انت هنا: الرئيسية جميع المقالاتتقرير خاصإفلات إيران من "العقوبات" خرقًا للقوانين الدولية بآليات تفتقر للشفافية

إفلات إيران من "العقوبات" خرقًا للقوانين الدولية بآليات تفتقر للشفافية

انشأ بتاريخ: الخميس، 08 آب/أغسطس 2019

تعد العقوبات الاقتصادية إحدى أدوات السياسة الاقتصادية الدولية، وأحد أهم أنـواع الـسياسات التي تمارسها القوى الكبرى، والتـي تنـدرج في إطـار الـسياسات الدوليـة الردعيـة، التـي تهـدف إلى تحقيـق أهداف استراتيجية سياسية واقتصادية واجتماعية معينة. ويبدأ تاريخ العقوبات الاقتصادية مع بدء الصراعات بين التجمعات البشرية الأولى، حيث اسـتخدمت أدوات العقوبات الاقتصادية من مقاطعة وحصار لمنتجات وبضائع الأعداء، أو منع الموارد المائية والطبيعية والسلع عنهم، كأدوات رئيسية للصراع إلى جانـب الأدوات المـستخدمة في الـصراع العـسكري المبـاشر.

لقـد شهد العالم بشكل مبكـر حـالات مـن الحـصار الاقتـصادي الـشامل مثـل حـصار المـصريين القـدماء لمدينـة "أواريس "عاصمة "الهكـسوس"، ومـن بعـدها معقلهـم الأخـير في مدينة "شروهن"التي حاصرها الجيش المصري بقيادة أحمس ثلاثة أعوام حتـى استسلمت 1550 ق.م في ذروة حرب التحرير المصرية التي توجت بتحرير كامل أرض مصر مـن احـتلال "الهكـسوس "الاستيطاني الذي دام قرابة قرنين من الزمان[1].

وفي العصور الحديثة، ووفقًا للمراكز القانونية والواقعية الجديدة التي أفضت إليها معاهدة وستفاليا عام 1648م، لجأت كل من الدول فرادى أو تكتلات، إضافة إلى المنظمات الدولية، للجوء إلى فرض العقوبات الاقتصادية على الدول التي تنتهك مبادئ القانون الدولي وتلحق الضرر بالدول التي تلجأ إلى فرض هذه العقوبات. وبالرغم من تعدد الأهداف التي تسعى من خلالها الدول التي تلجأ لفرض العقوبات، فإن الباعث الرئيسي من استخدام هذه الآلية، هو ردع وإجبار الدولة المستهدفة بالعقوبات إلى العودة إلى جادة الصواب، وانتهاج النهج القانوني الصحيح في علاقاتها الدولية، وردعها عن التمادي في إلحاق الضرر بغيرها من الدول والشعوب.

ووفقًا لما تقدم تستعرض هذه الدراسة الموجزة: النظام القانوني للعقوبات الاقتصادية الدولية، تطبيقًا على الحالة الإيرانية في ضوء الجزاءات التي فرضتها الإدارة الأمريكية مؤخرًا على طهران، بعد الإصرار الإيراني على رفض تعديل نصوص الاتفاق النووي مع إيران.

أهمية الدراسة

ما زالت قضية العقوبات الاقتصادية – خاصة التقليدية منها -تثير الكثير من الجدل على الـصعيد الـدولي، بـالنظر إلى مـا أظهرتـه التجارب الواقعية لتطبيقها من تضرر الشعوب الفقيرة من تلك العقوبات التـي يـتم فرضـها عـلى بلدانهم، أكثر من تضرر النظم الحاكمة. كما تثير الجدل أيضًا بسبب الازدواجية الدولية بشأن تطبيق نظام العقوبات الدولية الاقتصادية، فبينما تعـد الولايات المتحدة الأمريكية أكثر دولة فرضت أو تفرض عقوبات اقتـصادية عـلى الـدول الأخـرى، بيد أنها قادت حملة دولية واسـتخدمت نفوذهـا وضـغوطها لإجبـار الـدول العربيـة عـلى الـتخلي عـن مقاطعتهـا لإسرائيل بمختلف درجات تلك المقاطعة[2]، رغم أن إسرائيل تعد كيانًا نشأ بالاغتصاب وتوسـع عـبر العـدوان ويمارس الاحتلال والقمع على الشعوب الخاضعة لاحتلاله في فلسطين والجولان.

أيضًا، تكمـن أهميـة الدراسة في أنها تدرس ظاهرة موجودة على نطاق واسع في الوقت الراهن، حيث تشكل العقوبات الاقتـصادية الدوليـة إحدى أدوات السياسة الاقتصادية للدول الكبرى تجاه الدول التي تختلـف معهـا، والتـي تنـدرج في إطار السياسات الدولية الردعية، التي تهدف إلى تحقيق أهداف استراتيجية سياسية واقتصادية واجتماعيـة محددة.

أولاً- مفهوم العقوبات الاقتصادية التقليدية:

تعد العقوبات الاقتصادية أكثر أساليب الردع انتشارًا وتأثيرًا في العلاقات الدولية المعاصرة، حيث تمثل علاجًا صامتًا وقاتلاً في الوقت نفسه بوسائل أقل عنفًا، كما أثبتت التجربة أنها المعادل الاقتصادي لما يسمى في الحروب بالقصف الشامل[3]، وهي من الأساليب التي انتهجتها كل من المنظمات الدولية والدول أثناء الحرب الباردة وازداد استعمالها أكثر مع نهاية الحرب الباردة، حيث فرضتها الأمم المتحدة مرتين فقط، ضد رودسيا عام 1966م، وجنوب إفريقيا عام 1977م، ليتصاعد استخدامها كاستراتيجية متكررة ابتداءً من 1990م، من خلال قيام الأمم المتحدة بفرضها أكثر من 12 مرة خلال الفترة (1990 – 2002م). فضلاً عن أن الدول الأعضاء في منظمة الأمم المتحدة فرضت العقوبات الاقتصادية: الانفرادية، والثنائية، والإقليمية[4].

ويرى معظم الفقهاء أن: "العقوبات الاقتصادية هي إجراء اقتصادي يهدف إلى التأثير على إرادة دولة لحثها على احترام قواعد القانون الدولي، وأن العقوبات الاقتصادية لا تستهدف حفظ وحماية القانون، ولكن حفظ وحماية السلام والذي لا يتفق بالضرورة في كل الأحوال مع القانون[5]؛ لذا فإن العقوبة الاقتصادية هي وسيلة ضغط إيجابية أو سلبية، تهدف إلى تغيير السلوك السياسي للدولة المعاقبة. هذه العقوبة يمكن ان تتدرج من التهديد البسيط إلى مقاطعة كلية أو شاملة للعلاقات الاقتصادية بين المعاقب والمستهدف[6].

المبادئ الأساسية للعقوبات الاقتصادية:

يمكن إبراز أهم المبادئ الأساسية التي ترتكز عليها البواعث والأهداف للعقوبات الاقتصادية في المحددات التالية:

-إجراء دولي اقتصادي: أي أنها تصرف دولي تقوم به منظمات دولية أو دول في مجال العلاقات الدولية الاقتصادية وتستهدف مصالح الدول المستهدفة التجارية والصناعية، ويتم اللجوء لهذا الإجراء بشكل مباشر عندما يفرضه مجلس الأمن الدولي، أو عندما تتطلب مصالح الدول الكبرى في سياساتها الخارجية أن تفرض من جانب واحد، وتقليديًا فإن الجهة التي تفرض العقوبات تسمى "المُرسِل" والمتلقي لها يسمى "المستهدف"[7]. فالمرسل يهدف إلى إلحاق خسائر وأضرار مادية بالمستهدف، وأن الدولة إذا ما كانت قادرة على استخدام العقوبات فإنها لا تتردد في استعمالها كأداة فاعلة لردع الدولة المستهدفة لإجبارها على التخلي عن سلوك معين بدلاً عن لجوئها إلى استعمال القوة، وهذا ما أكده وزير الخارجية الأمريكي الأسبق جون فوستر دالاس John Foster Dallas[8].

- إجراء دولي قسري: إن العقوبات الدولية تستخدم في الشؤون الدولية باعتبارها شكلا من أشكال القسر، وأقل عدوانية من الحرب مع تكاليف إنسانية أقل، ومجدية أكثر من الناحية السياسية؛ ففرض العقوبات يعد أكثر حيوية من مجرد الاحتجاجات الدبلوماسية وأقل عنفا من العمليات العسكرية، فالعقوبات تتجنب المواجهات المباشرة، في كل المجالات[9].

-إجراء دولي عقابي: حيث يُلجأ إلى العقوبات كرد على وقوع عدوان أو تهديد بالعدوان على العلاقات الدولية سواء السياسية أو الاقتصادية، وهو بهذا يعد من التدابير المشروعة التي تستخدم من قبل المجتمع الدولي سواء كإجراء وقائي ضد انتهاكات حقوق الإنسان أو كعقوبة عندما تكون "الجرائم" قد ارتكبت. كما أنها جزء لا يتجزأ من الدبلوماسية الدولية وأداة لإجبار الحكومات المستهدفة على مجالات معينة للاستجابة؛ وفي معظم الحالات، فاستخدام العقوبات يفترض من المرسل استعداده للتدخل في عملية صنع القرار في حكومة ذات سيادة[10] .

- إجراء دولي يهدف لإصلاح السلوك العدواني: تهدف العقوبات الدولية الاقتصادية إلى إصلاح السلوك العدواني وإجبار الدولة المستهدفة على تبني سلوك يتسق مع مبادئ القانون الدولي[11].

ثانيًا - مستجدات العقوبات الأمريكية ضد إيران:

وقّع الرئيس الأمريكي السابق أوباما في الأول من يوليو2010م، على قانون العقوبات الشاملة ضد إيران والمحاسبة والتجريد من الممتلكات CISADA لعام 2010م، ويعدل هذا القانون قانون فرض العقوبات ضد إيران ISA لعام 1996م، والذي يتطلب فرض عقوبات على الشركات التي يثبت قيامها باستثمارات معينة في قطاع الطاقة بإيران أو استثناء الشركات من تلك العقوبات. ويوسع قانون العقوبات الشاملة ضد إيران والمحاسبة والتجريد من الممتلكات بشكل كبير من نطاق الأنشطة الجديدة من العقوبات التي يمكن فرضها، المتصلة بالطاقة ، فتخضع للعقوبات. ويضيف القانون أنواع جديدة التي تخضع للقانون الجديد، وتعالج هذه السلطات الجديدة الارتباط المحتمل بين قطاع الطاقة الإيراني وبرنامجها النووي، والذي تم تسليط الضوء عليه في قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1929[12]،وتدعم كذلك محاولة زيادة الضغط على إيران حتى تعود إلى المفاوضات الدبلوماسية بشكل بناء لمعالجة مخاوف المجتمع الدولي بشأن عدم امتثال إيران لالتزاماتها الدولية (بما في ذلك تلك الواردة في قرارات مجلس الأمن الدولي ذات الصلة، ومعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، واتفاق الضمانات مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية).

لقد عزمت الولايات المتحدة على استخدام قانون فرض العقوبات ضد إيران ISA والسلطات الأخرى في قانون العقوبات الشاملة ضد إيران والمحاسبة والتجريد من الممتلكات CISADA بشكل كامل كأدوات إضافية في جهودها لإقناع الحكومة الإيرانية بتغيير حساباتها الاستراتيجية، والامتثال لالتزاماتها النووية بالكامل والمشاركة في مفاوضات بناءة بخصوص مستقبل برنامجها النووي.

هناك العديد من الأنشطة التي تخضع للعقوبات بمقتضى قانون فرض العقوبات ضد إيران في صيغته المعدلة بموجب قانون العقوبات الشاملة ضد إيران والمحاسبة والتجريد من الممتلكات، حيث يتطلب قانون فرض العقوبات ضد إيران CISADA أن يقوم الرئيس بفرض عقوبات على الأشخاص الذين تثبت مشاركتهم في نطاق واسع من الأنشطة المتنوعة بقطاع الطاقة في إيران. وتشمل الأنشطة التي يمكن أن تؤدي إلى فرض العقوبات ما يلي:

• استثمار يساهم بشكل مباشر وملحوظ في تعزيز قدرة إيران على تطوير مواردها النفطية.

• بيع أو تأجير أو توفير سلع أو خدمات يمكن أن تساهم في زيادة إنتاج إيران النفطي.

• بيع أو تزويد إيران بمنتجات نفطية مكررة.

• توفير سلع أو خدمات يمكن أن تساهم بشكل مباشر وملحوظ في تعزيز قدرة إيران على استيراد منتجات نفطية مكررة.

وتحظر العقوبات ما يلي:

1ــ المساعدات المتعلقة بالصادرات من بنك التصدير والاستيراد الأمريكي

2-تراخيص تصدير السلع أو التكنولوجيا العسكرية الأمريكية أو السلع أو التكنولوجيا المتصلة بالمواد النووية.

3 الاستخدامات المزدوجة للقروض المصرفية الأمريكية الخاصة التي تتجاوز 10 مليون دولار أمريكي.

4-عقود المشتريات مع حكومة الولايات المتحدة الأمريكية.

5-معاملات الصرف الأجنبي التي تخضع للولاية القضائية للولايات المتحدة.

6ــ المعاملات المالية التي تخضع للولاية القضائية للولايات المتحدة.

7-المعاملات المتعلقة بالممتلكات التي تخضع للولاية القضائية للولايات المتحدة

8 ــ الواردات إلى الولايات المتحدة من شخص يخضع للعقوبات.

الاستثناءات: ينص قانون فرض العقوبات على إيران على استثناءات معينة، ويجوز تطبيق تلك الاستثناءات على أساس كل حالة على حدة بالنسبة للشخص الذي يخضع للعقوبة على اعتماد التكنولوجيات ذات الاستخدام المدني والعسكري. مساعدات بنك التصدير والاستيراد: الضمانات، والتأمين، وتمديد الائتمان. ويجوز للرئيس أن يستثني من العقوبات إذا ما قرر الرئيس أن النشاط "ضروري للمصلحة". وعلاوة على ذلك، يجوز للرئيس أن يرجئ تطبيق أحكام العقوبات الخاصة بالطاقة بالنسبة لشخص ما لمدة ستة أشهر إذا كان ذلك أمرًا مفيدًا وحيويًا لمصالح الأمن القومي للولايات المتحدة"، أو يجوز له أن يرجئ تطبيق هذه الأحكام لمدة 12 شهرًا .

يذكر أن وزارة الخزانة الأمريكية قد أصدرت، على النحو الذي يتطلبه القانون، لوائح (لوائح العقوبات المالية) تحظر أو تفرض شروطًا صارمة على البنوك الأمريكية لضمان عدم خرقها للعقوبات[13].

ثالثًا : تداعيات العقوبات الاقتصادية الأمريكية على إيران:

أعادت الإدارة الأمريكية فرض كل عقوباتها على القطاعات الاقتصادية الإيرانية اعتبارًا من نوفمبر 2018م، كنتيجة مباشرة لانسحاب الإدارة الأمريكية من JCPOA "خطة العمل الشاملة المشتركة" مع إيران، وبررت الإدارة الأمريكية انسحابها من الاتفاق بأن نظام رفع العقوبات عن إيران الوارد في الاتفاق عزز من قدرة إيران على تدعيم وتوسيع نفوذها في منطقة الشرق الأوسط، وأن الضغوط الاقتصادية التي تمارسها الإدارة الأمريكية على إيران من شأنها الحد من الصلات الإيرانية مع أذرعها الميليشياتية في منطقة الشرق الأوسط، والتي تحارب حروب الوكالة لصالح إيران. سواء حزب الله في لبنان أو الميليشيات الشيعية المسلحة في العراق، أو ميليشيات الحوثي في اليمن أو حركة حماس في قطاع غزة وجماعات ميليشياتية في البحرين وأيضًا فصائل طالبان في أفغانستان.

كان الرئيس الأمريكي ترامب قد أكد أن إعادة فرض العقوبات على إيران جعلها دولة مختلفة، وصرح أيضًا -فضلا عن مسؤولين أمريكيين- أن إنهاء الاستثناءات التي صاحبت فرض العقوبات على إيران اعتبارًا من مايو الماضي كان من شأنها تدمير الاقتصاد الإيراني كما أدت إلى تقليص النفوذ الإيراني في المنطقة.

لقد ألحقت -من دون شك-العقوبات الأمريكية ضررًا جسيمًا على الاقتصاد الإيراني، فوفقًا لصندوق النقد الدولي فإن الناتج القومي الإيراني سينخفض على الأقل بمقدار 6% في الفترة مارس 2019 – مارس 2020م، وبالرغم من أن الاقتصاد الإيراني خلال هذه الفترة لن ينهار – وفقًا لتصريحات الصندوق-لكنه سيشهد ركودًا اقتصاديًا ملموسًا.

لقد أثر إنهاء نظام الاستثناءات على شراء البترول الإيراني بشكل حيوي على صادرات إيران البترولية، تلك التي تشكل المصدر الرئيسي للدخل القومي الإيراني بدرجة لم تشهدها الأسواق العالمية منذ الحرب العراقية الإيرانية 1980 – 1988م، حين كانت الطائرات المقاتلة العراقية تقصف منافذ ومرافق تصدير البترول الإيراني بشكل مستمر.

لقد شهد الشهر الأول التالي لانتهاء نظام الاستثناءات المشار إليه انخفاضًا حادًا في حجم الصادرات البترولية الإيرانية حيث وصل متوسط التصدير اليومي الإيراني للبترول 300 ألف برميل بعد أن كان 2.5 مليون برميل قبل تنفيذ العقوبات الأمريكية على إيران.

لقد قارب كثير من المراقبين بين الأزمة الطاحنة التي يجابهها الاقتصاد الإيراني الآن، وبين الأزمة المماثلة التي نتجت عن العقوبات الأمريكية الاقتصادية السابقة ضد إيران والتي كان قد فرضها الرئيس السابق أوباما في السنوات 2011-2016م.

وبالرغم من عديد الآثار المباشرة السلبية للعقوبات الاقتصادية الأمريكية على إيران إلا أن الأثر الرئيسي الأهم في هذا السياق هو: خنق المصدر الرئيسي للاقتصاد الإيراني تصدير البترول، فمنع تصدير البترول الإيراني للخارج وفرض جزاءات أمريكية على الدول والهيآت والشركات التي تخرق هذا الحظر الأمريكي يعد الأثر الفاعل الأكبر للعقوبات الاقتصادية على إيران فضلا عن خفض قيمة العملة الإيرانية.

وبالرغم من الأثرين السابق الإشارة إليهما إلا أن هذين الأثرين أجبرا الاستثمارات والأعمال الأجنبية على الانسحاب من السوق الإيرانية، ويكفي تدليلاً على فعالية الآثار الموجعة للعقوبات الاقتصادية الأمريكية على الاقتصاد الإيراني تحديدًا، أن صرح كثير من القادة الإيرانيين بأن هذا العقوبات ترقى إلى إعلان حرب من جانب الولايات المتحدة الأمريكية ضد إيران، ووصل الأمر إلى أن استشرت آثار هذه العقوبات في إيران كالنار في الهشيم وتأثر بها كافة المواطنين في إيران[14].

وفي أثناء السنوات من 2012 – 2015م، حينما اتحد المجتمع الدولي بشكل نسبي للضغط على إيران، انكمش الاقتصاد الإيراني كنتيجة مباشرة لانخفاض صادرات البترول الخام الإيراني بنسبة فاقت 50%، وانخفضت قدرة إيران في استخدام أصولها المالية الخارجية البالغ قيمتها 120 بليون دولار أمريكي.

ولإدراك الأثر الموجع السلبي لنظام العقوبات الاقتصادية الأمريكية على إيران، يجب الإشارة إلى أن نظام رفع العقوبات الاقتصادية على إيران بموجب خطة العمل الشاملة المشتركة عام 2015م، (الاتفاق النووي مع إيران) اتاح لإيران رفع العقوبات المفروضة عليها من مجلس الأمن والاتحاد الأوروبي، فضلاً عن تمكن إيران من زيادة صادراتها البترولية إلى ما يقرب من مستويات التصدير قبل العقوبات، واستعادة إيران قدرتها على الانتفاع بأصولها المالية في الخارج والتي كانت حرمت من الانتفاع بها بموجب الجزاءات المشار إليها. فاستعادت إيران اندماجها في النظام الدولي وحققت معدل نمو اقتصادي ما يقرب من 7% في العامين 2016 – 2017م، وجذبت الاستثمارات[15].

رابعًا: التحايل الإيراني على نظام العقوبات

استهدفت العقوبات المقررة في الرابع من نوفمبر 2018م، قطاع النفط والغاز بشكل أساسي لحرمان إيران من مدخلات وعائدات الصادرات النفطية المهمة التي تشكل نحو 60 بالمئة من حجم اقتصادها، وهو ما سيكبد الميزانية الإيرانية خسائر لا حصر لها على أمل أن يجبر ذلك طهران على الخضوع لشروط ترامب والتفاوض حول صفقة نووية جديدة.فإن لإيران خبرة في مجال التحايل على العقوبات الدولية وفق ما ذكر موقع "ذا أتلانتك" الأمريكي، حيث سبق لها أن قامت بالالتفاف على العقوبات عبر مجموعة من الحيل أبرزها:

1-إيقاف نظام تتبع ناقلات النفط:

تضم سفن نقل النفط نظامًا لتحديد المواقع يهدف إلى ضمان سلامتها وتحديد مكانها، إلا أن هذا النظام قابل للإيقاف في حال رغبة الجهة الناقلة للنفط بإخفاء الوجهة التي تسير إليها. كانت طهران قد تمكنت بالفعل من تصدير بعض نفطها خلال الجولة الأخيرة من العقوبات عن طريق إيقاف أنظمة التتبع في أسطولها وإخفاء وجهات الشحنات النهائية وتهريبه إلى الحدود وإرساله إلى موانئ العالم للمهربين وبيعه بأسعار أقل من الأسعار العالمية كما أن لها خبرات واسعة فيها هي تهريب نفطها عبر أراضي باكستان وأفغانستان والعراق وبيعه في السوق السوداء. وهو ما يطلق عليه المراقبون أسطول "ناقلات الأشباح" التي تستخدم لنقل النفط من البلاد، ولا يقل عدد الناقلات عن 7 سفن.

 

ونقل الموقع عن الباحثة بولينا أزفيتش في معهد ميدلبري للدراسات الدولية بكاليفورنيا، قولها إن هذا التكتيك ناجح، إذ أنه يخفي هوية المشتري للنفط أيضًا[16]

2-إخفاء الملكية:

عمدت إيران إلى الاستعانة بشركات "وهمية"، وسجلت ناقلات النفط الخاصة بها في دول أخرى، تجنبًا للتدقيق الدولي.

ووفقًا للباحثة بولينا أزفيتش، فإن إيران طبقت هذه الاستراتيجية في السابق، بنقل ملكيات ناقلات نفطية خاصة بها إلى شركات مملوكة لدول أخرى، مع الاحتفاظ بعمليات تشغيلها[17].

3-نظام المقايضة:

قد تلجأ إيران إلى بيع نفطها من خلال عقود المقايضة، أو استعمال عملة غير الدولار.

وطبقًا لـ "ذا أتلانتيك"، فقد سبق لإيران أن قايضت ببضائع كالسيارات والهواتف مع الصين، كما باعت النفط الخام إلى الهند بالروبية.كذلك قامت طهران بمقايضة نفطها ببضائع الدول التي تشترى النفط وبالأخص تركيا والهند والصين، لاسيما أنها في الأصل تعيد شراء بعض المنتجات من تلك الدول، لكن ذلك سيكون له مخاطر كبيرة لأن تلك الدول تعمل على أن تعطي إيران بضائع لا تحتاجها وبالتالي تؤثر سلبًا على الاقتصاد الكلي في البلاد.

كما ستصبح إيران مضطرة للمقايضة أو البيع بالذهب وليس بالعملات غير الدولار وإلا ستكون قد باعت نفطها مقابل اللاشيء، ويرى خبراء في مجتمع الشؤون الإيرانية أن إيران باتباعها خطوة مثل هذه يمكنها الحفاظ على صادرات بواقع 200 ألف برميل يوميًا، ويمكنها أن تحتفظ بصادرات خلال العام المقبل تبلغ 800 ألف برميل يوميًا كحد أوسط.

وكانت إيران قد جربت ذلك مع الهند في عقوبات ما قبل الاتفاق النووي لكنها لم تنجح وكانت تلك الخاصة إحدى أهم نقاط الضعف البنيوية في النظام الإيراني وكثيرًا ما كان الراحل آية الله هاشمي رفسنجاني يردد أن الهنود يعطون حكومة الرئيس محمود أحمدي نجاد ما لا تحتاجه كطريقة وحيدة لأخذ المستحقات[18].

4-نقل النفط من سفينة لأخرى:

وتتم هذه الطريقة بتوزيع شحنات النفط الضخمة إلى أخرى أصغر. ووفق الموقع الأميركي، فإن إيران استعملت هذه الطريقة لتخفي مبيعاتها من النفط، حيث تكون ناقلة نفط إيرانية راسية بالقرب من ميناء أو في البحر، ويتم نقل النفط إلى ناقلة ثانية، تسافر بدورها إلى ميناء آخر، تبيع فيه النفط.

وبحسب وزارة الخزانة الأميركية، فإن هذا الأسلوب يرمي إلى إخفاء حقيقة أن أصل النفط إيران، وعرضه للبيع في السوق العالمية بزعم أنه ليس إيرانيًا[19].

5- تخفيض أسعار النفط

يمكن لطهران أن تبيع النفط بأسعار مخفضة من خلال تقديم عروض لكبار المشترين الآسيويين خاصة أن أسعار النفط العالمية الحالية "نحو 73 دولارًا" أعلى من تقديرات إيران لسعر عادل للنفط في موازنة العام المالي الفارسي الحالي "نحو 67 دولارًا".

وزير النفط الإيراني، بيجننامدار زنجنه، قال إن لدى إيران طرقًا لمنع صادرات نفط بلاده من الهبوط، إذ بمقدور طهران عرض خصم كبير على سعر برميل نفطها ما سيجعله جذابًا للمشترين، ويمكن لإيران تقديم تخفيضات

6- بيع النفط بعملات غير الدولار

سعت إيران لبيع الغاز والنفط بعملات غير الدولار، وقد تم الاتفاق على ذلك بالفعل مع روسيا والصين وتركيا، لكن المعضلة الأساسية أنها لو باعت بأي عملة غير الدولار ستواجه مشكلة جوهرية وهى أنها إذا أرادت الشراء من السوق العالمية يجب أن تشترى بالدولار لأن الدولار يسيطر على نحو 80 بالمئة من التعاملات المصرفية الدولية.

خاتمة: تعمد كثير من المنظمات الدولية والدول ذات السيادة للجوء إلى فرض عقوبات اقتصادية دولية ضد الدول التي تنتهك قواعد القانون الدولي، وتلحق أضرارًا جسيمة بالدول، وتعد الحالة الإيرانية نموذجًا للبواعث التي تجعل الدول تلجأ لهذه الآلية الفاعلة عوضًا عن اللجوء إلى المواجهات العسكرية المباشرة، بصدد النموذج الإيراني فان الإدارة الأمريكية راهنت على هذه الآلية أيضًا لوقف التدخلات الإيرانية في الشؤون السيادية الداخلية لكثير من الدول في الشرق الأوسط.

محاولات الإفلات الإيرانية من نظام العقوبات الاقتصادية تمثل خرقًا وانتهاكًا لقوانين بآليات تفتقر للشفافية ولقواعد التجارة العالمية، وتخفف الضرر بشكل مؤقت وغير مضمون استمراريته، بل وربما يورط طهران في مزيد من المشاكل والأزمات. خاصة في ظل حديث لا ينقطع عن انتهاكات جسيمة من قبل غيران لحرية الملاحة في مضيق هرمز.  

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*أستاذ القانون الدولي العام ـ مصر

 

 

[1]https://www.hindawi.org/books/81363602/34/

[2].Louis . B . Schwartz, The Arab Boycott and American Responses: Antitrust Law for Discretion . 54 Tex.L.Rev.1260 (1975-1976)

[3]يعتبر الرئيس الأمريكي "وودرو ويلسون Woodrow Wilsons رئيس الولات المتحدة الأمريكية أول المنادين بسياسة "العلاج الفظيع" أي مواجهة الدول بالعقوبات ، حيث يقول : "كلا ، ليست الحرب بل شيء آخر أكثر هولاً طبقوه، فهي العلاج الاقتصادي السلمي الصامت القاتل، ولن تعود هناك حاجة إلى القوة. فالمقاطعة هي البديل عن الحرب.، (راجع: سوران إسماعيل عبد الله بن ديان، دور العقوبات الذكية في إدارة الأزمات الدولية، منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت، 2013، ص 53).  

[4]قردوح رضا، العقوبات الذكية على محك حقوق الإنسان ، دار هوما، الجزائر، 2014 ، ص 16.

[5]فاتنة عبد العال أحمد، العقوبات الدولية الاقتصادية، دار النهضة العربية، القاهرة، الطبعة الأولى، 2000، ص 24، 25.

[6]رودريك إليا أبي خليل، العقوبات الاقتصادي الدولية في القانون الدولي بين الفعالية وحقوق الإنسان، منشورات الحلبي، بيروت 2009، ص 64.

[7]Francesco GIUMELLI ; "Smart Sanction and the UN from International to World Society? , paper Prepared for Sixth SGIR Pan European conference on international Relations Turin, September 12- 15 2007- p7.

[8]سوران إسماعيل عبد الله بن ديان، مرجع سابق، ص 54.

[9] Neil Arya , "Economic sanction: the kinder, gentler, alternative?" p1 www.informaworld.com

[10]قردوح رضا، مرع سابق، ص 27.

[11]David Lezktzian, "MkingSancions?", Norwegian Red Cross, International Peace Research Institute, Oslo, 2003, p. 3.

[12]https://en.m.wikipedia.org/wiki/United_Nations_Security_Council_Resolution_1929?fbclid=IwAR30_CjiFyfbqiAC6CepY0jvS8PiyidSZoH_ucJ8gKryRe716ldNvIKjJ9M

[13]Mengqi Sun, State Street Subsidiary violated Iranian Sanctons , US Treasury Says , Financial News, May 29-2019

[14]www.euronews.com%2F2019%2F06%2F28%2F7-ways-sanctions-on-iran-are-impacting-everyday-life%3Ffbclid%3DIwAR1IOaCw5oApPtZM6nlcjGwpYCmMWFb1Pk53j7z7dL01TDlPh7qpR5G0NmY&h=AT0xFvxTZb8sBzhdvM9x85wUZXIiCJjxuS1oLKgAEA2BmWVIEg7njUld0x-G8eCUyDe67JvExgAQHEgtFScqwW11fAK1oKJXePVEMjSTxaywE0C7zsiwiiV13u-m3kJkqrw

[15]Congressional Research service, Iran Sanctions Updated July 12, 2019

[16]Michael forsythe and Ronen Bergman, To Evade Sanctions on Iran, Ships Vanish in Plain Sight, THE NEW YORK TIMES, 2- 7- 2019.00

[17]Stuart Levey, Iran’s new deceptions at sea must be punished, financial times , AUGUST 15, 2010

[18]Iran Begins Bartering Oil for Industrial Projects, Tasim news, 12- 7- 2019.

[19]Iranian fuel oil shipped in violation of US sanctions is unloaded in China, tracking data shows, South China Morning Post, 16-5-2019.

كلمات دليلية

الشركات المعلنة