انت هنا: الرئيسية جميع المقالاتتقرير خاصأزمة سوريا تنتظر التوافق الدولي وتحمل السوريين مسؤولية إنهاء الانقسام

أزمة سوريا تنتظر التوافق الدولي وتحمل السوريين مسؤولية إنهاء الانقسام

انشأ بتاريخ: الخميس، 08 آب/أغسطس 2019

بعد أكثر من تسعة أشهر من انطلاق الثورة السورية، وتعمم نشاطاتها وفعالياتها على جميع أنحاء البلاد من أقصاها إلى أقصاها، وبعد تأجج الصراع وولوغ السلطة أكثر فأكثر بدماء الشعب، جاءت مبادرة جامعة الدول العربية للمساهمة في إيجاد حل سياسي عبر خطة تقتضي " سحب الجيش من المدن والإفراج عن السجناء السياسيين وإجراء محادثات بين السلطة والمعارضة ". لم تدم مهمة المراقبين العرب في سوريا أكثر من ثلاثة أسابيع، قبل أن تنتهي بفشل ذريع. إذ بدأت طلائع المراقبين العرب (67مراقبًا برئاسة الجنرال الدابي من السودان) في الوصول إلى دمشق يوم 22 / 12 / 2011م، وانتهت المهمة في 16 / 1 / 2012م. لأن موافقة النظام السوري، كانت أصلاً من قبيل المراوغة لكسب الوقت. وبالتالي لم يسمح لجامعة الدول العربية وبعثتها ومشروعها بأي دور ذي شأن في معالجة القضية وحقن دماء السوريين. وانطوت تلك الصفحة إلى غير رجعة، لتتسلم هيأة الأمم المتحدة المهمة أصالة عن نفسها ونيابة عن الجامعة العربية، ويبدأ ماراثون دولي وإقليمي من الاجتماعات والمؤتمرات والقرارات والمفاوضات في أكثر من محور ومكان، ويبقى جعجعة دون طحن، ما زالت مستمرة حتى اليوم.  

الأمم المتحدة: بداية مبكرة ودور مأمول

كان قرار الجامعة العربية بسحب مراقبيها، وتعيين كوفي أنان مبعوثًا خاصًا مشتركًا بين الجامعة العربية والأمم المتحدة إلى سوريا تعبيرًا عن عجز الجامعة وفشلها في أداء مهمتها. مما اقتضى تسليم هذه المهمة للأمم المتحدة. حيث توجد القوى الكبرى الإقليمية والدولية ذات الوجود الملموس والقرار المؤثر في مجريات الأمور على الأرض وفي إطار المنطقة.

قدَّم كوفي أنان في شباط-فبراير 2012م، خطة سلام للتسوية السياسية على أن يبدأ وقف إطلاق النار من قبل جميع الأطراف في العاشر من نيسان -أبريل 2012م. تتكون الخطة من ست نقاط، تبدأ بالتزام الأطراف بالتعاون مع المبعوث الأممي لتحقيق " عملية سياسية شاملة، تضمن وقفًا دائمًا للعنف المسلح بكل أشكاله والإفراج عن الأشخاص المحتجزين تعسفيًا " و" ضمان حرية الصحفيين واحترام حرية التجمع وحق التظاهر سلميًا " كما تتضمن تعهدًا

بتحقيق " التزامات مماثلة من المعارضة " بإشراف فعال من الأمم المتحدة.

وبعد محاولتين فاشلتين لمجلس الأمن الدولي (تشرين الأول -أكتوبر 2011م، وشباط -فبراير 2012م) في التوصل إلى قرار أممي يعالج الشأن السوري، ويدعم خطة الجامعة العربية، نتيجة الفيتو الروسي والصيني. نجح المجلس في التوصل إلى القرار 2042 تاريخ 14 / 4 / 2012م. الذي شدد على " التطبيق الشامل والفوري " لمقترحات كوفي أنان " بحرفيتها وبشكل عاجل ". ودعا كل الأطراف بمن فيها المعارضة إلى وقف العنف المسلح بكل أشكاله. كما أشار إلى إمكانية إنشاء بعثة أممية لمتابعة الأمور والتفكير بإجراءات جديدة إذا لزم الأمر. وفي 21 نيسان -أبريل 2012م، أصدر المجلس القرار 2043 المكون من 11 بندًا. يؤكد القرار الجديد تأييده لمشروع النقاط الستة للسيد أنان، ويطالب النظام السوري بالوفاء بالتزاماته بسحب القوات والأسلحة الثقيلة من المدن، ويقرر تشكيل بعثة مراقبين دوليين غير مسلحين للتحقق من تطبيق الخطة.

بيان جنيف 2012

غير أن ذروة النشاط الأممي والعربي وإنجازاته تمثلت في الاجتماع الذي دعا إليه المبعوث الخاص أنان، وانعقد في مقر الأمم المتحدة بجنيف تحت اسم " مجموعة العمل من أجل سوريا "، وحضره الأمين العام للأمم المتحدة وأمين عام جامعة الدول العربية ووزراء الخارجية لكل من روسيا الاتحادية والولايات المتحدة الأمريكية والصين وفرنسا وتركيا وبريطانيا وقطر والعراق والكويت وإيرلندا الشمالية وممثلة عن الاتحاد الأوروبي. عقد الاجتماع في 30 حزيران -يونيو 2012م، وصدرت عنه وثيقة هامة، عرفت بـ " بيان جنيف لعام 2012م ". ولأهمية هذا البيان أرسل بان كي مون الأمين العام للأمم المتحدة نسخة منه إلى رئيس مجلس الأمن الدولي وأخرى لرئيس الجمعية العامة للأمم المتحدة. أكد البيان على " ضرورة الضغط على جميع الأطراف لتطبيق خطة النقاط الستة " وأعاد التشديد على البنود الواردة في قراري مجلس الأمن 2042 و 2043 لجهة وقف إطلاق النار وفتح الباب أمام الحل السياسي.

ورغم أهمية ما طرحه البيان من أفكار وإجراءات (خطوات لتنفيذ خطة أنان – المبادئ والخطوط التوجيهية – تصور للمستقبل – السلامة والاستقرار – خطوات التوصل إلى اتفاق سياسي ذي مصداقية – الإجراءات التي يتخذها أعضاء مجموعة العمل). غير أن الأهمية الكبرى له، والتي جعلته أساسًا للعملية السياسية، يتكرر الاستشهاد به والبناء عليه في جميع قرارات مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة وجميع المؤتمرات واللقاءات، التي تبحث الشأن السوري لاحقًا، هي الخطة التفصيلية التي حددها البيان لعملية الانتقال السياسي المنشود. والتي تشكل وحدها المدخل لعملية الحل السياسي التي تحدث التغيير المطلوب وتوفر الأمن والاستقرار لسوريا وفي أنحاء المنطقة. وفي الوقت نفسه تحقق أكبر قدر من التوافق المحلي والإقليمي والدولي حولها، مما يشكل ضمانة كبيرة لنجاحها.

وتحت عنوان (خطوات في العملية الانتقالية) أشار البيان إلى أن نهاية النزاع رهن بتأكد الأطراف من وجود " سبيل سلمي نحو مستقبل مشترك للجميع في البلد ". وأن أي تسوية يجب أن تتضمن " خطوات واضحة لا رجعة فيها، تتبعها العملية الانتقالية وفق جدول زمني محدد ". وأعلن ما أصبح فاتحة للتفكير بالحل السياسي، ولازمة لتثبيت الثقة والنجاح، يتكرر ورودها في جميع الوثائق اللاحقة السورية والدولية والأممية، بعد أن نالت رضى السوريين وموافقتهم كمدخل للحل، وجاءت فاتحة هذه الخطوات كما يلي:

" إقامة هيأة حكم انتقالية باستطاعتها أن تهيئ بيئة محايدة، تتحرك في ظلها العملية الانتقالية. وأن تمارس هيأة الحكم الانتقالية كامل السلطات التنفيذية. ويمكن أن تضم أعضاء من الحكومة الحالية والمعارضة ومن المجموعات الأخرى، ويجب أن تشكل على أساس الموافقة المتبادلة ".

وقبل أن يجف حبر " بيان جنيف " كوثيقة مفتاحية توافقية للحل السياسي، برز الخلاف الأمريكي – الروسي على تفسير ما جاء فيها، وخاصة لجهة هيأة الحكم الانتقالية ومهامها وصلاحياتها. وتبادل الوزيران سيرغي لافروف الروسي وهيلاري كلينتون الأمريكية التراشق بوجهات النظر المتباينة بل والتفسيرات المتناقضة حول ذلك. وكان من الواضح أن الروس يسعون لجعل هذه الهيئة تحت وصاية السلطة السورية وبخدمتها، وليس بديلاً عنها لتولي قيادة المرحلة الانتقالية، كما ينص البيان حرفيًا على حقها بممارسة " كامل الصلاحيات التنفيذية ". وهذا ما أدخل البيان إلى الأرشيف، ووضع القضية في مهب الإهمال. ودفع الجهود الأممية والدولية إلى هوة العطالة. بينما كان الواقع على الأرض يزداد عنفًا وتفاقمًا عبر التدخل العسكري المباشر لإيران وأذرعها الطائفية ومليشياتها في المنطقة من لبنان والعراق، ومواجهتها عسكريًا عبر تنظيمات مماثلة من صنع الدول وبدعمها، ليست من صلب الثورة ولا على نهجها، زادت من تعقد المشهد وضبابيته . ليغيب صوت الحل السياسي ودور الأمم المتحدة لأكثر من عامين، بينما تمضي آلام السوريين وقضيتهم في محنة التعقيد والتدويل عمقًا واتساعًا، وبالتالي السقوط في دائرة الإهمال الخالية من الجهود الحقيقية وبواعث الأمل، تاركة المجال للأحلام والأوهام ومصالح الدول ومشاريع تدخلات قادمة.

لم يكن لكوفي أنان (وهو الدبلوماسي المخضرم والخبير بخفايا السياسة الدولية وشخوصها وأساليب عملها) أن يستمر بمهمة مستحيلة وفاشلة، وأن يشوه تاريخه وسمعته عبر الاستمرار بعمل شكلاني لا طائل منه، بعد أن تأكد من وجود الاستعصاء الدولي الذي لن يسمح بتمرير مشروع الحل رغم كل الآلام البادية والجرائم المرتكبة والمخاطر التي تلوح في الأفق. فقدم استقالته، وأنهى مهمته كمبعوث خاص في 31 / 8 / 2012م، بعد انقضاء فترة تفويضه، وفي 17 / 8 / 2012م، أعلنت الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية تعيين الأخضر الإبراهيمي (سياسي ودبلوماسي جزائري مرموق) مبعوثًا خاصًا مشتركًا من أجل متابعة المهمة، ولتستمر الأمم المتحدة بدور مسطح ومرسوم لتمضية الوقت وبث أوهام الحل، في وقت يتصاعد فيه الصراع ويشتد الكباش الدولي في سوريا ومن حولها وتاليًا في المنطقة إلى أمداء غير مسبوقة.

مفاوضات جنيف 2014

بعد جهود استمرت عامًا ونصف العام نجح المبعوث الدولي والعربي الأخضر الإبراهيمي بعقد مفاوضات جنيف بين ممثلي النظام السوري وممثلي الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية عبر جولتين. كانت الأولى 22 / 1 / 2014 – 30/ 1 / 2014 والثانية 10 / 2 / 2014 – 15 / 2 / 2014م. افتتح الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون المؤتمر في مونترو السويسرية بحضور عدد كبير من وزراء الخارجية للدول المعنية، ورغم أنه قال في كلمته الافتتاحية " الكيل قد طفح، وحان الوقت للتفاوض " ووصف الاجتماع بأنه  " حدث تاريخي " ، إلا أن الحصيلة كما قال الإبراهيمي في نهاية المفاوضات كانت " بداية متواضعة " فخلال الجولتين عقدت ثلاث جلسات مشتركة بين الوفدين، أما باقي الجلسات فكانت مع المبعوث الدولي لترتيب الأمور ومناقشة الإطار الإجرائي والبروتوكولي . استنفذت الأمم المتحدة طاقتها في الإعداد للمفاوضات وإدارتها، غير أن الأمور وصلت سريعًا إلى الطريق المسدود – رغم المرونة الكبيرة التي أبداها وفد الائتلاف – إذ لم يتم الاتفاق بين الطرفين حتى على جدول الأعمال. فقد رفض النظام مناقشة أجندة المفاوضات التي أعدها المبعوث الأممي، وأصر على طرح (قضية الإرهاب) على جدول الأعمال. كما رفض تسلم أي وثيقة تعالج الأمور المطروحة.

ومن الجدير ذكره أن الإبراهيمي ذهب إلى مشروع مفاوضات جنيف 2014م، مسلحًا بقرارين أمميين، يؤكدان على بيان جنيف ومرجعيته، ويحددان الإجراءات والتفاصيل بوضوح لا يعلى عليه وغير مسبوق.  الأول: قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 262/ 67 تاريخ 15 / 5 / 2013م، الذي يؤكد في مادته 28 دعمه لمهمة الممثل الخاص المشترك، ويطالب بتنفيذ الخطة الانتقالية المنصوص عليها في بيان جنيف وفق جدول زمني " يؤدي إلى إنشاء هيأة حكم انتقالية تقوم على توافق الآراء تخول لها كامل السلطات التنفيذية وتحول إليها جميع مهام الرئاسة والحكومة بما فيها المهام المتعلقة بالمسائل العسكرية والأمنية والاستخباراتية ". الثاني: قرار مجلس الأمن 2118 لعام 2013م، الذي أدان استخدام الأسلحة الكيماوية في الغوطة، ودعا لمحاسبة المسؤولين عنها. كما يؤيد " تأييدًا تامًا " في المادة 16 منه بيان جنيف، ويدعو إلى عقد مؤتمر دولي لتنفيذه. ويتحدث بالتفصيل عن هيأة الحكم الانتقالية.

أمام هذا الإخفاق الأممي والدولي، قام الإبراهيمي بتقديم استقالته وإنهاء مهمته التي تنقضي في أيار -مايو 2014م، بعد أن قدم اعتذارًا للسوريين عن عدم قدرته على مساعدتهم.

فيينا واجتماعات التحول

في أيلول -سبتمبر 2015م، أعلن الروس تدخلهم العسكري المباشر والمكشوف على الأراضي السورية والبدء بترتيب قواعدهم البحرية في طرطوس والجوية في حميميم بهدف إنقاذ النظام من السقوط، والتطاول على العملية السياسية من موقع القوة الميدانية، ومحاولة التأثير بها وفقًا لأجندتهم الخاصة في المنطقة. وقد تجلى ذلك في مسار محادثات فيينا للمجموعة الدولية لدعم سورية التي تشارك فيها: الصين ومصر والاتحاد الأوروبي وفرنسا وألمانيا وإيران والعراق وإيطاليا والأردن ولبنان وعمان وقطر وروسيا والسعودية وتركيا والإمارات والمملكة المتحدة والأمم المتحدة والولايات المتحدة. هذا المسار الذي ابتدع لإشراك إيران وروسيا كدولتين داعمتين للنظام السوري ومؤثرتين على قراره في تقرير شؤون الحل السياسي المقترح لإجراء ازاحات لما ورد في القرارات الأممية لجهة " هيأة الحكم الانتقالية "، ريثما يتمكن الاحتلال الروسي للبلاد من تغيير ميزان القوى على الأرض لفرض التسويات والإجراءات المطلوبة. وكان لصمت الإدارة الأمريكية وتواطئها كبير الأثر في نجاح هذا المسار.

كان الاجتماع الأول للمجموعة في فيينا 30 / 1 / 2015م، وفي ظل المطالبة بوقف إطلاق النار و" ضمان وصول المساعدات الإنسانية " التي برزت الحاجة لها بعد أعمال القصف والتدمير والتهجير التي قامت بها القوات الروسية. طالب البيان الختامي للاجتماع من " الأمم المتحدة أن تدعو ممثلي الحكومة السورية والمعارضة لإجراء عملية سياسية تفضي إلى حكم موثوق وشامل لكل أبنائه وعلى أساس لا طائفي ". وفي الاجتماع الثاني للمجموعة 14 / 11 / 2015م، تحدث بيان المجتمعين عن دعمهم " إقامة حكم ذي مصداقية وشامل وغير طائفي، ووضع جدول زمني لعملية صياغة دستور جديد ". وبعد الحديث عن ضرورة إلحاق الهزيمة بتنظيم داعش وجبهة النصرة وبغيرهما من الجماعات الإرهابية حسب تعريف مجلس الأمن الدولي وعن التزاماتهم بضمان انتقال سياسي يقوده سوريون، تعهد الأعضاء الخمسة في مجلس الأمن بتأييد قرار لمجلس الأمن الدولي من شأنه تمكين بعثة مراقبة لوقف إطلاق النار. وكان هذا القرار 2254 الذائع الصيت.

جاء مسار اجتماعات فيينا لتسهيل التوصل إلى قرار من مجلس الأمن الدولي ينال موافقة الروس، ويخفض سقف توقعات السوريين من العملية السياسية. خاصة وأن الروس حالوا 13 مرة باستخدام الفيتو دون صدور قرارات من مجلس الأمن تدين النظام وتعالج القضية السورية على قاعدة بيان جنيف 2012م، لتحقيق الانتقال السياسي. وهكذا جاء القرار الأممي 2254 تاريخ 18 / 12 / 2015م، ليتوج هذا المسار في اعتصار العملية السياسية وإخراجها من سياقها تلاقيًا مع المآرب الروسية. رغم أنه يستند في مقدمته إلى أحد عشر قرارًا من مجلس الأمن صدرت بين عامي 2012 ــ 2015م، إضافة إلى قرارات الجمعية العامة بمعدل قرار كل عام.

يتحدث القرار الجديد عن " عملية سياسية جامعة بقيادة سورية " بهدف التنفيذ الكامل لبيان جنيف 2012 م، الذي أيده القرار 2118 لعام 2013م، وذلك " بسبل منها إنشاء هيأة حكم انتقالية جامعة، تخول سلطات تنفيذية كاملة، وتعتمد في تشكيلها على الموافقة المتبادلة ". ومن الواضح لكل ذي بصر وبصيرة مدى الاختلاف بين هذه الصيغة وصيغة القرارات والبيانات الأممية السابقة، وحجم التحول الذي جرى بمفهوم الحل السياسي وعملية الانتقال وإجراءاتها. وهذا ما جعل هذا القرار يحتل صدر الصفحات والقرارات والبيانات التي تعالج الوضع السوري بعد ذلك.

الهيأة العليا للمفاوضات

استنادًا إلى " بياني فيينا " وتزامنًا مع صدور القرار 2254 الذي يتحدث عن " جمع أوسع نطاق ممكن من أطياف المعارضة باختيار السوريين الذين سيقررون من يمثلهم في المفاوضات ، ويحددون مواقفهم التفاوضية " قامت المملكة العربية السعودية – باعتبارها من المجموعة الدولية لدعم سوريا – بدعوة طيف واسع من المعارضة السورية السياسية والعسكرية من الداخل والخارج ومن كافة مكونات المجتمع السوري الاثنية والدينية والطائفية والمناطقية للاجتماع في الرياض بتاريخ 10 / 12 / 2015م، من أجل " الوصول إلى رؤية مشتركة حول الحل السياسي التفاوضي للقضية السورية " و " تشكيل فريق للتفاوض مع ممثلي النظام " . وهكذا نشأت الهيأة العليا للمفاوضات ومقرها الرياض، لتتولى مسؤولية اختيار الوفد المفاوض ومهام العملية التفاوضية ومقتضياتها باسم قوى الثورة والمعارضة السورية.  

وكان الأمين العام للأمم المتحدة قد عين السيد ستيفان ديمستورا مبعوثًا دوليًا لسورية في 11 / 7 / 2014م، لتولي متابعة دور الأمم المتحدة في القضية السورية. وعند نهاية تشرين الثاني -نوفمبر 2018م، استقال ديمستورا  – دون أن يترك ذكرى طيبة عند السوريين – بعد أكثر من أربع سنوات، أمضاها في محاولات غير مجدية لتحقيق تقدم في مسار الحل السياسي، ولتدخل القضية السورية في الجمّادة بعد تعقد المشهد في المنطقة بانتظار الإفراج عنها، عندما يتوفر الحد المطلوب من التوافق الدولي.

وبالتعاون مع المبعوث الأممي خاضت الهيأة العليا للمفاوضات سبع جولات من المفاوضات في مقر الأمم المتحدة بجنيف. جرت ثلاث منها بين شباط -فبراير ونيسان -أبريل 2016م، دون أن تسفر أي منها عن أي تقدم يذكر في العملية التفاوضية، مما دفع الهيأة لقطع المفاوضات وتعليق المشاركة فيها مرتين احتجاجًا على استمرار الانتهاكات وعدم التقدم بالملف الإنساني، الذي تتحدث عنه البنود 12 و13 و14 من قرار مجلس الأمن. وخلال عام 2017 م، عقدت أربع جولات من التفاوض بين شهري شباط / فبراير، وتموز/ يوليو على نفس الأرضية من انعدام التقدم. وللحقيقة والواقع لا يستحق ما جرى في جنيف خلال عامي 2016 و 2017م (كسابقاته ولاحقاته ) أن يسمى مفاوضات . فهو ليس أكثر من مباحثات أجراها الوفد المفاوض مع المبعوث الدولي وفريقه. إذ لم تتم أي لقاءات مع وفد النظام. كما لم تتم مناقشة جدية لأي من الوثائق التي قدمتها المعارضة، وهي أكثر من 18 وثيقة. وترافقت العملية التفاوضية بإرسال العديد من الرسائل والمذكرات للأمين العام للأمم المتحدة ومساعده للشؤون الإنسانية ومبعوثه الخاص بغرض الشكوى مما يجري، ومن أجل دفع العملية التفاوضية نحو الفعالية والإثمار. لكن كل ذلك بقي دون جدوى لانعدام الإرادة الدولية للفعل بهذا الاتجاه. ولذلك لم تحقق المفاوضات التي جرت في جنيف بجولاتها السبعة أي تقدم يذكر على الصعيد السياسي، لكنها أحرزت بعض التقدم على الصعيد الإنساني، ودفعت باتجاه تلبية الحاجات الإنسانية المتعاظمة للسوريين داخل البلاد. وفي 24 / 11 / 2017م، عقد مؤتمر الرياض 2، وانتخب هيأة جديدة لإدارة المفاوضات باسم " هيئة التفاوض السورية " من أجل متابعة العملية التفاوضية شراكة مع الأمم المتحدة. لم تثمر هذه العملية أي تقدم على الصعيد التفاوضي، واقتصرت على لقاء يتيم في فيينا مع المبعوث الأممي بتاريخ 25 / 1 / 2018 م.

مسار أستانا وسوتشي

رغبة من الروس في تثمير وجودهم العسكري على الأرض، ورغبة بضرب مسار جنيف واستبداله، حيث لا توجد لهم ولا لرؤيتهم اليد الطولى، افتتحوا مسار الأستانة – سوتشي التضليلي والمخرب، ليبقى تحت إشرافهم بمشاركة إيرانية وتركية من أجل التشويش على العملية السياسية وحرفها عن مسارها المعهود والموثوق، إذ تجري بإشراف الأمم المتحدة ومرجعية قراراتها الأممية.

بدأ مسار أستانا في 24 / 1 / 2017م، في عاصمة كازاخستان بحضور روسيا وإيران وتركيا (التي سميت الدول الضامنة) ووفد يمثل النظام وآخر يمثل المعارضة. وكان من الواضح أن لهذا المسار اهتمامات وأهدافًا أخرى. ظهر ذلك من خلال البيان الختامي الذي استند إلى القرار 2165 لعام 2014م، والقرار 2336 لعام 2016م، والذي يركز على وقف إطلاق النار والمساعدات الإنسانية، رغم أنه تحدث عن عملية سياسية مبنية على تطبيق قرار مجلس الأمن 2254 بالكامل.

توالت اجتماعات أستانا حتى وصل عددها إلى 13 في اجتماع 1 آب -أغسطس 2019م، دون أن يكون لها أي أثر إيجابي على العملية السياسية وحياة السوريين. إنما زادت من حدة الخلافات والتوترات بينهم سياسيين وعسكريين، وحققت أهداف الروس بالتقدم في مخططاتهم الميدانية باسم " المصالحة الوطنية " في أكثر من موقع. ومن تفرعات أستانا ولد اجتماع سوتشي في 30 / 1 / 2018م، الذي سمي مؤتمر الحوار الوطني السوري، وضم خيارات روسية لشخصيات من السلطة والمعارضة، تبنت المشروع الروسي الذي سمي اللجنة الدستورية. ومن المؤسف أن الأمم المتحدة، عبر مبعوثها الخاص وأعضاء فريقه شاركوا في هذه اللقاءات وأعطوها شرعية واقعية غير مستحقة. والأخطر من ذلك أن الروس نجحوا في توريد بدعة " اللجنة الدستورية " إلى مسار جنيف، وشغلوا الفريق الأممي وبعض السوريين فيه.

الحضور الروسي كان بارزًا ومؤثرًا بعد تدخلهم العسكري على الأرض. فقد نجحوا في إدخال ممثل لهم بين مستشاري المبعوث الدولي السياسيين في جنيف. هو فيتالي نعومكن رئيس معهد الاستشراق في موسكو بدءاً من عام 2016م. كما كان لهم دور كبير في إدخال كل من منصة موسكو ومنصة القاهرة في بنية مؤتمر الرياض 2، وإشراكهم في فريق المفاوضات لأول مرة.  وكان وجودهم السياسي والدبلوماسي في جنيف لافتًا خلال مفاوضات 2016 ـ 2017م، بشخص معاون وزير الخارجية غينادي غاتيلوف، الذي تواصل مع الجميع لتحقيق أغراض السياسة الروسية. ورغم ذلك بقيت العملية السياسية معطلة، حتى بعد استلام غير بيدرسون منصبه كمبعوث خاص لسوريا في 31 / 10 / 2018م.

الأمم المتحدة: أي دور وأي مصير

لم يكن بوسع أحد أن يتخيل الاستغناء عن دور هذه المنظمة الدولية في صراع عميق ومتسع ومعقد كالصراع الجاري في سوريا وعليها وما تمخض عنه. فهو متعدد الجوانب والأطراف والدول المتدخلة بما فيها القوى العظمى في أربع جهات الأرض. وهي التي أنشئت لحفظ الأمن والاستقرار والسلام في العالم. ولم يكن بوسع أحد أن يتخيل ذلك الدور الباهت والتابع والمتأرجح الذي لعبته. فقد ظهرت الأمم المتحدة في أسوأ أوضاعها عاجزة وأداة بيد القوى الكبرى، وهي تخوض غمار الشأن السوري في مختلف جوانبه. وبدت وكأنها خسرت هيبتها الدولية وسمعتها كمؤسسة ذات شأن أمام السوريين وخاصة الضحايا منهم. واكتفت في معظم الأحيان بإبداء " القلق " مما يجري. حتى صار السوريون يتندرون بقلق بان كي مون، الذي يتردد عند كل كارثة ومجزرة حتى لو كانت من حجم قتل الناس بالسلاح الكيماوي. وتحولت في بعض الأحيان إلى ما يشبه وكالة أنباء دولية، تنشر التقارير والإحصاءات والمعلومات بست لغات. ومن الواضح أن هذا ما تركته لها الدول الكبرى لتقوم به نتيجة سياساتها ومنافساتها وصراعاتها المتفاقمة. وفي ظل ذلك تحول مجلس الأمن إلى ما يشبه المسرح، يتولى فيه ممثلو الدول استعراض مواهبهم الخطابية في الشجب والاستنكار، ثم ينتهي العرض باليد الروسية والصينية المرفوعة إعلانًا بإسدال الستار وفق إرادة القوة القاهرة. وليست بقية المنظمات الدولية والإقليمية أفضل حالاً في ظل النظام الدولي القائم.

ومن الواضح أن النظام الدولي الذي أنتج الأمم المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية واستوجب حضورها لم يعد قائمًا. ولم تتوفر الشروط والظروف بعد لولادة نظام دولي جديد للقرن الحادي والعشرين، حيث تزاحم الشركات الكبرى الدول في مهامها وأدوارها وقوة تأثيرها، بعيدًا عن المبادئ والقيم الإنسانية والمنظومة الأخلاقية للبشرية. وتراجعت مفاهيم الحق والعدل والحرية وقضايا حقوق الإنسان أمام صخب الحاويات في الموانئ وأرقام الاستيراد والتصدير في سجلات الحكومات. ويبدو أن الدول الكبرى تتعامل مع الأمم المتحدة كبقية من بقايا نظام أفل، تدفعها إلى ساحة اللاجدوى، وتستعملها وسيلة عند اللزوم. باختصار نقول: إن العالم ليس بخير.

أخيرًا

لأن سوريا بوابة الشرق الأوسط، وموقعها التاريخي والجيوسياسي في المنطقة غير قابل للإهمال والاستبدال، ومهما تفرعت وتعددت خطوط النفط والغاز وتزاحمت ممراتها، لن تبقى بعيدة عن الأرض السورية وفضاءاتها الممتدة بين آبار الإنتاج ومدن الاستهلاك ومصانعه في أوروبا. فلا بد من خروج سوريا من محنتها، وإلا تتعمم المحنة وتشمل بقية أنحاء المنطقة. فالقضية السورية صارت أشد ارتباطًا بقضايا المنطقة من ذي قبل، وخاصة في القضايا العربية بصيرورتها ومستقبلها. حيث تواجه الدول العربية تحديات وجودية كبرى بين المشاريع الإقليمية والدولية المتناطحة، وهي في حالة تبدد واحتراب وانقسام. هذا ما يستوجب الحل، ويجعله فعل ضرورة وموضع انتظار ولو طال الزمن.  

وضعت القرارات الأممية أسس الحل السياسي، وتوجت بموافقة السوريين. وليس للقضية السورية أي حل عسكري. غير أن حدة استقطاب الدول للسوريين أرضًا وشعبًا ومقدرات، تجعل العملية السياسية مستحيلة ودون أفق منظور، بانتظار أن يتحقق التوافق الدولي المطلوب لمعالجة قضايا المنطقة بالترابط والتزامن مع القضايا الدولية الأخرى ذات العلاقة. وهذا يضع الكرة في ملعب السوريين، ويحملهم مسؤولية خاصة للخروج من حالة التبدد والانقسام القائمة، ليعودوا إلى حضورهم المعهود والإمساك بقضيتهم وموقعهم وقرارهم المستقل، وإعلان إرادتهم الجامعة في شؤون بلدهم ومستقبلهم. وتقديم مقاربة وطنية للوصول إلى سوريا الجديدة ، الدولة الديمقراطية التعددية كوطن حر لكل أبنائها.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*مفكر سوري ـ قيادي بارز في المعارضة السورية

كلمات دليلية

الشركات المعلنة