انت هنا: الرئيسية جميع المقالاتتقرير خاصآفاق التعاون بين آسيا الوسطى والسعودية: تنتظر البناء الاقتصادي المؤسسي

آفاق التعاون بين آسيا الوسطى والسعودية: تنتظر البناء الاقتصادي المؤسسي

انشأ بتاريخ: الثلاثاء، 08 تشرين1/أكتوير 2019

تتمتع المملكة العربية السعودية بموقع جغرافي واستراتيجي هام في شبه الجزيرة العربية، وهو ما يوفر فرصًا عظيمة لتنمية التعاون التجاري مع العديد من دول العالم، بما في ذلك دول آسيا الوسطى: أوزباكستان، وكازاخستان، وقيرغيزستان، وطاجيكستان، وتركمانستان. وتُعد المملكة العربية السعودية أكبر الاقتصادات في العالم العربي وأكثرها تنافسية، وذلك في ظل مستوى معيشة مرتفع ونمو اقتصادي مستقر، إلى جانب دورها الهام في منظمة الدول المصدرة للبترول (أوبك).

وبالرغم من أن استدامة النمو الاقتصادي للمملكة يعتمد إلى حدٍ كبيرٍ على الطلب العالمي وتقلبات أسعار النفط العالمية، تحتل السعودية المركز الثاني والعشرين من حيث الصادرات والمركز التاسع والعشرين من حيث الواردات في الترتيب العالمي، وشركاؤها التجاريون الرئيسيون هم اليابان، والصين، والهند، وكوريا الجنوبية، والولايات المتحدة الأمريكية، والإمارات العربية المتحدة، وسنغافورة، وألمانيا وغيرهم.

ومازالت المملكة العربية السعودية تمثل سوقًا استهلاكيًا ضخمًا لمصدري السلع والخدمات على الصعيد العالمي. وعلى الصعيد الجغرافي، تتمثل الدول الرئيسية المصدرة للسلع والخدمات للمملكة في الصين والولايات المتحدة الأمريكية والإمارات العربية المتحدة وألمانيا واليابان بالإضافة إلى الهند وكوريا الجنوبية والمملكة المتحدة. غير أن دول آسيا الوسطى تحتل مراكز متدنية للغاية في القائمة، حيث تحتل أوزباكستان المركز التاسع والثمانين، وكازاخستان المركز الثامن والثمانين، وقرغيزستان المركز المائة ستة وثلاثين.  

التجارة الخارجية بين دول آسيا الوسطى والمملكة العربية السعودية

تشير أعلى مؤشرات الصادرات للمملكة العربية السعودية من بين دول آسيا الوسطى إلى كازاخستان. أما أوزباكستان فتحتل مركزًا متوسطًا، ثم تأتي قرغيزستان وبقية الدول الأخرى. وقد شهدت علاقات التجارة الخارجية مع السعودية على مدار السنوات الخمس الماضية حركة غير مستقرة. إن المنتج الرئيسي لصادرات كازاخستان للسعودية هو المعادن (خاصةً الزنك والنحاس) والهياكل المعدنية الحديدية. أما واردات كازخستان من السعودية فتتمثل أساسًا في المستحضرات الدوائية والمعدات والأصباغ والمواد البلاستيكية ومنتجاتها.

وقد اعتمدت التجارة الخارجية بين قيرغيزستان والمملكة أساسًا على تصدير الغذاء، حيث كان المنتج الرئيسي المصدر من قيرغيزستان للسعودية هو العسل الطبيعي الذي وصلت صادراته في عام 2017م، إلى النصف تقريبًا من حجم صادرات الدولة للسعودية. كما تصدر قيرغيزستان المكسرات المقشرة والهياكل مسبقة الصنع وغيرها من المنتجات للمملكة. أما هيكل واردات قيرغيزستان من المملكة فتتصدره الآلات والمعدات الكهربائية والزيوت الأساسية والتمور الطازجة والأدوية والمنتجات البلاستيكية (بولي إيثيلين) والسجاد وغيرها من المنتجات.

وبالنسبة لأوزباكستان، فصادراتها الرئيسية للسعودية تتمثل في العنب والزبيب والمكسرات والفاكهة المجففة وفواكه وخضروات أخرى، بالإضافة إلى خدمات النقل والسفر. وبالرغم من أن أوزباكستان أصبحت تتصدر خمسة عشر دولة في العالم من حيث تصدير الفاكهة المجففة للأسواق العالمية، إلا أن توريد هذه المنتجات للمملكة ما زال منخفضًا. فتصدير الفاكهة والخضروات من أوزباكستان يبلغ 900 ألف طن في السنة (665 مليون دولار أمريكي). وتتلخص الأسباب الرئيسية لانخفاض صادرات هذه المنتجات من أوزباكستان للمملكة في سوء دراسة أسواق الفاكهة والخضروات وتفضيلات المستهلكين في المملكة، ونقص التسويق، وارتفاع تكلفة النقل، وطول وقت التوصيل. وبالنسبة لأوزباكستان، سيكون من الأفضل توصيل الفاكهة والخضروات الطازجة جوًا. ولكن تبلغ تكلفة نقل كيلو واحد من السلع من أوزباكستان للسعودية حوالي 3 دولار، كما أن تدفق المسافرين منخفض أو محدود لزيادة عدد الرحلات.

وتمتلك أوزباكستان احتياطات ضخمة وفرصًا كبيرة لزيادة صادراتها نظرًا إلى أن السعودية تلبي 75% من احتياجاتها الاستهلاكية الغذائية من خلال الواردات، بالإضافة إلى أن السعودية أكبر دولة مستوردة للمنتجات الزراعية في العالم (وفي المنطقة أيضًا). وتتصدر الخدمات والمواد البلاستيكية ومشتقاتها والمركبات الكيميائية العضوية وغيرها هيكل واردات أوزباكستان من السعودية.

طرق توسيع العلاقات التجارية والاقتصادية بين دول آسيا الوسطى والمملكة العربية السعودية

يظهر التحليل المقارن لفرص التصدير ومتطلبات الاستيراد للمملكة العربية السعودية نمو آفاق دول آسيا الوسطى من حيث كبر حجم التوريدات للمملكة من النحاس والخضراوات والفاكهة والمكسرات (الطازجة والمجففة) والمحاصيل الدرنية والملابس والخيوط ومنتجات المنسوجات الخاصة الأخرى، وسيارات الركاب والأحذية وغيرها. كما هناك آفاق لتصدير مياه الشرب (من قيرغيزستان) واللحوم (من كازاخستان وقيرغيزستان) والخضراوات والفاكهة العضوية (من أوزباكستان). ومن بين هذه المنتجات، لوحظ توجه إيجابي في نمو الصادرات حتى الآن بالنسبة للنحاس والخضروات والفاكهة فقط. أما بالنسبة للسلع الأخرى، هناك حالات عرضية من تسليم البضائع من دول آسيا الوسطى للمملكة العربية السعودية.

وفي سبيل توسيع نطاق العلاقات التجارية والاقتصادية، هناك حاجة لدراسة متعمقة لإمكانيات زيادة توريد السلع والخدمات بين دول آسيا الوسطى والمملكة العربية السعودية. ويُفضل في هذا الصدد تشكيل لجان تجارية واقتصادية من شأنها أن تنمي الروابط الثنائية والمتعددة، وتنظيم العمل المشترك بين مجموعات الخبراء التي تضم ممثلي الحكومات وقطاعات الأعمال وخدمات الجمارك والجهات المختصة بوضع المعايير والرقابة على السلع المستوردة.

ويبدو أنه من المهم في إطار عمل أنشطة اللجان التجارية والاقتصادية حل مسائل التسويق المباشر في أراضي الدول المعنية من خلال شركات أجنبية ووكالات تجارية خاصة. وينبغي تنظيم هذه المسائل عن طريق تبني إجراءات قانونية تنظيمية خاصة.

ولتوسيع العلاقات الاقتصادية الخارجية بين دول آسيا الوسطى والمملكة العربية السعودية، من المهم للغاية زيادة التفاعل على أساس المجتمع الثقافي والديني. إلا أن علاقات دول آسيا الوسطى، خاصةً أوزباكستان، مع السعودية لم تحظ بمستوىً عالٍ من التنمية. ولذلك ينبغي إيلاء الاهتمام للتبادل الأكاديمي والثقافي، إلى جانب تنمية السياحة الصادرة. ويجدر في هذا السياق تقديم معلومات حول المناخ الاستثماري والإمكانات التجارية والاقتصادية والسياحية لأوزباكستان باللغة العربية في الإعلام السعودية.

إمكانات التعاون في قطاع السياحة

تحتل المملكة العربية السعودية المراكز الأولى في العالم بمجال السياحة الصادرة، وهذا يرجع إلى ارتفاع مستوى الرفاهية لدى سكانها. فضلاً عن كون المملكة العربية السعودية نفسها واحدة من مراكز السياحة الدينية. ومن المعروف أن معظم السياح السعوديين تكون وجهتهم السياحية في الأساس إلى دول مثل البحرين، والإمارات، والكويت، وتركيا، والأردن، ومصر، والمملكة المتحدة، وفرنسا، والولايات المتحدة، وإيطاليا، وماليزيا، والهند، وألمانيا، وإندونيسيا، والصين. في حين مازالت دول آسيا الوسطى ليست من الوجهات السياحية للسياح السعوديين أو الخليجيين مما يتطلب الأمر الترويج للسياحة بالدول الإسلامية الخمس في آسيا الوسطى، حتى تأتي على خريطة السياحة السعودية والخليجية.

ووفقًا للخبراء، يفضل السياح السعوديون الجمع بين زيارة المعالم الثقافية والتاريخية، والأنشطة الخارجية مثل قضاء العطل على الشواطئ والصيد وغيرها. ويوجد في دول آسيا الوسطى إمكانات ترفيهية عالية لتلبية احتياجات السياح السعوديين. وفي نفس الوقت، تعتبر التفضيلات الأساسية للسياح السعوديين، مثل عدم الحاجة لتأشيرة أو سهولة الحصول عليها وإمكانية السفر المباشر ووجود فنادق أربع وخمس نجوم والسلامة والاستقرار في البلد المضيف وتوفر المرشدين والمترجمين للغة العربية وتوفر المنتجات الحلال، مهام ذات أولوية عند تنمية السياحة في دول آسيا الوسطى، بما في ذلك أوزباكستان. وعلى سبيل المثال، يتم توفير ظروف مناسبة للعائلات التي تفضل النزول في غرف فندقية أشبه بالشقق بغرفتين نوم أو ثلاثة ومجلس ومطبخ وغير ذلك.

أما بالنسبة للسياح من دول آسيا الوسطى الراغبين في السفر للمملكة العربية السعودية، فإن المشكلة الرئيسية هي الارتفاع الشديد في تكلفة التأشيرة للمملكة، فعلى سبيل المثال: تكلف تأشيرة الدخول لمرة واحدة بالنسبة لمواطني أوزباكستان حوالي 750 دولار. ولقد افتتحت أوزباكستان الرحلات المنتظمة على طريق طشقند-جدة-طشقند بهدف تطوير التعاون والسياحة، كما تم إحلال إجراء مبسط لإصدار التأشيرات السياحية بالنسبة لمواطني المملكة العربية السعودية، حيث بإمكانهم التقدم بطلب تأشيرة سياحة إلكترونية بقيمة 35 دولارا (للمزدوجة) و50 دولارا (للمتعددة). كما ستواصل اللجنة الحكومية "السياحة في أوزباكستان Uzbektourism " تقديم العروض في المدن الرئيسية للمملكة، إلى جانب عروض الدعاية على قنوات التلفاز المركزية، بالإضافة إلى نشر المقالات في الصحف والمجلات، وتوزيع أفلام الفيديو بشأن الإمكانات السياحية لدول شرق آسيا، ولا سيما أوزباكستان، وذلك على وسائل التواصل الاجتماعي. ومن بين تلك المشروعات تطوير السياحة الدينية فيما يتصل بضريح الإمام البخاري في سمرقند، إلى جانب الأماكن المقدسة الأخرى للمسلمين، والمواقع التاريخية الواقعة في إقليم أوزباكستان.

 

 

الإطار المؤسسي للتعاون

بيد أن العلاقات الثنائية بين المملكة ودول آسيا الوسطى لم تشهد بعد بناء الأساس الاقتصادي السليم-الذي يحدده الإطار القانوني المعني، بما يعيق الاستخدام الفعال لفرص التعاون المالي والتقني من خلال صندوق التنمية السعودي (SDF) وبنك التنمية الإسلامي.

ومن أجل توسيع نطاق العلاقات التجارية والاقتصادية بدرجة أكبر بين دول آسيا الوسطى والمملكة العربية السعودية، فمن المقترح تنفيذ سياسة تسويق قوية بصورة منهجية على أساس متبادل، وكذلك تنظيم معارض وطنية وأسواق المنتجات الصناعية، وافتتاح صالات العرض، إلى جانب ضمان المشاركة الفعالة للشركات القادمة من دول آسيا الوسطى في المعارض الدولية السنوية التي تُنظم في المملكة العربية السعودية، على سبيل المثال: "“FoodExSaudi، و“SaudiTransTec" ومعرض جدة التجاري 2018م، إلخ.

وحتى يتسنى تعزيز العلاقات التجارية والاقتصادية الثنائية والمتعددة بين دول آسيا الوسطى والمملكة العربية السعودية، فمن الضروري القيام بالجهود الفعالة لإنشاء مؤسسات تجارية في المدن الكبيرة من دول آسيا الوسطى والمملكة العربية السعودية، بالإضافة إلى عقد المنتديات التجارية فيما بين الحكومات وفيما بين المؤسسات التجارية، وكذلك ضمان مشاركة ممثلي الأوساط التجارية في المعارض والأسواق. ومن المسائل الهامة الأخرى تهيئة الظروف اللوجستية بما يخدم عملية نقل السلع المستوردة.

ولزيادة نمو العلاقات التجارية والاقتصادية، فمن المهم ضمان التعاون المباشر فيما يخص البحث والمؤسسات التحليلية، فضلاً عن التقاء خبراء كل من دول آسيا الوسطى والمملكة العربية السعودية. ويعد ذلك التعاون ضروريًا من أجل إطلاع الجهات الحكومية المعنية والأوساط التجارية لكلتا المنطقتين حول الآفاق والمزايا النسبية للاقتصادات، والنظام التجاري القائم، والمناخ الاستثماري بشأن المشروعات، من أجل إنشاء شراكات ذات منفعة مشتركة بين دول آسيا الوسطى والمملكة.

إن التنشيط والاستخدام الفعال للآفاق الاقتصادية والثقافية والتاريخية الحالية لكل من دول آسيا الوسطى والمملكة العربية السعودية يمكن له – إذا ما قدمت الحكومات الجهود اللازمة -أن يوسع من مستوى التعاون الاقتصادي والثقافي بين بلداننا.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* دكتوراه في علوم الاقتصاد ـ مدير مركز البحوث الاقتصادية ـ رئيس تحرير المجلة العلمية "الرؤية الاقتصادية" ــــــ أوزباكستان

 

كلمات دليلية

الشركات المعلنة