;
الصفحة السابقة

التصعيد الأمريكي – الإيراني: خيارات إيران والسيناريوهات المتاحة

انشأ بتاريخ: الإثنين، 09 أيلول/سبتمبر 2019

يعتبر انتخاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نقطة تحول جذرية على صعيد السياسة الخارجية الأمريكية تجاه إيران؛ حيث شكل الانسحاب الأمريكي الأحادي الجانب من الاتفاق النووي الإيراني يوليو 2015م، بين إيران والسداسية الدولية، إيذانًا ببدء مرحلة جديدة من التوتر في العلاقات بين البلدين، والتي تمثلت في استئناف واشنطن فرض العقوبات على طهران. والتي نُفذت الحزمة الأولى منها في أغسطس 2018م، ثم الحزمة الثانية في 5 نوفمبر 2018[1].

ومنذ دخول العقوبات الأمريكية على إيران بصورتها الكاملة حيز التنفيذ يوم الثاني من مايو الماضي، وفي ضوء رفع الاستثناءات عن الدول الثماني المستوردة للنفط الإيراني وهي (الصين، والهند، واليابان، وكوريا الجنوبية، وتايوان، وتركيا، واليونان وإيطاليا)، اتخذت العلاقات الأمريكية الإيرانية شكل حرب العلاقات العامة الدعائية بين الجانبين من خلال مسار تصعيدي حاد يمكن تلمس بداياته من خلال تعيين قائد جديد لمؤسسة الحرس الثوري الإيراني وهو الجنرال المشهور بخطاباته اللاذعة ضد الولايات المتحدة الأمريكية، حسين سلامي[2]، إلى جانب تهديدات متوالية من جانب المسؤولين الإيرانيين بإعاقة الملاحة التجارية في مضيق هرمز إذا مُنعت إيران من تصدير نفطها إلى العالم. بكل ما يحمله ذلك من تداعيات على أمن واستقرار منطقة الشرق الأوسط والخليج العربي، وكذلك مصالح القوى الدولية بالمنطقة، بما أدي إلى وصول التصعيد الأمريكي الإيراني إلى ذروته، وصولاً إلى التهديد باستخدام القوة، بما أدي إلى اتساع رقعة تدخل المجتمع الدولي في الشؤون الإقليمية، وهو ما يتضح من خلال العرض التالي:

أولاً: الأزمة وسياقاتها:

تُشير الخبرة التاريخية للنظام الإيراني في تعاطيه مع مجريات الواقع السياسي على المسرح الدولي إلى أنه لا يمكن بناء تصور حقيقي عن طبيعة صنعه للسياسة الخارجية من خلال المواقف المعلنة فقط، وإنما من خلال تحليل نمط التصريحات، إلى جانب تحرى السوابق التاريخية لفهم طريقته الخاصة في صنع واتخاذ القرار. حيث تتسم السياسة الخارجية الإيرانية بطبيعة معقدة ومتشابكة فيتداخل فيها الديني بالقومي والثورية بالبرجماتية. كما أنها تتميز عن غيرها باختلاف المحددات والأهداف والتطورات وتوزيع الأدوار والمراوغة[3] والانتهازية السياسية، وقد انعكست هذه الصفات على طبيعة السياسة الإيرانية تجاه المنطقة العربية. ذلك أن كل رفض علني حاد للحوار[4]، قد يحمل في طياته تحركات عكسية سرية للمضي قدمًا في تنفيذ عكس ما يتم الإعلان عنه. ولعل أبرز فضائح القنوات السرية في التواصل بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية الفضيحة التي عرفت بـ " إيران كونترا" في ثمانينات القرن المنصرم.

فإيران التي استطاعت خلال السنوات الماضية أن تكون لاعبًا استراتيجيًا في المنطقة، بشأن كل من العراق وسوريا واليمن فضلاً عن حزب الله في لبنان وحماس في فلسطين، أصبحت في الوقت ذاته مصدر تهديد وعدوان على منطقة الخليج العربي كله بسبب تمددها الإقليمي من خلال أذرعها من الفاعلين من غير الدول، وتدخلها في الأزمة السورية، ومحاولاتها المستمرة في السيطرة على القرار السياسي في العراق، ودعمها لجماعة الحوثي في اليمن لضمان تواجدها في مضيق باب المندب والبحر الأحمر، بما يؤدي في نهاية المطاف إلى استنزاف الإمكانات البشرية والمادية لدول الجوار وإضعاف المنطقة وإرهاقها ماديًا ومعنويًا[5]. بغية استعراض قوتها في وجه القوى الكبرى للمساومة على العقوبات الدولية، والإفلات ببرنامجها النووي العسكري. والتباهي بأنها اقتربت لأول مرة من البحر الأبيض المتوسط، وأنها صاحبة النفوذ في أربع عواصم عربية، وأنها تسيطر على أهم مضيقين دوليين في المنطقة (هرمز وباب المندب)[6].

ثانيًا: مظاهر التصعيد الأمريكي ــ الإيراني:

أدي وصول إدارة جديدة للبيت الأبيض إلى اختلاف نهج السياسة الأمريكية في تعاملها مع إيران، من خلال خطوات تصعيدية ضدها حتى تخفض سقف توقعاتها ومن ثم فرض التفاوض مرة أخرى معها بشروط تناسب الإدارة الأمريكية في ظل قيادة ترامب. والتي تنطلق رؤيته في إدارة العلاقات مع الخصوم، من أن الولايات المتحدة تواجه عالمًا خطير للغاية حافلا بمجموعة من التهديدات مثل ظهور القوى المنافسة لها ووجود الدول المارقة التي تقوم بتطوير أسلحة نووية وصواريخ تهدد العالم وجماعات إرهابية تسيطر على مساحات شاسعة من الشرق الأوسط، بما يؤثر سلبًا على الثوابت الأمريكية تجاه المنطقة، والتي تتمحور حول المحافظة على أمن إسرائيل والحد من الانتشار النووي في الإقليم لصالحها، وتأمين منابع النفط والغاز وضمان المرور من الممرات والمضائق البحرية في المنطقة ومحاربة الإرهاب، ولذلك اعتمدت سياسة ترامب على نقطتين أساسيتين وهما تصعيد الخطاب الأمريكي ضد الخصوم والمنافسين ثم فرض عقوبات اقتصادية صارمة وهو ما سيدفعهم للجلوس على طاولة المفاوضات[7]، وهو ما ظهر جليًا في التعاطي مع الأزمة الإيرانية.

وبناءً عليه، فقد حدد وزير الخارجية الأمريكي " مايك بومبيو" في 21 مايو 2018م، 12 شرطًا لبدء مفاوضات جديدة مع إيران، التي تقع وفقًا لترامب ضمن دول إمبراطورية الشر، بقوله أن: "إيران الدولة الأولى الراعية للإرهاب، بدعمها حزب الله وحماس وكثيرًا من الإرهابيين، وتمويلها وتدريب أكثر من مائة ألف مقاتل لنشر الدمار في جميع أنحاء الشرق الأوسط، ودعمها نظام بشار الأسد[8]". ولذا فقد استخدم استراتيجية أقصي الضغوط لإجبار طهران على المفاوضات من خلال مزيد من الضغوطات، كالحظر الكامل لتصدير البترول الإيراني وإلغاء أي استثناءات في هذا الشأن.

تلي ذلك خطوات تصعيدية حادة من الإدارة الأمريكية تجاه الخيار العسكري، دفعت إلى بحث القيادة الأمريكية طبيعة الرد على إسقاط إيران طائرة أمريكية مسيرة، قبل أن ينتهي الأمر بهذه القيادة إلى التراجع عن توجيه ضربة عسكرية لإيران 20 يونيو 2019م، وصولاً إلى قرار الولايات المتحدة فرض عقوبات على المرشد الأعلى علي خامنئي وكبار المسؤولين الآخرين، والذي اعتبرته الحكومة الإيرانية، بمثابة هجوم على الأمة[9].

وما بين التهديد باستخدام القوة، وفرض العقوبات الاقتصادية على طهران ومسؤوليها، تأتي الحرب النفسية من خلال تصريح ترامب بأن الإيرانيين رجال مفاوضات وليس رجال حرب[10].

ثالثًا: خيارات طهران: فرص آخذة في التضاؤل والحرب ليست خيارًا:

رغم أن إيران ما زالت مصرة على اتخاذ مزيد من الخطوات التصعيدية، على المستويات المختلفة، في تعاملها مع الإجراءات العقابية التي تتخذها الولايات المتحدة الأمريكية واقتراب المواقف الأوروبية تدريجيًا من السياسة التي تتبناها واشنطن، تُشير الخبرة التاريخية إلى أن تهديد إيران بإغلاق مضيق هرمز أصبح بمثابة تهديد تستعمله طهران في كل أزمة تواجهها مع الولايات المتحدة.

وتأتي الهجمات الإيرانية على سفن الخليج بمثابة رسائل من إيران مفادها أن العمق الاستراتيجي لدول الخليج ومنافذ تصدير ونقل النفط تقع في متناول يدها. ففي 12 مايو الماضي، أعلنت الإمارات تعرض 4 سفن للتخريب في خليج عمان داخل المياه الاقتصادية الإماراتية قبالة ساحل إمارة الفجيرة، وتحمل 2 منها الجنسية السعودية والثالثة إماراتية، في حين حملت الرابعة علم النرويج[11]. ورغم تنصل إيران من هذا الأمر من خلال وصف المتحدث باسم خارجيتها للأمر بـ"المثير للقلق والمؤسف" وتحذيره من "مؤامرات من الحاقدين"[12]. إلا أن تحقيقات الجيش الأمريكي التي تمت بطلب رسمي من دولة الإمارات العربية المتحدة، قد أشارت بحسب ما جاء على لسان الأدميرال مايكل جيلداي، مدير الأركان المشتركة، إلى أن قوات الحرس الثوري الإيراني هي المسؤولة عن عملية تخريب السفن التجارية قبالة سواحل الفجيرة الإماراتية، من خلال استخدام الألغام البحرية[13].

وهو الأمر الذي سرعان ما تطور إلى ما هو أخطر من ذلك، حيث أعلنت المملكة العربية السعودية في الرابع عشر من مايو الماضي، تعرض 2 من محطات ضخ النفط بالدوادمي قرب العاصمة الرياض لهجوم بواسطة الطائرات بدون طيار المُسيّرة عن بعد، وقد اعترفت مليشيات الحوثي أحد الأذرع الإيرانية في المنطقة بتنفيذ ذلك الهجوم، في تطور خطير وتهديد مباشر على العمق السعودي والخليجي[14].

إلا أنه وإمعانًا في إيصال رسالة ردع مباشرة لإيران من قبل الولايات المتحدة، فقد أعلنت قيادة الأسطول الخامس الأمريكي عن قيام مجموعة حاملة الطائرات إبراهام لينكولنAbraham Lincoln Carrier Strike Group ABECSG ومجموعة الحاملة كيرسارج المُعدّة للإنزال البرمائيKearsarge Amphibious Ready Group ومعها وحدة مشاة البحرية الثانية والعشرون المُعدّة للانتشار الفوري 22nd Marine Expeditionary Unit بتنفيذ تدريب بحري مُشترك في الخليج العربي يومي 17، و18 مايو 2019م، لتعزيز ورفع مستوى الكفاءة والفاعلية للقوات الأمريكية للرد على التهديدات وردع أية أعمال لزعزعة استقرار المنطقة ذات الأهمية القصوى لمصالح الولايات المتحدة[15]. وفي يوم 24 مايو أعلنت وزارة الدفاع الأمريكية “البنتاجون” أنها ستقوم بنشر 1500 جندي إضافيين وقدرات دفاعية جديدة في منطقة الخليج العربي، ضمن نطاق مسؤولية القيادة المركزية الأمريكية US Central Command، التي تشمل منطقة الشرق الأوسط ووسط آسيا.

وإن كنا نخلص، إلى أن طهران لا تستطيع إغلاق مضيق هرمز من منطلق أنها تستفيد منه بدرجات كبيرة، أو تجنبًا للإشكاليات القانونية المرتبطة بهذا الإغلاق، علاوة على زيادة التواجد العسكري الأمريكي بالخليج، والدعوة لإنشاء قوة دولية لحماية ناقلات البترول؛ حيث أعلنت بريطانيا التي تعرضت ناقلتها النفطية للاحتجاز من قبل إيران في مضيق هرمز، عن خطط لتشكيل قوة بقيادة أوروبية لحماية الملاحة في منطقة الخليج[16]. وقد صرحت المتحدثة باسم السفارة الأمريكية في برلين الثلاثاء 30 يوليو 2019م، لوكالة الأنباء الألمانية، إن بلادها طالبت رسميًا من الحكومة الألمانية المشاركة في تأمين مضيق هرمز/ وأضافت: "طلبنا من ألمانيا رسميًا الانضمام إلى فرنسا وبريطانيا للمساعدة في تأمين مضيق هرمز ومكافحة العدوان الإيراني".

رابعًا: السيناريوهات المتاحة للأزمة الحالية بين إيران والإدارة الأمريكية:

شهدت الآونة الأخيرة معطيات ومؤشرات مقلقة عديدة بشأن السلوك المستقبلي لإيران تجاه دول الجوار من ناحية وتجاه حرية حركة الملاحة الدولية من ناحية آخرى على خلفية العقوبات الأمريكية على إيران، فضلاً عن التهديدات الإيرانية المتتالية ومفادها أن إيران قادرة على مواجهة الولايات المتحدة الأمريكية، حتى في حال توجيه ضربة عسكرية لإيران، إلا أنه ورغم ما يحدث من تناطح سياسي بين الطرفين وحالة العداء الواضح بين طهران وواشنطن، إلا أن تقدير الموقف يشير إلى استبعاد حدوث حرب بالمفهوم الشامل، لكن يبدو أن ثمة ثلاثة سيناريوهات يمكن استشرافها لمستقبل العلاقات بين الولايات المتحدة وإيران:

1ـ سيناريو العودة لمائدة المفاوضات: حيث أنه حتى وإن كانت وقائع الماضي وشواهد الحاضر تنبئ بأن المستقبل قد يحمل منعطفات حرجة في المسار الراهن للعلاقات الأمريكية ـ الإيرانية[17]، إلا أن التهديدات الإيرانية قد تبدو في ظاهرها أنها قادرة على مواجهة الولايات المتحدة الأمريكية، وفي باطن تلك التصريحات العدائية تنشط النية لدى الإدارة الإيرانية للجلوس على مائدة المفاوضات.

ويظهر ذلك جليًا مع وصول الأزمة الحالية بين إيران والولايات المتحدة إلى مرحلة حرجة، فبدأت دعوات عديدة للتفاوض مع واشنطن تظهر على الساحة الداخلية الإيرانية، وفي هذا الصدد، نرصد ما يلي:

  • تصريحات الرئيس حسن روحاني التي بثها التلفزيون الإيراني، الأحد 14 يوليو 2019م، أبدى استعداد بلاده لإجراء محادثات مع واشنطن، مشترطًا رفع العقوبات، والعودة للاتفاق النووي المبرم عام 2015م، ولكن الرفض جاء سريعًا من وزير الخارجية الأميركي، مايك بومبيو، في مقابلة نشرتها صحيفة "واشنطن بوست" الاثنين 15 يوليو 2019م، بقوله إن: "الرئيس ترامب سيتخذ بوضوح القرار النهائي. ولكن هذا طريق سارت فيه الإدارة السابقة وأدى إلى (الاتفاق النووي) الذي ترى هذه الإدارة الحالية وأنا أنه كارثة"[18].
  • العرض الذي تقدم به وزير الخارجية محمد جواد ظريف، حسب صحيفة "الجارديان" البريطانية في 18 يوليو 2019م، والذي تضمن قيام إيران بالتصديق على البروتوكول الإضافي الذي يتيح لمفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية سبلاً أكثر للتأكد من سلمية البرنامج النووي الإيراني مقابل رفع العقوبات الأمريكية.

بما يعني أن هناك عدم ممانعة من طهران في طرح بعض المسؤولين دعوات للتفاوض، حتى السابقين منهم، ومن بينهم أحمدي نجاد الذي ما زال يتولى منصبًا مهمًا هو عضو مجلس تشخيص مصلحة النظام، في طرح تلك الدعوات، وهو ما بدا جليًا في الحوار الذي أجراه نجاد مع صحيفة "نيويورك تايمز" في 19 يوليو 2019م، ودعا فيه إلى إجراء مفاوضات مباشرة مع الرئيس ترامب لتسوية النزاع الذي امتد أربعين عامًا[19]، مُشيرًا إلى أن ترامب رجل أعمال جديرًا بالتفاوض. وعلى العكس من ذلك هاجم الرئيس الأسبق خاتمي ترامب بشدة، واتهمه بـ "فرض عقوبة جماعية على الشعب الإيراني" من خلال العقوبات، كما حمّله مسؤولية التصعيد في الخليج[20]. ولذلك تسعى الإدارة الأمريكية لأن تكون الدعوة للحوار من المرشد الأعلى، وهو ما بدا واضحًا في تعليق أحد المسؤولين بالبيت الأبيض، في 19 يوليو 2019م -وهو اليوم نفسه الذي نشرت فيه "نيويورك تايمز" الحوار مع أحمدي نجاد-على العرض الذي طرحه وزير الخارجية محمد جواد ظريف بقبول عمليات تفتيش على المنشآت النووية مقابل رفع العقوبات الأمريكية، حيث قال إن "جواد ظريف لا يملك القرار ولا يملك الصلاحية، وأي عرض للتفاوض يجب أن يأتي من المرشد علي خامنئي"[21].

  1. سيناريو استمرار حالة اللاحرب واللا سلم، وهو استمرار للنهج الاعتيادي في العلاقات بين الولايات المتحدة وإيران على امتداد العقود الأربعة الماضية منذ قيام الثورة الإسلامية في إيران 1979م، حيث أن القدرات العسكرية الإيرانية لا تسمح لها بدخول حرب نظامية متماثلة مع القوات الأمريكية في المنطقة نظرًا لاختلال الميزان العسكري الهائل بين الجانبين، لذلك من المرجح أن تلجأ إيران إلى استخدام أذرعها في المنطقة عملاً بمبدأ الحرب اللامتماثلة، أو تكتفي بالتصعيد الخطابي فحسب.

فضلاً عن استغلال النظام الإيراني لزيارات مسؤولي القوى الدولية ولقائهم بقياداته لتأكيد أنه لا يواجه عزلة دولية رغم الجهود الأمريكية لعزل إيران دوليًّا، وأنه لا يزال قادرًا على مواجهة العقوبات الأمريكية، وأنها لم تُخضعه بعد للشروط الأمريكية. فالنظام الإيراني لا يعتقد أن تلك الوساطات ستصل إلى تسويةٍ للتصعيد الأمريكي، ولكنه ينظر إليها كمحاولة لعدم زيادته، لما له من تأثيرات على اقتصاد إيران الذي يعاني من أزمات عديدة قد تُهدد بقاء النظام. وإن كان يستغل التشدد الأمريكي في تعزيز سيطرته الداخلية[22].

  1. الضربات العسكرية الخاطفة: إذا تصاعدت وتيرة التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران، واستمرار سلوك طهران المتهور في مضيق هرمز بما يعوق سلامة المرور في الممرات البحرية، لتصل إلى صدام عسكري محدود، في حالة عدم نجاح الوساطة الدولية في ظل تمسك طرفي الصراع بشروطهما المسبقة للجلوس على طاولة التفاوض[23]، وكذلك استمرارهما في التصعيد، وامتلاك المزيد من أوراق الضغط لإرغام الطرف الآخر على تقديم تنازلات، فضلاً عن تنصّل طهران من التزاماتها المنصوص عليها في الاتفاق النووي[24]، بما يدفع الدول التي كانت تعارض الانسحاب الأمريكي الأحادي من الاتفاق النووي إلى الاقتراب من الموقف الأمريكي، الأمر الذي يحد من الخيارات المتاحة أمام النظام في طهران. خصوصًا في حالة ارتفاع منسوب الشد في علاقات طهران الأوروبية[25]، حيث يعلم النظام الإيراني جيدًا أن الاستمرار في الاعتماد على الحلفاء الأوروبيين أمر في منتهى الخطورة خاصة بعد البيانات التي صدرت عن الجانب الأوروبي في أوقات سابقة تندد بإصرار إيران على استئناف تطوير البرنامج الصاروخي والباليستي، والتحذير الأوروبي لطهران من مغبة تلك التصرفات على الأمن والاستقرار في منطقة الشرق الأوسط.

وفى التقدير، فإن المسار التفاوضي هو الأقرب لحلحلة الأزمة الراهنة بين واشنطن وطهران، على الرغم من الانقسام الواضح في الموقف الرسمي الإيراني حول التفاوض مع واشنطن، فقد أكد الرئيس الإيراني ردًا على اقتراح أمريكي بإجراء محادثات، إن إيران مستعدة لمفاوضات "عادلة وقانونية". ومع ذلك أكد أنه لن يجلس على طاولة المفاوضات "إذا كان هذا يعني الاستسلام". وعلى النقيض فقد أكد حسين دهقان المستشار العسكري للمرشد الإيراني علي خامنئي، على أن "إيران لن تتفاوض مع الولايات المتحدة تحت أي ظرف من الظروف". كما هدد بأنه إذا قررت واشنطن خوض الحرب مع إيران، فإن جميع القواعد الأمريكية في المنطقة سوف تتعرض لنيران القوات الإيرانية. وكرر التهديدات باستهداف الملاحة البحرية ردًا على حظر صادرات نفط إيران، قائلاً: "إما أن تكون كل الدول قادرة على تصدير نفطها عبر الخليج أو لا يمكن لأي دولة القيام بذلك"[26].

ختامًا، فإن طهران تسعى إلى تحقيق عدد من الأهداف، التي لا تنحصر فقط في رفع العقوبات الأمريكية المفروضة عليها، رغم أهمية ذلك بالطبع، في ظل التأثيرات القوية التي تنتجها تلك العقوبات على الاقتصاد الإيراني. إذ أن ثمة أهداف أخرى لا تقل أهمية يتمثل أبرزها في:

  • الإيهام بتحريم/ سلمية السلاح النووي: فقد حرصت إيران بالتوازي مع اتخاذها إجراءات عديدة لتخفيض التزاماتها في الاتفاق النووي، على الترويج إلى أن ذلك لا ينفي أن برنامجها النووي سلمي، وأن هذه الإجراءات اتخذت ردًا على العقوبات التي تفرضها الولايات المتحدة وتقاعس الدول الأوروبية عن تنفيذ التزاماتها في الاتفاق النووي[27].
  • التغاضي عن الدور الإقليمي: وخاصة ما يتعلق بالدعم الذي تواصل إيران تقديمه للتنظيمات الإرهابية والمسلحة في بعض دول المنطقة، من خلال إتباع سياسة فصل المسارات، بكل ما تعنيه من حصر الخلافات مع الولايات المتحدة وغيرها، في البرنامج النووي، دون التطرق إلى القضايا الأخرى التي تحظى باهتمام خاص من قبل تلك القوى إلى جانب دول المنطقة.
  • تحييد البرنامج الصاروخي: تحاول إيران مواصلة تطوير برنامجها الصاروخي، الذي يثير قلقًا خاصًا لدى القوى الدولية والإقليمية، لأنه لا يقل خطورة عن البرنامج النووي.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*باحث دكتوراه في العلوم السياسية، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة

 

[1] عبدالله عيسي الشريف، " تحدي واشنطن: احتمالات مقاومة القوي الدولية للعقوبات على إيران"، ( مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، مجلة اتجاهات الأحداث، العدد 28، 2018)، ص 39.

[2]حيث تعمد النظام الإيراني تعيين الجنرال حسين سلامي، قائدًا للحرس الثوري، في الثاني والعشرين من إبريل 2019، بعد أسبوعين فقط من تصنيف الرئيس الأمريكي ترامب الحرس الثوري منظمة إرهابية أجنبية، وهو المشهور بتصريحاته اللاذعة وتهديداته الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وإسرائيل منذ أن كان نائبًا لقائد الحرس السابق الجنرال محمد علي جعفري.

[3] حيث يتميز النظام السياسي الإيراني بالانقسامات الحادة داخل دوائر صنع القرار السياسي، والذي يعبر عنه بظاهرة الإثنينية والتي أكسبته نوعاً من الخصوصية عند مقارنته بالنظم السياسية المُتعارف عليها حول العالم.والتي فرضت نفسها على التفاعلات والتجاذبات السياسية المستمرة بين القوى الرئيسية في الداخل الإيراني.

[4] محمد محسن أبو النور، حدود التوتر بين واشنطن وطهران، (مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية: مجلة السياسة الدولية، العدد 217، يوليو 2019)، ص 186.

[5]لواء د. محمد علام سيد، التحديات العسكرية فى منطقة الخليج: الواقع والمستقبل، (مركز الخليج للأبحاث: مجلة آراء حول الخليج، العدد 115، يناير 2017)، ص 24.

[6]د. عبدالعزيز بن عثمان بن صقر، " الممرات المائية.... بين التنمية والعسكرة"، (مركز الخليج للأبحاث: مجلة آراء حول الخليج، العدد 127، يناير 2018)، ص 5.

[7]عمرو عبد العاطي، " أمريكا ـ إيران.. من المهادنة إلى المواجهة"، (مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية: مجلة السياسة الدولية، العدد 214، أكتوبر 2018)، ص86.

[8]ترمب يحث الأوروبيين على معالجة «ثغرات» الاتفاق النووي الإيراني، الشرق الأوسط، بتاريخ 13 يناير 2018، متاح على الرابط الآتي: https://aawsat.com/home/article/1141926/%D8%AA%D8%B1%D9%85%D8%A8

[9]إيران تقول عقوبات أمريكا على خامنئي تعني نهاية الدبلوماسية، وكالة رويترز، 25 يونيو 2019، مُتاح على الرابط التالى:

https://ara.reuters.com/article/idARAKCN1TQ0D3

[10]ترامب: إيران لم تربح حربا قط ولكنها لم تخسر مفاوضات، روسيا اليوم، 30 يوليو 2019، مُتاح على الرابط التالى: https://bit.ly/2Kdhi9Z

[11]ما هي جنسيات السفن التي تعرضت لـ"هجمات تخريبية" قرب الإمارات؟، 13 مايو 2019،   CNN العربية.

[12]تخريب السفن”.. إيران تحذر دول المنطقة من “مؤامرات الحاقدين” والعناصر الأجنبية، 13 مايو 2019،CNN  العربية.

[13] Pentagon accuses Iran’s Revolutionary Guards over tanker attacks – May 24th – Reuters

[14] Saudi Arabia oil stations attacked by drones – May 14th 2019 – Gulf News

[15]وسرعان ما جاء الرد الإيراني على لسان رئيس أركان القوات المسلحة الإيرانية اللواء محمد باقري، الذي قال أنه على الأعداء أن یدركوا أن القوات المسلحة الشجاعة والقوية تقف في طليعة المواجهة المقدسة والتاريخية، ولن تغفل للحظة عن مكر العدو، خاصة إدارة أمريكا البغيضة ورئيسها الواهم والمتهور. مُتاح على الرابط التالى:

الأركان الإيرانية: أصابعنا على الزناد ومستعدون لتدمير كل معتد وطامع، 23 مايو 2019، وكالة أنباء فارس.

[16] القوة الأوروبية.. ما الدول التي تعتمد عليها بريطانيا لحماية الملاحة بهرمز؟، أخبار اليوم، 24 يوليو 2019، مُتاح على الرابط التالى: https://bit.ly/2Ytld7S

[17]ففي يومي 25 و26 مايو الماضي أعلن وزير الخارجية الإيراني جواد ظريف، خلال زيارته للعراق، أن بلاده عرضت على دول الخليج مُقترحاً بتوقيع اتفاقية عدم اعتداء، وأن تلك المقترحات لا تزال على الطاولة، واستبعد أيضًا أن يكون هناك حلاً دبلوماسيًا سريعًا بين إيران والولايات المتحدة مُبررًا ذلك بانقطاع "قنوات الاتصال"، على حد قوله. مُتاح على الرابط التالي:

طهران تستبعد الحل الدبلوماسي لأزماتها مع واشنطن– 25 مايو 2010 ،RT العربية.

[18]وزير الخارجية الأميركي يرد على "العرض الإيراني، سكاي نيوز عربية، 15 يوليو 2019، مُتاح على الرابط التالي:

https://bit.ly/2JLVIZZ

[19]https://www.nytimes.com/video/world/middleeast/1247464694717/interview-with-president-ahmadinejad.html

[20] Mohammad Khatami, By punishing Iran, Trump risks a full-scale war between our two countries, The Guardian, 22 Jul 2019, at: https://www.theguardian.com/commentisfree/2019/jul/22/trump-punishing-iran-risks-full-scale-war

[21] توقيت لافت: لماذا يتبني أحمدى نجاد دعوة التفاوض مع واشنطن؟، مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، الإثنين 22 يوليو 2019.

[22]فاعلية محدودة: تقييم جهود الوساطة الدولية بين واشنطن وطهران، مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، الخميس 18 يوليو 2019، مُتاح على الرابط التالى: https://futureuae.com/ar-AE/FutureFile/Item/57

[23]حيث رفض المرشد الأعلى الإيراني إستلام رسالة ترامب له من خلال رئيس الوزراء الياباني.

[24]فقد تم رفع مستوى تخصيب اليورانيوم في 7 يوليو الجاري إلى أكثر من 3.67 % - التي نص عليها الاتفاق النووي وتصل إلى 300 كيلو جرام- حسب ما جاء في تصريحات المتحدث باسم وكالة الطاقة الذرية بهروز كمالوندي.

[25] فقد تصاعدت حدة التوتر بين إيران وبريطانيا، بعد قيام القوات البحرية البريطانية، بالتعاون مع سلطات جبل طارق، باحتجاز ناقلة النفط الإيرانية "غريس 1"، في 4 يوليو 2019، وقد استدعت وزارة الخارجية الإيرانية السفير البريطاني لإبلاغه احتجاجها الرسمي على هذا الإجراء، بالتوازي مع التهديدات التي أطلقها أكثر من مسئول إيراني بالرد بالمثل عبر احتجاز ناقلة بريطانية في الخليج.

[26] صالح حميد، ما هي خطة روحاني لتخفيف التوتر مع واشنطن؟، العربية، 25 يوليو 2019، مُتاح على الرابط التالى:

https://bit.ly/2OvmQ57

[27]صالحي: لدينا فتوى من المرشد الأعلى تحرم حيازة السلاح النووي، روسيا اليوم، 28 يوليو 2019، مُتاح على الرابط التالى:

https://bit.ly/330LFZL

كلمات دليلية