;
الصفحة السابقة

مشروعان في المنطقة: الفوضى والتوسع الإيرانية / التركية و الاستقرار بقيادة السعودية

انشأ بتاريخ: الإثنين، 09 أيلول/سبتمبر 2019

وفقًا لتقرير "تكلفة الربيع العربي" الذيأصدره المنتدى الاستراتيجي العربي في دبي، فإن تكلفة ما يسمى بالربيع العربي، وحجم الخسائر الفادحة، الذي دفعته الشعوب العربية، بسبب الثورات والاحتجاجات التي عصفت بها المنطقة منذ سنوات في دول عديدة من اليمن إلى سوريا إلى العراقي إلى ليبيا، وتسببت في حروب مدمرة، وأشعلت نيرانًا ما زالت تحرق المنطقة حتى اليوم، بلغت تقريبا 833.7 مليار دولار، بالإضافة إلى مقتل وجرح 1.34 مليون شخص. وجاءت التحليلات في التقرير بناء على معلومات أوردتها تقارير عالمية صادرة عن البنك الدولي، والمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، ومؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية ومنظمات أخرى. وبحسب كذلك تقرير "الاتجاهات العالمية" السنوي، والذي صدر عن المفوضية السامية لحقوق اللاجئين في يونيو 2019م، فإن عدد الأشخاص الفارين من الحروب والاضطهاد والنزاعات حول العالم تجاوز حاجز الـ 70 مليون شخص في عام 2018م، وهو أعلى مستوى تشهده المفوضية منذ ما يقرب من 70 عامًا على تأسيسها. ومن أصل 70 مليون لاجئ في العالم، يأتي 40 في المئة من المنطقة العربية. كما أظهر تقرير علمي نشرته المجلة الدولية للصحة العامة "international journal of public health" حالة الوضع المتردي، الذي يعيشه الناس في منطقة الشرق الأوسط من الناحية الإنسانية، بسبب الحروب والصراعات التي مرت بها المنطقة، وخلص التقرير بان "العنف المستوطن والمستمر – في المنطقة-يخلق جيلاً ضائعًا من الأطفال والشبان، وأن "مستقبل الشرق الأوسط سيكون قاتمًا إذا لم نجد طريقة لإحلال الاستقرار في المنطقة".

هذا الوضع التي آلت اليه المنطقة وهذا الدمار الشامل التي أدت إلى زعزعة أمنها واستقرارها، وهذه الخسائر البشرية والمادية، هي بسبب طموحات دول في المنطقة اختارت مشروع التغير من خلال نشر الفوضى ودعم كل ما يتبع لها من خلايا وتنظيمات ومؤسسات وميليشيات لمد نفوذها وتحقيق مشروعاتها وتطلعاتها التوسعية خارج حدودها، وهذه الدول لاقت للأسف في فترة معينة دعم من الإدارة السابقة في البيت الأبيض لتحقيق مصالحها الضيقة، دون الاكتراث بالنتائج التي يمكن أن تؤول إليها الأمور في المنطقة. إلا أن هذه الدول بمشروعاتها أصبحت اليوم في حالة انحسار واضمحلالٍ، بسبب اصطفافًا عربيًا لصد هذه المشاريع التدميرية ودعم مشاريع دعم الاستقرار والتنمية الاقتصادي.

«محور الاعتدال» في مقابل محور «المقاومة والممانعة الطائفي»

كان الشرق الأوسط لفترة طويلة يتجاذبه محورين رئيسيين: محور سُمي محور الاعتدال، ويضم السعودية، ومصر، والأردن، والمغرب بالإضافة إلى بقية دول الخليج. وهذا المحور داعمًا لاستقرار دول المنطقة ويتعامل مع السلطات المركزية ولديه سياسة معتدلة مع الغرب. أما المحور الثاني، فكان يُسمى «محور المقاومة أو الممانعة»، ويضم إيران، وسوريا وحزب الله وجماعات الإسلام السياسي. وهذا المحور لا يؤمن بسيادة الدول واستقرارها، داعمًا للحركات الثورية في دول المنطقة وعلى علاقة متوترة مع الغرب، وكان يتخذ من القضية الفلسطينية وشعار المقاومة شرعية للتدخل في الشؤون الداخلية في الدول العربية وزعزعة أمنها واستقرارها. وكانت الإدارات الأمريكية المتتالية تميل إلى دعم محور الاعتدال ودعم سياساته في مقابل محاصرة محور ما يسمى «محور المقاومة أو الممانعة». وبحسب تقرير نشرته صحيفة "الغارديان" البريطانية لـ بنفشة كينوش، المترجمة السابقة للرؤساء الإيرانيين تذكر فيه أنه بالرغم من محاولة 4 رؤساء إيرانيين، وهم علي أكبر رفسنجاني (1989-1997م)، ومحمد خاتمي (1997-2005م) ومحمود أحمدي نجاد (2005-2013م)، وحسن روحاني (2013-الآن)، للتقارب مع واشنطن بكل السبل إلا أن النتيجة كانت صد أمريكي لتلك المحاولات. ووفقًا  لتريتا بارسي رئيس المجلس الوطني الإيراني الأميركي (NIAC) في كتابة الذي صدر مؤخرًا “لفة واحدة من النرد Single Role of the Dice يذكر أنه "فبعد أقل من شهر على احتلال بغداد، عرضت طهران إجراء مفاوضات شاملة مع واشنطن عن طريق السفير السويسري في طهران في ذلك الوقت تيم جولديمان ، الذي ترعى سفارته المصالح الأمريكية، تتعهد فيه بوقف الدعم عن كل من حماس والجهاد الإسلامي الفلسطينية والضغط عليها لوقف هجماتهما على إسرائيل إلى جانب دعمها لوقف تسليح حزب الله في لبنان والضغط عليه لنزع سلاحه وتحويله إلى حزب سياسي محض ودعم الموافقة على التفتيش الدولي الدقيق للبرنامج النووي الإيراني علاوة على الموافقة على مبادرة الجامعة العربية التي تدعو للسلام مع تل أبيب مقابل الانسحاب الإسرائيلي الكامل إلى حدود ما قبل عام 1967م، مقابل الاعتراف بإيران كفاعل إقليمي في المنطقة ورفعه من قائمة محور الشر. إلا أن إدارة بوش رفضت هذا العرض وتم معاتبة السفير السويسري في طهران".

وبعد صعود الرئيس باراك أوباما إلى سدة الحكم الرئاسي في عام 2009م، سعت إدارته إلى إحداث تغير جذري في تعاطيها مع سياستها في الشرق الأوسط من خلال التقارب مع محور ما يسمى «محور المقاومة الممانعة» وتحويلهم إلى حلفاء جدد، في مقابل التخلي عن الأنظمة الحاكمة الحليفة في المنطقة، وذلك بهدف إنهاء التورط الأمريكي في الشرق الأوسط وعدم الدخول في أي حروب جديدة في سبيل إعادة إنتاج دورها الاستراتيجي بالتركيز على منطقة آسيا والمحيط الهادي. كما أن إدارة أوباما كانت تواجه وضعًا داخليًا بالغ التعقيد، جراء الأزمة المالية التي بدأت في 2008م، والتي تعتبر الأسوأ من نوعها منذ زمن الكساد الكبير سنة 1929م، وتوابع الأزمة المالية المتضخمة عن الخلاف بين إدارته والكونجرس على الموازنة التي أصابت الحكومة الفيدرالية بالشلل في ذلك الوقت كانت كذلك من أهم الأسباب التي دفعت إلى تحسين علاقاتها مع إيران لسد عجزها المالي. فقد قدر مركز (IHS Global Insight) العالمي المتخصص بدراسة ومراقبة أداء الاقتصاديات العالمية أن الولايات المتحدة تخسر 12.5 مليون دولار كل ساعة، أي 300 مليون دولار يوميًا، وذلك منذ الأول من أكتوبر 2013م، أي منذ أغلقت الحكومة الفدرالية الأمريكية بعض مكاتبها وأوقفت أنشطتها غير الرئيسية، وأعادت 800 ألف موظف فدرالي إلى منازلهم. إضافة إلى ذلك فقد أعلن مكتب مراقبة الأصول الأجنبية التابع لوزارة الخزانة الأمريكية والمسؤول عن تطبيق العقوبات التجارية والاقتصادية المفروضة على إيران وسوريا أنه لن يستطيع القيام بكل مهامه نظرًا لتخفيض عدد العاملين بالمكتب بسبب عجز تمويل الحكومة الأمريكية بعد رفض الكونجرس تمرير موازنة العام المالي الجديد. وعليه لتسوية ملفات الشرق الأوسط اختارت إدارة أوباما التقارب مع إيران، التي كانت متمدده ومتغلغلة في كثير من ملفات المنطقة سواء بصورة مباشرة كما يحدث في سوريا وخاصة منذ الثورة أو في لبنان عبر حزب الله أو العراق خاصة بعد حرب 2003م، أو بصورة غير مباشرة عبر ميليشياتها وشبكات التجسس في اليمن ودول الخليج. فقد أرادت إدارة أوباما العودة للتفاوض على وثيقة طهران 2003م، التي رفضت إبان الإدارة السابقة مع مراعاة التغيرات الإقليمية والعالمية، فسعت إلى عقد الاتفاق النووي مع إيران في تجاهل كامل لسلوكها المؤذي في المنطقة، مما أعطى إيران ضوءًا أخضر لتعاظم نفوذها والتدخل في المنطقة دون رادع، حيث استغلت إيران رفع العقوبات في زعزعة الاستقرار في المنطقة.

وعندما اندلعت ما يسمى بثورات الربيع العربي مطلع العام 2011م، في كل من تونس وليبيا ومصر واليمن وسوريا بدت إدارة الرئيس أوباما بموقف داعم لتنظيمات وحركات الإسلام السياسي المدعومة من تركيا إلى الوصول إلى مفاصل الحكم في المنطقة. ووفقًا لـ "ديريك تشوليت" الذي عمل في وزارة الخارجية الأميركية خلال ولاية أوباما، يذكر في كتابه "اللعبة الطويلة، كيف تحدى أوباما واشنطن، وأعاد تعريف دورها في العالم وقف الرئيس باراك أوباما في غرفة (بن فراكلين) المزخرفة في الطابق الثامن في وزارة الخارجية، ودعا إلى تغيير واسع في نهج أمريكا تجاه منطقة الشرق الأوسط، موضحًا أنه يساند الإصلاح السياسي والاقتصادي". وقد قادت ثورات ما سمي بـ "الربيع العربي" إلى هدم وإسقاط النظام القديم وتفكيك البنية السياسية والاجتماعية، وفي ظل غياب البديل الجاهز لقيادة المجتمع، اتجهت الأمور إلى حالة من الفوضى. وبالتالي نجم عن سياسة أوباما في فوضى الربيع العربي ومحاولة «شراء الخصوم» وتحويلهم إلى حلفاء جدد إلى سقوط الدول الوطنية في منطقة الشرق الأوسط، وعمت الفوضى وأصبحت المنطقة بيئة خصبه للتنظيمات الإرهابية، هذا إلى جانب نزوح ملايين اللاجئين العرب لأوروبا والدول المجاورة.

وبعد وصول الرئيس دونالد ترامب إلى الحكم، دخلت المنطقة العربية مرحلة جديدة وعادت الإدارة الأمريكية إلى التقارب مرة أخرى مع «محور الاعتدال» بالمنطقة، بقيادة السعودية وبقية دول الخليج ومعهم مصر والأردن، بعد فشل الإدارة السابقة في قراءة النتائج التي آلت إليها المنطقة. وتحددت معالم هذا التحول مع الزيارة الرسمية للرئيس ترامب إلى السعودية في أول زيارة له، ومشاركته في قمم الرياض التي احتضنت أكثر من 50 دولة عربية وإسلامية، واتفاقها على العمل سويا على تعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة، ومواجهة مشاريع التغيير التي تقودها إيران وتركيا.

قمم الرياض والعودة إلى محور الاعتدال

كانت الزيارة الرسمية والتاريخية للرئيس دونالد ترامب إلى السعودية في مايو 2017م، في أول رحلة خارجية له منذ توليه منصبه، ومشاركته في ثلاث قمم هي القمة السعودية -الأمريكية والقمة الخليجية -الأمريكية والقمة الإسلامية -الأمريكية، حدث غير مسبوق وتاريخي ممتاز، وتعكس التحول الكبير في السياسة الخارجية للإدارة الأمريكية الجديدة في تعاطيها مع ملفات الشرق الأوسط وعودتها مرة أخرى للتقارب مع «محور الاعتدال»، بقيادة السعودية وبقية دول الخليج ومعهم مصر والأردن. هذا التحول أكد عليه قبل الزيارة مستشار الأمن القومي السابق هربرت ماكماستر الذي قال إن الزيارة والقمم تهدف إلى "تعزيز الشراكة الأمنية مع الدول العربية والإسلامية"، لافتًا إلى ضرورة التصدي لتنظيم "القاعدة" و "داعش" وإيران والنظام السوري "الذين ينشرون الفوضى والعنف"؛ وذلك عبر "تأسيس شراكة أمنية أقوى وأعمق مع شركاء واشنطن الخليجيين والعرب والمسلمين". كما أن هذه القمم الثلاث التي احتضنت أكثر من 50 دولة عربية وإسلامية، عكست كذلك الدور الكبير والمتصاعد للسياسة الخارجية السعودية في عهد الملك سلمان، لقيادتها للأكثرية العربية لصد مشروعات التغير التي تقودها إيران وتركيا والتي امتدت عبر وكلائها حتى الآن إلى العراق وسوريا ولبنان واليمن وغيرها من الدول. وكانت السعودية قد وضعت منذ سنوات اللبنة الأولى لتحالف خليجي – عربي – إسلامي لصد هذه المشروعات بدءًا من "درع الخليج"، وصولاً إلى "رعد الشمال" و"عاصفة الحزم"، بمشاركة دول خليجية وعربية وإسلامية، والتي شارك أغلبها في قمم الرياض.

 

حظيت القمة السعودية-الأمريكية بتوافق كبير على ملفات المنطقة والاتفاق على التعاون لدعم استقرار المنطقة ومكافحة الإرهاب ومواجهة نفوذ إيران السلبي في المنطقة. كما أن القمة "الخليجية -الأمريكية" والتي تعد القمة الثالثة خلال عامين، فقد سبقتها قمة كامب ديفيد في عام 2015م، ثم قمة الرياض 2016 م، خلال فترة أوباما، حظيت كذلك بدرجة عالية من المقاربات في العديد من الملفات التي تواجه الأمن والاستقرار في المنطقة. كما اتفق الطرفان على توقيع مذكرة تفاهم لتأسيس مركز لتجفيف منابع تمويل الإرهاب. وبالتالي كانت هذه القمة فرصة للطرفين لإعادة تعزيز وتقوية العلاقات الاستراتيجية والعمل على استقرار المنطقة ومحاربة الإرهاب.

أما القمة "العربية – الإسلامية – الأمريكية، والتي شارك فيها أكثر من 50 دولة عربية وإسلامية، والقى فيها الرئيس ترامب كلمته والتي كانت إيجابية وتطمينية، بعد اللغط الذي حدث خلال فترة حملته بخصوص سياسته تجاه المسلمين وقانون العزل الذي اتخذه بعد ذلك حيال بعض الدول الإسلامية من دخول أمريكا. كما شارك ترامب الدول العربية والإسلامية قلقها المتصاعد بخصوص إيران وضرورة العمل على عزلها والحد من تدخلها في شؤون المنطقة ودعمها للإرهاب والحركات الثورية داخل الدول العربية والإسلامية. ونتج عن هذه القمة تأسيس مركز عالمي لمواجهة الفكر المتطرف تحت اسم "اعتدال"، مقره الرياض، ويعمل على تبادل المعلومات بشأن المقاتلين الأجانب وتحركات التنظيمات الإرهابية. كما كان هناك اتفاق صريح بين الدول المشاركة على محاربة الإرهاب بكل أشكاله ومن ذلك ترحيبهم بتوفير 34 ألف جندي كقوة احتياط لدعم العمليات ضد الإرهاب في العراق وسوريا.

عقب القمة العربية ـ الإسلامية / الأمريكية، صدر «إعلان الرياض» الذي أكد على الشراكة الوثيقة بين قادة الدول العربية والإسلامية وأمريكا لمواجهة التطرف والإرهاب، وما تم الاتفاق عليه من سبل تعزيز التعاون، والتدابير التي يمكن اتخاذها لتوطيد العلاقات والعمل المشترك والتصدي للأجندات المذهبية والطائفية والتدخل في شؤون الدول.

اثبتت قمم الرياض فيما بعد أنها مرحلة مهمة وتغير في السياق الاستراتيجي في المنطقة عنوانه الأبرز "تعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة " قائم على محاربة الإرهاب، بوصفها مهمة عربية – إسلامية أولاً، بالتوازي مع مواجهة النفوذ الإيراني في المنطقة، الذي يعتبر مزعزعاً للاستقرار وعزلها عربيًا وإسلاميًا ودوليًا.

تفاعلات القوة الإقليمية وتفكيك محور «المقاومة» في المنطقة

إذا كان الهدف الأساس من "عاصفة الحزم" التي انطلقت في مارس 2015م، ضمن تحالف عربي بقيادة السعودية، هو عودة الاستقرار السياسي والأمني لليمن ضد انقلاب مليشيات الحوثي الممول إيرانيًا، من خلال تمكين الرئيس الشرعي للبلاد، إلا أن «عاصفة الحزم» هي عنوان كبير لتفاعلات القوة الإقليمية في المنطقة وبداية تفكيك محور «المقاومة والممانعة الطائفي».

فقد سعت قيادة طهران المتزعمة لمحور « المقاومة والممانعة الطائفي» بعد سقوط نظام طالبان في أفغانستان في سبتمبر2001م، والغزو الأمريكي للعراق في 2003م، إلى مد نفوذها في شؤون المنطقة سواء في العراق، أو في لبنان من خلال التحالف الثلاثي (إيران، سوريا، حزب الله) اعتمادًا على المشروع الذي عرف باسم "الاستراتيجية الوطنية – نظرية أم القرى"، التي صاغها محمد جواد لاريجاني في كتابة "مقولات في الاستراتيجية الوطنية"، وأضيف اليها مشروع "الاستراتيجية الإيرانية العشرينية"، والتي تمثل خريطة طريق للسياسة الخارجية التوسعية الإيرانية اليوم، خصوصًا تلك المتعلقة بما حول إيران من الدول العربية والإسلامية وعلى وجه الخصوص دول الخليج العربي. ويدور المشروع الإيراني التوسعي باختصار في أن التمركز في ساحات إقليمية رئيسية (العراق، سوريا، لبنان) "الحزام الشيعي" سوف يعيد تشكيل التوازن الاستراتيجي في منطقة الشرق الأوسط ويكسب إيران أوراقًا مهمة تشكل محركًا قويًا لقيادة محور التغيير في المنطقة. وقد تحدث عن هذا المشروع " الحزام الشيعي" أو الهلال الشيعي، طبقًا لملك الأردن عبد الله الثاني بن الحسين لجريدة الواشنطن بوست أثناء زيارته للولايات المتحدة في أوائل شهر ديسمبر عام 2004م، حيث عبر فيه عن قلقه من "وصول حكومة عراقية متعاونة مع إيران إلى السلطة في بغداد تتعاون مع نظام الثورة الإسلامية بطهران ونظام البعث بدمشق لإنشاء هلال يكون تحت نفوذ الشيعة يمتد إلى لبنان". ورأى في "بروز هلال شيعي في المنطقة ما يدعو إلى التفكير الجدي في مستقبل استقرار المنطقة، ويمكن أن يحمل تغيرات واضحة في خريطة المصالح السياسية والاقتصادية لبعض دول المنطقة". إلا أن تفجر موجات الربيع العربي في عام 2011م، أدت إلى انكماش هذا المشروع. فالثورة وصلت إلى سوريا ركيزة إيران في المنطقة والحليف الوحيد لطهران منذ عام 1979م، والتي تمثل الممر الاستراتيجي إلى لبنان لتمويل حزب الله. كما أن الاحتجاجات السنية التي انفجرت في العراق في منتصف ديسمبر 2012م، كانت بداية اهتزاز للوجود الإيراني في العراق. وقد حاولت القيادة الإيرانية التعويض عن خسارتها في سوريا والعراق بمد نفوذها ألى اليمن، إلا أن هذا أدى إلى عزلها دوليًا من خلال تأزم علاقتها مع المجتمع الدولي وبالأخص مع الولايات المتحدة التي قررت الانسحاب من الاتفاق النووي وعاودت فرض العقوبات الاقتصادية عليها. كما أن التصريحات الرسمية الإيرانية التي تأكد تصدير الثورة إلى العديد من دول المنطقة وقيامها بتدريب المليشيات داخل هذه الدول من خلال الحرس الثوري الأرهابي، وأنها مستمرة بزيادة نفوذها من خلال دعم حلفائها بكل الوسائل في هذه البلدان، هذه التصريحات المدعومة بسلوك حقيقي في هذه الدول أدى بشكل طبيعي إلى تأزم علاقات إيران الإقليمية وإلى حشد كل دول المنطقة ضدها. وكل هذا واكب عقوبات اقتصادية أنهكت اقتصادها وأوصلتها إلى حد الإفلاس. وبالتاليفالمشروع الإيراني القائم على الاستغلال الطائفي والمليشيات الشيعية المسلحة سواء في العراق، أو في لبنان، أو سوريا أو اليمن انتهى به المطاف أن يعزل دوليا ويتأزم علاقاته إقليميا ويحاصر اقتصاديًا.

أما المشروع التركي، فهو لا يختلف كثيرًا عن المشروع الإيراني في محاولة ضرب مفهوم الدولة الوطنية في المنطقة. فبعد قرابة سبعة عقود من المحاولات الفاشلة لانضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، حاولت تركيا بعد وصول الرئيس اردوغان إلى السلطة، من استعادة دورها القائد في المنطقة اعتمادًا على مفهومين هما "العمق الاستراتيجي" وسياسة تصفير النزاعات" والتي لخصها أحمد داود أوغلو بعد تعيينه وزيرًا للخارجية بنظرية "صفر مشاكل مع الجيران" وبناء روابط اقتصادية وسياسية واجتماعية قوية بين تركيا وجيرانها المباشرين، إلا أن المفارقة العجيبة أن إحداثيات الواقع التي اظهرتها موجات الربيع العربي التي عمت المنطقة، كشفت عن تناقض تلك السياسة، وأن تركيا أحاطت نفسها، وبكل غباء، بكم هائل من الأعداء، أدت بالنهاية إلى صفر جيران بدلاً من صفر مشاكل مع الجيران، فلم يبق لدى تركيا أي جيران، فقد توترت علاقاتها  مع سوريا وإيران وروسيا مع تفجر الصراع في سوريا واضطربت علاقتها كذلك مع العراق، هذا فضلاً عن اهتزاز علاقتها مع معظم دول الخليج بسبب دعم ومساندة حركة الإخوان المصنفة كجماعة إرهابية، وتبني مواقف معادية مع الجيش المصري الذي تدعمه أغلب الدول الخليجية وترى فيه الدعامة الأخيرة لاستقرار مصر وعودتها للعب دورها الإقليمي. فقد حاولت تركيا ابان تفجر الثورات العربية في المنطقة، التحالف مع جماعة الإخوان المسلمين ودعمهم للوصول إلى السلطة في دول الربيع العربي اعتقادًا منها أن هذا التحالف سوف يجعل منها دولة مركزية وقائدة للعالم العربي ويعزز نفوذها في إطار ما يسمى بـ «العثمانية الجديدة»، لاسيما أن الحزب الحاكم في تركيا ليس ببعيد عن مبادئ تنظيم الإخوان. يقول المحلل السياسي التركي فائق بولوت في مقابلة مع قناة "العربية" إن "خلفية أردوغان الإخوانية والربيع العربي جعله يفكر بعثمانية جديدة تكون هي المسيطرة والدول العربية تكون الحديقة الخلفية ولهذا دعم الإخوان لتحقيق ذلك المشروع الكبير". وقد لخص هذه السياسة مستشار الرئيس التركي رجب أردوغان، ياسين أكطاي، في لقاء تلفزيوني حيث قال "إن إسقاط الخلافة تسبب في فراغ سياسي في المنطقة، وقد سعى تنظيم الإخوان لأن يكون ممثلاً سياسيًا في العالم نيابة عن الأمة، البعض منا يستخف بقوة الإخوان ويقول إنهم عبارة عن جماعة صغيرة، لكن جميع الحركات الإسلامية اليوم ولدت من رحم جماعة الإخوان". ويضيف أكطاي إن لجماعة الإخوان "فروعها الخاصة وفقهها الخاص، وهي تمثل اليوم ذراع للقوة الناعمة لتركيا في العالم العربي، فهذه الجماعة ترحب بالدور التركي في المنطقة. وهم بالتالي ينظرون إلى الدور التركي على أنه النائب للخلافة الإسلامية التي تم إسقاطها سابقًا".إلا أن سقوط نظام مرسي في مصر وإفشال خطط العدالة والتنمية لدعم تيارات وأحزاب الإسلام السياسي للوصول إلى السلطة في بلدان أخرى في المنطقة، ضرب المشروع التركي في الصميم، وبالتالي انهارت استراتيجية تركيا للهيمنة على الدول العربية عبر استخدام جماعات إرهابية مثل تنظيم الإخوان وإحياء السلطنة على حساب الأمة العربية.

"السعودية 2030" وقيادة مشروع الاستقرار والتنمية في المنطقة

فشل المشروعين التركي والإيراني في المنطقة، القائم على دعم مشروع اللّادولة وضرب مفهوم الدولة الوطنية وما ترتب عليه من فوضى ودمار في المنطقة، كان لصالح المشروع السعودي والجماعي الخليجي والقائم على تعزيز الأمن والاستقرار والتنمية الاقتصادية. فخلال مؤتمر "مبادرة مستقبل الاستثمار" الذي أقيم بالرياض (23 اكتوبر 2018م)، تحدث ولي العهد الأمير محمد بن سلمان وهو جالس في المنصة الرئيسية عن رؤيته لمستقبل منطقة الشرق الاوسط وقال انها سوف تكون أوروبا الجديدة خلال العقود الثلاثة المقبلة بما تملكه من اقتصادات قوية وناشئة. معلنًا أن نهضة الشرق الأوسط بمنزلة حربه الشخصية التي يقودها. فالمنطقة تمتلك كل الامكانيات، نصف المخزون النفطي العالمي وقدرة كبيرة للطاقة الشمسية، وقوى بشرية شابه ما بين 15 و29 عامًا تجعل المنطقة الأكثر شبابًا في العالم.  وفي حوار الأمير محمد بن سلمان الذي نشرته صحيفة الشرق الأوسط في يونيو 2019م، تحدث الأمير محمد بن سلمان في جزء من حواره بشكل مفصل عن رؤية المملكة في تعاطيها مع ملفات المنطقة والتي تقوم على مبدأين رئيسيين الاستقرار السياسي والأمني والتنمية الاقتصادية.  ففي أول حواره أكد على مبدأ الاستقرار السياسي والأمني عندما قال" إن أولويتنا هي مصالحنا الوطنية، وتحقيق تطلعات شعبنا من خلال أهداف «رؤية المملكة 2030» الاقتصادية والاجتماعية، والتنمية والإصلاح الاقتصادي والاجتماعي. وهذا يتطلب بيئة مستقرة ومحفزة داخل المملكة وفي المنطقة، لذا ستجد أن دور المملكة، سواء في منطقة الخليج أو في شمال إفريقيا أو في منطقة القرن الإفريقي وغيرها، هو دور داعم للاستقرار والسلام، وهو النهج الذي سارت عليه المملكة منذ تأسيسها الساعي دومًا لنبذ التفرقة والطائفية والتطرف والحفاظ على وحدة واستقرار المنطقة والسلم الدولي".  ثم بعد ذلك أعاد الأمير محمد في حواره التأكيد على المبدأ الثاني وهي مبدأ التنمية الاقتصادية من خلال إعادة ما ذكره عن رؤيته لمستقبل منطقة الشرق الأوسط خلال مؤتمر "مبادرة مستقبل الاستثمار". ويذكر الأمير محمد بن سلمان في حواره أنه بالنظر " إلى المنطقة العربية حيث يوجد إجماع بين الغالبية العظمى لدولنا على أولوية العيش الكريم للمواطن، وتحقيق أمن واستقرار أوطاننا. لا تريد شعوبنا أن تكون أسيرة لنزاعات أيديولوجية تهدر فيها مقدراتها. واليوم وبشكل غير مسبوق أصبح هدف الجميع واحدًا، وبات التنافس بين معظم دولنا على تحقيق أفضل معايير الحياة للمواطن، وجذب الاستثمارات وتحقيق التنمية في المجالات كافة".ورأينا بدايات المشروع السعودي "سواء في دعم الاستقرار في مصر من خلال دعم الشعب المصري وثورته التصحيحية، ثم الدخول في مشاريع تنموية كبيرة أبرزها جسر الملك سلمان الذي سوف يشكل طريقًا لنقل البضائع الخليجية إلى إفريقيا وأوروبا والعكس، فضلاً عن توجيه صادرات مصر، وتحديدًا الغذائية، إلى دول الخليج. وبالتالي سوف يرفع التبادل التجاري بين البلدين، وكذلك بين القارتين آسيا وإفريقيا لمستويات غير مسبوقة تصل إلى 200 مليار دولار. أو مشروع نيوم الضخم الذي بلغت قيمته 500 مليار دولار، والذي يعتبر جزءًا من رؤية السعودية 2030، ويجسد طموحات المنطقة ويشمل كل من مصر والأردن. كذلك اعتبار أن استقرار البحرين مسألة وجودية حيث تدخلت قوات درع الجزيرة لحماية استقرار البحرين ضد الخطر الإيراني، ثم أعلنت بالإضافة إلى شقيقاتها من الدول الخليجية عن مساعدات مالية تنموية لدعم احتياجات البحرين التمويلية. كذلك رأينا هذا المشروع في دعم استقرار العراق، حيث حرصت السعودية منذ الاجتياح الأمريكي للعراق عام 2003م، على انتشال العراق ذي الثقل الكبير من أزمته، واستعادته إلى محيطه العربي مرة أخرى، وتخفيف المعاناة عن شعبه، وتعزيز أي جهود لإعادة بناء مؤسساته والتي أثمرت هذه الجهود بالاتفاق على إنشاء المجلس التنسيقي السعودي -العراقي، كإطار مؤسسي، يتكفل بوضع العلاقات في مسارها الصحيح والدخول في مشاريع تنموية تخدم الطرفين. وهذا هو الحال بالنسبة لليمن من خلال دعمها لإعادة الشرعية للحكومة الشرعية في اليمن بعد الانقلاب الحوثي المدعوم من إيران. وهذا العمل العسكري كان متزامنًا مع مساعدات إنسانية كبيرة لليمن. فقد أكد سفير المملكة لدى اليمن، المشرف على البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن محمد آل جابر، خلال محاضرة بنادي الأحساء الأدبي، "أن مجموع مبالغ المساعدات الإنسانية السعودية المقدمة لليمن، بلغ ما قيمته 52 مليار ريال سعودي، خلال السنوات القليلة الماضية، مشددًا على أن السعودية هي الأكثر والأسرع دعمًا لليمن في كافة المجالات". وقد امتد المشروع السعودي كذلك إلى دعم الاستقرار في القارة الإفريقية من خلال دعم الاستقرار بين إثيوبيا وارتيريا والذي أثمر بعد وساطة سعودية إماراتية باتفاق جدة الذي أنهى واحدًا من أطول الصراعات في إفريقيا ثم الدخول في مشاريع تنموية. ولا تزال السعودية مع بقية الدول العربية تحاول إعادة الاستقرار السياسي للمنطقة بعد سنوات من الفوضى وعدم الاستقرار السياسي التي شهدتها المنطقة بسبب مشاريع الفوضى والتوسع التي تقودها إيران وتركيا. فالسعودية بسبب تعقيدات المشهد في المنطقة تحولت من الحياد إلى المبادرة ودخلت بكل ثقلها لحماية مصالحها والإسهام في إعادة الأمن والاستقرار وتعزيز التنمية للمنطقة.

واخيرًا المنطقة تشهد تصارع مشروعين رئيسيين مشروع الفوضى والتوسع المتمثلة في المشروعين الإيراني الراعي الأول للإرهاب والتطرف ، والتركي المتحالف مع الإسلام السياسي، ومشروع الاستقرار والاعتدال وبناء الدولة الوطنية والذي تقوده السعودية مع بقية الدول العربية. ولا خيار أمام المجتمع الدولي إذا أراد لمنطقة الشرق الأوسط، المنطقة الأهم في العالم، سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا، إلا أن يدعم محور الاعتدال بقيادة المملكة والتي تسعى إلى دعم استقرار المنطقة وتنميتها بعد الفترة الاستثنائية خلال فترة الرئيس باراك أوباما ودعمه لمحور التغيير وما ترتب عليه من دمار وفوضى عارمة وصلت تبعاتها إلى العالم كله من خلال نزوح ملايين اللاجئين العرب لأوروبا والدول المجاورة إلى جانب إيجاد بيئة مناسبة لصعود جماعات التطرف الأصولي كـ"القاعدة" و"داعش".

كلمات دليلية