;
الصفحة السابقة

التصعيد في الخليج: الأسباب والنتائج والمنطقة مهيأة للحل السياسي لا العسكري

انشأ بتاريخ: الإثنين، 09 أيلول/سبتمبر 2019

تشهد منطقة الخليج توترًا وتصعيدًا على مختلف الصعد السياسية والاقتصادية والتهديد بالعمل العسكري، خاصة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، بعد انسحاب إدارة الرئيس ترامب من اتفاقية المفاعل النووي الإيراني (JCPOA) في 28 مايو 2018م، فرض العقوبات الاقتصادية على إيران، تفجيرات في أربع ناقلات في ميناء الفجيرة بالإمارات (12 مايو ) وتفجير في ناقلاتا نفط في خليج عمان (13 يونيو )، وصفتها مجلة الايكونومست البريطانية "بلعبة غامضة وعنيفة قد تقود إلى الحرب"، واحتجاز السلطات البريطانية في جبل طارق السفينة الايرانية "غريس1" خلال مرورها من مضيق جبل طارق، وبالمقابل احتجاز إيران للسفينة البريطانية ""ستينا ايمبيرو" مما أدى إلى دخول بريطانيا الأزمة الإيرانية ــ الأمريكية ، واتهام مستشار الأمن القومي الأمريكي جون بولتون بتشجيع الحكومة البريطانية على احتجاز الناقلة الإيرانية التي اتهمت بنقلها البترول إلى سوريا وهو ما تنفيه إيران.

إن إدارة ترامب تصعد العقوبات على إيران وبالمقابل تقوم إيران بالتصعيد التكتيكي في الخليج في منطقة استراتيجية خطيرة يمر منها 20% من إمدادات الطاقة في العالم، ولكن إيران مصرة على المواجهة بتصدير نفطها وكما قال مستشار الرئيس الإيراني "الأمن للجميع" وتصدير البترول الإيراني يجب أن يستمر لأنها حرب اقتصادية تهدد الأمن القومي الإيراني. إن التصعيد الإيراني –الأمريكي في الخليج يعيد الذاكرة إلى قول المستشار الألماني بسمارك(1862-1890م) عن التنافس الدولي في منطقة الخليح " عش الدبابير الذي لا نريد الدخول فيه "؟؟

الولايات المتحدة وإيران : البعد التاريخي لأزمة الثقة والمواجهة

كانت إيران منطقة نفوذ أمريكي في عهد الشاه بلغ عدد الأمريكيين فيها 40 ألفًا، وكانت بها محطات تجسس أمريكية ضد الاتحاد السوفيتي وتعاون بين السافاك والموساد والاستخبارات الأمريكية، وجاء النفوذ الأمريكي بعد النفوذ البريطاني، حيث أسهمت بريطانيا في وصول الضابط العسكري رضا شاه إلى حكم إيران، ولكنه أساء التقدير فحاول التمرد على بريطانيا في الحرب العالمية الثانية فاتهمته بالتعاطف مع ألمانيا فتم إجباره عام 1941م، على التنازل عن العرش لابنه محمد رضا شاه الحكم حتى سقوطه عام 1979م، ودفن رضا شاه في القاهرة عام 1944م، لصعوبة دفنه في إيران، كما حدث لابنه محمد فيما بعد.

إن أزمة الثقة بين إيران والولايات المتحدة ترجع إلى إسقاط حكومة رئيس وزراء إيران محمد مصدق، الذي وصل للحكم بالطريق الديمقراطي، وأمم البترول الإيراني مما أثار غضب بريطانيا التي كانت شركتها برتش بتروليم تسيطر على بترول إيران، فهندست الاستخبارات الأمريكية CIA بالتعاون مع الاستخبارات البريطانية MI6 عملية آجاكس التي مولتها بريتش بتروليم وقادها كيم روزفلت، وفي أغسطس 1953م، تم سقوط حكومة محمد مصدق وعودة الشاه الذي كان بالخارج، وقد أثار الانقلاب على مصدق غضب الشعب الإيراني، على إدارة أيزنهاور ، التي تقاسمت أسهم شركة البترول الإيرانية مع بريطانيا وكان ذلك ثمن المشاركة في إسقاطه رغم أن حكومة ترومان أيدته في تأميم البترول ، وكانت هذه العقدة الأولى في العلاقات الإيرانية الأمريكية اعتذر بعدها الرئيس أوباما للتقارب مع إيران . والحادثة الثانية التي لها تأثيرها على العلاقات الإيرانية، هي أزمة الرهائن الأمريكيين في إيران بعد الثورة ، عندما احتجز موظفي السفارة نوفمبر 1979م، واستمرت 444 يومًا في عهد الرئيس كارتر ولم تطلق الرهائن إلا بعد استلام ريغان الحكم 20 يناير 1981م، ثم كانت عملية مقتل المرينز الأمريكيين في بيروت أكتوبر1983م، والتي أودت بحياة 241 من الجنود اتهمت فيها جماعات مقربة من إيران، وتكررت بعدها اختطاف الأمريكيين في بيروت، ثم جاءت إيران جيت IRAN Gate 1986م ، حيث زار مستشار الأمن القومي الأمريكي السابق مكفارلين طهران سرًا وتزويد إيران بصواريخ تاو عن طريق إسرائيل، وتواترت العلاقة بينهما، بين التوتر والصفقات السرية حتى تفجرت قضية المفاعل النووي الإيراني، وحاولت إدارة أوباما الدخول في مفاوضات مع إيران لإيقاف نشاطها النووي ضمن مجموعة 5+1، الدول الخمس الدائمة العضوية بالإضافة إلى ألمانيا، وفتح صفحة جديدة كما فعل أوباما مع كوبا، ودخلت الوساطة العمانية بسرية، تم اللقاء بين المسؤولين الإيرانيين والأمريكيين في مسقط ، يوليو 2012م، أدت فيما بعد إلى اتفاق 2015م، مع إيران حول تجميد إيران لنشاطها النووي مقابل رفع العقوبات الاقتصادية تدريجيًا عنها.

قامت سياسة إدارة أوباما على الفصل بين قضية المفاعل النووي وتطوير الصواريخ البالستية ونشاط إيران الإقليمي، وتنفيذ وعوده بالانسحاب الأمريكي العراق وإفغانستان بعد أن تورط فيهما بوش الابن. وأثارت سياسة أوباما تجاه إيران حلفاء الولايات المتحدة الإقليميين، وخاصة إسرائيل التي كانت تدفع بالعمل العسكري ضد إيران. كان نتنياهو يحرض أوباما على توجيه ضربة عسكرية لإيران، ولذلك توترت علاقة أوباما ونتنياهو، لأن إسرائيل تريد توريط واشنطن بالقيام بضربة عسكرية، لأنها لا تستطيع القيام بهذا العمل وتريد أن تقوم بذلك، و لكن رؤية أوباما أن على دول الإقليم حل مشكلاتها بدون التدخل الأمريكي، ودخلت في التحالف الدولي لمواجهة داعش في العراق، ولم يتدخل أوباما عسكريًا في سوريا سوى تدريب بعض عناصر المعارضة السورية وترك التدخل للدول الإقليمية، وأعطى أوباما الضوء الأخضر إلى روسيا للتدخل في سوريا ورغم التصريحات السياسية وانتقاد إيران إلا أن أوباما تجاوز عن التدخل الإيراني في سوريا وركز على إنجاز اتفاقية المفاعل النووي مع روسيا والصين وفرنسا وألمانيا وهو الاتفاق الذي انتقده ترامب واعتبره أسوأ صفقة في التاريخ؟

قاد ترامب حملته الانتخابية 2016م، بالهجوم على إنجازات أوباما داخل الولايات المتحدة وسياسته الخارجية وخاصة اتفاقه مع إيران، كانت حملة ترامب شعبوية يقودها اليمين الأمريكي المتطرف، وهاجم ترامب تدفق الهجرة غير الشرعية وخاصة من حدود المكسيك كما هاجم المسلمين واتهم بعض الدول بالإرهاب وحظر دخول رعايا سبعة دول إسلامية، ورغم أن هلاري كلنتون كانت تقود حملة الحزب الديمقراطي الليبرالية، إلا أن التيار الشعبوي الأبيض أنجذب نحو ترامب وحقق فوزًا في الانتخابات الرئاسية كانت مفاجأة للمراقبين وحتى لترامب نفسه.

عندما تولى ترامب الرئاسة جعل جل اهتمامه تنفيذ وعوده الانتخابية، سواء بالنسبة للمهاجرين وبناء جدار على الحدود مع المكسيك أو بمنع دخول بعض  رعايا دول إسلامية ، وأكد على عدم التورط العسكري في الشرق الأوسط وتنفيذ وعوده بشأن إسرائيل، والاعتراف بأن القدس عاصمة إسرائيل ونقل السفارة الأمريكية وهو بذلك يخالف قرارات مجلس الأمن الدولي وخالف سياسة من سبقه من الرؤساء بشأن القدس والمستوطنات. وكما وعد ناخبيه انسحبت الولايات المتحدة الأمريكية من اتفاقية المفاعل النووي الإيراني JCPOA ، مايو 2018م، رغم أن بقية الدول المشاركة في الاتفاقية أعلنت التمسك بها، وزعمت إيران نفسها استمرار التزامها، بينما أعلنت الوكالة الدولية للطاقة الذرية أن إيران التزمت بالشروط خلال السنوات السابقة ولم تخالف بنود الاتفاقية.

ترامب: إيران تهدد الأمن القومي الأمريكي

جعلت إدارة ترامب إيران في أولويات سياستها الخارجية مع كوريا الشمالية، فقد ذكرت إيران في مذكرة استراتيجية الأمن القومي الأمريكي لعام 2017م، سبعة عشر مرة ، وأعلنت إدارة ترامب شروطها لعودة علاقاتها الدبلوماسية والاقتصادية على لسان وزير الخارجية الأمريكية بومبيو والتي لخصها في مايو 2018م، في النقاط التالية: وقف نشاطها النووي كليًا، وتجميد برنامج الصواريخ الباليستية، إطلاق سراح جميع السجناء داخل إيران ممن يحملون جنسية الولايات المتحدة وحلفائها، إنهاء توسع النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط، وخاصة في العراق وسوريا واليمن وأفغانستان وأخيرًا وقف إيران الهجمات الإلكترونية، أعتبرت إيران هذه الشروط تدخلاً في شؤونها وانتهاكًا لسيادتها، علمًا بأن أوباما تجاهلها، واعتبر أن اتفاقية المفاعل النووي التي توصل إليها إنجازًا كبيرًا ولمصلحة الولايات المتحدة ، ولكن ترامب يراها عكس ذلك تهديدًا لأمن الولايات المتحدة، وكما أشار السفير البريطاني في واشنطن كيم داروش تقاريره للخارجية البريطانية والتي سربت مؤخًرا للصحافة، بأن انسحاب ترامب من الاتفاقية له دوافع شخصية وأيديولوجية، وأنه " غير مستقر ، وغير كفؤ " ، وقال أيضًا " لا نعتقد أن هذه الإدارة ستصبح طبيعية أكثر، وأقل اختلالاً، وأقل مزاجية، وأقل تشظيًا، وأقل طيشًا من الناحية الدبلوماسية ، بالاضافة لعدم خبرة ترامب السياسية، يضاف إلى ذلك الرأي العام الأمريكي والانتخابات الأمريكية القادمة لعام 2020م، في ظل تراجع شعبية ترامب.

ورغم التهديدات المتكررة تجاه إيران، إلا أن ترامب يعلن مرارًا عدم نيته في الدخول في عمل عسكري، وعندما أسقطت إيران طائرة درون (بدون طيار) وهدد بعمل عسكري، ثم أمر قبيل تنفيذ العملية العسكرية بدقائق بوقفها، مبررًا ذلك أنها تؤدي خسائر في الأرواح (150 فردًا) ، وهو تبرير غير مقنع ولكنه يصل لحافة الهاوية ثم يتراجع، لأن أي عمل عسكري سيدخل الخليج والعالم في دوامة حرب مدمرة قد تتحول عالمية في ظل مصالح دولية حيوية ومتناقضة ؟

وقد كلف ترامب السنيتور راند بول Rand Paul الاجتماع مع وزير الخارجية الإيرانية محمد جواد ظريف، عندما كان في نيويورك لحضور اجتماعًا بالأمم المتحدة، وتم اللقاء في محل إقامة المندوب الإيراني في الأمم المتحدة 15 يوليو، وصفها ظريف بأنها محادثات إيجابية، وتؤكد الخبيرة الأمريكية في شؤون الشرق الأوسط ، روبن رايت في مجلة The New Yorker(2 /8) ، أن بول عرض على ظريف مقابلة ترامب بناءً على رغبة الأخير، وتقول رايت أن إدارة ترامب خلال عامين من وجوده في البيت الأبيض طلب ثماني مرات اللقاء مع القيادة الإيرانية، اثنتان منها عندما كان ترامب وروحاني في اجتماع الجمعية العامة واحدة منها نقلها الرئيس الفرنسي ماكرون. وتحاول إيران إيجاد شرخ بين الكونغرس والبيت الأبيض بعد اتخاذ مجلس النواب الامريكي قرارًا يمنع ترامب أي عمل عسكري ضد إيران دون موافقة الكونغرس، ويأتي إعلان وزارة الخزانة الأمريكية بفرض عقوبات على وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف، 30 يوليو ، ضمن حملة توجيه الرأي العام الأمريكي عن تمديد إعفاء الشركات الأوروبية العاملة في إيران لمدة 90 يومًا أخرى ، فالشركات الأوروبية والصينية تعمل في إيران وفقًا لاتفاقية المفاعل النووي وهناك خلافات بين إدارة ترامب حول هذا التمديد مما جعل فرض العقوبات على الوزير أقل خطورة من الصدام مع الدول الأوروبية والصين وإرضاءً لبعض أفراد إدارته؟

الوساطة بين واشنطن وطهران

رغم حملة تغريدات ترامب ووزير الخارجية بومبيو ضد إيران، فإن قنوات الاتصال مستمرة بين إدارة ترامب والحكومة الإيرانية ، فقد زار طهران رئيس الوزراء الياباني شينزو أبي ، وهي أول زيارة لرئيس وزراء ياباني منذ الثورة الإيرانية 1979م، وكانت الزيارة بتشجيع من ترامب عندما كان في زيارة لليابان، وكان أبي حاملا معه أمل الدبلوماسية، كما أن هناك اتصلات متواصلة بين الرئيس الفرنسي ماكرون والرئيس الإيراني روحاني، وزيارة وزير الخارجية العماني يوسف بن علوي إلى طهران في 27 يوليو الحالي وكانت زيارة سرية في 12 مايو ، حيث تتمتع سلطنة عمان بعلاقات جيدة مع كل من طهران وواشنطن، وعملت العراق وألمانيا وسويسرا في تقريب وجهات النظر ، فسويسرا تمثل المصالح الأمريكية في إيران، بالإضافة إلى تدخل دول أخرى في تخفيف التصعيد، فإن الحكومة الإيرانية وإدارة ترامب تتفوضان من خلال التصعيد، فهناك مفاوضات ضمن الوساطة العلنية والسرية، والتصريحات من المسؤولين في البلدين، حتى أن إيران أعلنت أنها لا تمانع المفاوضات مع إدارة ترامب ولكن من منطلق الند بين الطرفين، واقترح وزير الخارجية بومبيو الظهور في وسائل الإعلام الإيرانية، في الوقت الذي يظهر وزير خارجية إيران في وسائل الإعلام الأمريكية.

إيران تصعد لتدويل قضية المفاعل النووي وأن لا تكون محصورة بينها وبين إدارة ترامب، لأن الدول التي وقعت على الاتفاق ما زالت ملتزمة بالاتفاق، الصين وروسيا وفرنسا وبريطانيا وألمانيا، وعلى اعتبار أن أي تصعيد لعمل عسكري يهدد مصالح الدول الكبرى والدول الإقليمية لان البترول ذات أهمية استراتيجية للاقتصاد العالمي؟ وحشد الرأي العام الدولي والدبلوماسية الدولية وسيلة لكبح جماح العمل العسكري وإن كان هذا العمل بعيد الاحتمال ؟

موقف الدول الكبرى: روسيا الاتحادية الرابح الأول

تتخذ كل من الصين وروسيا موقفًا دبلوماسيًا هادئًا، فالصين في خلافات مع إدارة ترامب حول التجارة الدولية، وفي علاقات اقتصادية مع كل من إيران ودول الخليج العربي سواء في استيراد الطاقة أو تصدير صناعاتها إلى هذه الدول فهي تدعم الاتفاق ومع استقرار منطقة الخليج وضد التصعيد، وهي تشكل مع روسيا والصين محورًا سياسيًا في مواجهة واشنطن في آسيا. أما بالنسبة لروسيا، فهي المستفيد الأول من الأزمة الإيرانية- الأمريكية، حيث حصلت على الجزء الأكثر من حصة إيران في سوق البترول العالمية، وأصبحت المصدر الأول للبترول للصين بعد أن كانت السعودية هي المصدر الأول للصين، مما يعزز العلاقات الصينية الروسية ويعمق تعاونها للوقوف في وجه أمريكا على المستوى الإقليمي والدولي .

وتسعى روسيا إلى أيجاد نوع من الثقة بين واشنطن وطهران، وبفعل تدخلها في سوريا أصبحت لاعبًا مهمًا في الشرق الأوسط، وتطرح فكرة التعاون السياسي والأمني بين دول المنطقة على غرار منظمة التعاون والأمن الأوروبي فاقترحت الأمن الجماعي في الخليج وهذا يتفق مع الموقف الإيراني، وفي الوقت التي تدعو إدارة ترامب إلى تشكيل (ناتو عربي)، فإن روسيا تدعو إلى خروج القوات الأجنبية بالذات الأمريكية من المنطقة، وفي الوقت الذي تضغط واشنطن بعزل إيران، فإن روسيا تشجع التعاون بين إيران وجيرانها كا قال نائب وزير الخارجية الروسي ميخائيل بابندروف، وتدعم الموقف الإيراني في مجلس الأمن الدولي، ورغم الدعوة الروسية للحلول السياسية إلا أنها لم تقدم هذه المقترحات في وثيقة رسمية، ولكنها في الوقت الذي تحقق مصالحها تحاول طرح حلول دبلوماسية لتحسن صورتها وتظهر كدولة حريصة على أمن المنطقة واستقرارها.

ولكن الموقف المثير للتساؤل، هو الموقف البريطاني التي تتمتع بعلاقات خاصة مع الولايات المتحدة، فهي مع استمرار الاتفاقية كما هو حال ألمانيا وفرنسا وبقية دول الاتحاد الأوروبي، إلا أن احتجاز الناقلة الإيرانية ورد الفعل الإيراني باحتجاز ناقلة بريطانية، ومع أزمة بريطانيا في الخروج من الاتحاد الأوروبي ومجيء بوريس جونسون رئيسًا للوزراء يثير الشكوك حول موقف بريطانيا رغم أنها تعلن أنها ضد التصعيد ومع الحل السياسي ، وإذا تتبعنا العلاقات البريطانية ـ الأمريكية في الشرق الأوسط وخاصة منطقة الخليج، فإن بريطانيا لديها غصة من الولايات المتحدة وتعتبرها هي وراء خروجها من الشرق الأوسط والخليج العربي بالذات، وهذا ما يبينه جيمس بار في كتابه الذي أصدره 2018م، تحت عنوان ، Lords of Desert: the battle between the United States and Great Britain for supremacy to the Middle East.

حتى أن الوزير والسياسي البريطاني الراحل انوش بول قال بعد أزمة السويس 1956م، مخاطبًا انتوني ايدن " أن أعدائنا الرئيسسين في الشرق الأوسط هم الأمريكون " ، وهذا يفسر أيضا الحذر البريطاني من التقارب مع ترامب في الأزمة الإيرانية، وهذا ما عبر عنه إيلان جولدنبرج الخبير في الشئون الايرانية والمسئول السابق في الخارجية الامريكية بقوله" إنها اشارة مزعجة أن الولايات المتحدة وأقرب حلفائها لا يستطيعوا العمل في بعض الأحيان "، خاصة أن بريطانيا بعد خروجها من الاتحاد الاوروبي أخذت تعزز وجودها في الخليج بقواعد عسكرية بالاتفاق مع بعض دول المنطقة وإن بعض دول الخليج أكثر ثقة في الموقف البريطاني لعلاقاتها التاريخية وبعضها سمح بتواجد قواعد بريطانية فيها. وقد قال وزير الخارجية البريطانية السابق جيرمي هنت قبل مغادرة الوزارة بعد تشكيل بوريس جونسون الوزارة الجديدة " لن نكون جزءاً من سياسة الضغط الأمريكية المتصاعدة على إيران، لأننا ما زلنا ملتزمين بالمحافظة على اتفاقية المفاعل النووي الإيراني"(The Hell 7/27/2019)، فسياسة الاتحاد الاوروبي وبريطانيا تبتعد عن سياسة إدارة ترامب في التصعيد على إيران، لأنها لا تثق في سياسة الولايات المتحدة ورئيس أمريكي متقلب المزاج ، وقد يدخل في صفقة مع إيران في المستقبل لانه يتراجع ويلهث للمفاوضات لحملته الانتخابية القادمة ؟

موقف الدول الإقليمية من الأزمة

وإذا كان موقف الاتحاد الأوروبي ملتزما بالاتفاق وغير مؤيد للموقف الأمريكي، لان الدول الأوروبية لها مصالحها الاقتصادية مع إيران سواء علاقات استثمارية أو تجارية، ولأن الشركات الأوروبية تعتبرها فرصة ذهبية لعدم منافسة الشركات الامريكية لها في الاستثمارات والتجارة في إيران، واعلان الدول الأوروبية صراحة كما أعلنت ألمانيا بعدم مشاركتها بالاقتراح الأمريكي بشأن المشاركة في أمن الملاحة في مضيق هرمز؟ وتتفق الدول الإسلامية في إيجاد حل دبلوماسي للأزمة وتبتعد عن سياسة ترامب اتجاه إيران، فدول مثل باكستان، ماليزيا ،إندونيسيا، وتركيا موقف ضد التصعيد والعقوبات ولها علاقات مصالح قوية مع إيران فقد صرح رئيس الوزراء الباكستاني عمران خان أن " ”المزيد من تصعيد التوترات في المنطقة المضطربة بالفعل ليس في مصلحة أي طرف. جميع الأطراف في حاجة إلى ممارسة أقصى قدر من ضبط النفس في الوضع الراهن"، وقد اتفقت إيران وباكستان على تشكيل قوة "تدخل سريع" حدودية مشتركة في أعقاب سلسلة من الهجمات الدامية التي شنها مسلحون في إيران ".

حتمية الجغرافيا والتاريخ

إن توتر العلاقات بين دول الخليج العربي وإيران، يرجع إلى تدخلها في المنطقة، فهي تتدخل في الشؤون الداخلية كما هو الحال في البحرين، وتدخلها في العراق وسوريا ولبنان واليمن ( ما يسمى الهلال الشيعي)، وهذا يعتبر تهديدًا للأمن الخليجي لإثارتها الطائفية، ولكن دول الخليج ليس مع العمل العسكري ضد إيران لأنه يعني تأثيرًا مباشرًا عليها، وكلاهما دول الخليج وإيران الخاسر الأكبر من ذلك، وتدعوا الأطراف لحل سياسي للأزمة، ولكن المعضلة الأساسية عدم توفر الثقة بين إيران ودول الخليج لعدم التزام إيران بتعهداتها، ولكن على أية حال تبقى إيران جغرافيا من المنطقة وتفرض الجيوبولتيكا على الأطراف الجلوس على طاولة التفاوض لحل الخلافات الإقليميةـ سواء في اليمن أو العراق أو سوريا وحل الخلافات بين دول المجلس نفسه، خاصة أن بعض دول المجلس لها علاقات سياسية واقتصادية مع إيران وعلاقات صداقة كما في سلطنة عمان. وإن السعودية والإمارات مع المفاوضات والتعاون السياسي في حالة التزام إيران، ولعل زيارة الوفد الإماراتي من خفر السواحل لإيران وتوقيع اتفاقية تعاون مع حرس الحدود الإيراني بادرة أمل للتوصل إلى تعاون وتعتبر دبي السوق الأهم لإيران في المنطقة ، فقد نشهد في المستقبل القريب جلوس الأطراف للتعاون وحل الخلافات وفقًا للعلاقات التاريخية وحتمية الجفرافيا ؟

السيناريو الأمريكي : تصعيد إلى طريق المفاوضات

إذا كانت روسيا هي المستفيد الأول من الأزمة الإيرانية، فإن الولايات المتحدة هي المستفيد الثاني من الأزمة سياسيًا واقتصاديًا واستراتيجيًا، فقد زادت من تصديرها للبترول وكذلك بيع الأسلحة والخدمات الأمنية.

وتسعى إدارة ترامب إلى إيجاد تحالف دولي بمسمى الحارس للمحافظة على الملاحة في الخليج رفضتها الدول الكبرى، كالصين وروسيا ودول الاتحاد الأوروبي، كما رفضت دول ألمانيا وفرنسا وإيطاليا الاقتراح البريطاني في المشاركة بقوة عسكرية لحماية مرور الناقلات من المرور بمضيق هرمز، هذا يعني أن ما طرحته الولايات المتحدة وبريطانيا ليس عمليًا بسبب التنافس الدولي.

سيناريو التعاون الأمني العربي ـ الإسلامي لأمن الخليج

إن سيناريو هذا التعاون أقرب للواقع في ظل التقارب الإماراتي مع إيران والاستقبال السعودي للحجاج الإيرانيين، ورغبة كلا البلدين في طهران والرياض للحلول الدبلوماسية، لأنهما الخاسر الأكبر في حالة المواجهة العسكرية، وكلاهما يتميز بالقيادة الرشيدة لتحقيق مصالحهما، في ظل منظمة التعاون الإسلامي، ودخول كل من باكستان وتركيا وماليزيا وإندونيسيا كدول إسلامية رئيسة يشكل ضمانًا للتعاون خاصة أن معظمها دول مصدرة للبترول، وحل الخلافات في مجلس التعاون، وتفعيل دور الجامعة العربية، ودخول مصر بثقلها والمغرب في التعاون الأمني يشكل عاملاً مهمًا للاستقرار في منطقة الخليج العربي، ويجنب مخاطر التنافس الدولي في المنطقة، ويقلص مناورات ترامب لاستنزاف دول المنطقة، وسيجلس مع إيران على طاولة المفاوضات مستقبلاً، فلتكن دبلوماسية التعاون بين دول المنطقة المحيطة بالخليج مجهضة لصفقات ترامب المقبلة ؟؟

كلمات دليلية