انت هنا: الرئيسية جميع المقالاتتقرير خاصالعمالقة الآسيويين ليس لديهم خيارات كثيرة وتحدي أمريكا يعرض شركاتهم لإجراءات عقابية

العمالقة الآسيويين ليس لديهم خيارات كثيرة وتحدي أمريكا يعرض شركاتهم لإجراءات عقابية

انشأ بتاريخ: الإثنين، 09 أيلول/سبتمبر 2019

أثارت التوترات بين إيران والولايات المتحدة العديد من القلق سواء على المستوى العالمي أو الإقليمي خاصة الدول الآسيوية. وبالتالي يمكن تقسيم هذه الورقة إلى عدة أجزاء، أولًا: أهمية الاقتصاد الآسيوي. ثانيًا: واقع العقوبات الأمريكية الاقتصادية على إيران ودول الآسيان. ثالثًا: المصالح الاقتصادية لدول الآسيان وموقفها من إيـــــــران مٌصـــدًر النفـــط. رابعًا: هل تستطيع الاقتصادات الآسيوية تخفيف حدة التوترات.

أولاً أهمية الاقتصاد الآسيوي:

أصبحت آسيا ودول الساحل الآسيوي للمحيط الهادي منطقة هامة على الصعيد الاقتصادي ليس فقط لأنها تضم ثانيأكبر اقتصاد في العالم (الصين) ولكن أيضًا عددًا من الدول النامية اقتصاديًا، تلك الدول تعد بمثابة سوق هامة لجذب المستثمرين في كافة الأسواق. بل اعتبر كبير الاقتصاديين في بنك التنمية الآسيوي أن الاقتصاد الآسيوي أصبح الأكبر على مستوى العالم، مستحوذًا على نحو 60 % من الاقتصاد العالمي، مما يعني تراجع دور الاقتصاد الأمريكي والأوروبي والغربي بشكل عام لصالح اقتصاد آسيا ومنطقة جنوب شرق آسيا2017م.

انخفضت توقعات مصرف التنمية الآسيوي لمعدل النمو الاقتصاد الآسيوي في عام 2018م، بنسبة 5.8 % مقارنة بـ6 % في 2017م، هذا التراجع في التقديرات كانبسبب التغيير في معدلات النمو، الذي يعود في الأساس إلى إمكانات النمو الصينية، فالاقتصاد الصيني في مرحلة إعادة التوازن من الاعتماد على التصدير وقطاعات الصناعات التحويلية إلى قيادة الاستهلاك المحلي، فضلاً عن الاقتصاد القائم على قطاع الخدمات، هذا علاوة على العوامل الدورية الأخرى في إدخال تعديلات في قطاعات الصناعة الثقيلة، مثل قطاعات الفحم والصلب والبتروكيماويات، وبطبيعة الحال، فقد لوحظ انخفاض معدل الاستثمار في الصين 
   ويمكن القول إن 50 ​​% من الاقتصاد الآسيوي يعود للوزن الصيني، وهذا ما يبرر الانخفاض في معدل النمو بمنطقة آسيا والباسيفيك بشكل عام.
الى جانب بعض المخاطر الأخرى في منطقة جنوب شرق آسيا مثل تراكم مديونية قطاع الشركات والقطاع المنزلي في بعض البلدان، (خاصة قطاع الشركات في الصين، الذي يساهم بجزء كبير إلى إجمالي الناتج المحلي بنسبة تصل إلى 166 .(% أيضًا تصل نسبة الدين العام للأسر في كوريا الجنوبية إلى الناتج المحلي الإجمالي لأكثر من 90 . %. 
   ويبدو أن هذه الأرقام مرتفعة جدًا إذا قارناها مع بلدان أخرى، لذلك إذا تم رفع أسعار الفائدة من قبل بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي بسرعة أكثر، فمن المتوقع، أن تتولد عن هذه المديونية في بعض البلدان الآسيوية مخاطر محتملة للاقتصادالآسيوي. 

     أما عن الأزمة المالية الآسيوية وتداعياتها وبعد مرور عشر سنوات( عام 2018م) من الأزمة المالية العالمية) فيلاحظ أن الحكومات والسلطات المركزية والمصارف المركزية الآسيوية أصبحت أكثر قدرة على مواجهة المخاطر المحتملة للأزمة المالية التي قد تنجم عن أي انفجار أو أي فقاعة مفاجئة. وقد اعتمدت هذه الاقتصادات نظامًا أكثر مرونة لسعر الصرف، وتراكم لديها قدر كبير من الاحتياطيات الأجنبية وقد لعب مصرف التنمية الآسيوي دورًا هامًا جدًا للحفاظ على زخم النمو هذا من خلال مساعدة الاستثمار في البنية التحتية.

ثانيًا: واقع العقوبات الأمريكية الاقتصادية على إيران ودول الآسيان

   أثارت التوترات المتزايدة والتصعيد الإيراني ـ الأمريكي العديد من القلق الشديد على معظم الشعوب والاقتصادات الآسيوية والعربية. خاصة بعد التهديدات الأمريكية بمنع إيران من تصدير نفطها، تبعها تحرك عدد من القطع البحرية في اتجاه الخليج، لترد إيران بإعلانها التراجع عن تنفيذ بعض التزاماتها في الاتفاق النووي. فازدادت المخاطر التي تهدد دول المنطقة نتيجة هذا التصعيد، لاسيما بعد إعلان طهران أنها ستتراجع عن تنفيذ بعض التزاماتها في الاتفاق النووي المبرم عام 2015م، وهددت بفعل المزيد إذا لم تحمها القوى العالمية من العقوبات الأمريكية، وذلك بعد مرور عام على انسحاب واشنطن من الاتفاق ما جعل ايران تصمم على استئناف تخصيب اليورانيوم بمستويات عالية وإعلانها تعليق بيع اليورانيوم المخصب والماء الثقيل الفائضين، إذا لم تفِ بقية الدول الموقعة على الاتفاق بتعهداتها بحماية القطاع النفطي والمصرفي بإيران من العقوبات الأمريكية في غضون 60 يومًا، في إشارة خفية إلى المأزق الاقتصادي المتصاعد الذي تعيشه البلاد بسبب الضغط الأمريكي الذي لم يتوقف منذ تولى الرئيس الأمريكي ترامب السلطة .

وإن كان هناك سيناريو (مع احتمال ضعيف/ذو تأثير قوي) يتحول فيه هذا الصراع في المشرق إلى حرب إقليمية تشمل بعض دول مجلس التعاون الخليجي.

في المقابل ترد إسرائيل على الهجمات على بنيتها التحتية الحيوية بالضربات الجوية أو الهجمات الإلكترونية على قطاع النفط الإيراني أو حتى منشآتها النووية وتقوم إيران بالرد على إسرائيل، لكنها تشنّ أيضًا هجمات صاروخية أو تقوم بعمليات تخريبية أو تشن هجمات إلكترونية على منشآت النفط العربية في جميع أنحاء الخليج، مما يؤدي إلى حدوث تصعيد هناك، وربما حتى إلى تدخل عسكري من قبل الولايات المتحدة. لكن نؤكد في النهاية أن هذا احتمال ضعيف وبالتالي علينا رصد الواقع الاقتصادي لكل من إيران وشركائها التجاريين خاصة الآسيويين.

ولما كانت الاقتصادات الآسيوية أكبر عملاء النفط الإيرانيين، فقد لعبت كل من الصين واليابان وكوريا الجنوبية دورًا رئيسيًا في تصعيد عقوبات الطاقة ضد إيران، حيث انخفضت مشتريات النفط الإيراني (لكسب إعفاءات الولايات المتحدة )، إلى جانب حظر الاتحاد الأوروبي على النفط، الأمر الذي ترتب عليه تقلص كبير في الصادرات الإيرانية بعد عام 2011م، بمعنى أن الواردات الصينية من الخام الإيراني انخفضت بنحو الربع ؛وكذلك الواردات اليابانية والكورية الجنوبية انخفضت حوالي 40 ٪ وأكثر. و بحلول عام 2015م، حظرت اليابان وكوريا الجنوبية أيضًا مشروعات الطاقة المستثمرة في إيران وقللت تمويل التجارة مع إيران.

لكن سرعان ما قامت إيران على استعادة حصتها في السوق الآسيوية منذ تخفيف العقوبات. وتزايدت واردات الصين وكوريا الجنوبية من النفط بل تجاوزت مستويات ما قبل العقوبات، وكذلك زادت مشتريات اليابان، و كانت الدول الآسيوية الأخرى أبطأ في الانتعاش.

   في تقرير آفاق الاقتصاد العالمي لشهر نيسان/أبريل 2019م، توقع الصندوق انكماش الاقتصاد الإيراني بنسبة كبيرة بلغت 6,0% لعام 2019م، في أسوأ أداء له منذ تقلصه من7,7% في عام 2012م، بسبب الحظر الأمريكي للنفط الإيراني وانخفاض عائدات النفط.وسجل الاقتصاد الإيراني في 2018م، انكماشًا بنسبة 3,9% وهو أعلى من نسبة 1,5% التي كانت متوقعة.

   في المقابل، أبقى الصندوق على توقعاته للنمو الاقتصادي في السعودية أكبر اقتصاد في المنطقة في كانون الثاني/يناير 2019م، مؤكدا أنه يتوقع نمو اقتصاد المملكة 1,8% هذا العام، ويرتفع إلى 2,1 بالمئة في 2020م.وبحسب الصندوق، فإن اقتصاد المنطقة سينمو بنسبة 1,3% أي أقل بــ 0,9 بالمئة من التوقعات السابقة في كانون الأول/يناير الماضي بسبب العقوبات على إيران وانخفاض نمو النفط والأزمات.ومن المتوقع أن يتعافى اقتصاد منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في عام 2020م، لينمو بنسبة 3,2 بالمئة.

ثالثًا المصالح الاقتصادية لدول الآسيان وموقفها من إيـــــــران مٌصـــدًر النفـــط

   تسعى أكبر اقتصادات آسيا إلى البحث عن مصادر جديدة للنفط بعد أن أعلنت الولايات المتحدة إنها لم تعد تمنح إعفاءات من العقوبات على صادرات النفط الإيرانية. بل أعادت إدارة ترامب فرض عقوبات على النفط الإيراني العام الماضي، ولكنها منحت على الفور إعفاءات إلى الصين واليابان والهند وكوريا الجنوبية وتايوان، وكذلك إيطاليا واليونان وتركيا.

وقد كان من المقرر أن تنتهي هذه الإعفاءات في 1 أيار / مايو2019م. وتعتبر الصين أكبر مستورد للنفط الإيراني في العالم، يليها الهند التي تعد من بين أكثر البلدان تضررًا حيث تستهلك آسيا كميات أكبر من النفط مقارنة بأي منطقة أخرى، فيصل استهلاكها أكثر من 35٪ من الطلب العالمي.

   وقد وجدت بعض الدول التي مُنحت إعفاءات بالفعل موردين بدلاء، في الوقت الذي لم تقم إيطاليا واليونان وتايوان بتحميل أي برميل إيراني منذ نوفمبر ( وفقًا لوكالة الطاقة الدولية ) التي أشارت إلى بيانات من شركة Kpler، وهي شركة تتبع شحنات النفط. في الوقت الذي استمرت فيه كل من الصين والهند وكوريا الجنوبية تشتري من إيران. وإن كانت لدى الهند خطة لاستبدال نفطها الإيراني المفقود.وفقًا لتصريحات أحد المسؤولين بأن "ستكون هناك إمدادات إضافية من الدول الرئيسية المنتجة للنفط." قد يأتي بعض هؤلاء من أمريكا أو من خصوم إيران الكبار في أوبك. خاصة بعد تصريح إدارة ترامب إلى أن الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة ستحرص على "أن تظل أسواق النفط العالمية مزودة بشكل كاف" .في نفس الوقت أكدت مصادر رسمية بأن المملكة السعودية ستنسق مع المنتجين الآخرين "لضمان توفر ما يكفي من النفط" وأن "أسواق النفط العالمية لا تتوقف عن التوازن.ترتب على ذلك خفض تصدير إيران إلي 1.4 مليون برميل من النفط الخام يوميًا في شهر مارس2019 م، في الوقت الذي تريد الولايات المتحدة خفض ذلك إلى الصفر.إيمانًا منها أن المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة يمكن أن تحل محل ما يصل إلى مليون برميل يوميًا من الخام الإيراني المفقود. وأن الولايات المتحدة أيضًا قادرة على أن تساعد في ملء الفراغ، وزيادة الإنتاج الأمريكي بمقدار 1.6 مليون برميل يوميًا منذ عام 2018م، وفي طريقه بالتزايد هذا العام 2019م. باعتبار أن الفجوة قد تكون أصغر مما يخشاه البعض.

هل أثرت العــــــقـــوبات الأمريـكــيـــة على الاقتصاد الآسيوي؟
   حذرت الإدارة الأمريكية من أن جميع الدول التي تستمر في استيراد النفط الإيراني ستخضع للعقوبات الأمريكية. ولم يكن كل رد فعل جيد على هذا التهديد. حيث انتقدت بكين إعلان الإدارة الأمريكية قائلة أنها "تعارض العقوبات الانفرادية".كما صرح مسؤولون كوريون جنوبيون لشبكة CNN بأنهم يكافحون من أجل الامتثال للعقوبات الأمريكية لأن مصافي النفط في البلاد تستعد على وجه التحديد لمعالجة النفط الخام من إيرانوأشار أحد المسؤولين بأن تركيا ترفض فرض العقوبات الأمر الذي سيؤدي إلى عواقب وخيمة. وفي نوفمبر 2018م ، أعادت الولايات المتحدة فرض العقوبات على صادرات النفط الإيراني في أعقاب خطوة الرئيس دونالد ترامب بالانسحاب أحادي الجانب من اتفاق عام 2015م، بين طهران والقوى العالمية الست للحد من برنامجها النووي. ومُنحت ثمانية اقتصادات، بما في ذلك الصين والهند واليابان، إعفاءات لمدة ستة أشهر، وتوقع العديد منهم تجديد هذه الإعفاءات.

   ومن أهم الآثار المترتبة على تلك العقوبات الاقتصادية من الولايات المتحدة إلحاق الضرر بتدفقات التجارة ، والقدرة على الوصول إلى الأسواق المالية العالمية ( وفي نهاية المطاف عملاتها واقتصاداتها). وخير مثال على ذلك كان على ستاندرد تشارترد دفع غرامة كبيرة بقيمة 1.1 مليار دولار لتسوية مزاعم بأنها انتهكت مرارًا العقوبات على إيران والدول الأخرى. اتهمت مجموعة الاتصالات الصينية Huawei في الولايات المتحدة بانتهاك العقوبات المفروضة على إيران. وتؤكد الولايات المتحدة أن العقوبات ستستمر حتى تنهي إيران من سعيها للحصول على أسلحة نووية. كما أن استبدال الخام الإيراني لن يترك مجالًا كبيرًا للمنتجين للرد على صدمات الإمداد المستقبليةوأن الأمر سينتهي بمحاولة الحصول على طاقة فائضة ضئيلة للغاية لمواجهة أي طارئ آخر أو أي أزمة أخرى في سوق النفط هذا في جانب العرض.أما من جانب الطلب فقد استجاب سعر النفط بالفعل لخطر تشديد الإمدادات، وارتفعت أسعار النفط في الولايات المتحدة حوالي إلى 65.70 دولار للبرميل. ويمثل ذلك ارتفاعًا بنسبة 54٪ منذ أن أغلقت الأسعار عند 42.53 دولارًا للبرميل عشية عيد الميلاد.

ما هي التأثيرات المتوقعة من ارتفاع أسعار النفط ؟
   قد يؤثر ارتفاع أسعار النفط بشكل أكبر على النمو الاقتصادي في كل من الصين والهند. خاصة القطاعات التي تعتمد على أسعار الطاقة وارتباطها بتأثير ارتفاع النفط، (وهنا يظهر تأثير الدومينو) فمن المرجح أن يضاعف المشاكل الاقتصادية للبلدان الآسيوية التي تعاني بالفعل من التباطؤ ،لاسيما وأنالولايات المتحدة لن تجدد الإعفاءات من العقوبات ضد الدول التي تستورد النفط الإيراني بعد 1 مايو / أيار2019م.

رابعًا :هل تستطيع الدول الآسيوية التدخل في تخفيف حدة هذا التوتر؟

     تراوحت ردود أفعال أكبر اقتصادات آسيا في أعقاب قرار الولايات المتحدة بعدم إعادة إصدار التنازلات عن واردات النفط الإيرانية بين الحذر والقتال، حينما أبلغت الحكومة الأمريكية خمس دول - اليابان وكوريا الجنوبية وتركيا والصين والهند - بأنها لن تكون معفاة من العقوبات الأمريكية إذا استمرت في استيراد النفط من إيران بعد انتهاء إعفاءاتها في 2 مايو2019 م، حيث تعد هذه الدول الخمس أيضًا أكبر عملاء النفط الإيراني.وإن كانت الصين والهند أكبر مشتر للنفط الإيراني وأكبر المستفيدين من الإعفاءات.لكنكانت الصين أكثر قوة من جيرانها، حيث أعربت وزارة الخارجية الصينية بأن الصين تعارض باستمرار فرض عقوبات أمريكية من جانب واحد على إيران. وأن تعاون الصين الثنائي مع إيران مشروعًا، حيث تحصل الصين على 24 في المائة من الصادرات الإيرانية من النفط الخام والمكثفات (عام 2017م)، مما يجعلها أكبر مستهلك للطاقة في إيران. في الوقت الذي اشترت فيه اليابان خمسة في المئة من صادرات إيران النفطية. على صعيد آخر رفضت تركيا فرض عقوبات أحادية الجانب، وكذلك فرض قيود على كيفية إدارة العلاقات مع الجيران". أما عن الهند فهي إحدى أكبر عملاء النفط الإيرانيين التي تمثل 18 في المائة من صادرات النفط الإيراني. ذكرت تقارير إعلامية أن الهند تقوم بزيادة المشتريات المخطط لها من مصادر أخرى تحسبًا لتحرك الولايات المتحدة. لكن كوريا الجنوبية وجدت صعوبة في العثور على مصادر بديلة تتناسب مع جودة إيران وسعرها، حيث تحاول حكومة كوريا الجنوبية مواصلة المحادثات مع الولايات المتحدة، في حين أن مجتمع الأعمال في كوريا الجنوبية يضغط من أجل تمديد ما بعد 1 مايو"2019م.

يفسر المحللون إن الاقتصادات الآسيوية التي تعتمد على واردات النفط ستشعر على الأرجح بتأثير ارتفاع أسعار النفط. وسينتشر التأثير إلى أسعار السلع الأخرى الأمر الذي يترتب عليه ارتفاع التضخم في الاقتصادات الإقليمية، ويظهر ذلك جليًا في الهند، حيث بدأ التضخم بالفعل في الارتفاع.

من ناحية أخرى يعتبر البعض أن الحرب الحقيقية هي حرب أمريكية - ـصينية، وتعتبر إيران رأس حربة في المحور الصيني، ويمكنها تحريك الأمور بما يضمن بقاء النشاط والتوسع الاقتصادي الصيني في العالم .وبرغم القيود على الاقتصاد والنفط الإيراني، وتمزيق ورقة الاتفاق الوحيد الذي كان يمكنه تحرير الاقتصاد الإيراني أي الاتفاق النووي، إلا أن إيران مازالت هي الشريك الاقتصادي الأهم للصين، بجانب روسيا.

   من الناحية الدبلوماسية، فإن العمالقة الآسيويين ليس لديهم خيارات كثيرة من الناحية التجارية. كما إن تحدي العقوبات لمواصلة استيراد النفط الخام من إيران من شأنه أن يعرض شركات التكرير وكذلك الشركات المالية وشركات الشحن والتأمين إلى إجراءات أمريكية عقابية. و يعد الخروج من النظام المالي الأمريكي خطرًا غير مستساغ بالنسبة لمعظم الكيانات المعنية. حتى بالنسبة للصين، رغم استعدادها لتحدي الولايات المتحدة جيوسياسيًا ، فإن ذلك سيكون خطوة كبيرة للغاية.
حيث أن أحد المخاوف الرئيسية للسوق هو أن قرار واشنطن بإنهاء ارتياحه من شأنه أن يؤدي إلى ارتفاع أسعار الخام العالمية. و بالنسبة للصين والهند، كانت تكلفة واردات الخام قد ارتفعت أكثر بعملاتها المحلية، (التي تراجعت مقابل الدولار الأمريكي مؤخرًا.( لكن ما يريح بكين ونيودلهي، وغيرها من عواصم الدول المستوردة، أن هذا لم يتحقق حتى الآن. وبقي خام برنت القياسي عند مستوى 70 دولارًا للبرميل. وألقى الانهيار الأخير في المفاوضات التجارية بين الولايات المتحدة والصين بظل هبوطي على النمو الاقتصادي، مما خفف توقعات نمو الطلب العالمي على النفط لهذا العام. كما أن تأكيدات واشنطن بأن المملكة العربية السعودية وبعض نظرائها في أوبك ستعوض فقدان البراميل الإيرانية قد هدأت الأعصاب.ستدفع الصين والهند ثمنًا باهظًا لوقف مشترياتهما الإيرانية والسعي لاستبدال الخام من موردين آخرين. فالمملكة العربية السعودية والعراق، أقرب موردي النفط الخام المتماثل الجودة لإيران وبين المنتجين القلائل القادرين على عرض براميل إضافية بموجب عقودهم المحددة، قد صعدوا مؤخرًا أسعار البيع الرسمية الشهرية أو OSPs للمشترين الآسيويين، وفي بعض الحالات إلى أعلى مستوياتها في عدة سنوات المكون الرئيسي لمنصات OSP في منطقة الشرق الأوسط لآسيا هو السعر الشهري للخامات عالية الكبريت في سلطنة عمان ودبي، والتي تحددها قوى السوق العالمية. ومع ذلك، يقرر المنتجون الفرق الذي سيتم تطبيقه أعلى المؤشر، والذي يمكن أن يكون علاوة أو خصمًا. هذه الدفعة الإضافية هي التي دفعت للشحنات السعودية والعراقية الخام التي تم تحميلها في شهر يونيو للوجهات الآسيوية.واذا كانت المملكة العربية السعودية أكبر مورد للنفط الخام للصين، فإن العراق تحتل المرتبة الأولى في الواردات الهندية. وكلاهما يحتل المرتبة الأولى بين أكبر خمسة موردين للنفط الخام لهذه الدول. 

 



في نفس الوقت عملت العقوبات المشددة على زيادة اعتماد إيران على التجارة الصينية. فارتفعت حصة الصين من تجارة إيران مع العالم الخارجي من 20 ٪ في عام 2010م، إلى 31 ٪ في عام 2016.   وعلى الرغم من أن الصين قللت من استيراد النفط أو تكاد أن تكون قطعته ( استوردت الصين حوالي 800 ألف برميل من النفط الخام من إيران في أبريل. ويمثل ذلك حوالي 7.5 ٪ من إجمالي واردات البلاد من النفط الخام خلال الشهر ، والتي كانت في ارتفاع قياسي بلغ 10.64 مليون برميل يوميًا) إلا أنها لم تحظر تجارة الطاقة بشكل كامل، مما سمح للصين بتجاوز الاتحاد الأوروبي في عام 2011م، كأكبر مشتر للنفط الإيراني. بينما لا تزال الطاقة أكبر واردات الصين من إيران، تستأثر المواد البلاستيكية والخامات والمواد الكيميائية العضوية بحصة متزايدة، حوالي 30٪ في عام 2016م، ويعكس هذا جزئيًا محاولة إيران للتنويع نحو القطاعات غير النفطية. تمنعها من الوصول إلى العملات الأجنبية في ذروتها من العقوبات الأمريكية، قامت إيران بتسوية ميزانها التجاري مع عملائها من النفط، وخاصة الصين، في السلع الأخرى للحصول على العملة الصعبة. فتضاعفت الصادرات الصينية إلى إيران من عام 2010م، إلى عام 2014 من 50 ٪ إلى 100 ٪ من واردات إيران من بعض المنتجات مثل المنسوجات وقاطرات السكك الحديدية والسفن والحديد والصلب. وتمثل كوريا الجنوبية أقل من 10٪ من واردات إيران، لكنها تظل مصدرًا رئيسيًا لبعض المدخلات، مثل قطع غيار السيارات. وبالتالي أصبحت كل من الصين وكوريا الجنوبية أكبر موردي قطع غيار السيارات في إيران، حيث يمثلان 29٪ و 22٪ من الواردات الإيرانية، على التوالي. أعطت إيران الأولوية لصناعة السيارات لديها، وهي أكبر صناعة بعد الطاقة لديها،بعد تراجع الإنتاج بنسبة 55 ٪ من عام 2011م، إلى عام 2013م، تحركت إيران للحد من واردات السيارات لتحفيز الاستثمار الأجنبي المباشر (FDI) في الإنتاج المحلي. حيث عملت زيادة الاستثمار الأجنبي المباشر في إيران على تخفيف العقوبات. في عام 2016م، أعلن إجمالي الاستثمار بلغت قيمة المشروعات في إيران 12.2 مليار دولار ، مقارنة بـ 2.5 مليار دولار في عام 2015م، أي أن دول شرق آسيا اتخذت خطوات لتسهيل الاستثمارات الجديدة. حيث وقعت في فبراير 2016م، اليابان وإيران وقعت اتفاقية استثمار ، وفي مايو 2016م، وقعت كوريا الجنوبية وإيران مذكرات تفاهم لـ 30 مشروعًا مشتركًا في مجال الطاقة والبنية التحتية.الاستثمارات الآسيوية في إيران وقعت عدة شركات هي Hyundai و Daelim و Daewoo و SK E&C الاتفاقات. في يوليو 2017م، كذلك وقعت الشركات الكورية واليابانية على اتفاقية بقيمة 3 مليارات دولار تطوير مصافي سير. كما تعاقدت شركة سينوبك على تجديد مصفاة عبادان للغاز الطبيعي. انضمت شركة CNPC إلى شركة توتال الفرنسية في عقد لتطوير الجنوب حقل غاز بارس. وفي مايو 2016 م، وقعت KOGAS مذكرة تفاهم لاستكشاف تطويرحقل غازBalal و في ديسمبر 2016م، أعلنت Hyundai للصناعات الثقيلة عن صفقة بــ700 مليون دولار لبناء 10 سفن لشركة الملاحة الإيرانية المملوكة للدولة. أما دايو و DSME فقد أعلنتا عن مشروع مشترك لبناء حوض لبناء السفن، و في مارس 2017م، وقعت السيارات Hyundai اتفاقية إنتاج مشروع مشترك مع كرمان موتور ، وكيا موتورز واستأنفت بيع مجموعات الإنتاج إلى سايبا.تنظر الصين إلى إيران كلاعب مهم في مبادرة "الحزام والطريق" (BRI)، والتي تهدف إلىتعزيز التواصل الاقتصادي عبر القارات، بما في ذلك من خلال التمويل الهائلمشاريع البنية التحتية والطاقة. يُنظر إلى BRI أيضًا على أنها منفذ للتعامل مع الصينخاصة في مجال الطاقة الصناعية الرائدة في الصلب والاسمنت والسلع الأخرى المملوكة للدولة الصينية كما تشارك الشركات والشركات الخاصة في العديد من المشاريع، بدعم من تمويل الدولة، لتحديث البنية التحتية للنقل في إيران، بما في ذلك مترو طهران. صيني لصناعة السيارات، شيري، هي أكبر شركة لصناعة السيارات الأجنبية في إيران وتدير حديقة صناعية للسيارات. في ديسمبر 2014م، افتتحت إيران وكازاخستان وتركمانستان خط سكة حديد يربط الصين إلى طهران، وفي فبراير 2016م، وصلت أول شحنة من السكك الحديدية إلى إيران. BRI قد تسهل زيادة التجارة الثنائية مع الصين ، ولكن يمكن أيضًا توسيع دور إيران كمركز يربط بين وسط آسيا إلى أوروبا. الخاتمة: يمكن إجمال القول بأنه بتوسع العلاقات الاقتصادية الإيرانية المتنامية مع دول شرق آسيا، وخاصة الصين حيث تمنح طهران حلفاء إضافيين في جهودها لمواجهة ضغوط إدارة ترامب والكونغرس لإعادة التفاوض هذا على الجانب السياسي، حيث ترى الصين أن إيران تعد محورًا رئيسيًا لاستراتيجيتها الاقتصادية الإقليمية، خاصة وأنها تشغل مقعدًا في مجلس الأمن الدولي، وهي مؤهلة لإبطاء جهود الولايات المتحدة لعزل إيران. ومن ناحية أخرى واتفاقًا مع الرأي القائل بأن الحرب الحقيقية هي حرب أمريكية -صينية، وفي هذه الحالة تعتبر إيران رأس حربة في المحور الصيني، ويمكنها تحريك الأمور بما يضمن بقاء النشاط والتوسع الاقتصادي الصيني في العالم. ويظهر ذلك جليًا من زيادة الاستثمارات الآسيوية في إيران، وكذلك التجارة مع إيران بعيدًا عن مجال النفط الذي فرضت عليه العقوبات. ويخص هذا الجانب الاقتصادي. ضف إلى ذلك تنظر الصين إلى إيران كلاعب مهم في مبادرة "الحزام والطريق" (BRI)، والتي تهدف إلى تعزيز التواصل الاقتصادي والتجاري عبر القارات.بمعنى آخر الاقتصادات الآسيوية ذات الأداء الاقتصادي الأفضل على مستوى العالم ( التي تضم الصين ثاني أكبر اقتصاد في العالم ) تستطيع تخفيف حدة هذه التوترات وتفادي تأثيراتها السلبية باعتبارها الشريك التجاري الأكبر لإيران بالإضافة إلى مصالحها المشتركة مع إيران في مواجهة العقوبات الأمريكية عليها التي لا تقتصر على إيران فحسب بل تمتد تلك الآثار إلى باقي دول المنطقة خاصة دول الخليج، لاسيما وأنها تنتج نفطًا أقرب إلى النفط الإيراني ومنافسًا لها وبالتالي لن ترضخ إيران بسهولة بل ستلجأ إلى وسائل غير مشروعة دفاعًا عن مصدر إيرادي سيادي لها مما يدعوها إلى الدخول في حروب بالوكالة عن أطراف أخرى لإشغال المنطقة العربية بالحروب وإبعادهم عن عمليات التنمية المستدامة التي ينشدوها.ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   *استاذ الاقتصاد بكلية الدراسات الإفريقية العلياـ جامعة القاهرة

كلمات دليلية

الشركات المعلنة