندلاع حرب أهلية (حالة ليبيا وإمداداتها للدول الأوروبية،خاصة إيطاليا)، أو وقوع هجمات إرهابية. وقد ثبت أن المخاطر الجيوسياسية في الشرق الأوسط (وهو منطقة إنتاج كبرى ورئيسية) هدفها الأساسي هو السيطرة على منابع وحقول النفط والغاز، وهو ما تجلى في الغزو العراقي للكويت بين عامي1990و1991م،ومن قبلها الحرب العراقية - الإيرانية ما بين عامي1980و1988م،وغزو الولايات المتحدة للعراق واحتلالها له في عام2003.مولم يكن النفط هو الدافع الأول أو الأهم لتلك الحروب، ولكن من الحقيقي أيضًا أن تلك الحروب مثلت تحديات ومخاطر وتهديدات لأمن الطاقة، وهي تهديدات ذات طبيعة جيوسياسية لا يمكن إنكارها،أو تجاوزها،أو التغاضي عنها. أما المخاطر البيئية فتنتج عن حوادث تسرّب نفطي أو إشعاعي يترتب عليه تأثير سلبي في أمن الطاقة.

ويمكن القول أن أمن الطاقة لا يتحقق إلا بتنويع مصادرها وذلك بالتحول إلى الطاقات المتجددة، وبالتعاون الدولي لتطوير البحث والتكنولوجيا في ذلك المجال، وبخدمة المصالح المشتركة أو المتبادلة دوليًا لكل الأطراف المنتجة والمصدرة، أو المستهلكة والمستوردة.

v    التحول إلى الطاقات المتجددة والبديلة... هل هو السبيل لضمان الأمن الطاقوي العالمي المبني على دينامية جديدة في العلاقات الدولية؟

ازداد الطلب على الطاقة منذ بداية القرن الواحد والعشرين بظهور قوى دولية جديدة تضاعف حجم طلبها على الطاقة بنسب كبيرة، ومن أهم هذه القوى بعض الدول الصناعية في قارة آسيا كالصين والهند، وبعض دول جنوب شرق آسيا؛ حيث أن الدراسات تنمّ عن أن طلب قارة آسيا على الطاقة في عام 2035 م، سيكون ضعف ما كان عليه في عام 2008م، وعلى ضوء الدراسات الاستشرافية التي تشير إلى تقديرات تخص قرب نضوب مصادر الطاقة التقليدية المتمثلة أساسًا في النفط والغاز، أضحى من الضروري السعي لزيادة الاستثمار في الطاقات المتجددة والبديلة والمتجددة بهدف تلبية الاحتياجات المتزايدة للطاقة من جهة، والاعتماد على طاقة بديلة غير قابلة للنضوب وتسهم في الحفاظ على البيئة وتضمن الاستدامة المطلوبة من جهة أخرى، والتي من المنتظر أن تسهم أيضًا في تحقيق الأمن الطاقوي العالمي على المدى البعيد.

بالرغم من أن استخدام الطاقات المتجددة عالميًا لا يتم حاليًا إلا بنسبة 20% مقارنة باستخدام الطاقات التقليدية غير المتجددة التي تمثل 80% من احتياجات البشرية رغم أنها طاقات ملوّثة للبيئة وناضبة؛ إلا أن أغلب دول العالم تتجه إلى تطوير تكنولوجيا استخدام الطاقات البديلة كونها صديقة للبيئة وتساعد على تحقيق الاستدامة.

وتعبّر الطاقات المتجددة عن تلك الطاقات الناتجة عن مصادر غير أحفورية وملوّثة للبيئة، ولكن تنتج من مصادر طبيعية نظيفة تتميز بالتجدد والاستمرارية والديمومة حيث أن استغلالها لا يؤدي إلى نضوبها، كما أنها قليلة التلويث للبيئة، وتسمى الطاقات البديلة كونها البديل عن الوقود الأحفوري المحترق. ومن أهم مصادر الطاقة المتجددة الطاقة الشمسية التي تتميز بنظافتها وديمومتها وتجددها، وتستقبلها الأرض بشكل ثابت نسبيًا، كما أن طاقة الرياح تعتبر من أهم الطاقات البديلة وتستخدم أساسًا لتوليد الكهرباء، وهي طاقة غير ملوّثة ولا تستهلك الطاقة الحرارية بتاتًا ولا تؤدي إلى انبعاث الغازات. إضافة إلى هذا فإن الطاقة النووية تعتبر من الطاقات التي يعوّل عليها كثيرًا في القرن الحالي بالنظر لكفاءة وضخامة إنتاجيتها؛ حيث تسهم بحوالي 20% من مصادر الطاقة العالمية، ويستخدم جزء كبير منها في إنتاج الطاقة الكهربائية، ونظرًا لارتباطها باليورانيوم وهو مصدر قابل للزوال فإنها تعتبر طاقة بديلة لكنها غير متجددة. وتعدّ الطاقة المائية من بين الطاقات البديلة القديمة، وتستخدم في إنتاج حوالي 18% من الطاقة الكهربائية المستغلة عالميًا، فهي تساعد في توفير ملايين براميل النفط. كذلك فإن الوقود الحيوي أو البيولوجي الذي مصدره النبات، والذي يتخذ شكل الإيثانول المستخرج من قصب السكر أو بنجر السكر أو الحبوب ويمكن إضافته إلى البنزين، وشكل الديزال الحيوي المستخرج من الحبوب الزيتية أو النخيل، يعتبر من الطاقات البديلة الهامة. إن هذه الطاقات البديلة ورغم أهميتها في تعويض الطاقات التقليدية النابضة، ومساهمتها في الحفاظ على البيئة، واعتبارها مصدرًا مهمًا لاقتصاديات الدول، إلا أنها تتطلب استثمارات باهظة لاستغلالها، وخاصة الاستثمار في التكنولوجيا العالية المستخدمة في ذلك، ومن المتوقع أن تنخفض تكاليف إنتاج الطاقات المتجددة بحلول عام 2020م؛ حيث أن نسبة الكهرباء النظيفة المنتجة من الطاقات المتجددة من المتوقع أن ترتفع إلى حوالي 35% بحلول عام 2030 م، مقارنة بالكهرباء المنتجة من مصادر طاقوية تقليدية.

إن التوسع في الاعتماد على الطاقات البديلة يحقق عدة ميزات على صعيد الأمن الطاقوي العالمي والعلاقات الدولية، وعلى صعيد الأمن الاقتصادي والتنمية المستدامة والحفاظ على البيئة؛ فلقد أضحت الطاقات البديلة مكوّنًا أساسيًا لتحقيق الأمن الطاقوي كونها لا تتعرض للاستنزاف، كما أنها طاقات متوفّرة وغير قابلة للنضوب، مما يسهم مستقبلاً في تخفيف حدة الصراع الدولي على الطاقة، وبذلك قد تلعب دورًا حاسمًا في إنهاء هذا الصراع وتحقيق الأمن الطاقوي العالمي المنشود اعتبارًا أنها البديل الحتمي للطاقات التقليدية، وتظهر هذه المساهمة من خلال:

- أن الطاقات البديلة متنوعة ومتعددة، ويمكن بذلك الاستفادة من هذا التنوع والتعدد من خلال إحلالها محل بعضها البعض، وهذا عكس الطاقات التقليدية التي تتميز بمحدوديتها. ويظهر تأثير ذلك على الأمن الطاقوي من خلال المؤشرات التي تقدمها وكالة الطاقة الدولية وتتبعها لتطور مصادر الطاقات البديلة على المستوى العالمي؛ فعلى سبيل المثال لا الحصر إنتاج الطاقة الشمسية قد تضاعف عدة مرات منذ بداية الألفية الثالثة إلى غاية عام 2015 م، بمعدل نمو سنوي قدّر بحوالي 17% سنويًا، ويتوقع أن يتضاعف بحلول عام 2030 م، إلى عشرين 20 مرة. وإن الاعتماد على الطاقة الشمسية في تزايد مستمر؛ ففي حين يتضاعف الطلب عليها 20 مرة فإن الطلب على النفط بالكاد يتضاعف مرة واحدة. ويتوقع أن تصبح الطاقة الشمسية المصدر الأساسي للطاقة العالمية بحلول منتصف القرن الحادي والعشرين.

- تظهر مقومات الصناعة على الطاقات البديلة؛ إذ أن البحث والتطوير والاستثمار في هذا المجال سوف يكون مربحًا على المدى الطويل، فهي صناعة قائمة بذاتها ويمكنها إنشاء أسواق كبيرة، وصناعة نظيفة وغير ملوّثة تسهم في الحفاظ على البيئة، والأهم من هذا كله أنها طاقة غير مسيسة؛ أي أنها لا تخضع لاعتبارات الصراعات الدولية والمصالح الجيوستراتيجية مثلما هو حاصل بالنسبة للطاقات التقليدية كالنفط والغاز، التي تخضع لاعتبارات سياسية أكثر منها اقتصادية، وتتسبب في الكثير من الأحيان في إحداث تشنّجات في العلاقات الدولية.

- استخدام الطاقات البديلة على المديين المتوسط والبعيد سوف يسهم في تخفيض تكلفة الطاقة في العالم، لكون أن الكلفة ترتبط أساسًا بعمليات البحث والتطوير والاستكشاف ثم بعمليات الإنجاز، لتنخفض التكاليف بعدها إلا بما يرتبط بتكاليف الصيانة والتجديد.

- أنّ الطاقات البديلة والمتجددة توفر ضمانات كافية لتحقيق الأمن الطاقوي المنشود عالميًا ولو على المديين المتوسط والبعيد، ويكمن ذلك في عدم حصر الاعتماد في إنتاج الطاقة على استغلال مصادر محددة وإنما بتنويع المصادر، فإن كانت مصادر الطاقة التقليدية بعدد من المناطق والدول في العالم، فإن مصادر الطاقة البديلة تتواجد في كل رقعة من المعمورة وإن بشكل متفاوت. وهو ما سيسهم مستقبلاً في الحد من مستوى الصراع الدولي على الطاقة وبناء دينامية جديدة في العلاقات الدولية المرتبطة بالطاقة تخضع لاعتبارات اقتصادية أكثر منها سياسية، كما هو حاصل اليوم من التكالب على الطاقات التقليدية غير المتجددة. وتمنح استقلالية أكبر للدول في تسيير مواردها الطاقوية.

خاتمة:

لقد اتجهت أنظار دول العالم إلى الطاقة المتجددة والبديلة على أنها إحدى السبل لإنقاذ الكرة الأرضية من الطاقات التقليدية الملوّثة وغير المتجددة والمتسببة في المشكلات المناخية؛ إلا أن استمرار انخفاض تكلفتها بصورة كبيرة قد حوّل أنظار العالم من كون الطاقة المتجددة حلا لمشكلة، إلى أحد أساليب إنتاج الطاقة الإقتصادية. إلى درجة أن المصاريف الإستثمارية لتركيب محطات الطاقة الشمسية مثلا أصبحت أقل تكلفة من تركيب محطات توليد الكهرباء الإعتيادية.ويعود سبب انخفاض تكاليف تركيب الطاقة المتجددة عمومًا إلى التطور التكنولوجي والتقني المستمر مع زيادة الإنفاق على مراكز الأبحاث التي تعمل جاهدة لتطوير الاستفادة من مصادر الطاقة المتجددة المختلفة. فالزيادة الملحوظة في إنتاج اللوحات الشمسية حول العالم أدت إلى انخفاض أسعارها، كما أن التطور التقني الذي حدث في توربينات الرياح اليوم أدى إلى إنتاج نفس الطاقة الكهربائية بنصف سرعة الرياح التي كانت تحتاجها في السنين الماضية.

وبالرغم من الدراسات الاستشرافية التي تقول أن العالم سوف يستمر في الاعتماد على النفط كطاقة تقليدية أساسية إلى غاية منتصف القرن الحادي والعشرين على الأقل بفعل إشكالية النضوب. إلا أنه أصبح من الواضح أن الطاقة المتجددة هي المستقبل.

ويعدّ التعاون بين الدول المنتجة للطاقة المتجددة والبديلة مهمّا لتعزيز أمنها، وتحقيق أو تطوير مصالح مشتركة أو متبادلة قائمة بينها على مستوى الاستثمار في مجال إنتاج الطاقة، أو نقلها، واكتشاف مصادرها، بدلا من التنافس والتصارع عليها. إلا أن مقدار التعاون فيما بين الدول المنتجة المصدرة والدول المستهلكة وفرصه يعد بدوره محددًا أساسيًا لفرص ضمان أمن الطاقة، والتغيير في دينامية العلاقات الدولية من العلاقات المبنية على اعتبارات سياسية وأمنية ساهمت في إنتاج صراعات على الطاقة في العالم، إلى علاقات مبنية على اعتبارات اقتصادية فيما يتعلق بالأمن الطاقوي العالمي، خاصة وأن دول العالم اليوم تواجه خطر نضوب مصادر الطاقة التقليدية على المستوى العالميفي الأفق القريب. مما يعزز فرضية أن التحول إلى الطاقات البديلة والمتجددة يسهم في منح استقلالية للدول ولو نسبيًا في تسيير مواردها الطاقوية وممارسة سيادتها عليها وتحقيق أمنها الطاقوي، وذلك بفعل توافر تلك الموارد عبر كامل المعمورة ولو بشكل متفاوت.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*أستاذ محاضر -جامعة الجزائر3

 

المراجع:

- عبد الحق بن جديد، استراتيجية الجزائر لضمان أمنها الطاقوي في ظل التحديات الراهنة، الملتقى الدولي حول الأمن الطاقوي بين التحديات والرهانات، كلية الحقوق والعلوم السياسية، جامعة قالمة، 2016.

- علي رجب، تطور الطاقات المتجددة وانعكاساتها على سوق النفط العالمية والأقطار الأعضاء، أوبك، 2008.

- Emmanuel Hache, La géopolitique des énergies renouvelables : amélioration de la sécurité énergétique et / ou nouvelles dépendances, revue internationale et stratégique, 2016.

-Aleh Cherp & Jessica Jewell, The three perspectives on energy security, Current Opinion in Environmental Sustainability 2011, www.sciencedirect.com.

 

كلمات دليلية

الشركات المعلنة