انت هنا: الرئيسية جميع المقالاتتقرير خاصرهان إيراني أمريكي بريطاني في الخليج أعلى من التهديد وأقل من الحرب

رهان إيراني أمريكي بريطاني في الخليج أعلى من التهديد وأقل من الحرب

انشأ بتاريخ: الإثنين، 09 أيلول/سبتمبر 2019

يظهر الاحتقان الدولي جراء غياب السياسة الحكيمة وعدم الرشد في اتخاذ قرارات دولة ما دون حساب تعارضها مع المصالح الدولية. وقد وصلنا مبكرًا إلى قناعة أن مايجري راهنًا بين إيران وأمريكا وبريطانيا في الخليج العربي أكبر من التهديد وأقل من الحرب؛ لكن ماذا بينهما ! المؤكد أن الطرفين ليسوا في حالة حرب؛بل في حالة صراع إرادات ،أو ربما تصعيد ،أو أزمة ممتدة . فالخليج هو موطن الأزمات الممتدة منذ أربعة عقود؛ جراء رفض أطرافه تقارب المصالح وجراء تباين وجهات النظر. فمن الثورة الإيرانية إلى الحرب العراقية الإيرانية إلى الغزو العراقي الغاشم لدولة الكويت ثم حرب تحرير العراق، وبعدها الربيع العربي بالأزمات في مصر، وسوريا، وليبيا، واليمن والآن الجزائر و السودان. مرورًا بالطبع بالأزمة الخليجية التي تعيش مرحلة الأزمة الممتدة.

1-الأزمة الممتدة

مرت ثلاثة أشهر على ما يجري في مياه الخليج و لم يعد بالإمكان إخفاء إنها أزمة ممتدة. ولعل مما يثير القلق أن طرفيها يريدانها أن تدخل في مرحلة هذا النوع من الأزمات، وكل له أسبابه. حيث يراهن الإيرانيون في كل مرة على دبلوماسية حافية الهاوية عبر( اشتدي لتنفرجي)، فبدون قلق العالم ستبقى طهران في عزلة من كل نوع ومقاطعة وإفلاس يقود لتحرك الشارع الإيراني ضدها. كما سيطيل ترامب الأزمة قدر الإمكان ليوطن في ذهن كتلة اليمين وهم ذخره الانتخابي الاستراتيجي، أنه سيسقط نظام الملالي نظير انتخابه 2020م، لذا سيبقى الحشد الأمريكي أزمة ممتدة أو تصعيد غير كامل حتى تنضج شروط الحرب أو المفاوضات والوصول لاتفاق جديد.[1]

2-التصعيد في الأزمات  

ما يجري في الخليج العربي حاليًا هو تصعيد أقل من الحرب وأعلى من التهديد، كما أشرنا. فرغم أن الجملة الأكثر استهلاكا هي "تحاشي التصعيد" ؛إلا أن التصعيد يسير بوتيرة شبه ممنهجة لاختلاف فهم التصعيد. فقد تعرضت السفن في الخليج إلى الاعتداء، ثم اسقطت الطائرات المسيرة من الطرفين رغم تبادل النفي والتأكيد، ثم بدأت حرب المضائق من مضيق جبل طارق إلى مضيق هرمز باستيلاء البريطانيين على ناقلة نفط إيرانية ثم استيلاء الحرس الثوري على ناقلة نفط في مياه الخليج، مع توقعنا أن تشمل أعمال التصعيد -المنكر من الطرفين-مضائق باب المندب ومضيق قناة السويس ومضيق مالقا في شرق آسيا. فالتصعيد في الأزمات  Conflict Escalation مرحلة تنمو بها الصراعات  بمرور الوقت و يتم فيها رفع درجة التوتر وتوسيع ميدان الصراع. وزيادة الضغط والعنف لإرغام الخصم على عمل ما أو تحجيمه من السير في حالة معينة. والتصعيد في الأزمات اقتناص ظروف مواجهة أفضل-على الأقل في العقيدة الغربية-لكنه  في إيران مرحلة من مراحل حافة الهاوية The Edge of the Abyss ولا يقصد التصعيد لذاته بل يقام كأساس ليس للقفز أو التقدم بل للتراجع والنكوص بعد إيصال الغريم وداعميه وهم دول الخليج  لحالة الإرهاق النفسي جراء الاستعداد والارتباك الطويل . فطهران تتبنى "التصعيد الثوري" لكونه مواصلة لخطة عمل تمليه تكتيكات ثورة لا دولة. ويتم التصعيد باستخدام الأدوات الثورية كالاعتماد على الجماهير أو الشعب أولا والذين يمثلهم الحرس الثوري وليس البرلمان أو الجيش النظامي الإيراني. ثانيًا يتم التصعيد الثوري بتكثير الأعداد المتضررة من ضغط واشنطن وتوسيع قاعدة المرهقين بالحصار لتبرير ماتقوم به طهران. وثالث أساليب هو التصعيد النوعي فمرة بالصواريخ الحوثية ومرة بالطائرات المسيرة ومرة بمهاجمة السفن بالزوارق السريعة، ثم اختطافها. ولعل عيب التصعيد الإيراني هو عدم جاهزيته للصراع العسكري الحق، فالتصعيد هنا جزء من خطة حافة الهاوية، وهذا خطأ حيث لا يصح أبدًا المناداة بالتصعيد قبل تشكيل مجموعات العمل والأنشطة والفعاليات أو ما يسمى بإجراءات ما قبل المعركة. ومن تبعات ذلك على طهران ركود الحس الثوري بدلا من إيقاظه،فالتصعيد بدون عزيمة قتال يؤدي دوما للإحباط والإخفاق.

أما تصعيد الأزمة Conflict Escalation في الفكر العسكري الغربي سواء عند واشنطن أو لندن فهو رفع درجة التوتر وتوسيع ميدان الصراع. لكن ما يمكن قراءته من المشهد هو أن  الجانب الأمريكي/البريطاني عنصر رد فقط. وليس مسؤول عن التصعيد الذي يجري بمبادرة من الإيرانيين . فالتصعيد هو توقف الحرس الثوري عن القيام بمهمة ضبط النفس. ويمكن القول إن عملية التصعيد الجارية في الخليج هي لصالح القيادة الإيرانية فقد  توحد  الشعب خلفها بخلق  شعور الضحية الملاحقة. وهو جيد للحرس الثوري كمبرر للميزانيات الإضافية رغم العوز، وتصعيد التدريبات بالذخيرة الحية، وتجريب لأسلحة مطورة، و فرصة لقادة الحرس الثوري الجدد ولسيرتهم الذاتية، بتصدرهم وسائل الإعلام، فقد ملت طهران من تكرار اسم سليماني، و جعفري وحان تلميع حسين سلامي[2].

 

3-الصراع في عقليتين

إن حقيقة ما يجري بين طهران وواشنطن هو صراع إرادات بين كهلين من الرجال، هما الرئيس ترامب والمرشد خامنئي، دع عنك القيم الديمقراطية أو نظام الشوري الذي يقول إن قرار الحرب عند الطرفين جماعي وليس فرديًا. فما يجري هو صراع بين ثقافتين متناقضتين، فثقافة خامنئي عقائدية متمسك بها لكونها قديمة ومجربة لقرون، ولا خيار فيها غير الإيمان المطلق بثوابت المعتقد. أما ترامب فهو ثقافة براغماتية حديثة، يتصدر أدواتها المنهج التجريبي فيملك حق إطلاق عنان المقاتلات ثم إرجاعها لقواعدها بعد عشر دقائق وتلك رفاهية ذهنية لا يملكها خامنئي. فالرئيس ترامب يديرها وكأنه يلعب البوكر فتلك طبيعته وشخصيته. واللعب ليس في صالح واشنطن فالأوراق التي في يد ترامب ضعيفة لأنها مكشوفة تظهر أن واشنطن تتبنى فكرة الردع، لكن ما جدوى الردع إذا كان القائد العام يكشف السر بقوله لن نحارب. وثاني أسباب الخسارة أن لا مسدسات مع الكاوبوي الجالس على الطاولة فهو يريد الحرب دون أكلاف. أما ثالث الأسباب فهو أن إيران تعرف حدود ترامب، لذا لم تتردد في إسقاط الطائرة المسيرة بعد اعتراض الناقلات. أما خامنئي فيدرك صحة القول إذا أردت أن تقتل رجلاً فعلمه الشطرنج، فهو يلاعب الأمريكان كأنه يدير لعبة الشطرنج الاستراتيجية التي يلعبها لاعبان فقط. فهو مركز على لعبة معقدة بيادقها في سوريا والعراق واليمن ولبنان ويحرك فيل في الدول الأوروبية وقلعة في الصين أوروسيا، ليبقى الملك وهو نظام الملالي دون موت أو أسر. لكن دقة التركيز على منع سقوط «النظام/الملك» أفقده التركيز على الطبقات الإيرانية قرب الرصيف، فأهمل القطع وصار جل اهتمامه ليس الأزمة الاقتصادية بل بجعل ترامب فى حالة دفاع فقط عن الناقلات والطائرات المسيرة.

4-أزمة خارج الخطوط المتعارف عليها

على ضوء الكر والفر في التصريحات الواردة من واشنطن ولندن وطهران من الممكن أن تقوم حرب في الخليج ،لكن النزاع ملزم بالمرور بالسيناريوهات الثلاث المعتادة في كل نزاع تكون واشنطن طرف فيه وهي الردع والتفاوض أو الحرب .

أ-عملية الردع

أرادت واشنطن في البداية إظهار عزمها وقدرتها على ردع إيران عن الدخول في أي مغامرة عسكرية أو تهديدٍ لمصالحها في المنطقة، وكان الردع متبادل بين الطرفين الأمريكي والإيراني لكن بشكلين مختلفين تمامًا فقد كان الردع الأميركي تقليدي، فيما ظهر الردع الإيراني غير تقليدي.

عملية الردع الأميركية

اختصرت أمريكا في بداية الأزمة عملية الردع باعتبار الحاملة ابرهام لنكولن 100 طن من الدبلوماسية " USS Abraham Lincoln 100k of diplomacy " وفي ذلك إعادة الخليج لدبلوماسية البوارج البريطانية “ Gunboat diplomacy” وراحت واشنطن بترقية ردعها بالمناورات الأمريكية بما تملكه مجموعة القتال من زوارق وحوامات وطائرات مقاتلة وطائرات مسيرة وهو بذلك ردع تقليدي بما تعنية الكلمة من معنى، وقد رافق ذلك جانب تقليدي آخر في عملية الردع وهي تضخيم و شيطنة إيران" Demonizing" بتصوير أعمال الحوثيين كمزعزع لأمن المنطقة ونشر عملية مهاجمة السفن واعتباره قرصنة . لكن كل جهود الردع تلك تم تهميشها من جانب طهران بطرح مبادرات للخليجيين كمعاهدة عدم اعتداء. كما ساعد في تهميش الردع رحلة الرئيس ترامب ومصارحة الأوروبيين له بعدم تفضيل خيار الحرب، لكن قوة الردع الأمريكية لم تعد مؤثرة بعد تصريحات ترامب باستبعاد الحل العسكري في اوساكا باليابان والتقليل من الشروط الاثنى عشر التي كان يلوح بها وزير خارجيته وفي تقديرنا أن ذلك كان أهم ما قلل من عملية الردع الأمريكية.

عملية الردع الإيرانية

تقوم الاستراتيجية الدفاعية الإيرانية برمتها على الردع منذ عقود، وهي بذلك ليست للأزمات كما هو حال الأمريكان، و أساس هذه الاستراتيجية هو اللايقين" uncertainty" حيث أن من عمليات الردع الإيرانية أساليب الحرب غير المتكافئة فالغريم لإيران لا يعلم إن كانت الضربة ستأتيه من الحرس الثوري، أو من المكملات الاستراتيجية للحرس الثوري كالحوثيين وحزب الله والحشد الشعبي، مما يجعل حتى جهة التهديد غير مؤكدة، كما ان من استراتيجية الردع غير اليقينية مهاجمة السفن والانسحاب دون قدرة الغريم على الإدانة بالجرم المشهود، فالفيديوهات غير واضحة، والدمار محير إن كان من غواصين أو سفن أو قذائف. ومن أدوات الردع غير التقليدية التي بيد طهران حرية الحركة عبر خيوط إيران في 4 عواصم عربية جراء الحضور الأمريكي الذي ضعف منذ الاستدارة الأمريكية للشرق على يد الرئيس أوباما. ومن أدوات الردع الإيرانية أيضًا كثرة المسارح الأخرى التي ربما لم تدخل في الحساب الأمريكي في هذه المواجهة، كتواجد إيران في أمريكا الجنوبية وبعض دول إفريقيا. لكن أهم عوامل الردع الإيرانية للولايات المتحدة هو العامل السياسي الداخلي الأمريكي نفسه من انتخابات أو مماحكات حزبية لا تطلق يد الرئيس ترامب في قرار الحرب. أما طرف الاستراتيجية اللا يقينية الأخرى فهو قدرات إيران النووية، فكل متابع للشأن الإيراني يكاد يجزم أن هناك برنامج نووي عسكري مواز لما اتفق حوله في 5+1 السلمي، ويتوقع بعض المراقبين أن طهران إن ضيق بها العالم فقد تفجر قنبلتها النووية كمافعلت الهند وباكستان وذلك آخر ملاذ ردع لها، حيث ستتحول استراتيجية التعامل معها إلى الاحتواء بدل الهجوم كما فعلت واشنطن مع كل من فجر قنبلة نووية من قبل .

ب- المفاوضات لاتفاقية جديدة

قد يدفع التصعيد والردع طهران لعملية تفاوض تفضي كما تريد واشنطن إلى اتفاقية نووية جديدة لكن أمام هذه الخطوة الكثير ممايجب إنجازه والكثير من العقبات، وإن كان هناك من يرجح نجاح واشنطن بالضغط الاقتصادي من الوصول لاتفاق جديد، فطهران لا تريد التفاوض مع أمريكا مباشرة فحتى اتفاقية 5+1 لم يكن فيها اتفاق مباشر، فالمرشد يرى أن "التفاوض سم مضاعف"، ودوافعه لقول ذلك هو أن واشنطن تفاوض إيران على أدوات قوتها فهي تسعى لتجريدها من طموحها النووي وتريد تدمير بنيتها الأساسية لصناعة الصواريخ، كما تفاوض لدفعها للتخلي عن مكملاتها الاستراتيجية، وذلك مرفوض في طهران لانه يقود لمصير العراق وليبيا. لكن خيار التفاوض مرجح لأسباب عدة منها أن الحصار جاد ووضع طهران الاقتصادي سيئ،كما أن رجال طهران وجراء الأزمات صاروا مفاوضين محترفين وسيأتون لطاولة المفاوضات متأكدين من الفوز ، وفي جعبتهم من الحيل الكثير، منها إطالة أمد التفاوض لسنوات وهو لصالح الإيرانيين فخلال تلك الفترة ستكون هناك عمليات إيرانية للوصول لموقف تفاوضي أفضل ، ومن تلك العمليات التي قد لا تكون بالضرورة عسكرية تهريب البترول فهناك من يقول إن التهريب وصل لمليون برميل يوميًا. كما أن الإيرانيين هم خير من يطبق ما قاله مترنيخ قبل 150 عامًا" لا تذهب المفاوضات بك لأبعد مما يمكن لمدفعيتك أن تصله". ومن عوامل ترجيح التفاوض خشية ترامب من أيه حرب قبل الانتخابات وممارسته "الصبر الاستراتيجي" حتى 2020م. وهذا ما دعاه للقول إنه معني بتغيير سلوك إيران وليس نظامها، كما ان من عوامل ترجيح المفاوضات كثرة المستعدين للتوسط كاليابان وسويسرا وعمان والعراق ، بل أن هناك من يحاول تسهيل الأمور بطرح فكرة بقاء اتفاق 5+1 وإضافة ملحق له فقط يتضمن تعديلات.

جـ- لا استبعاد لخيار الحرب

ستبقى الحرب غير مستبعدة في ظل التصعيد المتزايد والتباعد الكبير في مواقف الجانبين، فمن أهداف الحرب هو دفع إيران للتفاوض. والنوايا المعروضة من أطراف التوسط قد لا تكفي لوقف خيار الحرب، ولعل أشدها وقعًا قول روسيا أنها ليست إطفاء العالم، كما يرجح فرضية الحرب العمال العدوانية الإيرانية تجاه السفن والطائرات المسيرة لأمريكا وبريطانيا، مما يجعل قابلية اشتعالها جراء حادث عرضي أمر متوقع. كما أن من مرجحات خيار الحرب عداء جون بولتون لإيران وتشكل فريق صقور حوله يدعون لوقف إيران حالا بدل انتظار قد يكون ثمنه أغلى على المجتمع الدولي. ولابد من الإشارة إلى أن بدأ الصراع قد لايكون غربي المنشأ ، فإيران ولفك الحصار عنها قد تكون هي من يبدأ الحرب، وهي حرب قد يكون الصراع فيها مباشر أو غير مباشر .

5-دول مجلس التعاون في هذه المواجهة.

 

خلال التصعيد الحالي  صار الخليجيون -بدون عزيمة قتال غربية حقة -يقفون على مسافة متساوية من الطرفين ؛بل وأدى لاحباط  الخليجيين أكثر من غيرهم، فالتصعيد كخطوة تكتيكية في صراع عسكري كان المزاج الخليجي يطالب به، ثم بعد نضوج قبح الأحداث المتوقعة وقصور التحرك الأمريكي والبريطاني، وصل المزاج الخليجي  للرشد وتمنى زوال التصعيد. لكن ذلك لم يكن دفعة واحدة حيث لم يكن الموقف الخليجي موحدًا في الربيع العربي ولا الأزمة الخليجية حتى يكون موحدًا أمام إيران؛ مما دفع نائب وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى قراءة الوضع الخليجي كمعسكرين أحدهما معسكر حمائم لنزع فتيل الأزمة ومعسكر صقور مع الحرب. كما أن مما سبب الخيبة الخليجية من الموقف الأمريكي أنه تم وضع الشروط الــ12 ضد طهران دون مشاورة خليجية –رغم إيجابية بعض نقاطها- إلا أنه تم التخلي عنها دون الرجوع للعواصم الخليجية التي هي بمثابة حليف قوي لواشنطن. لقد لقيت الشروط قبل التخلي عنها دعم من أغلب الخليجيين على المستوى الرسمي و الشعبي، وكانت دوافع الترحيب بها أننا كخليجيين لم نكن في اتفاق 5+1 الرابحون أو الخاسرون بل كنا المهمشون (Ignored). ثم تلاشت تلك الشروط لصالح تخليص تل أبيب من النووي الإيراني .

 

 

إقتياد الأزمة

على ضوء أزمة البرنامج النووي الإيراني و بعد أن بلغت التحديات - بين الجانبين الأمريكي والبريطاني من جهة والإيراني من جهة أخرى - حدًا يشكل خطرًا على السلام العالمي، بعد تعرض ناقلات النفط للتفجير ثم الاختطاف في صراع المضائق بالإضافة إلى صراع الطائرات المسيرة ؛مع الأخذ في الاعتبار الجوار الجغرافي الدائم بين إيران ودول الخليج، ثم الأخذ في الاعتبار اتعاظًا بما جرى خلال الأشهر الماضية من أن الإدارة الأمريكية والغربية بصورة عامة ترعى مصالحها بالدرجة الأولى في موقف قاس يصل حد تجاهل حلفائها الاستراتيجيين ،لذا لابد من دفع إيران بالقوة أو بالدبلوماسية إلى التصرف كدولة وليس «ثورة»، وأن تلتزم بالقانون الدولي، وعلاقات حسن الجوار، وأن تكف عن التدخل في شؤون دول الخليج، وألا تشكل خطرًا عليها. كما يجب إفهام المجتمع الدولي أن بقاء دول الخليج خارج الاتفاقات التي هي المحرك لكل مايجري حاليًا أمر مرفوض كليًا، فقد عانينا من تبعات الاتفاق النووي السابق 5+1 والذي كان منفذا لإيران خلال عصر الرئيس الأميركي السابق براك أوباما للحصول على أموال طائلة دعمت جهود طهران في زيادة عدم استقرار المنطقة ؛فيما كان يجب أن ينظر إلى البرنامج النووي الإيراني كمشروع سلمي بالمطلق، في إطار اتفاق واضح وشفاف، ومن دون أية بنود تثير الشكوك، ويخضع للتفتيش من جانب منظمة الطاقة النووية. كما كان يجب أن تولى أهمية خاصة لبرنامج الصواريخ البالستية الإيرانية بأن يكون جزءًا من المفاوضات، نظرًا لما تشكله هذه الصواريخ من تهديد للأمن الإقليمي. وبعد تطور الأحداث مؤخرًا يجب أن تولى قضية سلامة الملاحة، وسياسة إيران الإقليمية جزءًا من أي اتفاق.وهذا لن يكون مرضيًا لنا في الخليج إلا بأن تكون دول الخليج شريكة في أي اتفاق، لأنها المعنية الأساسية فيه، ولا يجوز لأية دولة أخرى أن تنوب عنها أو تأخذ دورها.

وكمحصلة يمكننا القول أن "أمن الخليج العربي" جملة بلغت غايتها في إرباكنا؛ فأين الأمن الذي ننشده ! مادامت مسرودات تاريخ قصير للخليج تشير إلى أنه قد تصرمت أربعة عقود ونفس المشهد الإيراني يتكرر على مياه الخليج . فما يجري راهن بين إيران وأميركا /بريطانيا في الخليج أكبر من التهديد وأقل من الحرب؛ لكن ماذا بينهما ! مادامت ستكتمل 3 اشهر على مايجري في مياهه ولم يعد بالإمكان إخفائه إنها "الازمة الممتدة" . ولعل مما يثير القلق أن طرفيها يريدانها أن تدخل في مرحلة هذا النوع من الأزمات، وكل له أسبابه. فرغم أن الجملة الأكثر استهلاكا هي "تحاشي التصعيد" ؛إلا أن التصعيد يسير بوتيرة شبه ممنهجة لاختلاف فهم التصعيد على ضفتي الأزمة. فالتصعيد اقتناص ظروف مواجهة أفضل-على الأقل في العقيدة الغربية-لكنه في إيران مرحلة من مراحل حافة الهاوية وإيصال الغريم وداعميه وهم دول الخليج لحالة الإرهاق النفسي جراء الاستعداد والارتباك الطويل. حيث أن طهران تتبنى "التصعيد الثوري" لكونه مواصلة لخطة عمل تمليه ثورة لا دولة. كما أن من المشين أن ما يجري بين طهران وواشنطن هو صراع إرادات بين كهلين من الرجال، هما الرئيس ترامب والمرشد خامنئي،. فما يجري هو صراع بين ثقافتين متناقضتين، فثقافة خامنئي عقائدية متمسك بها لكونها قديمة ومجربة لقرون، ولا خيار فيها غير الإيمان المطلق بثوابت المعتقد. أما ترامب فيمثل ثقافة براغماتية حديثة، يتصدر أدواتها المنهج التجريبي .ومن الممكن أن تقوم حرب في الخليج ،لكن النزاع ملزم بالمرور بالسيناريوهات الثلاثة المعتادة في كل نزاع تكون واشنطن طرف فيه وهي الردع والوصول إلى اتفاق بعد التفاوض أو الحرب. ولعل من الملفت للنظر خلال التصعيد الحالي أن صار الخليجيون -بدون عزيمة قتال غربية حقة- يقفون على مسافة متساوية من الطرفين ؛بل وأدى لإحباط الخليجيين أكثر من غيرهم، مما يوجب إفهام المجتمع الدولي أن بقاء دول الخليج خارج الاتفاقات التي هي المحرك لكل مايجري حاليًا أمر مرفوض كليًا.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ                   

 

[1] . https://www.alarab.qa/story/1360229/خليج-الأزمات-الممتدة

[2] https://www.alarab.qa/story/1368681/تصعيد-أقل-من-الحرب-وأعلى-من-التهديد

كلمات دليلية

الشركات المعلنة