;
الصفحة السابقة

جمهوريات آسيا الوسطى .. والعمق الخليجي

انشأ بتاريخ: الثلاثاء، 08 تشرين1/أكتوير 2019

قطعت المملكة العربية السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي خطوات جيدة تجاه تطوير التعاون مع الجمهوريات الإسلامية في آسيا الوسطى التي استقلت عن الاتحاد السوفيتي السابق بعد تفككه، والتعاون مع هذه الدول يعد ضرورة سياسية واقتصادية وأمنية وثقافية وحضارية وتتعدى ذلك كله كونها ضرورة استراتيجية، خاصة أن هذه العلاقات لا تأتي من فراغ، وليست رد فعل للتنافس الإقليمي والدولي الدائر هناك، أي ليس مجرد محاولة لإيجاد موطئ قدم لدول الخليج بين الدول المتصارعة على هذه البقعة التي يطلق عليها العلماء قلب اليابسة أو قلب العالم، نظرًا لموقعها الاستراتيجي بين قارات العالم، ولتشابكها مع دول مهمة ومناطق نفوذ لدول كبرى على المستويين الدولي و الإقليمي، أو لما تختزنه من ثروات طبيعية، إنما هناك اعتبارات واقعية واستراتيجية تستوجب علاقات قوية وشراكات استراتيجية بين المملكة خاصة ودول مجلس التعاون الخليجي والدول العربية عامة، مع جمهوريات آسيا الوسطى وهي كازخستان، طاجيكستان، أوزبكستان، تركمانستان، وقرغيزستان التي نرتبط بها بروابط تاريخية قديمة منذ بداية الفتوحات الإسلامية وبدء الهجرة والهجرة المعاكسة من وإلى شبه الجزيرة العربية منذ القرن الهجري الأول ما ترتب على ذلك من تقارب ثقافي وانصهار بين قبائل وجماعات، في المنطقتين، ولقد أنجبت تلك المنطقة أشهر علماء الفقه والتفسير وعلم الحديث وكافة فروع علوم الدين ، ممن له الفضل في نشر علوم الدين الإسلامي منذ القرن الهجري الأول، وبذلك تكونت روابط مشتركة وصلت حد التماهي الفكري والثقافي، بل وصلب العقيدة الإسلامية.

وزاد من أهمية هذه العلاقات، تنامي المصالح الاقتصادية بين المنطقتين لما تمتلكان من موارد طبيعية وثروات مهمة بعضها متماثل مثل النفط والغاز، وبعضها الآخر  متكامل مثل المنتجات الزراعية والثروات المعدنية، والثروة الحيوانية، والمواد الغذائية بشكل عام، وهنا يمكن تحقيق التكامل في إدارة الثروات المتشابهة مثل النفط والغاز والاستفادة من خبرات دول مجلس التعاون الخليجي المتراكمة في هذا المجال، أو الاستفادة من ضخ الاستثمارات الخليجية في تطوير الثروة النفطية، وكذلك الاستثمار  الخليجي في مجالات الزراعة والغذاء وإنتاج وتصنيع المعادن الأخرى، خصوصًا أن جمهوريات آسيا الوسطى تسعى لجذب الاستثمارات الخليجية، نظرًا للثقة المتبادلة المقتبسة من تجربة العلاقات المتكافئة، ولكون هذه الجمهوريات أعضاء في منظمة التعاون الإسلامي، إضافة إلى أن الملايين من أبنائها يقصدون الحرمين الشريفين للحج والعمرة والزيارة، وكذلك زاد عدد أفواج السياحة السعودية والخليجية التي تقصد هذه الجمهوريات الغنية بمقومات الجذب السياحي، والمهم أيضًا هو أن ليس للمملكة ودول مجلس التعاون أي أطماع أو أجندات خفية تريد تنفيذها على أرض هذه الجمهوريات، في حين تتردد بل تقاوم هذه الجمهوريات الوجود الإيراني على أراضيها ـ رغم الجوار الجغرافي ـ لأنه مرتبط بدمج السياسة بالاقتصاد، ودس التشيع والطائفية والمذهبية في الثقافة لتوسيع نفوذ طهران الذي تتخذ منه أداة لإدارة الصراع مع أمريكا وأوروبا، وأيضًا أداة للالتفاف الإيراني على العالم العربي ومحاصرته.

وما ترتب من منافع متبادلة منذ أن اعترفت المملكة بجمهوريات آسيا الوسطى إثر استقلالها وما تحقق نتيجة زيارات رسمية متبادلة لكبار المسؤولين من الجانبين، وافتتاح سفارات ومقار للبعثات الدبلوماسية، وتوقيع اتفاقيات ثنائية وتشكيل لجان مشتركة لرعاية هذه العلاقات والدفع بها إلى الأمام، هو كثير وله نتائج واضحة، لكن يجب أن تتجاوز العلاقات الثنائية ذلك بكثير خاصة أن الأرض ممهدة أمام الدفع بها وتطويرها، في ظل تعاظم دور هذه الجمهوريات في السياسة الدولية والإقليمية، مقابل حاجتها للاستثمارات والخبرات الخليجية في مشروعات البنية التحتية ومد خطوط أنابيب النفط والغاز والمرافق المكملة أو الموازية لها.

وتأتي قضية استراتيجية مهمة على  رأس قائمة أولويات هذه العلاقات، تتمثل في التعاون من أجل مواجهة الإرهاب الذي يضرب أطنابه في عموم المنطقة والعالم، حيث يجب تفعيل الاتفاقيات المشتركة بين بعض دول مجلس التعاون الخليجي وجمهوريات آسيا الوسطى، أو استحداث اتفاقيات ثنائية أو جماعية أخرى في إطار منظمة التعاون الإسلامي، ونظرًا لخطورة الإرهاب لا يجب أن تكون الجمهوريات الإسلامية في موقع الحياد الإيجابي بشأن هذه الآفة العابرة للحدود، وإن كان هذا الحياد يبدو من حقها لكن خطر الإرهاب يتجاوز سيادة الدول وحدودها السياسية والجغرافية ما يستوجب العمل الجماعي على الصعيد الإقليمي والدولي.

لذلك لا يجب أن تترك المملكة ودول الخليج والدول العربية عمومًا ساحة آسيا الوسطى لمن يملأها في غياب أو ضعف الوجود العربي، عليه من الضروري تفعيل الشراكات الاقتصادية والثقافية، وإيجاد فرص أكثر تأثيرًا من خلال اللقاءات المتبادلة بين رجال الأعمال من الجانبين وإعطاء القطاع الخاص دوره بجانب دور الحكومات لزيادة التعاون عبر إبرام اتفاقيات تسهل التبادل التجاري وتزيد من حجمه وقيمته، وإزالة المعوقات التي تحد من انتقال السلع والبضائع ورؤوس الأموال والبشر ، مع ضرورة إجراء الدراسات عن طبيعة الاحتياجات المتبادلة والثروات الموجودة لدى الطرفين، مع إنشاء مراكز أبحاث مشتركة بين الجانبين للتعرف عن قرب وبشكل علمي على طبيعة  الإمكانيات والاحتياجات للجانبين، خاصة أن العديد من الباحثين من جمهوريات آسيا الوسطى ناشدوا من خلال مشاركاتهم في هذا العدد من مجلة (آراء حول الخليج) بضرورة إيجاد هذه المراكز التي تساعد على قيام علاقات أكثر تفهمًا وأكثر واقعية وبما يضمن استمرارها وتحقيق المنفعة المتبادلة للجانبين وإبعاد شبح الإرهاب عن المنطقة وقطع الطرق أمام الفتن الطائفية والمذهبية التي تنخر في جسد الأمة الإسلامية، مع أهمية زيادة البعثات التعليمية لطلاب هذه الجمهوريات للدراسة في جامعاتنا، وكذلك زيادة التبادل الثقافي والمعرفي من خلال تنظيم المؤتمرات و المعارض المشتركة هنا وهناك، وتنظيم مسابقات ثقافية وأدبية ورياضية، وغير ذلك، على أن تعطي  الغرف التجارية، والجهات المعنية الأخرى أولوية للتعاون مع هذه الجمهوريات على كافة الأصعدة، بما يؤدي إلى زيادة التبادل التجاري، والاحتكاك  الفكري والثقافي والرياضي بين الجانبين  ليزداد التقارب الشعبي بالتوازي مع التقارب الرسمي.

كلمات دليلية