انت هنا: الرئيسية جميع المقالاتتقرير خاصإصلاح مجلس الأمن الدولي .. بين الطموحات والتحديات وعقبة "الفيتو"

إصلاح مجلس الأمن الدولي .. بين الطموحات والتحديات وعقبة "الفيتو"

انشأ بتاريخ: الخميس، 08 آب/أغسطس 2019

في الوقت الذى تتزايد فيه مخاطر وتهديدات السلم والأمن العالميين نتيجة للانتشار النووي والحروب الأهلية وغياب التنمية وانتشار الفقر والتخلف وازدياد حدة الفجوة بين الشمال والجنوب، فإن مجلس الأمن، وهو الجهة المنوط بها حفظ السلم والأمن العالميين يقف عاجزًا أمام معالجة تلك التهديدات وجعل العالم أكثر أمنا، حيث لا يتناسب دور المجلس مع حجم المخاطر المتزايدة ولأن المجلس هو متغير تابع للنظام السياسي الدولي وتفاعلات أطرافه من القوى الكبرى، فإن حالة الاضطراب في النظام الدولي انعكست سلبًا على دور المجلس ووظيفته الأساسية، فمن ناحية تزايدت مصادر تهديد السلم الدولي غير التقليدية بشكل متصاعد خاصة الإرهاب والحروب الأهلية والانتشار النووي، ومن ناحية ثانية فإن نمط التحالفات الدولية قد تغير بشكل جذري من التحالفات القائمة على أسس أيديولوجية كما كان إبان الحرب الباردة إلى تحالفات مصلحية ومؤقتة وهشة وتتسم بالتناقض كما أن النظام الدولي يمر بمرحلة انتقالية من نظام القطبية الأحادية الذى ساد بعد انتهاء الحرب الباردة وسقوط الاتحاد السوفيتي إلى مرحلة التعددية القطبية مع الصعود القوي للدور الروسي فيه وانخراطها في العديد من الأزمات العالمية كما برز بشكل كبير في الأزمة السورية وقبلها الأزمة الأوكرانية ولم تعد الولايات المتحدة هي الفاعل الوحيد في توجيه مسارات التفاعلات الدولية كذلك النمو الملحوظ للدور السياسي الصيني العالمي في العديد من الأزمات الدولية ونظرًا لأن الدول الكبرى الثلاث تحظى بحق الفيتو في مجلس الأمن الدولي، فقد عجز المجلس عن التعامل مع العديد من الأزمات والحروب الأهلية لارتباط هذه الدول الكبرى بشكل مباشر أو غير مباشر بتلك الأزمات وتناقض مصالحها ورؤاها بشأن معالجتها مما أدى إلى عدم التوافق حول حل سياسي بشأنها، وطرحت الحلول السياسية لتلك الأزمات خارج إطار المجلس، رغم إصداره العديد من القرارات بشأنها إلا أنها لم تفض في النهاية إلى حلول وتسويات سلمية نهائية.

وذات الحال فيما يتعلق بقضية الإرهاب وسبل معالجته، فرغم اتفاق الدول الكبرى على مواجهة خطر الإرهاب باعتباره المصدر الرئيسي لتهديد السلم العالمي، إلا أن التناقضات بين الدول الكبرى والإقليمية بشأن وضع تعريف لمفهوم الإرهاب وما هي الجماعات الإرهابية أو الدول التي ترعاه، قد انعكست أيضًا على فشل المجلس في معالجة تلك القضية رغم صدور عشرات القرارات التي تعالج قضية الإرهاب بل إن الدول الكبرى وسياساتها قد ساهمت في تصاعد المشكلة، وهو ما أبرزته تجربة التنظيمات الإرهابية في منطقة الشرق الأوسط حيث لا توجد رؤية موحدة بشأن التعامل مع كافة التنظيمات المسلحة. ولذلك شكلت الصراعات داخل الدول بيئة مواتية لنمو وتصاعد خطر الإرهاب الدولي، كتنظيم داعش وجبهة النصرة وتنظيم القاعدة ومليشيات الحوثي الإرهابية وغيرها، نتيجة لحالة الفراغ الناتجة عن انهيار الدولة ومؤسساتها وتغذية القوى الكبرى لها وفشلها في مواجهة الإرهاب.

وتكمن معضلة إصلاح مجلس الأمن الأساسية في خلل في النظام الدولي وحالة الاضطراب الذى يعيشه منذ انتهاء الحرب الباردة وحتى الآن، فبعد انتهاء النظام الدولي ثنائي القطبية الذى ساد إبان الحرب الباردة والصراع بين المعسكرين الغربي والشرقي وتسبب في حالة شلل لمجلس الأمن بسبب إسراف القوى الكبرى، الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، في استخدام الفيتو تجاه الأزمات التي يعالجها المجلس وتنخرط فيها الدولتان وتتعارض قراراته مع مصالحهما ساد النظام أحادي القطبية الذى تسيطر عليه الولايات المتحدة منذ التسعينيات من القرن الماضي، وانعكس ذلك في زيادة نشاط المجلس واستعادة دوره في معالجة الأزمات والصراعات الدولية بسبب غياب استخدام الفيتو لكن تم توظيفه سياسيًا من قبل الولايات المتحدة حيث تم تفعليه في الأزمات التي يراد له أن يتدخل فيها كنوع من إضفاء الشرعية على التدخلات الأمريكية كما حدث في أفغانستان والعراق وليبيا. لكن مع دخول النظام الدولي مرحلة جديدة خلال العقد الأخير, وسيادة حالة من الضبابية حول شكل وهيكل هذا النظام نتيجة للتصارع بين الولايات المتحدة التي تسعى بكل السبل للحفاظ على هيمنتها عليه، وبين روسيا والصين اللتان تسعيان لإقامة نظام متعدد الأقطاب، انعكست تلك الحالة سلبيا على مجلس الأمن حيث عاد مرة أخرى لحالة الشلل وعجز عن معالجة الكثير من الصراعات والحروب خاصة في العقد الأخير نتيجة للإسراف في استخدام الفيتو من جانب الدول الدائمة العضوية، خاصة أمريكا وروسيا والصين وهو ما انعكس في حالة الصراع في أوكرانيا وسوريا واليمن وليبيا والقضية الفلسطينية حيث فشل المجلس في التعامل مع تلك الأزمات أو إنهاء الصراعات فيها نظرًا لأن الدول الكبرى منخرطة بشكل أو بآخر فيها واستخدامها حق الفيتو ضد أية قرارات تتعارض مع مصالحها أو مصالح حلفائها، والنتيجة أن ذلك تسبب في إطالة أمد تلك الصراعات وأصبحت إدارتها خارج المجلس من قبل تلك الدول واختزل دور الأمم المتحدة فقط على الجوانب الإنسانية.

دوافع إصلاح مجلس الأمن:

الواقع أن عملية إصلاح المجلس أصبحت ضرورة حتمية تفرضها المتغيرات الكبيرة التي شهدها العالم في العقد الأخير، وأولها: التغير في النظام الدولي حيث لم تعد الولايات المتحدة القطب الوحيد فيه، بل برزت قوى أخرى مثل روسيا والصين واليابان والهند والبرازيل، وهذه الدول تحظى بمقومات اقتصادية وعسكرية وسياسية كبيرة وتمارس دورًا متصاعدًا في تفاعلات النظام الدولي وأزماته، وبات من الضروري أن يعكس المجلس التوازنات الجديدة في النظام الدولي.

وثانيها: تغير مصادر تهديد السلم والأمن الدوليين.فخلال فترة الحرب الباردة كان المصدر الأساسي لتهديد السلم العالمي هو الحروب بين الدول برغم أن سياسة الردع النووي والاستقطاب بين الكتلتين الشرقية والغربية قد ساهم في تحجيم هذا التهديد إلى حد ما، وبعد انتهاء الحرب الباردة برزت المصادر الجديدة غير التقليدية لتهديد السلم والأمن الدوليين حيث أصبحت الحروب الأهلية داخل الدول هي المصدر الرئيسي للسلم العالمي، حيث شهدنا موجات عديدة من الحروب الأهلية في قارات العالم المختلفة، تمثلت في حرب البلقان الناتجة عن تفكك يوغسلافيا التي شهدت ارتكاب مجاز جماعية في البوسنة والهرسك وكرواتيا وكوسوفو، والحروب الطاحنة في جورجيا ودول كثيرة في آسيا الوسطى، ونزاعات الانقلابات العسكرية في أمريكا اللاتينية، واحتلت إفريقيا النصيب الأكبر من الحروب الأهلية في رواندا وبورندي والكونغو والسودان وغيرها، ثم شهدنا موجة جديدة من الحروب الأهلية في أوكرانيا وسوريا واليمن وليبيا والصومال وجنوب السودان والكثير من الدول الأفريقية وفى فنزويلا وتباينت أسباب تلك الحروب من صراعات عرقية وقبلية وما بين صراعات سياسية ودينية.

كذلك تصاعد خطر الإرهاب كمهدد للسلم الدولي، وانتشار الحركات الأصولية والدينية المتطرفة والجماعات الإرهابية مثل تنظيم القاعدة التي تكاثر من التنظيم الأم في أفغانستان، إلى حركات إقليمية منتشرة عبر أماكن كثيرة من العالم كجماعة بوكو حرام في نيجيريا وحركة أنصار الدين في مالي وإفريقيا الوسطى وحركة شباب المجاهدين في الصومال وتنظيم القاعدة في جزيرة العرب في اليمن والجماعات الإرهابية في سيناء مثل بيت المقدس وأجناد الأرض، ثم أضيف إليها مؤخرًا تنظيمات أكثر تطرفًا وعنف مثل تنظيم داعش في العراق وسوريا وجماعة أنصار الشريعة وغيرها. كذلك تنامي ظاهرة الهجرة غير المشروعة ومشكلات اللاجئين وانتشار أسلحة الدمار الشامل، يضاف إلى ذلك خطر الأمراض مثل الإيبولا في إفريقيا وأنفلونزا الطيور ومشكلات الأعاصير والزلازل والتصحر والجفاف، وضحايا هذه المصادر تفوق ضحايا المصادر التقليدية مثل الحروب العالمية والحروب بين الدول.

وثالثها: التوسع الكبير في صلاحيات مجلس الأمن الدولي بعد انتهاء الحرب الباردة خاصة المادة 39 التي تعطى المجلس صلاحية تقدير مصادر تهديد السلم والأمن الدوليين والتي أدت لتوسيع هذا المفهوم وإدراج العديد من المصادر مثل جرائم الحرب وجرائم الإبادة الإنسانية لاعتبارات عرقية ودينية وطائفية، وانتهاكات الديمقراطية، كذلك التوسع في استخدام الفصل السابع من الميثاق الذى يتضمن فرض عقوبات اقتصادية وعسكرية على الدول والجماعات التي تشملها قرارات المجلس والتي انحرفت عن مسارها في كثير من الحالات، كما أنها أدت لتدخل الدول الكبرى في شؤون الدول النامية والصغرى تحت مظلمة انتهاكات الديمقراطية وحقوق الإنسان.

وكل هذه المتغيرات تشكل تهديدات حقيقية وخطيرة للسلم والأمن الدولي وتطلب تطوير نظام جديد للأمن الجماعي مختلف عما هو موجود في الميثاق والذي لم يطبق فعليا على الأرض، خاصة وأن مجلس الأمن الدولي بتركيبته الحالية ونمط العضوية فيها واحتفاظ الدول الخمس الكبرى بحق الفيتو أصبح عاجز عن مواجهات المصادر الجديدة غير التقليدية للسلم العالمي. وتعد الحرب بالوكالة أخطر مصادر التهديد الآن التي يقف المجلس عاجزًا عن التعامل معها، فالدول لم تعد تحارب بعضها البعض بشكل مباشر، وإنما عبر وكلاء وحلفاء يعبرون عن مصالحها وينفذون أجندتها، ولعل الحالة الإيرانية أبرز مثال على ذلك، حيث لم تتدخل إيران في حروب مباشرة مع الدول الأخرى ولكنها تتدخل في الكثير من الدول والصراعات عبر أذرعها العسكرية الإرهابية مثل حزب الله اللبناني ومليشيا الحوثي الانقلابية ومليشياتها المتعددة في سوريا والعراق مثل فصائل الحشد الشعبي وغيرها وتسببت تلك التدخلات الإيرانية في زعزعة استقرار وأمن تلك الدول وإطالة أمد الحروب فيها وفى تصاعد خطر الإرهاب، ومع ذلك لم يستطع مجلس الأمن معاقبة إيران عبر آليات محددة تردعها عن دعمها للإرهاب وتطوير برنامجها الصاروخي الذى تزود بها حلفاءها في تلك الدول. كما أن الدول الكبرى تتدخل في الصراعات المختلفة سواء بشكل مباشر عبر التدخل العسكري أو بشكل غير مباشر عن طريق دعم أحد حلفائها في الصراع عسكريًا وسياسيًا كما تجسده الحالة السورية في إطار صراع المصالح والنفوذ بينها.

مبادرات لإصلاح مجلس الأمن الدولي:

لاشك أن المطالبات بإصلاح مجلس الأمن امتدت لأكثر من عقد ونصف وتراوحت ما بين الصعود والخفوت أكثر من مرة، وقدمت عشرات المبادرات لإصلاح مجلس الأمن سواء تركيبه أو آلية اتخاذ القرارات فيه خاصة المتعلقة بحق استخدام الفيتو، بل أن مجموعة ج4، وهى اليابان وألمانيا والبرازيل والهند قدمت مشروع في عام 2005م، يتضمن زيادة أعضاء مجلس الأمن من 15 إلى 25 عضوًا، واقترح المشروع أن تضم العضوية الجديدة ستة أعضاء دائمين وأربعة أعضاء غير دائمين وأن يتم منح عضوين دائمين لكل من إفريقيا وآسيا وعضو دائم جديد لدول أمريكا اللاتينية والكاريبي ومقعد لأوروبا الغربية، وقد قوبل المشروع آنذاك بالرفض من جانب الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة. كما قدمت العديد من التصورات المختلفة للإصلاح، خاصة المنظمات الإقليمية مثل الاتحاد الإفريقي أو مبادرات من جانب الدول وكلها تدور حول توسيع العضوية وإصلاح نظام صنع القرار في المجلس خاصة حق الفيتو، لكنها جميعًا لم تترجم حتى الآن إلى أرض الواقع، وذلك لعدة عوامل الأول: عدم وجود توافق دولي حول صيغة محددة للإصلاح نتيجة للاختلاف حول معايير الانضمام أو صلاحيات الدول التي سوف تنضم وهل ستحظى بالفيتو أم لا. والثاني: معارضة الدول الكبرى صاحبة العضوية الدائمة في المجلس لأي إصلاح قد ينتقص من المزايا التي تتمتع بها وأبرزها حق الفيتو فإصلاح المجلس يتطلب تعديل الميثاق وهذا بدوره يتطلب موافقة تلك الدول أولا.

رؤية بطرس غالي:

ومن أبرز مشروعات الإصلاح تلك التي قدمها الراحل الدكتور بطرس غالى أمين عام الأمم المتحدة الأسبق رؤيته بشأن دور مجلس الأمن فيما عرف بأجندته للسلام عام 1992م، والتي ارتكزت على أربعة مفاهيم متكاملة وهي: أولا مفهوم الدبلوماسية الوقائية، وتقوم على العمل لمنع نشوب المنازعات بين الأطراف، ومنع تصاعد المنازعات القائمة وتحولها إلى صراعات، ووقف انتشار هذه الصراعات عند وقوعها, وثانيًا مفهوم صنع السلام، من خلال التوفيق بين الأطراف المتعادية، عبر جهود الوساطة والمساعي الحميدة والتسوية السلمية للمنازعات، وثالثًا مفهوم حفظ السلام، عبر نشر قوات تابعة للأمم المتحدة في مناطق الصراع بموافقة جميع الأطراف, ورابعًا مفهوم بناء السلام بعد انتهاء الصراع, من خلال العمل على تحديد ودعم الهياكل التي من شأنها تعزيز وتدعيم السلم لتجنب العودة إلى حالة النزاع.

وأهم ما يميز هذه الرؤية أنها متكاملة ومترابطة لإنهاء الصراع أو الأزمة فإذا كانت الدبلوماسية الوقائية تستهدف حل المنازعات قبل تحولها إلى صراع مسلح، فان صنع السلام وحفظ السلام ضروريان لوقف الصراع بعد تحقيقه وهما يعزران فرصة بناء السلم بعد انتهاء الصراع، وهذا ما قد يحول دون نشوب العنف بين الدول وداخلها. كما أنها ملائمة لطبيعة الصراعات ومصادر التهديد الحالية خاصة الصراعات والحروب الأهلية داخل الدول على أسس عرقية ودينية وسياسية ومذهبية فهذه الصراعات ليست كالصراعات التقليدية بين جيشين نظاميين لدولتين يمكن التدخل بالوسائل التقليدية مثل الوساطة أو وقف إطلاق النار بينهما، ولكنها تحتاج لوسائل غير تقليدية لأنها تدور إما بين جيوش نظامية ومجموعات مسلحة أو بين المجموعات المسلحة وبعضها البعض، وقد تقع لأسباب داخلية خاصة بالتغيير السياسي كما هو في حالة في سوريا واليمن وليبيا والصومال، أو لأسباب انفصالية كما هو الحال في أوكرانيا وجنوب السودان والعديد من الدول الأخرى, أو لأسباب عرقية كما حدث في راوندا بين التوتسي والهوتو أو في البلقان بين الصرب والكروات والألبان، أو لأسباب دينية ومذهبية، كما أن هذه الصراعات متعددة ومتشابكة الأطراف المحلية والإقليمية والدولية، ومما ساهم في تعقدها وإطالة أمدها, حيث أن الأطراف الإقليمية والدولية غالبًا ما تدعم أحد أطراف الصراع لاعتبارات سياسية وإيديولوجية ومصلحية، بل إن الدول الكبرى في إطار الحرب الباردة الجديدة غالبًا ما تعتمد على الحرب بالوكالة لمواجهة خصومها كما يجسده بوضوح الصراع في سوريا.

لذلك فإن تسوية الصراعات الأهلية ومواجهة الإرهاب تتطلب وسائل غير تقليدية جسدتها أجندة الدكتور غالى للسلام فكثير من الصراعات والأزمات يمكن تجنبها قبل وقوعها إذا ما تحركت الأمم المتحدة والقوى الكبرى لنزع فتيلها، كذلك فإن إدارة الصراع بعد وقوعه تتطلب الحيادية والموضوعية وعدم الانحياز لطرف على حساب الآخر وتنحية المصالح السياسية التي تؤجج الصراع، والأهم أن يكون تدخل الأمم المتحدة، في إطار مفهوم بناء السلام الذى طرحه بطرس غالي، وهو إعادة الثقة والتلاحم المجتمعي بين أطراف الصراع واستبدال ثقافة الكراهية والاستئصال ونفى الآخر بثقافة التعايش والتوافق وتكريس الديمقراطية الحقيقية التي ترتكز على مبدأ المواطنة، الذى يساوي بين جميع أبناء الوطن الواحد في الحقوق والواجبات بغض النظر عن اختلافاتهم العرقية أو الدينية أو اللغوية أو السياسية، وأن التعدد عامل ثراء وليس عامل صدام، وأن تكلفة السلام والتعايش أقل كثيرًا جدًا من تكلفة الصراع والحرب التي تؤدي لعواقب وخيمة على جميع الأطراف وأن الكل خاسر فيها، وهو الدرس الأساسي الذى يجب أن يستوعبه الجميع من تجارب الصراع والحروب خلال العقدين الماضيين. لذلك فإن هناك حاجة لإعادة تفعيل أفكار ومشروع غالى لتطوير دور مجلس الأمن في حفظ السلم الدولي.

ولذلك فإن عملية إصلاح مجلس الأمن ممكنة لكنها ينبغي أن تكون في إطار رؤية شاملة وواضحة وتستهدف ترشيد صلاحيات المجلس ومنع تسييسه، وأن يكون ضمن توافق دولي حقيقي، وأن تكون هناك إرادة جماعية دولية وتنسيق بين دول العالم الثالث للضغط الحقيقي لإصلاح المجلس سواء عملية صنع القرار وترشيد استخدام الفيتو، أو توسيع العضوية وإدخال دول جديدة تحظى بالعضوية الدائمة وأن تساهم توسعة العضوية الدائمة وغير الدائمة في تحقيق التوازن داخل المجلس، وليس تعقيده أو شله وتقليل فاعليته، وأن يكون عاكسًا للتوزيع العادل للقوة في النظام الدولي ولقاراته الخمس، وأن تكون هناك رقابة قانونية وسياسية من جانب الجمعية العامة ومحكمة العدل الدولية لمنع انحراف المجلس عن أداء وظائفه، ولكى يكون دوره أكثر فاعلية في تحقيق السلم والأمن الدوليين في ظل المخاطر والتحديات الكبيرة التي يواجهها العالم حاليًا.

كما أن إصلاح مجلس الأمن الدولي لأداء دوره بفاعلية في حفظ السلم والأمن الدوليين، لا يجب أن يقتصر فقط على إصلاح نظامي العضوية والفيتو، وإنما يكون للمجلس دورًا إيجابيًا ومبادرًا في بناء السلام ونشر ثقافة السلام والتعايش ودعم الديمقراطية وإدارة الخلافات بطريقة سلمية وتفعيل الفصل السابع فيما يتعلق بانتهاكات الديمقراطية وحقوق الإنسان، ودعم عملية التنمية ومواجهة الفقر والتخلف وتحقيق العدالة الدولية ونشر ثقافة التسامح والتعايش بين الحضارات والأديان والثقافات.

وإجمالاً أصبح العالم يعيش الآن واقعًا جديدًا من تصاعد خطر الإرهاب والتطرف والحروب الأهلية والأزمات الداخلية، وهو واقع يختلف عن ظروف ما بعد الحرب العالمية الثانية التي كتب فيها ميثاق الأمم المتحدة، وأصبحت الحاجة ضرورية إلى إعادة مراجعة دور مجلس الأمن وإصلاحه بشكل حقيقي للتكيف والتعامل مع هذه الأخطار الجديدة للسلم والأمن العالميين.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*خبير العلاقات الدولية والمتخصص في الشؤون الأمريكية بالأهرام ـ مصر

 

كلمات دليلية

الشركات المعلنة