انت هنا: الرئيسية جميع المقالاتتقرير خاصمدرستان للنظام الإقليمي: المؤسسي الشامل والتوازن الحصري

مدرستان للنظام الإقليمي: المؤسسي الشامل والتوازن الحصري

انشأ بتاريخ: الخميس، 08 آب/أغسطس 2019

يُمكن القول بأن الشرق الأوسط يفتقر اليوم إلى نظام إقليمي بأي معنى إيجابي لهذه الكلمة. فالشرق الأوسط هو أقل نظام فرعي إقليمي مُنسق ومُنظم حول العالم؛ حيث تعاني العديد من دول الشرق الأوسط من حروب أهلية، استدعت تدخل القوى الأجنبية والإقليمية في محاولتها لتعزيز نفوذها بالمنطقة.

ويعتبر التوتر الإيراني أحد خطوط الصدع السياسية الرئيسية في المنطقة، والتي بدت واضحة في الشرق الأوسط منذ بداية الربيع العربي في عام 2011م. ومع ذلك، قد يرجع هذا النزاع الإقليمي تاريخيًا إلى قيام الثورة الإيرانية في عام 1979م، عندما حاولت طهران تصدير الثورة إلى الدول المجاورة، دون أن تحقق نجاحًا كبيرًا في هذا الشأن.

ومع ذلك، فقد منح الربيع العربي طهران فرصة أخرى لتوسيع نفوذها الإقليمي ليشمل البلدان التي مزقتها الصراعات، وخاصة سوريا واليمن والبحرين، بالإضافة إلى تعزيز نفوذها في العراق ولبنان.

ويتمثل ذراع إيران الرئيسي في المنطقة في تحالفها مع عناصر مسلحة غير حكومية، كما هو واضح في التحالف مع حزب الله في لبنان، وقوات الحشد الشعبي في العراق، وجماعة الحوثيين في اليمن. وقد أشارت تلك الجماعات إلى ولائها لطهران، وأعربت عن عزمها تهديد أمن دول الخليج العربي، من خلال توجيه تهديدات لعرقلة الأمن البحري في البحر الأحمر، بالقرب من مضيق باب المندب.

وقد أثارت هذه التطورات غضب الرياض التي بدأت بالتعاون مع الإمارات ومصر إلى جانب بعض الدول الأخرى من أجل الحد من نفوذ إيران الإقليمي، وبصفة خاصة في اليمن وسوريا. ولذلك، أنشأت السعودية التحالف العربي لاستعادة الشرعية في اليمن من أجل إضعاف نفوذ الحوثيين على اليمن. كما تبحث الرياض إمكانية إقامة إطار تعاوني بين دول البحر الأحمر لإحباط النفوذ الإيراني في هذه المنطقة.

وعلى الجانب الآخر، تؤثر الولايات المتحدة وروسيا على هذه المنافسة من خلال محاولتهما السعي إلى تحقيق مصالحهما. فقد حاول الرئيس الأميركي دونالد ترامب إنشاء تحالف أمني بقيادة أمريكية أُطلِق عليه اسم "تحالف أمن الشرق الأوسط" (ميسا). ويهدف هذا التحالف بشكل أساسي إلى تقليص نفوذ طهران في المنقطة، مع إعادة فرض العقوبات عليها في محاولة لإجبارها على وقف سياسات التدخل في شؤون دول المنطقة.

من جهتها، سعت روسيا للتوسط بين الرياض وطهران، ولكنها لم تنجح. وعلاوة على ذلك، تتنافس موسكو مع الإيرانيين حول بسط النفوذ والسيطرة في سوريا، وتطوره تعتبره الدول العربية المتحالفة تطورًا إيجابيًا، حيث يحاولون استعادة علاقاتهم الدبلوماسية مع الحكومة السورية في محاولة لإضعاف النفوذ الإيراني.

ومع ذلك، فإن محاولة تسوية بعض الصراعات الإقليمية في سوريا والعراق واليمن قد تمهد الطريق لصياغة قواعد ومعايير جديدة لنظام إقليمي يحكم التفاعلات بين المملكة العربية السعودية وإيران، ويقلل من حدة الصراع الإقليمي.

إن طبيعة ومصدر النظام الدولي من أكثر المسائل المتنازع عليها في العلاقات الدولية. وعلى الصعيد العملي، تظهر مشكلة النظام في أعقاب الحروب النظامية، سواء على الصعيد الدولي أو الإقليمي، حيث يتم تدمير النظام القديم، ليبدأ ظهور نظام جديد؛ حيث تحاول البلدان المنتصرة في الحرب صياغة قواعد وترتيبات تنظيمية جديدة. ومن أمثلة ذلك فترة ما بعد الحرب العالمية الاولى (1919م) وفترة ما بعد الحرب العالمية الثانية (1945م) ونهاية الحرب الباردة بعد عام 1989م، ففي هذه الظروف الحرجة، تمتلك الدول القوية الصاعدة حديثًا فرصة تشكيل النظام الدولي.

وعلى المستوى النظري، يمثل النظام أحد الشواغل الرئيسية للمؤلفات المتخصصة في العلاقات الدولية، ولاسيما، كيفية تطويره، وتفكيكه، وإعادة بنائه. ولذلك، لا يزال هناك تصورات مختلفة لما قد تعنيه كلمة "النظام" في العلاقات الدولية.

وفيما يتعلق بالنظام الفرعي الإقليمي، يمكن القول بأن باري بوزان وأولي وايفر كانا من الباحثين الأوائل الذين قدموا مفهوم "الأمن الإقليمي"، باعتباره وسيطًا بين نظام الدولة والنظام العالمي. وقد أوضحا أن الأقاليم الأمنية تُشكل نظامًا فرعيًا تكون فيه غالبية التفاعلات الأمنية داخلية. فالدول، على سبيل المثال، تخشى جيرانها وتتحالف مع الجهات الفاعلة الإقليمية الأخرى. وغالبًا ما تكون الحدود بين الأقاليم عبارة عن مناطق ذات تفاعل ضعيف، أو قد تكون محتلة بواسطة جهة عازلة (مثل بورما وأفغانستان).

يؤدي التجاور الفعلي البسيط إلى توليد تفاعل أمني بين الجيران أكثر مما يحدث بين الدول الواقعة في مناطق مختلفة. فالتقارب أمر مهم لتحقيق الأمن، لأن العديد من التهديدات تنتقل بسهولة عبر المسافات القصيرة أكثر من المسافات الطويلة. ولذلك، فإن تأثير التقارب الجغرافي على التفاعل الأمني هو الأقوى والأكثر وضوحًا في القطاعات العسكرية والسياسية والمجتمعية والبيئية من القطاع الاقتصادي. وتشير القاعدة العامة إلى أن التجاور يعزز من التفاعل الأمني.

وقد حدد ويليام تومبسون أربعة مؤشرات للإقليم: (1) التفاعلات المنتظمة والمكثفة (2) القرب الجغرافي (3) اعتراف الأطراف الفاعلة بالنظم الفرعية كمنطقة مميزة و(4) وجود طرفان فاعلان كحد أدنى.

وفيما يتعلق بتحديد الأقاليم، فليس من غير المألوف الإشارة إلى المتغيرات مثل التشابه الاجتماعي الثقافي، والقيم المشتركة، والهوية المشتركة. وجدير بالذكر أن إدراج هذه العوامل لتحديد الأقاليم يسبق مرحلة المدرسة البنائية في التفكير. ومع ذلك، تعتبر مركزية الأفكار والمعايير في النظام الإقليمي أمرًا مثيرًا للتنازع، حيث يتبنى بعض العلماء مركزية الأفكار في التنظير للإقليم، وبعد ذلك يشيرون إلى العوامل المادية، بينما يذهب أخرون إلى أن توزيع السلطة يحتفظ بمركزيته، وبالتالي يُعطي العوامل الفكرية دورًا ثانويًا.

ومثال على العنصر الأخير "بوزان" و"وايفر" اللذان يعتقدان أن الأقاليم تُبنى اجتماعيًا، ومع ذلك، يستند تركيزهما على الجغرافيا السياسية وتوزيع السلطة، بالإضافة إلى دور القوى العظمى في البناء الإقليمي. وباعتبارها منشآت اجتماعية، تعتبر الأقاليم ضرورة إيديولوجية بطبيعتها، حيث تلعب الأفكار والقواعد التي يتم وضعها واستدامتها فيما يتعلق بعملية الهيكلة الإقليمية دورًا في توضيح خصائص ومميزات كل منطقة.

وبالنسبة لتعريف النظام، يُمكن القول بأنه بمراجعة أدبيات العلاقات الدولية، هناك مفهومان لمصطلح "نظام". أما المفهوم الأول فهو انعكاس التوزيع الحالي للسلطة بين العديد من الدول في نظام دولي أو إقليمي، دون الأخذ في الاعتبار فعاليته في تحقيق السلام أو الأمن. وأما المفهوم الثاني، فهو يُشير إلى مستوى الاستقرار والقدرة على التنبؤ داخل النظام. وبالتالي، فالأول يعتبر وصفي، والأخير يعتبر موجه نحو النتائج.

تعد المدرسة الواقعية من الأمثلة على المفهوم الأول؛ إذ تعمل على تقييم تأثير توزيع السلطة بين الدول القوية بناءً على "النظام المنهجي". ووفقًا للمدرسة الواقعية، يتسم النظام الدولي بالفوضوية، وعليه تعمل كل دولة على تحقيق أمنها من خلال القوة المتراكمة، وبالتالي يمكن تحقيق الأمن والاستقرار من خلال آليات "توازن السلطة" أو من خلال سيطرة الدول القوية على النظام.

وفيما يتعلق بالمفهوم الثاني، فهناك العديد من التعريفات، ومن أبرزها مساهمة "أورجانسكي"، التي عرّفت "النظام الدولي" بأنه القواعد الأمنية، والعسكرية، والاقتصادية، والدبلوماسية ومبادئ المشاركة، والتي تكون مدعومة بدرجة أكبر أو أقل من قبل جميع الدول في النظام الدولي".

ومن الموضوعات الأساسية الشائعة في هذا التعريف هو الاعتراف بأن النظام الإقليمي يتأثر "بالمتغيرات التي تعمل على الصعيدين العالمي والمحلي". وعلاوة على ذلك، يمكن أيضًا تعريف " النظام الإقليمي" بأنه " القواعد الأمنية، والعسكرية، والاقتصادية، والدبلوماسية ومبادئ المشاركة، والتي تكون مدعومة بدرجة أكبر أو أقل من قبل جميع الدول في النظام الدولي، بالإضافة إلى القوى الإقليمية الخارجية."

وفي السياق نفسه، عرف "ليفر" النظام الإقليمي على أنه "وجود هيكل ثابت للعلاقات الإقليمية بين الحكومات تسترشد بوجود افتراضات مشتركة حول أسس السلوك بين الدول ". وعلى الرغم من ذلك، قدم "ليك" و"مورجان" تعريفًا دقيقًا للنظام الإقليمي بأنه "أسلوب إدارة الصراع داخل مجمع الأمن الإقليمي." وبذلك، فقد افترضا "أن العلاقات في الغالب تكون عبارة عن صراع، ويتعين حل التوترات من خلال إدارة هذا الصراع."

وفيما يتعلق بالسؤال المطروح الخاص بكيفية تحقيق الاستقرار في النظام الإقليمي، تمتلك كل من المدرسة الواقعية الجديدة، والمدرسة الليبرالية الجديدة، والمدرسة البنائية وكذلك المدرسة الإنجليزية تصورهم الخاص حول كيفية تحقيق الاستقرار.

ويوجد داخل المدرسة الواقعية رؤيتان متنازعتان حول كيفية تحقيق "النظام". أما الرؤية الأولى فهي تتعلق بالواقعيين الذي يتبنون مبادئ السيطرة. ووفقًا لهؤلاء، فإن المبدأ الأساسي للنظام الدولي و(الإقليمي) هو سيادة الدول، والتي تؤدي إلى تكثيف المنافسة بين العديد من الدول، ولكن نظرًا لأن هناك تعادل في القوة فيما بينهم، من حيث القوة العسكرية والاقتصادية، فإن الدولة القيادية (المهيمنة)، والتي لديها ما يكفي من القوة، سوف تستخدم هذه القوة لفرض القواعد التي ستسمح بإنتاج السلع العامة، مثل الأمن أو التجارة المحررة التي تستفيد منها. وعليه، ووفقًا لهذا الرأي، يُمكن خلق نظام ينتج من خلال تركيز القوة في دولة واحدة، وبالتالي فهم يرون الأمر الدولي كمجالات وظيفية للتأثير.

وأما الرؤية الثانية، فهي تتعلق بالداعمين لنظرية "توزان السلطة"، والذين يذهبون إلى أن الاستقرار (النظام) يُمكن إنشاؤه من خلال الحفاظ على التوازن بين دولتين قياديتين أو تحالف بين دول متعددة. وعليه، يعد تكوين تحالفات وبناء جيوش من استراتيجيات قوة الإكراه أو القوة الصلبة "hard power " التقليدية لاستعادة النظام.

ومع ذلك، يتعين تحديد تعديل مهم على مفهوم الفوضى في المستوى الإقليمي، لأنه لا ينطبق بالفعل على المستوى الإقليمي؛ إذ تعد القوى الإقليمية مقيدة بواحدة أو أكثر من القوى العظمى، بالإضافة إلى القوى الإقليمية الثانوية، الذين قد يدخلون في تحالفات مع قوى عظمى خارج الإقليم لتحقيق التوازن ضد الدول المهيمنة داخل أقاليمهم.

وعلاوة على ذلك، فإن سياسات الأقاليم، التي تشارك فيها القوى العظمى الخارجية بدرجة كبيرة، ينبغي أن تؤخذ في الاعتبار لأن تلك السياسيات قد تأخذ شكلًا تنافسيًا، وتعاونيًا، ومهيمنًا وانفصاليًا، فضلاً عن وجود آثار لهذه السياسات على النظام والسلام الإقليمي.

وعلى الجانب الأخر، تفترض المدرسة الليبرالية الجديدة أن الدول تعمل بوعي على إنشاء مؤسسات دولية من أجل معالجة مجموعة من المخاوف، مما يُمكن الدول من التعاون والوصول بشكل متبادل للنتائج المرجوة، فضلاً عن خفض التكلفة المرتبطة بصناعة القرارات المستقلة وتحقيق مصالح نسبية. وبالتالي، يمكن إنشاء النظام على الرغم من الطبيعة الفوضوية الخاصة بالنظم الدولية.

اتخذت المدرسة البنائية خطوة إضافية، حيث تفترض أن هوية تلك الدول ستقلل من حالة انعدام اليقين في النظام الدولي، حيث تزود تلك الدول بالأساس الذي يُمَكِنهم من توقع سلوك كل منهم، وبالتالي فليس المقصود من التعاون عبر المنظمات الدولية تحقيق المكاسب فقط، وإنما أيضًا الحفاظ على الهوية. وبذلك، يكون التعاون بين الدول أكثر احتمالاً، بحيث يُبنى على أساس أقوى من تركيز المدرسة الليبرالية الجديدة على المكاسب النسبية فقط. وبصورة أخرى، تفترض المدرسة البنائية أن العلاقات الدولية يمكن "تأسيسها اجتماعيًا" بشروط تستند إلى القيمة والمعيارية بدلًا من المصالح المادية، على عكس ما تفترضه كل من المدرسة الواقعية الجديدة والليبرالية الجديدة.

وعلى الجانب الآخر، تفترض كل من المدرسة الواقعية الجديدة والمدرسة الليبرالية الجديدة أنه يمكن النظر إلى "التوازن المؤسسي" كأداة لاستعادة النظام من خلال وضع القواعد، والأجندات. ويعتبر التوازن المؤسسي شكلاً من التوازن الناعم، حيث تتصدى الدول للضغوط أو التهديدات من خلال إنشاء المنظمات متعددة الأطراف واستغلالها والسيطرة عليها كخيار عملي لخلق الأمن في ظل الفوضى. وهناك بعض العوامل التي تحث الدول على تبني تلك الاستراتيجية، والتي تؤدي إلى وجود ترابط اقتصادي عالي المستوى، مما يجعل اللجوء إلى التحالفات العسكرية غير مناسب للحفاظ على تهديدات النظام. بينما يعتبر العامل الآخر هو توزيع السلطة داخل النظام الدولي.

هناك شكلان للتوازن المؤسسي يمكن تمييزهما. الأول، التوازن المؤسسي الشامل، حيث يتم دمج الدولة المُهددة في نفس المؤسسة متعددة الأطراف. ويعد الغرض الأساسي هو السيطرة على سلوك الدولة المُهددة من خلال بناء القواعد والمعايير ومعالجة القضايا المرتبطة بمصالحهم في المنظمات متعددة الأطراف.

ويعد الشكل الثاني، هو التوازن المؤسسي الحصري، حيث يتم إبعاد الدولة المهددة من الانضمام للمنظمة متعددة الأطراف، في محاولة لتعزيز الوحدة الاقتصادية والسياسية للدول الأعضاء من أجل مقاومة الضغوط من الأطراف الخارجية.

بينما يعتقد أخرون أنه لا يمكن الحفاظ على النظام الإقليمي دون اتفاق بين القوى الإقليمية الكبرى على حماية مبدأ عدم التدخل. ويمكن تعريف مبدأ عدم التدخل وظيفيًا ليشمل أربعة جوانب رئيسية، وهي: (1) الامتناع عن انتقاد حكومة الدول المجاورة تجاه شعبها، (2) انتقاد الدول التي تنتهك مبدأ عدم التدخل، (3) الحرمان من الملاذ الآمن، أو أي شكل من أشكال الدعم الأخرى لأي مجموعة متمردة تسعى إلى زعزعة استقرار حكومة دولة إقليمية أو الإطاحة بها، (4) تقديم الدعم السياسي والمادي للدول الأعضاء في سعيهم ضد الأنشطة التي تعمل على العبث بالاستقرار.

كان صراع السلطة بين التحالفات المتنافسة سمة منهجية للنظام الأمني الإقليمي العربي منذ إنشائه في عام 1945م، ويمكن القول بأن القوى الإقليمية في منطقة الشرق الأوسط نادرًا ما اشتركت في حرب بين دول المنطقة؛ حيث تم استبدال الحروب بالوكالة بالمواجهات المباشرة.

وخلال خمسينات وستينان القرن العشرين، شهد الشرق الأوسط صراعًا على السلطة بين معسكرين: الحكومات المحافظة والجمهوريات الاشتراكية. وقد انخرط كلا الجانبين في صراع عنيف من أجل الهيمنة على المنطقة، مما أدى إلى اندلاع حرب غير مباشرة وإسقاط حكومات في العراق وسوريا وليبيا والسودان. وكانت هذه الفترة هي الحرب الباردة الأولى بين الدول العربية، وهي لم تكن مجرد انعكاس لتنافس القوى العظمى، إذ كانت تحمل بُعدًا عربيًا مميزًا.

وخلال هذه الفترة، لعبت الأفكار دورًا بارزًا في تلك المنافسة، حيث نظرت الدول المحافظة إلى القومية العربية بقيادة الرئيس المصري جمال عبد الناصر باعتبارها أكبر تهديد لبقائها، خاصة بعد الإطاحة بالنظام في العراق.

وفي أعقاب الربيع العربي في عام 2011م، تدخلت بعض دول الخليج العربي وإيران عسكريًا في العديد من الدول العربية، ولا سيما في سوريا واليمن وليبيا. وقد شجعت الاضطرابات الداخلية التي شهدتها العديد من الدول العربية الجانبين على التدخل في محاولة لتغيير النظام الإقليمي لصالحهما.

وخلال جميع المواجهات المذكورة أعلاه، كانت الحروب بالوكالة هي القاعدة، بينما كانت المواجهات العسكرية المباشرة هي الاستثناء، كما في الحرب العراقية ـ الإيرانية، والغزو العراقي للكويت، وحرب تحرير الكويت بعد ذلك. وفي كل هذه النزاعات، كانت المنظمات الإقليمية مثل الجامعة العربية أو دول مجلس التعاون الخليجي غير فعالة في التعامل معها.

لقد تحطمت الخريطة الجيوسياسية في الشرق الأوسط، والتي تم فيها فحص التحالفات الأمنية الحالية، واُعيد رسمها مرة أخرى مع الغزو الأمريكي للعراق في عام 2003م.

أولًا، إن تصوير خريطة التحالفات الأمنية الحالية في الشرق الأوسط يبدأ بشرح أحدث التحالفات وهو التحالف التركي ــ القطري، المرتبط بشكل أساسي بجماعة الإخوان المسلمين، ولكنه برز على السطح بشكل أكثر وضوحًا منذ بداية الربيع العربي، والأزمة الخليجية، وبداية الصدع بين دول الخليج العربي - المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والبحرين من ناحية وقطر من ناحية أخرى - منذ يونيو 2017م، حيث تمتلك الدوحة وأنقرة نفس المواقف بشأن الدول التي تمزقها الصراعات مثل سوريا وليبيا، وذلك عبر دعمهما المالي للميليشيات الإسلامية المتطرفة.

وعلى الجانب الأخر، تقود إيران تحالفًا، يضم نظام الرئيس السوري بشار الأسد، وجماعة الحوثيين المتمردين في اليمن، والميليشيات الشيعية في العراق، وحزب الله في لبنان. بينما التحالف الثالث وهو الأكثر دراسة في هذا البحث، تقوده المملكة العربية السعودية ويضم الإمارات العربية المتحدة ومصر والبحرين والمملكة العربية السعودية.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كلمات دليلية

الشركات المعلنة