;
الصفحة السابقة

"هرمز" يخضع لنظام للملاحة في المضايق الدولية والملاحة فيه حرة لجميع السفن

انشأ بتاريخ: الخميس، 11 تموز/يوليو 2019

استحكمت الجزاءات الأمريكية علي إيران في الآونة الأخيرة، بُعيد انسحاب الإدارة الأمريكية من خطة العمل الشاملة عام 2015م، (الاتفاق النووي مع إيران)، وبتفاقم الأوضاع الاقتصادية في إيران، وجدت إيران ضالتها في تهديد العالم أجمع؛ في تكرار نذرها السابقة بإغلاق أهم شريان عالمي للبترول نظرًا لوقوعه في أغنى منطقة في العالم مُصدرة للبترول، فارتفعت وتيرة التصعيد في منطقة الخليج العربي، وأخذت الولايات المتحدة الأمريكية التهديد الإيراني الأخير مأخذ الجد، فحشدت بوارجها وطائراتها الحربية في مضيق هرمز، وعقدت اتفاقيات ثنائية مع عدد من دول مجلس التعاون الخليجي بغرض "إعادة انتشار" القوات الأمريكية في المياه الدولية والأقاليم البرية لهذه الدول .

كانت الولايات المتحدة قد انسحبت من الاتفاق النووي الغربي مع إيران في مايو 2018م، ثم صعدّت الولايات المتحدة من إجراءاتها الجزائية ضد طهران مما دفع الأخيرة لتكرار تهديداتها في ضوء التصعيد الأمريكي في مطلع مايو من العام الجاري.

وبالنظر إلى الأهمية الاستراتيجية الفريدة لمضيق هرمز مقارنة بباقي المضايق الدولية، وتزامنا مع التصعيد العسكري الخطير في الإقليم، ستتناول هذه الدراسة، ثلاث قضايا رئيسية:

أولاً: الأهمية الاستراتيجية لمضيق هرمز.

ثانيًا: حرية الملاحة الدولية في مضيق هرمز.

ثالثًا: حقيقة التهديدات الإيرانية بإغلاق مضيق هرمز.

الأهمية الاستراتيجية لمضيق هرمز

يُعد مضيق هرمز من الناحية القانونية من المضايق الدولية، حيث يربط بين خليج عمان والخليج العربي. الذي تسكن شواطئه من الشرق: إيران، ومن الغرب: السعودية، والإمارات، وقطر، والبحرين، والكويت، ومن الشمال العراق، ومن الجنوب عُمان. ويعد المضيق ممرًا طبيعيًا وحيويًا للتجارة الدولية، يصل بين بحرين ويشكل مياهًا إقليمية للدول المطلة عليه، وهى إيران وسلطنة عمان، حيث تمتلك كل منهما بحرًا إقليميًا محددًا باثني عشر ميلاً، ولكون مياه الخليج العربي تُعد بحرًا شبه مغلقًا، لذلك يشكل مضيق هرمز المنفذ الوحيد لعدد من دول الخليج العربية (العراق، الكويت، قطر، البحرين) التي تُعد أكثر ارتباطًا بالمضيق مقارنة بغيرها مثل إيران، وعُمان، والسعودية، والإمارات التي لها منافذ بحرية خارج مياه الخليج، ومن ثم فإن صلتها البحرية بالعالم الخارجي لا يمكن أن تقوم إلا عبر مياه مضيق هرمز، لذلك خُصِّص ممران (ذهابًا وإيابًا) للملاحة في المضيق وفقًا للخصائص الهيدروغرافية المحددة من قِبل "المنظمة الدولية للملاحة البحرية"[1].

منذ اكتشاف النفط في منطقة الخليج وإلى الآن فإنه يمثل دورًا مهمًا في الحياة الاقتصادية لدول الخليج والعالم أجمع وبسبب هذه الأهمية، وبسبب هذه الأهمية التي يحظى بها النفط في العالم، باعتباره عصب الحياة الاقتصادية، فإن مضيق هرمز قد ازدادت أهميته معه، باعتبار أن أغلب إنتاج النفط يوجد في هذه المنطقة ويتم تصديره عبر المضيق ولهذا السبب، زادت أهمية المضيق، وزاد معه عدد وحجم ناقلات النفط التي تمر عبره[2].

إضافة إلى أهمية المضيق كمركز للتجارة العالمية والعالم الخارجي الأوروبي والشرقي، فإن أهمية هذا المضيق قد زادت في وقت لاحق من القرن العشرين. فقد ظهرت حقول النفط، وتم اكتشافها في دول منطقة الخليج العربي التي تزايد إنتاجها له، وقامت بتصديره إلى دول العالم، باعتبار أن منطقة الخليج العربي تعد من أكبر المنتجين للنفط في العالم، وكذلك فإن نفط الخليج يحظى بأهمية كبيرة في الأسواق العالمية، والسبب يعود إلى أسعاره الرخيصة والإنتاج الوفير في المنطقة، وجودته، وكثافته العالية[3].

وقد دفعت الأزمات السياسية دول المنطقة إلى التخفيف من اعتمادها على هذا المضيق والاستعانة بمد خطوط أنابيب نفط إلا أن هذه المحاولات بقيت محدودة الأثر، خصوصًا بالنسبة إلى استيراد الخدمات والتكنولوجيا والأسلحة[4].

ونتيجة لما سبق بيانه، وطدت الدول الكبرى روابطها السياسية والتجارية، والعسكرية، مع دول المنطقة، ضمانًا لوصولها إلى حقول النفط، والإشراف على طرق إمداده انطلاقًا من مضيق هرمز الذي تعتبره جزءًا من أمنها الوطني باعتبار أن ضمان حرية الملاحة فيه مسألة دولية، بالغة الأهمية، لاسيما وأنه الطريق الأهم لإمدادات النفط العالمية[5].

ومن خلال التأثير الجيوستراتيجي لمضيق هرمز وأهميته لدول الخليج العربي بقي المضيق حلبة للصراع بين الدول الكبرى. وسوف يبقى هذا الاهتمام الدولي منصبًا على ضمان أمن وسلامة الملاحة الدولية في هذا المضيق، ومستمرًا ما دام هناك طلب دائم من دول العالم على نفط الخليج. وبدون أي تناقض ومقابل ذلك لن يكون هناك تضاؤل من طلب دول الخليج العربية للبضائع والأسلحة من الأسواق العالمية عبر هذا المضيق لكونه بوابة الخليج العربي، وقد يترجم هذا الاهتمام الدولي بتكثيف أكبر تواجد للدول الكبرى عسكريًا وسياسيًا وهو ما يشهده فعلا المضيق في الوقت الراهن[6].    

ثانيًا: حرية الملاحة الدولية في مضيق هرمز

ينطبق على المضايق الدولية كمضيق هرمز ما ينطبق على البحار بشكل عام من مبدأ حرية الملاحة، ويستلزم الأمر، تحديد المقصود بالمضيق الدولي، وذلك من أجل بيان التعرف على حرية الملاحة في المضيق.

لقد عرَّفت محكمة العدل الدولية المضيق - في قضية كورفو Corfu[7] - بأنه "ممر بين جزأين من الأرض يصل بين جزأين من البحر المفتوح ويستخدم في الملاحة الدولية"، وتأسيسًا على قضاء المحكمة فقد ترسخت عدة مبادئ قانونية خاصة بتعريف المضايق الدولية، أهمها: إهمال المعيار الكمي في المرور لتمييز المضايق الدولية، حيث لم تجعل "الملاحة " معيارًا للتمييز، وذلك يعني أن العبرة في "دولية المضيق" لا تكمن في عدد السفن أو الغواصات التي تمر في المضيق، أو الطائرات التي تحلق فوقه، وفي ذات الوقت فقد اعتمدت المحكمة المعيار الجغرافي الذي يقضي بأن يربط المضيق بين جزأين من بحار عالية، أو بحرين عاليين

والمضايق، هي طرق مياه طبيعية تصل بين بحرين من البحار العامة، أو بين بحر داخلي وبحر من البحار العامة. غير أن هذه المساحات، وإن كانت جزءًا من البحار العامة؛ إلا أن وقوعها في إقليم دولة أو أكثر يجعل لها أحكامًا خاصة تميزها عن البحار العامة، وتختلف هذه الأحكام تبعًا لاتساع المضيق أو ضيقه، وتختلف أيضًا تبعًا لما إذا كان المضيق يقع بتمامه في إقليم دولة واحدة، أو يفصل بين إقليمي دولتين، كما أن أحكام المضايق تختلف تبعًا لما إذا كان المضيق يصل بين بحرين من البحار العامة، أو كان يصل بين بحر من البحار العامة وبحر داخلي[8].

ويمكن رد هذه الأحكام إلى مسألتين رئيستين: السيادة الإقليمية على المضيق، وحرية الملاحة الدولية فيه.

أولاً: السيادة الإقليمية على المضيق:

إذا كان اتساع المضيق لا يزيد على ستة أميال وكان يفصل بين أراضي دولة واحدة؛ فإنه يعتبر جزءًا من إقليم تلك الدولة، خاضعًا لسيادتها. أما إذا كان المضيق لا يزيد على ستة أميال وكان يفصل بين إقليمي دولتين؛ فإنه يعتبر جزءًا من إقليميهما، وتكون لكل من هاتين الدولتين السيادة الإقليمية على النصف المواجه لشاطئها، وإذا كان اتساع المضيق يزيد على ستة أميال؛ فإنه يأخذ حكم البحار العامة، ولا تكون للدولة أو الدول التي تطل أقاليمها عليه السيادة إلا على مسافة ثلاثة أميال، وهي مسافة المياه الإقليمية أو البحر الساحلي.

ثانيًا: حرية الملاحة الدولية في المضيق:

إذا كان المضيق موصلاً بين بحر داخلي وبحر من البحار العامة، وكان خاضعًا لسيادة دولة أو دولتين؛ فليس ثمة التزام على تلك الدول بالسماح للسفن التابعة للدول الأخرى بالمرور في المضيق، وذلك لأن المضيق إذا لم يكن موصلاً بين بحرين من البحار العامة؛ فإنه لا يعتبر طريقًا من طرق المواصلات الدولية، وهذا لا ينطبق على المركز القانوني للمضايق الدولية والتي من بينها مضيق هرمز موضوع الدراسة، ومن ثم لا تتطلب ضرورات الملاحة الدولية فتحه للسفن التابعة لكافة الدول، وعلى العكس من ذلك: إذا كان المضيق موصلاً بين بحرين من البحار العامة؛ فإنه يعتبر طريقًا من طرق المواصلات الدولية تتمتع جميع السفن بحرية الملاحة فيه، ولو كان خاضعًا لسيادة دولة أو أكثر. وبعبارة أخرى تلتزم الدول التي لها السيادة الإقليمية على أحد المضايق الموصلة بين بحرين من البحار العامة (الوضع الغالب) بالسماح للسفن الأجنبية بحرية المرور فيه. على أن هذا الالتزام لا ينفي حق الدولة صاحبة السيادة الإقليمية في فرض القواعد التي تتطلبها ضرورة المحافظة على المضيق وجعله صالحًا للملاحة، أو التي تقتضيها اعتبارات الأمن، وكذلك الترتيبات البوليسية والصحية المناسبة[9].

ولأهمية المضايق الدولية؛ فقد نظم القانون الدولي المرور فيها من خلال نظامين مختلفين:

الأول: نظام المرور البريء

         ويشمل الملاحة عبر البحر الإقليمي لغرض الاجتياز فقط دون دخول المياه الداخلية، وأن يكون المرور متواصلاً وسريعًا مع إمكان التوقف أو الرسو إذا كان هناك ما يستدعي ذلك، مثل القوة القاهرة، أو إصلاح عطب طارئ، ويكون المرور بريًا إذا كان لا يضر بسلامة الدولة الساحلية أو بأمنها، وقد أُلزِمَت كافة السفن التي تمارس حق المرور البريء أن تمتنع عن أي تهديد باستعمال القوة أو استعمالها ضد سيادة الدولة الساحلية، وتلتزم الدولة الساحلية بعدم فرض شروط على السفن الأجنبية يكون أثرها العملي حرمان تلك السفن من حق المرور البريء أو تعطيل هذا الحق أو عرقلته بأي شكل من الأشكال عملاً بأحكام القانون الدولي[10].

حالات توقيف المرور البريء

إن طبيعة المرور البريء في المضايق الدولية يعد نتيجة لمزيج من مبدأين قانونيين: مبدأ الحرية، ومبدأ السيادة. والمبدأ الأخير يتمثل في أن الدولة المشاطئة للمضيق بإمكانها إصدار التشريعات اللازمة لتنظيم المرور عبر المضيق دونما مس أو إضرار بمبدأ المرور البريء؛ فلا يبقى للدولة المشاطئة للمضيق – وحدها – أن تصدر ما يحلو لها من التشريعات أو اللوائح لغاية تنظيم المرور، وقد أكدت على ذلك محكمة العدل الدولية في أول قضية تعرض على المحكمة في تاريخها وهي قضية البانيا ضد المملكة المتحدة عام 1947[11]، كما سنفصلها لاحقًا.

جلي أن، إيران لا تستطيع أن تتعسف في استخدام أي حق لدولة مشاطئة على مضيق هرمز، حين تستخدم حقوقها المشار إليها سابقا، وتعطل المرور لأية سفينة راغبة في المرور في مياه المضيق تحت أي زعم سياسي غير قانوني، فالدولة المشاطئة للمضيق الدولي حين تلجأ لمبرر "المنع المؤقت المقرون بالإذن" فإن ذلك المنع لا يمارس إلا بشكل مؤقت، ويتم رفعه بمجرد انتفاء علة وجودة، واخضاع السفينة أو السفن التي تم منعها مؤقتا للمرور البريء مجددًا، بعد حصولها على إذن من الدولة التي مارست ذلك المنع المؤقت[12].

تمتع كافة السفن دون تمييز بممارسة حق المرور البريء:

رفضت محكمة العدل الدولية في القضية السابق الإشارة إليها، دفع ألبانيا بخروج السفن العسكرية للمملكة المتحدة من النطاق المشروع للمرور البريء في المضايق الدولية، وزعمت أن ذلك الحق يسري فقط على السفن المدنية أما السفن العسكرية فهي تخرج عن نطاق الإباحة، ولكن المحكمة في النهاية لم تقتنع بهذا الطرح لتقر بذلك مبدأ "شمولية المرور البريء" لكافة السفن دون تمييز، بدلا من مبدأ التخصيص الذي حاجت به ألبانيا. وبناء على ذلك، لا تستطيع إيران أن تدفع بذات الدفع الألباني الذي رُفض من الجهاز القضائي الرئيسي لمنظمة الأمم المتحدة، وتمنع حتى السفن والبارجات الحربية من المرور البريء غير المهدد لأمن وسلامة أية دولة مشاطئة لمضيق هرمز.

وليس صحيحًا أن حرية المرور البريء عبر المضايق الدولية أو البحار الإقليمية تخضع لاعتبارات أو تقييمات ذاتية تعسفية للدول، ولكن يخضع الأمر للاعتبارات القانونية الموضوعية غير التعسفية، وإلا تكون الدولة قد أثرت بلا سبب، وتجاوزت في ممارسة حقوقها الدولية المتمثلة في تأمين وحدتها الإقليمية وسلامتها واستقلالها، والأخطر في هذا التعسف هو العدوان على حقوق كافة الدول دون استثناء في ممارسة الحق الراسخ في العبور من، والوصول إلى المضايق العالمية التي تخدم المصالح المشتركة للبشرية.

الثاني: نظام المرور العابر

تعد قضية المرور عبر الأقاليم الهندية إثر النزاع الباكستاني -الهندي سنة 1912م، السابقة الأولى في الممارسات الدولية والتي تعرضت فيها محكمة العدل الدولية لمسألة نظام المرور العابر عبر أقاليم الدول[13]، فضلا عن القضية المتعلقة بالطعن المتصل بولاية مجلس منظمة الطيران المدني الدولي (الإيكاو). وغني عن البيان أن نظام المرور العابر لم يترسخ كقاعدة قانونية دولية إلا بعد اتفاقية "مونتيجو باي" لقانون البحار 1982[14].

يُعد نظام المرور الحر (العابر) من الأنظمة التي استحدثتها اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982م، ولم يكن من الأنظمة الملاحية المعروفة من قبل، والمرور العابر حق وليس رخصة، لذا لا تتوقف ممارسته على إرادة الدولة الساحلية، بل على العكس، يقع على تلك الدولة التزام بعدم عرقلته، وبالإعلان عن أي خطر يهدد الملاحة والطيران. [15]

وتعنى ممارسة حرية الملاحة أو التحليق لغرض واحد: العبور المتواصل السريع في المضيق. وقد نصت المادة (38) من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لسنة 1982م، على أن: (تتمتع جميع السفن والطائرات في المضايق المشار إليها في المادة 37 " المضايق المستخدمة للملاحة الدولية بين جزء من أعالي البحار أو منطقة اقتصادية خالصة، وجزء آخر من أعالي البحار أو منطقة اقتصادية خالصة " بحق المرور العابر الذي لا يجوز أن يعاق. غير أن ذلك لا يمنع المرور لغرض الدخول إلى دولة شاطئية على الخليج أو مغادرتها أو العودة منها، مع مراعاة شروط الدخول إلى تلك الدولة"، إلا أنه لا يجب أخذ هذا المنع على إطلاقه لأنه يؤدى إلى عرقلة الملاحة الدولية وذلك مخالف لروح النصوص القانونية المتعلقة بذلك[16].

ويبقى من اختصاص الدول المشاطئة للمضايق تعيين ممرات بحرية للملاحة، وتقسيم حركة المرور إذا كان ذلك لازمًا لتعزيز سلامة السفن، وللدول المشاطئة أيضًا فتح ممرات بحرية وإحداث تقسيمات جديدة أو استبدالها بشرط أن تكون متطابقة مع الأنظمة الدولية المقبولة عمومًا، وعليها قبل بدء التنفيذ إحالة مقترحاتها على المنظمة الدولية المعنية بذلك لاعتمادها، وهذا ما نصت عليه المادة 41/ 5 من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لسنة 1982م.[17]

ونظرا للتهديدات والاستفزازات الإيرانية المتواترة بين الفينة والفينة لحرية الملاحة العالمية في مضيق هرمز، سنتناول ماهية النظام القانوني لمضيق هرمز، ومسئولية إيران -الدولة المشاطئة للمضيق-عن تهديداتها المستمرة للملاحة الدولية عبر المضيق.

النظام القانوني المطبق على مضيق هرمز:

يخضع مضيق هرمز للنظام المقرر للملاحة في المضايق الدولية، كما سبق أن وضحنا، وهذه يعني أن الملاحة حرة في المضيق، ولجميع السفن والغواصات دون استثناء أو تمييز، عدا حالة الحرب[18]، والسبب في ذلك يعود لاعتبارات قانونية موضوعية أهمها:

1-   تعارف العالم أجمع منذ القدم على حرية الملاحة في مضيق هرمز، حيث كان ولازال المضيق مفرقًا لطرق للتجارة العالمية بين الشرق والغرب؛ ولذا فإن مصالح الدول المصدرة والمستوردة للنفط، سوف تتعرض للخطر لمجرد تعطيل الملاحة في المضيق[19].

2-   إن إيران وسلطنة عمان، حين قاما بإعلان منظمة الأمم المتحدة انضمامهما لاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار عام 1982م، لم تزعم أي من الدولتين بأية حقوق حصرية تتعلق بالسيطرة على المضيق التي من شأنها تعويق الملاحة الدولية في المضيق في الممر الملاحي المار بأي من   المياه الإقليمية للدولتين اللتين يمر فيهما مضيق هرمز[20].

3-   إيران – ذاتها – كانت قد أرسلت كتابًا رسميًا لمنظمة الأمم المتحدة بتاريخ 21 أكتوبر 1980م، تعيد فيه وزارة الخارجية الإيرانية تعهدها بالحفاظ على مضيق هرمز مفتوحًا للملاحة الدولية، وأنها لن تدخر أي جهد في سبيل تحقيق هذه الغاية.[21]

4-   الاستخدام المستمر المتواتر للمضيق من جانب كافة الدول والسفن دون تمييز، يؤكد أن المادة 37 من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار 1981م، تعد قاعدة كاشفة للقانون الدولي العرفي الراسخ، والتي تكفل حرية الملاحة الدولية للمضايق الدولية كافة دون استثناء[22].

5-    المادة 234 من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار تكفل حق الدول المضائقية (المطلة علي المضايق الدولية) في أن تنظم الملاحة الأجنبية في الجزء المار من المضيق في إقليمها البحري، لأجل الحد من التلوث البحري، والسيطرة عليه، وهنا لا تتعسف الدول المشار اليها في ذلك الحق، فتصدر تشريعات داخلية من شأنها تعطيل الملاحة في المضيق الدولي، وحظر المرور العابر في المضيق لسفن دولة معينة؛ فالسلطات التنظيمية للدولة المشاطئة للمضيق الدولي محددة حصرًا بشكل لا يُفسح لها المجال بالتضييق من حق المرور العابر، أو عرقلته بحجة تنظيم المرور أو مكافحة التلوث.

6-   الطبيعة الاستراتيجية الفريدة لمضيق هرمز، تجعله الأجدر بالحماية القانونية، وتحصنه من أية تهديدات خارقة تحيق خطرًا بالمضيق، فمن شأن ذلك تهديد الملاحة الدولية، فضلاً عن تهديد السلم والأمن الدوليين.

7-   يُعد مضيق هرمز أحد أهم الممرات المائية في العالم، ومما زاد من أهميته في العصر الحديث هو اكتشاف النفط في الدول المحيطة به، كما اكتسب أهميته من كونه عنق الزجاجة في مدخل الخليج العربي، وبحكم أنه يربط بين الخليج العربي وخليج عُمان.

ثالثًا: حقيقة التهديدات الإيرانية بإغلاق مضيق هرمز

ما فتئ المسؤولون الإيرانيون بين الفينة والفينة، وكلما ضاقت بهم السبل، أن يهددوا المجتمع الدولي بإغلاق مضيق هرمز في وجه الملاحة الدولية، ظنًا منهم أن إصدار هذه التصريحات المهددة، من شأنها أن يحقق لإيران أية مصلحة أو ميزة نوعية في صراعاتها الإقليمية والدولية التي لا تنقضي.

فقد هدد المسؤولون الإيرانيون بإغلاق مضيق هرمز في وجه الملاحة الدولية في عدة مناسبات. ومن هؤلاء، تدليلا: الرئيس الإيراني "هاشمي رفسنجاني" الذي هدد رسميًا بإغلاق المضيق أو ضربه إذا حتَّمت الظروف ذلك، مشيرًا إلى أن إيران ليست في حاجة إليه[23].

وعلى الرغم من الصعوبة النظرية والعملية في قدرة إيران على تعطيل الملاحة في مضيق هرمز، فضلاً عن إغلاقه لمدة طويلة؛ إلا أن هذا لا يلغي قدرتها في الوقت نفسه على تشكيل خطر حقيقي على إمدادات الطاقة عبر هذه المنطقة من العالم، خاصة في ظل التهديدات التي تجاوزت غلق المضيق إلى تهديد دول المنطقة المصدرة فيما لو حاولت تعويض صادرات النفط الإيرانية في الأسواق العالمية[24].

وتشير الخبرة التاريخية إلى أن تهديد إيران بإغلاق المضيق أصبح بمثابة تهديد تستعمله طهران في كل أزمة تواجهها مع الولايات المتحدة الأمريكية. وقد لا تفكر إيران في إغلاقه من منطلق أنها تستفيد منه بدرجة كبيرة، أو تجنبًا للإشكاليات القانونية المرتبطة بهذا الإغلاق، ولكن يمكنها أن تعيق حركة المرور في المضيق، من خلال المبالغة في الإجراءات الرقابية والتفتيش للناقلات النفطية، الأمر الذي من شأنه أن يؤدى إلى اختناق الحركة ويعطل تدفق النفط.[25]

ومن ناحية أخرى يكاد يُجمع المراقبون للشأن الإيراني على أمرين: الأول: هو قدرة إيران العسكرية على تنفيذ تهديداتها بالإغلاق من خلال الألغام البحرية والقوارب السريعة والغواصات والصواريخ المضادة للسفن. الثاني: هو قدرة القوات العسكرية الأمريكية – منفردة أو مع حلفائها-على التصدي للمغامرة الإيرانية -إن حدثت -وإعادة فتح المضيق، وقد تستغرق هذه العملية العسكرية الضخمة أيامًا أو أسابيع، أو تمتد شهورًا، ويُعد تطهير الألغام البحرية التي ربما تزرعها إيران في المضيق العامل الحاسم في إطالة أمد العملية الأمريكية المضادة للتهورات الإيرانية بإغلاق المضيق[26].

وختاما،،،،

نرى ضرورة أن يضطلع المجتمع الدولي بمسئولياته القانونية بخصوص تأمين حرية الملاحة الدولية في مضيق هرمز لمجابهة التهديدات الإيرانية غير المسؤولة التي تهدد ليس فقط حرية الملاحة الدولية في أحد أهم المضايق الدولية في العالم، بل فضلا عن ذلك السلم والأمن الدوليين والرفاهية الاقتصادية، والخير العام المشترك للإنسانية، والتي يكفل صيانتها والحفاظ عليها مبادئ القانون الدولي العام، والقانون الدولي للبحار، وقواعد المسؤولية الدولية.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*أستاذ القانوني الدولي العام ـ جمهورية مصر العربية

 

 

 

 

[1]https://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%86%D8%B8%D9%85%D8%A9_%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%AD%D8%B1%D9%8A%D8%A9_%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D9%8A%D8%A9.إحدى المنظمات المتخصصة التابعة للأمم المتحدة، تأسست في لندن عام 1948، تحت إسم المنظمة البحرية الإستشارية، وأهم أهدافها تحقيق الأمن في البحار، ومكافحة التلوث البحري، و غيرها .

[2] باسل علي خلف الصافي، النظام القانوني للملاحة البحرية في المضايق الدولية، منشورات زين الحقوقية، بيروت، 2016، ص129-13

[3]How Dangerous Are USA –Iran Tensions?- Foreign Policy , 2019/5/6 .

[4]https://www.nytimes.com/2012/01/12/world/middleeast/pipeline-avoids-strait-of-hormuz.html?mtrref=www.google.com&gwh=F8615541A108773D838028DFFB4CEB99&gwt=pay

Sarah Adman ., Pipeline Avoids S Strait of Hormuz – The New York Times – 2012/01-11

[5]Andand Toprany , War on the Rocks ,Oil and The Future of US . Strategy in the Persian Gulf , 2019/05/15.

[6]Gulf Geopolitics , Chatham House , The Royal Institute of International Affairs – Gulf States Institute in Washington , Building Bridges of Understanding, Gulf Politics Forum , Workshop Report , 2017/06/22.  

[7]Judgement s , Advisory opinion and orders , The Corfu Channel Case , 25 March 1948 ,

[8] .Donald .R. Rothwell , Natalie Klein , Maritime Security and The Law of   The Sea , International Law perspectives from Australia and Newzland. .and policy ......

[9]Anne Bardim , Ciastal States Jurisdiction over Foreign Vessels , Peace International Review, Vol 14, Issue 1Spring 2002, Article 2, PP5.,

[10] ..Anne Bardin , Coastal States Jurisdiction over Foreign Vessels Pace International Law Review ,Vol 14 – Issue 1- Spring 2002 .

[11] انظر الاحكام والفتاوي والأوامر الصادرة عن محكمة العدل الدولية.https://www.icj-cij.org/ar

[12] د. عبد الإلة دريف، مكانة المضايق المستخدمة للملاحة الدولية بين مقتضيات القانون الدولي ومتغيرات العلاقات الدولية، دراسة حالة مضيق جبل طارق، المركز الديمقراطي العربي للدراسات الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، برلين، 2017، ص 41.

[13] انظر الأحكام والفتاوي والأوامر، لمحكمة العدل الدولية، مرجع سابق.

[14]توليو تريفيس، اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار legal.un.org/avl/pdf/ha/uncls/uncls_a.pdf.

Jon .M . Vandyke, Transit Passage through International Straits , The UN Conference on the Law of the Sea ( 1974-1982) , 2008/10/02.[15] .

[16]Lee Cordner , New Security Challenges , Maritime Security Risks , Vulnerabilities and Cooperation , Book , 2017 , pp66

[17] https://www.un.org/Depts/los/convention_agreements/texts/unclos/closcont.htm.

[18] الدكتور محمد محمود الحاج، القانون الدولي للبحار، دار الثقافة للنشر والتوزيع، عمان، الأردن، 2011، ص 170

[19] ياسر علي خلف الصافي، النظام القانون للملاحة البحرية في المضايق الدولية، منشورات زين الحقوقية، بيروت، 2016، ص128.

[20] راجع إعلانات وتحفظات الدول الموقعة علي إتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار 1982 https://www.un.org/depts/los/convention_agreements/convention_declarations.htm

[21]UN. Security Council, Ministry of foreign Affairs of Iran ,Letter Dated Oct.21, 1980 from Head of Iranian Permanent Delegation to the UN Secretary General .Doc.S/14226 October 22 -1980   ,

[22]Bernardo Sepulveda Amor , The International Court of Justice and The Law of The Sea . www.juridicas.unam.mx

[23]https://en.radiofarda.com/a/closing-strait-of-hormuz-is-fraught-with-dangers-for-iran/29910933.htmlراجع تصريحات العديد من كبار المسؤولين الإيرانيين: ومنهم الرئيس حسن روحاني، والمرشد الأعلي أية الله خامئني، وقادة الحرس الثوري الإيراني، وغيرهم.

Maqusod Nuri , The Threat Perceptions of Iran under Shah , JSTOR , Vol 39 –N0 4 - 1986 [24]

[25]Hasan Alhasan : Iran seeks to show it can disrupt oil export , Asia Times , May 15 – 2019 .

[26]https://nationalinterest.org/blog/buzz/real-iran-military-threat-close-strait-hormuz-watch-oil-prices-jump-57862 Edward Chang , The Real Military Threat : Close Hormuz Strait , Could this Happen ?The National Interest , May 26, 2019

كلمات دليلية