;
الصفحة السابقة

الأمم المتحدة والأزمة الليبية: التأثير الدولي والصراع الأوروبي ومستقبل الدولة

انشأ بتاريخ: الخميس، 08 آب/أغسطس 2019

أولاً: قراءة للوضع في ليبيا وتأثيره على مستقبل الدولة الليبية: بعد ثماني سنوات من سقوط نظام القذافي في ليبيا لا يزال الشعب الليبي يبحث عن بناء دولة يسودها الاستقرار السياسي والأمني وتنعم بالرفاه الاقتصادي والاجتماعي، ويرجع هذا التأخر لأسباب موضوعية داخلية وأخرى مرتبطة بعوامل خارجية، فقد حددت تقارير الأمم المتحدة منذ بداية الأزمة الليبية الصعوبات التي تعيق بناء الدولة في ليبيا على المستوى الداخلي، تلخصت أساسًا في الإرث الثقيل الذي خلفه نظام القذافي طيلة أربعة عقود من الحكم الفردي مع تغييب الدور المؤسساتي، انتشار التوترات القبلية والصراعات المناطقية بين الغرب والشمال، والشمال والجنوب، والصراعات داخل المنطقة الواحدة والقبيلة الواحدة، ومن جهة أخرى، غياب قواعد العمل السياسي وقمع النخب المستقلة والمجتمع المدني، مع اعتماد النظام على الهياكل والسياسات الاقتصادية المعيقة لتطور القطاع الخاص، أفضت إلى إنتاج فئات اجتماعية واسعة تعتمد على مداخيل القطاع العام الفاقد للفعالية، أدى إلى البطء في دمج الثوار في الحياة الاجتماعية والاقتصادية[1]. أما الأسباب الخارجية فلخصها مبعوث الأمم المتحدة لليبيا، غسان سلامة، في إحاطة قدمها لأعضاء مجلس الأمن بقوله:" مالم تدرك الأطراف الفاعلة على الصعيدين الدولي والإقليمي بأن ليبيا ليست مجرد جائزة ينالها الأقوى، بل إنها بلد يقطنها 6.5 مليون يستحقون السلام، وما لم يتوقف تدفق الأسلحة والضغط على الأطراف الليبية في النزاع فإن ليبيا سوف تنزلق إلى حرب أهلية شاملة يمكن أن تؤدي إلى حالة من الفوضى "الهوبزية" الشاملة أو تقسيم البلاد".[2]

إن تضافر هذه العوامل الداخلية والخارجية أدت إلى أوضاع إنسانية كارثية وزاد من كارثية هذه الأوضاع استمرار الانقسام الداخلي والصراع بين إرادتين متناقضتين بدعم إقليمي ودولي، حيث تصر حكومة الوفاق الوطني بقيادة فايز السراج على الشرعية المستمدة من الاتفاق السياسي الليبي تحت رعاية الأمم المتحدة المنعقد بالصخيرات، بتاريخ 17 ديسمبر 2015م، التي تتشبث بالسلطات والصلاحيات التنفيذية والأمنية، لا سيما المادة الثامنة من الاتفاق في فقرتها الثانية التي تنص على أن يتولى مجلس رئاسة الوزراء القيام بمهام القائد الأعلى للجيش الليبي مع تعيين وإقالة جهاز المخابرات العامة بعد موافقة مجلس النواب. وهي المادة التي تحفظ عليها المشير خليفة حفتر، باعتباره القائد العسكري الميداني، ويستند في شرعيته على مجلس النواب في طبرق (الشرق) الذي عينه قائدًا عامًا للجيش الليبي ، في فبراير 2015م، وتم ترقيته من رتبة لواء إلى رتبة فريق، وهو التعيين الذي سبق الاتفاق السياسي الليبي من حيث الفترة الزمنية، مما جعل خليفة حفتر يتحفظ على المادة الثامنة ويعتبر نفسه هو القائد الأعلى للقوات المسلحة، رافضًا الاعتراف بشرعية حكومة الوفاق الوطني وكل البنود التي طرحها الاتفاق السياسي الليبي، ودخل معها في صراع على كسب القوة والنفوذ من شرق ليبيا بعد بسط قوته على بنغازي والانتقال إلى الجنوب، حيث أضحى يسيطر على ثلثي البلاد، وفي بداية أبريل 2019م، قاد حملة عسكرية لبسط سيطرته على طرابلس، العاصمة الإدارية والسياسية لليبيا، تحت شعار مكافحة الجماعات الإرهابية المسلحة والمليشيات المرتبطة بوزارة الداخلية التابعة لحكومة الوفاق الوطني.

بسط خليفة حفتر سيطرته على مصادر الثروة في ليبيا من خلال الاستيلاء على حقول النفط، حيث مد نفوذه في جنوب ليبيا بسيطرة قواته العسكرية على حقلي الشرارة والفيل النفطيين، اللذين يملكان قدرة انتاجية تصل إلى 400 ألف برميل يوميًا، ومنذ سبتمبر 2016م، تسيطر قوات حفتر على منطقة الهلال النفطي وموانئها الحيوية، وهو ما جعل موقع "ميدل ايست مونيتور" تشير في تقرير لها على موقعها الالكتروني " بأن المشير خليفة حفتر سيطر على ثلثي البلاد، وفي طريقه إلى السيطرة على الثلث الأخير".

ويستند كل طرف في النزاع على السلطة والنفوذ على تحالفات إقليمية ودولية، عمقت من طبيعة النزاع في بعده الجيوسياسي من حيث الصراع على الموارد والمجال الحيوي الليبي، كما عبر عنه غسان سلامة "بصراع الأقوياء على الجائزة الكبرى"، حيث تعتمد حكومة الوفاق على التحالف القطري-التركي-الإيطالي، بينما تدعم كل من الإمارات ومصر خليفة حفتر في محاربة جماعات الإسلام السياسي والجهادي التي تنتشر في غرب ليبيا، التي تمثل الوعاء الأمني والعسكري لحكومة الوفاق مثل: قوة الردع الخاصة، التي تشكلت من أتباع تنظيم الجماعة الإسلامية المقاتلة التي كان يقودها عبدالحكيم بلحاج، وكذا كتيبة النواصي ذات الاتجاه الجهادي حيث تقوم بحماية المراكز الحكومية الحيوية في طرابلس وأعلنت ولاءها لحكومة الوفاق الوطني وتمسكها بالاتفاق السياسي الليبي.

ثانيًا: تأثيره على دول الجوار العربي وشمال إفريقيا.

أدى الانقسام السياسي والأمني في ليبيا إلى غياب المقومات الأمنية الأساسية للدولة، من حيث الاحتكار الشرعي لأدوات العنف والإكراه وتجمعها بيد سلطة واحدة، مما سهل من تصاعد الحركات المسلحة، الجماعات الإرهابية والجريمة المنظمة بكل أشكالها، من الهجرة غير الشرعية، الاتجار بالبشر وتجارة المخدرات، مع تهريب النفط الذي يكبد خسارة سنوية للخزينة الليبية تقدر بــ 750 مليون دولار، حسب تصريحات مصطفى صنع الله، رئيس مجلس إدارة مؤسسة النفط الليبية، الذي أكد في مؤتمر في جنيف عن سرقة النفط والوقود وعلاقاتها بالمليشيات المسلحة " لم يتوغل مهربو الوقود واللصوص فقط في المليشيات التي تسيطر على الكثير من المناطق في ليبيا، لكنهم توغلوا أيضًا في بعض شركات توزيع الوقود"[3] وعليه، فإن من مصلحة المليشيات المسلحة التي تتاجر في تهريب الوقود أن تستمر حالة الفوضى، حيث نسجت شبكة من التحالفات العضوية والوظيفية مع جماعات الجريمة المنظمة للتهريب خصوصًا مع دول الجوار تونس على الحدود الغربية، إيطاليا ومالطا على الحدود البحرية الشمالية. وفي هذا الإطار، أشارت وسائل الإعلام إلى نموذج من شبكة العلاقات بين المافيا المالطية والمافيا الإيطالية وارتباطاتها بقادة المليشيات الليبية في قضية تهريب الوقود الليبي، بعد مقتل الصحفية المالطية، دافني كروانا غاليتزيا، في أكتوبر 2017م، حيث اعتقلت الشرطة الإيطالية الرئيس التنفيذي لشركة "ماكسوم بانكر" الإيطالي ماركو بورتا، والليبي فهمي موسى سليم بن خليفة، ومواطنين من مالطا يقومان بعمليات النقل، حيث تمكنت هذه الجماعة من كسب 80 مليون يورو خلال ثلاثين رحلة في سنة واحدة[4].

كما أدى تصاعد النزاع المسلح في طرابلس في بداية أبريل 2019م، إلى قلق القوى الدولية والإقليمية من خطر استغلال الجماعات الإرهابية للفراغ الأمني، وهو ما جعل ست دول (الولايات المتحدة الأمريكية، بريطانيا، فرنسا، إيطاليا، مصر والإمارات) تصدر بيانًا مشتركًا تطالب بوقف القتال بين جماعة حفتر وحكومة فايز السراج[5]، وفي الوقت ذاته، أدانت دول الجوار الثلاث لليبيا، تونس، الجزائر ومصر استمرار تدفق الأسلحة إلى ليبيا من قبل الأطراف الإقليمية التي تخترق قرارات مجلس الأمن المتعلقة بحظر تصدير السلاح المفروضة على ليبيا منذ سقوط نظام القذافي، كما حذرت دول الجوار الثلاثة، من خطر عودة المقاتلين الإرهابيين الأجانب[6]، خصوصًا وأن تقارير أمنية قد أشارت إلى أن الخسارة التي تكبدها تنظيم الدولة "داعش "في العراق وسوريا ستجعله يبحث عن المناطق الرمادية في ليبيا ومنطقة الساحل الصحراوي، و هو ما ذهبت إليه صحيفة "ديلي إكسبرس" البريطانية إلى أن دول غربية تبحث عن زعيم تنظيم داعش "أبوبكر البغدادي" في جنوب ليبيا لاحتمال انتقاله إليها بعدما فقد "خلافته" في سوريا والعراق[7]، مع تقديرات عودة المقاتلين الأجانب التي تضاف إلى المقاتلين الأجانب الموجودين في ليبيا، حيث احتلت ليبيا رابع أكبر دولة من حيث تعبئة عدد المقاتلين الأجانب بعد كل من سوريا، أفغانستان والعراق، ومثل المقاتلين من شمال إفريقيا الملتحقين بـــ "داعش" أكبر عدد، منهم 1500 مقاتل من تونس،300 مقاتل من المغرب،130 مقاتلًا من الجزائر و112 من مصر، وفق التقرير الصادر عن معهد واشنطن لسياسة الشرق الأوسط.[8] بينما قدر عدد المقاتلين من إفريقيا جنوب الصحراء 900 مقاتل أغلبهم من النيجر، مالي، السنغال والتشاد. ويشير التقرير ذاته، إلى الخطر المرتبط بهجرة هؤلاء عبر البحر المتوسط وتهديداتهم للأمن الأوروبي، كما حدث في تفجيرات برلين (2016) التي ارتبطت العملية بمقاتل تونسي، وتفجيرات لندن (2017) ارتبطت العملية بمقاتل ليبي، وكلا المقاتلين كانا مرتبطين بالتنظيمات الإرهابية في ليبيا، وفق تقرير معهد واشنطن ذاته.

إن استمرار فوضى السلاح وغياب السلطة المركزية في ليبيا، سيعزز من الهجرة غير الشرعية المرتبطة أساسًا في أحد أبعادها الأمنية بقضية تمويل الجماعات الإرهابية والمليشيات المسلحة، من خلال السيطرة على مناطق العبور الحدودية البرية والبحرية، وتشير تقارير إحصائية أوروبية إلى أن تنظيم داعش استطاع في الفترات السابقة من جمع مبالغ مالية معتبرة لتمويل نشاطاته التعبوية، حيث جمع ما يقارب 330 مليون دولار من الهجرة غير الشرعية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا[9]، كما تستخدم الهجرات غير الشرعية كموارد للتعبئة القتالية ضمن صفوف الجماعات الإرهابية المسلحة، ومن جهة أخرى، تستعمل كورقة للضغط والتهديد كسلاح سيكولوجي ضد أوروبا، وقد أشارت صحيفة "الميساجيرو" الإيطالية أن الأجهزة الأمنية الإيطالية كشفت عن تخطيطات الجماعات الإرهابية في ليبيا بدفع ما يقارب 500 ألف مهاجر إلى الشواطئ الإيطالية من أجل وقف تدخلها العسكري في ليبيا.[10]

إلى جانب التهديدات التي تشكلها الجماعات الإرهابية على مستقبل الدولة الليبية ودول الجوار، فإن استمرارية الاقتتال الداخلي والدعم الإقليمي والدولي لأطراف الصراع، يجعل من ليبيا ملاذا أمنا للجماعات الانفصالية المسلحة وبالأخص في المناطق الجنوبية حيث تشهد الدول المتخمة لليبيا، النيجر والتشاد والسودان، اضطرابات داخلية وديناميكية لامتناهية من الحركات الانفصالية المسلحة، مما يجعلها تساهم في تعزيز النزاعات الاثنية في ليبيا بين القبائل ذات الأصول الإفريقية والقبائل ذات الأصول العربية، كما تنخرط في القتال الليبي الداخلي كما حصل مع الجماعات التشادية المسلحة التي استقرت في جنوب ليبيا في الحدود مع التشاد، فتارة تقوم بهجومات مسلحة على المراكز الأمنية التشادية، وتارة أخرى تنخرط في دعم جماعة ليبية على حساب أخرى، مقابل صفقات مالية، كما حدث بين مجلس القيادة العسكرية لإنقاذ الجمهورية التشادية وكتيبة الدفاع عن بنغازي، ذات التوجه الإسلامي، كما ساهمت الجماعات التشادية المسلحة في المعارك التي دارت في منطقة الهلال النفطي في سنة 2017 م، وحسب تقرير خبراء الأمم المتحدة، صدر سنة 2018م، فإن التشكيلات التشادية المسلحة المستقرة في ليبيا يصل تعدادها ما بين 2000 إلى 3500 مقاتل[11]، وهو ما يزيد من استمرارية الفوضى الأمنية التي تعيق بناء الدولة في ليبيا.

ثالثًا، التدخل الخارجي والصراع الأوروبي.

لا يمكن تصور إنهاء النزاع في ليبيا بدون الإرادة الدولية المرتبطة بإعادة صياغة توازن المصالح المتناقضة بين القوى الأوروبية، وقد يتجلى هذا الصراع بشكل واضح في التنافس الفرنسي-الإيطالي من جهة، وفي تناقض السلوك الفرنسي تجاه أطراف الصراع الداخلية في ليبيا. ولا يمكن إيجاد تفسيرات موضوعية لطبيعة التنافس بين باريس وروما خارج الموارد النفطية والغازية، الذي يمكن اختزاله بالصراع بين الشركة النفطية الفرنسية توتال والشركة النفطية الإيطالية إيني، حيث تمتلك ليبيا أكبر احتياطي من النفط في إفريقيا بما يقدر 49 مليار برميل يضاف إليها احتياطي استراتيجي من الغاز الطبيعي. ولم يخف الساسة في كلا البلدين طبيعة هذا التنافس، حيث اتهم نائب رئيس المجلس الإيطالي، ماتيو سالفاني، فرنسا بعدم اهتمامها باستقرار ليبيا بسبب مصالحها المتعارضة مع المصالح الإيطالية[12]، وهو الاتهام ذاته الذي سبق أن أكده رئيس الوزراء الأسبق، سيلفيو برليسكوني، أثناء التدخل الفرنسي في ليبيا متهما الرئيس الفرنسي، نيكولا ساركوزي، بأنه اتخذ خيار الحرب من أجل السيطرة على النفط والغاز الليبيين. ويعبر هذا القلق الإيطالي عن حالة طبيعية إذا عرفنا أن شركة إيني كانت تستحوذ على ما يقارب 35 بالمائة من النفط الليبي وهي متواجدة بالمنطقة منذ 1959م، وتحتل مرتبة متقدمة جدًا على توتال الفرنسية، حيث تنتج المجموعة الإيطالية تسعة مرات من النفط الذي تنتجه توتال في ليبيا، بما يقارب 300 ألف برميل من النفط، بما فيها الغاز الطبيعي. ويبدو الوضع القائم حاليًا، أن كل من إيني وتوتال يقومان بتوزيع المصالح بينهما، حيث تستثمر المجموعة الإيطالية في غرب ليبيا حيث تتواجد حكومة الوفاق الوطني، وهو ما يفسر التحالف الاستراتيجي بين فايز السراج وإيطاليا، التي عقدت صفقات للاستثمارات النفطية في حقول غدامس وخليج سرت في شراكة مع برتيش بيتروليوم، في الوقت الذي اكتفت فيه شركة توتال بمنطقة غدامس، وعقل فرنسا الاستراتيجي على الجنوب الليبي حيث تقيم حلف عسكري مع دول الساحل المحيطة بالجنوب الليبي، من خلال عملية برخان، أين ينتشر أكثر من أربعة ألاف عسكري فرنسي على امتداد خمسة دول من موريتانيا غربًا إلى التشاد شرقًا، وهذا الانتشار الأمني والعسكري كان نتاج التدخل العسكري في ليبيا وانهيار النظام في شمال مالي، حيث تنظر فرنسا إلى المنطقة على أنها منطقة نفوذها التقليدية. وعليه، فإن السلوك الفرنسي تجاه ليبيا يتسم بالازدواجية في التعامل مع طرفي النزاع في ليبيا، فمؤسسة الرئاسة في قصر الإليزيه ووزارة الخارجية تقوم بالدور الدبلوماسي لتقريب وجهة النظر من خلال الاجتماعات الضيقة أو الموسعة بين خليفة حفتر وفايز السراج، بينما تقوم وزارة الدفاع بالدعم العسكري واللوجيستيكي والاستخباراتي لفائدة الجيش الذي يقوده حفتر[13]، لقناعتها بأن تمدد حفتر في الشرق والجنوب واحتمال سيطرته على العاصمة طرابلس قد يمكنه من الاستحواذ على الشركة الوطنية للنفط والبنك المركزي، مما يسمح بتعاظم المصالح الفرنسية على حساب المصالح الإيطالية المرتبط أساسا بحكومة الوفاق الوطني. كما أن المصالح الفرنسية مرتبطة بشكل أساسي بالتحالف المصري-الإماراتي الداعم للجيش الوطني الليبي، لارتباطات المركب الصناعي العسكري الفرنسي أساسًا من خلال مبيعات الأسلحة المتنوعة.

رابعًا: الدور الأممي وكيفية الحل.

الأمم المتحدة في الواقع هي انعكاس أمين لما يجري من صراع المصالح في المناطق الحيوية من العالم، فالدول الأعضاء في مجلس الأمن تعكس ذلك بشكل واضح من خلال التصويت أو باستخدام حق النقض للدفاع عن مصالح القوى الكبرى، فمشاريع التسوية السياسية المطروحة في النزاع الليبي تثبت ذلك، حيث بقي الاتفاق السياسي الليبي بدون تطبيق فعلي في الواقع رغم أن الاتفاق قد تجاوزته الأحداث من حيث الأجسام السياسية القائمة، بتجاوز الفترة المحددة لمجلس النواب في طبرق، وتجاوز المرحلة الانتقالية لحكومة الوفاق الوطني، مع الرفض المطلق للجيش الليبي لشرعية هذه الحكومة، وغياب مؤسسة أمنية وعسكرية موحدة، ويرجع ذلك بالأساس لغياب الإجماع داخل مجلس الأمن، كما تم توضيحه في قضية حظر الأسلحة على الأطراف المتصارعة أو الرقابة على تهريب الوقود، وهو ما جعل ممثل الأمين العام للأمم المتحدة، غسان سلامة، يطرح المسار التشاوري للملتقى الوطني الليبي، ضمن الخطة التي قدمها للجمعية العامة للأمم المتحدة من أجل التسوية السياسية في ليبيا في 20 سبتمبر 2017م، حيث تم وضع خريطة طريق تتضمن ثلاثة بنود أساسية، تعديل الاتفاق السياسي لسنة 2015م، عقد ملتقى وطني، وإجراء انتخابات قبل نهاية 2018م، وبعد الانتهاء من المسار التشاوري للملتقى الوطني تم تحديد تاريخ انعقاده بين 14 و16 أبريل 2019م، بمدينة غدامس الليبية، ومرة أخرى تأجلت العملية السياسية بسبب الحرب القائمة حول العاصمة طرابلس التي اشتعلت بين جيش حفتر وحكومة الوفاق والكتائب المسلحة التابعة لها بتاريخ الرابع من شهر أبريل، أي عشرة أيام قبل الملتقى، والمشروع في حد ذاته كان يحمل آمالا لمستقبل التسوية السياسية، من خلال مجموعة من الإجراءات تم التوافق عليها، من ضمنها، الأولويات الوطنية والحكومية، الأمن والدفاع، توزيع السلطات والموارد، المصالحة الوطنية والعمليتان الدستورية والانتخابية. وعليه، فإن خريطة الطريق لم تحقق أهدافها الثلاثة المعلنة، انتهت سنة 2018م، ولم تجر الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، كما أنه بقي الاتفاق السياسي على حاله يكرس الانقسام الثنائي في الواقع بين المتشبث به والرافض لكل بنوده، وتأجل الملتقى الوطني في انتظار أن تضع الحرب أوزارها، في بلد يعيش منذ ثماني سنوات على حلم الديمقراطية التي بشرت بها القوى الدولية الشعب الليبي بعد إسقاط النظام الاستبدادي.

ولا يمكن أن نتصور حلول سحرية للنزاع في ليبيا مالم يكون هناك توافقات إقليمية ودولية على توازن المصالح بما يخدم المصلحة الوطنية للشعب الليبي، فحقيقة إن التشخيص الذي تم تقديمه من قبل خبراء الأمم المتحدة بعد إسقاط نظام القذافي، كان أكثر واقعية، لأن غياب المؤسسات السياسية والحزبية طيلة أربعة عقود، والاعتماد الكلي على غنيمة النفط اقتصاديا، ومركزية القبيلة اجتماعيا، يجعل من الصعب استنساخ النموذج الديمقراطي الغربي بكل حذافيره، لأن المرحلة الانتقالية تتطلب تكييف الثقافة السياسية المحلية التقليدية والثقافة السياسية المعاصرة، ولا يمكن فهم المجتمع الليبي بدون أدبيات عالم الاجتماع عبد الرحمن بن خلدون في بناء الدولة المغاربية القائمة على العصبية القبلية في أبعادها الإيجابية، من الشرف، التلاحم، التآخي والتآزر، والذود عن حرمة البلد، وهي الأدبيات الغربية التي نسميها بالديمقراطية التوافقية، بحيث يشكل المسار التشاوري للملتقى الوطني أحد المخارج الإيجابية في حالة إعادة إحياءه، لأن المجهودات التي تم استخدامها طيلة أربعة أشهر، استطاعت أن تجمع ما يقارب 7 آلالف مواطن ليبي من خلال عقد 77 اجتماعًا في 43 بلدية وتم استخدام مواقع التواصل الاجتماعي تم التوصل إلى ما يقارب 1.8 مليون مواطن لتحديد المواضيع المتعلقة بالبنود السابقة الذكر.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*أستاذ العلوم السياسية ـ مدير المدرسة الوطنية العليا للعلوم السياسية ـ الجزائر

 

[1]مصطفى صايج،" الانتقال الديمقراطي في ليبيا وانعكاساته الأمنية على دول الجوار (الجزائر وتونس) "، كتاب جماعي " مسارات التجارب الديمقراطية في الأقطار المغاربية"، مخبر البحوث والدراسات في العلاقات الدولية، جامعة الجزائر 3، طبعة 2015، ص 132.

[2]إحاطة الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة، غسان سلامة، أمام مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة حول الوضع في ليبيا، 21 أيار/مايو 2019.

[3]https://middle-east-online.com/%D8

[4]"عصابات التهريب تستغل الفوضى لنهب النفط الليبي"، يومية العرب، 17/03/2018 أنظر: https://alarab.co.uk/%D8

[5]"ستة دول تدعو للحوار في ليبيا وتحذر من الجماعات الإرهابية"، سكاي نيوز، 16 يوليو 2019 - 22:00 بتوقيت أبوظبي

https://www.skynewsarabia.com/middle-east/1268451-6-

 

[6]Libye: Tunis, Alger et Le Caire dénoncent les flux "continus" d'armes et de "terroristes", Par L'Obs avec AFP, Publié le 13 juin 2019 à 10h30, https://www.nouvelobs.com/monde/20190613.AFP8415/libye-tunis-alger-et-le-caire-denoncent-les-flux-continus-d-armes-et-de-terroristes.html

[7]« Daesh : la Tunisie en alerte après un signalement du « calife » Abou Bakr al-Baghdadi en Libye », Par Jeune Afrique, 29 mai 2019 à 14h44 : https://www.jeuneafrique.com/mag/781009/politique/daesh-la-tunisie-en-alerte-apres-un-signalement-du-calife-abou-bakr-al-baghdadi-en-libye/?utm_source=facebook.com&utm_medium=social&utm_content=jeune_afrique&utm_campaign=post_articles_twitter_29_05_2019

 

[8]« Les Tunisiens forment le premier contingent jihadiste de l'EI en Libye », Par RFI Publié le 30-01-2018 Modifié le 31-01-2018 à 15:29, in : http://www.rfi.fr/afrique/20180129-tunisiens-contingent-jihadiste-libye

[9]منية غانمي،"كيف يستقطب "داعش" المهاجرين غير الشرعيين في ليبيا؟"، موقع سي.أن.أن عربي،نشر الاثنين، 11 ابريل /نيسان 2016

https://arabic.cnn.com/world/2016/04/11/isis-libya-illegal-migrants

[10]Eugénie Bastié, « L'État islamique menace d'envoyer 500.000 migrants en Europe depuis la Libye, Publié le 19/02/2015 à 12:12

http://www.lefigaro.fr/international/2015/02/19/01003-20150219ARTFIG00151-l-etat-islamique-menace-d-envoyer-500000-migrants-en-europe-depuis-la-libye.php

[11]Frédéric Bobin  , « Des « mercenaires étrangers » en Libye, une stratégie à risque, Repliés dans le sud de la Libye, des mouvements rebelles soudanais ou tchadiens se retrouvent au cœur des enjeux de pouvoir, attisant les tensions régionales », Le Monde, Publié le 30 octobre 2018 https://www.lemonde.fr/afrique/article/2018/10/30/des-mercenaires-etrangers-engages-dans-le-chaos-libyen-une-strategie-a-risque_5376739_3212.html

[12]Claire Fages , « France-Italie: des intérêts pétroliers divergents en Libye? »,RFI, Diffusion : mercredi 23 janvier 2019.

http://www.rfi.fr/emission/20190123-france-italie-interets-petroliers-divergents-libye

 

 

[13]Patrick Forestier, « Libye : la guerre de l'ombre entre la France et l'Italie», Le Point.fr, Publié le 13/11/2018 à 13:12 .https://www.lepoint.fr/afrique/libye-la-guerre-de-l-ombre-entre-la-france-et-l-italie-13-11-2018-2270986_3826.php

 

كلمات دليلية