;
الصفحة السابقة

الكـــوريتـان وأمــريكــا على أعتاب مرحلة جديدة بين خيارين أقربهما الجنوح للسلم

انشأ بتاريخ: الإثنين، 08 تموز/يوليو 2019

تقع شبه جزيرة كوريا في الشمال الشرقي لقارة آسيا، وتبلغ مساحتها   220748كم2، أي أنها صغيرة المساحة نسبيًا، ولكنها تضم شعبًا عريقًا متحضرًا. وكانت حتى عام 1948م، عبارة عن دولة موحدة واحدة. كانت شبه تابعة للصين، واحتلت من قبل اليابان عام 1910م. واستمرت تابعة لليابان حتى هزيمة الأخيرة في الحرب العالمية الثانية التي انتهت عام 1945م. بعد ذلك، انقسمت إلى دولتين، كوريا الشمالية وكوريا الجنوبية، وكلاهما عضو في منظمة الأمم المتحدة. تبلغ مساحة كوريا الجنوبية، أو جمهورية كوريا، 100210 كم2. ويبلغ عدد سكانها 52 مليون نسمة، وعاصمتها " سيؤل "، وتحكمها حكومة ديمقراطية رئاسية، وترتبط بأمريكا بعلاقات خاصة وتحالف أمني وثيق.

   أما كوريا الشمالية، أو جمهورية كوريا الشعبية الديمقراطية، فمساحتها 120538كم2، وعدد سكانها حوالي 25 مليون نسمة، وعاصمتها مدينة " بيونغ يانغ ". ويحكمها، منذ 9 / 9 / 1948م، حزب واحد هو حزب العمال الكوري، المؤتلف مع عدة أحزاب اشتراكية كورية شمالية أصغر.

ابتداءً من العام 1948م، وفى حموة " الحرب الباردة " بين الدولتين العظميين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي السابق، اندلعت حرب كوريا، وحصل هذا الانقسام الكوري الشهير، الذي أعتبر من أكبر مؤشرات الصراع بين القطبين السابقين، وأحد أهم تداعيات الحروب بينهما. وحتى بعد انهيار المعسكر الشرقي وزوال الاتحاد السوفييتي سنة 1991م، بقيت هناك عدة دول" شيوعية " التوجه الاقتصادي – السياسي ... تتبع الفكر الاشتراكي المتطرف، ويحكمها نظام الحزب الواحد (" الشيوعي ") أبرزها الآن: الصين، كوريا الشمالية، فيتنام، كوبا. فهذه الدول ما زالت تدار من قبل نظام الحزب الشيوعي (الواحد) في كل منها، رغم وجود مطالب محلية ودولية متزايدة في أغلبها، تطالب بالانفتاح، وبضرورة السماح بوجود أحزاب أخرى ... تتنافس – مع الحزب الشيوعي – للحصول على قدر من " السلطة "، يحدده الناخبون في البلاد المعنية. ومعروف أن هناك تيار قومي كوري يسعى لإعادة توحيد الكوريتين، ويتواجد أنصاره في كل أرجاء شبه الجزيرة الكورية.

                                        ****

   شقت كل من الدولتين الكوريتين طريقها بأسلوبها الخاص الذي أتبعته. حيث سارت كوريا الشمالية في طريق الاشتراكية ونظام الحزب الواحد، بينما سارت كوريا الجنوبية في ركاب الرأسمالية والديمقراطية، وأصبحت من أهم النمور الآسيوية. وحسب تقديرات عام 2014م، فإن نصيب الفرد من الدخل القومي في كوريا الجنوبية يصل إلى 34777 دولار أمريكي، بينما نصيب الفرد المماثل في كوريا الشمالية يبلغ 1800 دولار فقط.

   ركزت كوريا الشمالية على القوة العسكرية، فأصبحت أحد أكبر القوى العسكرية في العالم. واتجهت لتطوير السلاح نووي ... فأمسى لديها ترسانة نووية ضاربة منذ العام 2006م. ومن أهم ما تمتلكه كوريا الشمالية من أسلحة: 1,2 مليون جندي و(5،5 مليون قوات احتياطية)، 5025 دبابة، 4100 عربة قتالية، حوالى 2500 صاروخ باليستى، 1030 طائرة مقاتلة واعتراضية، و76 غواصة حربية صغيرة، و25 كاسحة ألغام، و11 فرقاطة ، إضافة إلى حوالي 30 رأسًا نوويًا .

   بينما يعاني اقتصاد كوريا الشمالية من ضعف وتدهور خطيرين، بسبب سياساتها الاقتصادية وضعف مواردها، والمقاطعة الاقتصادية المفروضة عليها، والتي أسهمت في عزلتها. توجهها الشيوعي، ومطالبتها بكوريا الجنوبية، أدى الى عدائها الشديد مع الولايات المتحدة، وحلفائها، وخاصة كوريا الجنوبية واليابان. وما زالت، رسميًا، في حالة حرب مع كوريا الجنوبية. ولكنها تحتفظ بعلاقات صداقة وثيقة مع الصين، حليفتها الرئيسة، وجارتها في الشمال.

                                       ****

   لم تشهد العلاقات الأمريكية–الكورية الشمالية إلا العداء، والتوتر الحاد، خاصة بعد أن أصبحت كوريا الشمالية دولة نووية. وكم قرعت طبول الحرب بينهما. وفجأة، وبعد لقاءات تمهيدية مكثفة بين رئيسي الكوريتين والمسؤولين المعنيين في أمريكا والكوريتين، أعلن عن العزم على عقد قمة، لأول مرة منذ قيام كوريا الشمالية، بين الرئيسين الأمريكي دونالد ترامب والكوري الشمالي كيم جونج أون. وحدد موعدها يوم 12يونيو 2018م، في سنغافورة. وبالفعل، عقدت هذه القمة التاريخية في موعدها، فكانت أحد أبرز التطورات السياسية في هذا العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين. فهي قد عقدت بين لاعبين سياسيين هامين، بل خصمين نوويين لدودين، استمر عداؤهما لأكثر من نصف قرن. وأوشك هذا العداء أن تتمخض عنه حربًا نووية شعواء.  

                                         ****

     كان العنوان العريض لهذه القمة هو: نزع أسلحة كوريا الشمالية النووية. وحاول الرئيس الأمريكي ترامب تضخيم نتائج هذه القمة لأغراض انتخابية واضحة. وبالطبع، كان موضوع القمة في خطوطه العامة هو مناقشة:

-        العلاقات الثنائية الأمريكية – الكورية الشمالية، وسبل تطبيعها، وأيضًا العلاقات الكورية الشمالية مع حلفاء أمريكا، وخاصة كوريا الجنوبية واليابان.

-        نزع السلاح النووي لكوريا الشمالية.

-        قضايا أخرى ذات اهتمام مشترك.

   ويمكن القول إن أهم ما تريده أمريكا من كوريا الشمالية هو: نزع كل سلاح كوريا الشمالية النووي، ومن ثم تطبيع العلاقات الأمريكية – الكورية الشمالية، وإلغاء كل العقوبات المفروضة على كوريا الشمالية. أما ما تريده كوريا الشمالية فيبدو أنه: إبرام معاهدة سلام وعدم اعتداء مع أمريكا وحلفائها، مع رفع المقاطعة الاقتصادية وتطبيع العلاقات، وغالبًا – كما يبدو -مع احتفاظ كوريا الشمالية بسلاحها النووي، أو بجزء منه.

   وما وقع عقب قمة ترامب – أون، وذكرت خطوطه العامة في البيان الختامي لتلك القمة، كان عبارة عن اتفاق مبدئي بين الطرفين، بضرورة تسوية خلافاتهما بالطرق السلمية ... كما سجل موافقة كوريا الشمالية (المبدئية جدًا) على نزع سلاحها النووي ... أما الوصول إلى اتفاق نهائي فالطريق إليه ما زال طويلاً، وشاقًا.

                                         ****

هل تتخلى كوريا الشمالية عن سلاحها النووي:

     ويبدو أن الخيار العسكري لنزع السلاح النووي لكوريا الشمالية قد استبعد من قبل الاستراتيجيين الأمريكيين – على الأقل في هذه المرحلة – نظرًا لما قد ينتج عن اتخاذه من حرب نووية تدمر هذا الجزء من العالم دمارًا شاملاً، وربما يصل دمارها إلى أجزاء من أمريكا نفسها. لذلك، كان لا بد من الاقتراب السلمي لأزمة الأسلحة النووية الكورية الشمالية، بما فيها الصواريخ الباليستية. من هنا بدأ التفكير في استخدام الدبلوماسية، والتمهيد للقاء بين الرئيسين ترامب وأون. إذ أصبحت القمة بينهما ضرورية لكسر الحاجز النفسي أولا، وبدء مسيرة تفاوضية سلمية طويلة وشاقة، ومتشعبة ... قد تمتد لسنوات، وتنتهي بأحد الاحتمالات الثلاثة التالية، إما إلى:

-        نزع السلاح النووي الكوري الشمالي، وتطبيع العلاقات الأمريكية – الكورية الشمالية.

-        أو: إبرام كوريا الشمالية معاهدة سلام وعدم اعتداء مع أمريكا وحلفائها، مع احتفاظ كوريا الشمالية بسلاحها النووي، أو بجزء منه.

-        أو: الفشل في تحقيق أي من الاحتمالين السابقين، والعودة إلى الوضع السابق للأزمة بين البلدين، أي وضع ما قبل قمة ترامب – أون في سنغافورة، يوم 12 / 6 / 2018م.

                               ****

   ولا يتوقع أن تتخلى كوريا الشمالية عن سلاحها النووي طوعًا وبسهولة، حتى ولو كانت هناك تعهدات أمريكية، بضمان أمن كوريا الشمالية، واستمرار نظامها السياسي الحالي، ورفع العقوبات الاقتصادية، وتقديم دعم للاقتصاد الكوري الشمالي الضعيف. حكومة كوريا الشمالية ليست مشابهة لحكومة القذافي، أو حكومة جنوب إفريقيا العنصرية السابقة. فكوريا الشمالية تضع آمالاً عراضًا على سلاحها النووي، الذي عملت عليه لسنوات، وتأمل، كما يبدو، أن يحقق هذا السلاح لها الأمن وردع أي اعتداء خارجي عليها. حكومة كوريا الشمالية تعتقد أيضًا أن امتلاكها لهذا السلاح يسهم في بقاء نظامها السياسي الشيوعي، وقد يساعد في تحقيق تطلعاتها في" استعادة " كوريا الجنوبية، وتبوؤ مكانة دولية مرموقة.

   وقد أوردت شبكة "  " NBCالإخبارية الأمريكية (يوم 30 يونيو 2018م) عن مسؤولين أمريكيين قولهم إن وكالة الاستخبارات الأمريكية أصدرت تقريرًا سريًا يشير إلى أن كوريا الشمالية زادت، بشكل سرى، من إنتاج الوقود النووي المستخدم لصنع أسلحة نووية في الأشهر الأخيرة، بما فيها شهر يونيو 2018م وما بعده. كما زادت من إنتاج اليورانيوم المخصب لأغراض صناعة القنابل النووية، في ذات الفترة. وما زالت هذه العمليات متواصلة. الأمر الذي يبين عدم رغبة كوريا الشمالية الحقيقية للتخلي عن ترسانتها النووية، في المدى القريب، على الأقل. وكل ذلك يخالف ما أبداه الرئيس ترامب من تفاؤل عندما قال: " لم يعد هناك تهديد نووي من كوريا الشمالية ". ومعروف أنه ليس من الضروري نزع سلاح كوريا الشمالية النووي حتى يتم تلافي خطرها، أو تهديدها. فاتفاقية سلام وعدم اعتداء كفيلة بإزاحة الخشية من أي تهديد حقيقي حال. ويبدو أن أميركا تطمع في نزع سلاح كوريا الشمالية النووي، والتمهيد لتوحيد الكوريتين تحت المظلة الأمريكية.

                               ****

       تخلى كوريا الشمالية عن سلاحها النووي قد يعني: انتهاءها وتفككها في المدى الطويل، وربما ابتلاعها من قبل كوريا الجنوبية، أو انصهارها مع الأخيرة. فنزع أسلحتها النووية يثير الكثير من الاشكاليات والتساؤلات لها، والتي أهمها:

-        ماذا يضمن وفاء أمريكا بتعهداتها لكوريا الشمالية؟

-        ما الذي يضمن عدم اختراق النظام السياسي الكوري الشمالي الحالي، والعمل على زواله وانهياره؟

-        هل يستحق ما تعرضه أمريكا على كوريا الشمالية التخلي التام عن سلاحها النووي، كسلاح رادع ... يسهم في الدفاع عنها وعن نظامها، ويردع أعداءها عن المساس بها؟

- ألا يمكن أن تحتفظ كوريا الشمالية بسلاحها النووي، أو بجزء منه، مع إبرام معاهدة سلام وتعاون مع أمريكا وحلفائها، وخاصة كوريا الجنوبية واليابان ؟!  

   لم تظهر القمة بين ترامب وأون هذه الإشكاليات، وكون كل طرف له أهداف متناقضة (في كثير من جوانبها) مع أهداف الطرف الآخر ... ولكن هذه الاشكاليات، أو العقبات، ظهرت جلية بعد قمة ترامب – أون في سنغافورة. وبسبب ما ذكر من إشكاليات، أو عقبات، يتوقع أن تصر حكومة كوريا الشمالية على موقفها الأساسي، ربما مع تقديم " تنازلات "، تتمثل في: وقف تطوير ما لديها من سلاح نووي، وعدم السعي لامتلاك المزيد. كما قد تتعهد بعدم " تصدير" التقنية والمعدات النووية لأي دولة.

   ولن يكون لدى أمريكا من خيار آخر سوى: القبول بكوريا شمالية نووية، تتعهد بإقامة سلام مع أمريكا وحلفائها، وعقد معاهدة تعاون وعدم اعتداء بين الجانبين. وبالتالي، تطبيع العلاقات بين الطرفين، أو: العودة إلى المربع الأول ... وسيادة التوتر الشديد بين كوريا الشمالية وأمريكا وحلفائها، مع احتمال استخدام أمريكا القوة المسلحة للتعامل مع السلاح النووي لكوريا الشمالية، رغم ما يعنيه ذلك من مخاطر فادحة. ويتوقع كثير من المراقبين أن تجنح أمريكا للسلم، وتوافق على احتفاظ كوريا الشمالية بجزء محدود من سلاحها النووي، ليشهد العالم قريبًا عهدًا جديدًا في العلاقات بينهم، يتضمن اعترافًا متبادلاً وعلاقات دبلوماسية بين الدولتين الكوريتين، الشمالية والجنوبية، وبين كوريا الشمالية وأمريكا وحلفائها الآخرين. الأمر الذي يرسخ انقسام شبه الجزيرة الكورية إلى دولتين، غير قابلتين– في المديين القصير والمتوسط – للانصهار في دولة واحدة، سلمًا أو حربًا، ويستأصل بؤرة توتر عالمي حاد، وربما يعيد السلام، ولو مرحليًا، إلى شبه الجزيرة الكورية وما جاورها.    

*عضو مجلس الشورى السعودي سابقًا، أستاذ العلوم السياسية ـ جامعة الملك عبد العزيز ـ جدة ـ المملكة العربية السعودية.

كلمات دليلية