;
الصفحة السابقة

المنظمات غير الحكومية وإشكالية التمويل: ثلاثة خيارات أمام التمويل الأجنبي

انشأ بتاريخ: الأربعاء، 06 تشرين2/نوفمبر 2019

مع أن دراسة المجتمع المدني تمثل في محتواها ضرورة للتصدي لمحاولات المشاركة في السلطة وعدم الانفراد بإدارة وشؤون المجتمع، وعلى الرغم من الضبابية المحيطة بمفهومه بسبب نشأته الغربية في ظل ظروف سياسية واجتماعية وفكرية معينة، إلا أنه أصبح مفهومًا كونيًا، شأنه فى ذلك شأن مفاهيم أخرى كالحداثة، والتقدم، والديمقراطية، وحقوق الإنسان، لذا فإن عدم وضوح مفهوم المجتمع المدني وقيمه لدى البعض، أو محاول إعطائه محتوى قطري، فهو يتنكر لمكسب ثمين من مكاسب المجتمع البشري في سبيل الحرية والعدالة والتضامن.

ويكتسي الحديث عن المجتمع المدني، في سياق توظيفه في الخيارات الديموقراطية المتاحة على الساحة العربية في مرحلة ما بعد ثورات الربيع العربي، بأهمية خاصة يستمدها من تجدد بزوغ قطاع من منظماته كأحد أهم القضايا التي شهدت جدلاً موسعًا على خلفية العديد من المسائل، كتلك المتعلقة بمجالات العمل وأهدافها، وحدود دورها السياسي، ومصادر تمويلها...إلخ.

 

تجدد الاهتمام بالمجتمع المدني

بزغ مفهوم المجتمع المدني من جديد مع نهايات القرن العشرين بفعل مجموعة من التطورات العالمية، من بينها تراجع الدور التنموي للدولة، وأزمة النظم في مواجهة مشكلاتها الاقتصادية، وأزمة الأحزاب السياسية في الديمقراطيات بسبب جمودها التنظيمي وعدم قدرتها على تحديث أجنداتها لتضم القضايا التى تمثل أولوية داخلية، وثورات شرق أوروبا وانهيار النموذج السوفيتى وما ألقاه من شكوك حول سلامة الأسس التى قامت عليها تلك النظم، فضلاً عن تجليات العولمة وظهور مجال عام شبكي يعتمد على التفاعلات عبر شبكة الإنترنت، مما أوجد البيئة المناسبة لمشاركة المجتمع المدني في القيام بالمهام التي احتكرتها الحكومات لفترات طويلة.[1]

يضاف إلى ذلك، تجمع مقدار متعاظم من الأدلة التي توحي بأن الحياة الترابطية كان لها شأن مهم اجتماعيًا واقتصاديًا وسياسيًا أكبر مما كان يدركه الناس، حيث عاد المجتمع المدني لينال الاهتمام، ليس بسبب الصورة العامة وسياسة المنظمات غير الحكومية والجماعات الأخرى وحسب، بل لأن الأدلة التي توفرت تبرر تلك الصورة، والتي يعززها خبراء اختصاصيون في جامعات ومراكز فكرية وتدعمها تمويلات ضخمة من مراكز تمويل البحوث والمؤسسات الحكومية، فعلى صعيد أداء التنمية الوطنية، وتعكس الأدلة أن التآزر بين دولة قوية ومجتمع قوي هو أحد المفاتيح اللازمة لنمو مستدام يؤدي إلى خفض مستوى الفقر.[2]

المنظمات غير الحكومية كمكون أساسي

اقترنت عودة مفهوم المجتمع المدني للاستخدام بمحاولات عديدة لتعريفه وتحديد مقوماته، تباينت بين اتجاهين، أحدهما متسع يميل إلى مد المفهوم ليشمل كل ما لا يدخل ضمن مؤسسات الدولة (كالنقابات، والأحزاب السياسية، والمؤسسات الدينية..).[3] وآخر ضيق يميل إلى استبعاد بعض المكونات (كالأسرة، والمشروعات الفردية الهادفة للربح، والأحزاب السياسية، والمؤسسات الإعلامية..) من مظلة المفهوم.[4] ويتحد الاتجاهان بشأن الفكرة الأساسية التي تمثل قوام المفهوم، ألا وهي "المشاركة الطوعية المنظمة في الحياة العامة"، فالمجتمع المدني يضم مجموعة الأعمال والأنشطة التى تعبر عن مبادرات الأفراد واختياراتهم الحرة، سواء تم التعبير عنها في إطار مؤسسي (الهيآت غير الحكومية)، أو غير مؤسسي (الحركات الاجتماعية)، وفى الحالتين يكون الانخراط في الأنشطة المدنية على أساس اختياري طوعي، ولا يهدف إلى الربح، ويكون بغرض تحقيق منفعة عامة في إطار من الاستقلال النسبي عن الدولة والالتزام بمجموعة من القيم المدنية.[5]

ويضم المجتمع المدني قطاعًا عريضًا من التنظيمات السياسيةوالاقتصاديةوالاجتماعيةوالثقافية،التيتعمل في ميادين مختلفة باستقلالنسبيعنسلطةالدولة، وعلى الرغم من الخلاف السابق الإشارة إليه، يتفق المحللون على عدم خلو المفهوم من مكون أساسي وهو "المنظمات غير الحكومية (Non-Governmental Organizations/NGOs)، باعتبارها "مجموعات تطوعية لا تستهدف الربح، ينظمها مواطنون على أساس محلي أو قطري أو دولي، ويتولى أفرادها تسيير أمورها في إطار ما يجمعهم من مصلحة مشتركة، تؤدي العديد من المهام ذات البعد الإنسانى، وتجعل المواطنين أكثر متابعة لأعمال الحكومة والسياسات العامة، وتحفزهم على المشاركة السياسية عبر توفير المعلومات حول قضايا بعينها كحقوق الإنسان والبيئة والصحة، وقد توفر تحليلات وتجارب تخدم كآلية إنذار مبكر تساعد في التنبيه بخطر معين".[6]

منذ ثمانينيات القرن العشرين، حدث نموًا ملحوظًا في كم وحجم ومهام المنظمات غير الحكومية، أدى إلى تحولها من مجرد فاعل في مواجهة القضايا العالمية إلى شريك أساسي للحكومات والمنظمات الدولية الحكومية، وظل ظهورها متركزًا بالأساس داخل الدول الديمقراطية، إلى أن انتقل لاحقًا وبتزايد ملحوظ لأماكن متفرقة من العالم، بفعل مجموعة من العوامل منها اتجاه عدد من المنظمات الحكومية والهيآت الدولية المانحة إلى تفويض المنظمات غير الحكومية لتقديم جانب من خدماتها، كأعمال الإغاثة وجهود التنمية، بما يُمكن الأولى من تخفيف الأعباء والمسؤوليات الملقاة على عاتقها عبر دمج الموارد المالية والإنسانية والخبرة المتاحة للمنظمات غير الحكومية فيما تقدمه من خدمات، ويوفر فرصة للأخيرة للاستفادة من صيغ هذا التعاون في تعزيز مقدراتها المالية، وتوسيع مدى عملياتها ومدخلها السياسي من أجل أغراض الضغط والتأثير.

وتُرجع بعض الأدبيات النمو المتزايد للمنظمات غير الحكومية في الديمقراطيات النامية إلى مجموعة من العوامل الإضافية، من بينها: التوتر والصراع الاجتماعي، والحاجة إلى استجابة أكثر فعالية لمواقف الأزمة في مواجهة تدهور الهياكل التقليدية، والخلافات القيمية والأيديولوجية مع السلطات حول سياسات تخطيط وتنفيذ العمل التنموي، وإدراك أن كلاً من الحكومة والقطاع الخاص ليس لديه الإرادة، أو الوسائل والقدرة على التعامل مع المشكلات الاجتماعية العاجلة، ومحاولة معالجة الآثار السلبية الناجمة عن عمليات الإصلاح الاقتصادي داخل تلك الدول.[7]

المنظمات غير الحكومية والتنمية

يعد إشراك المنظمات غير الحكومية في عمليات التنمية الاقتصادية والسياسية، مدخلاً مهمًا للتطوير المرحلى للديمقراطيات النامية، وذلك من خلال الدور الذي يمكن أن تلعبه في الحد من تسلط الدولة وإخضاعها للمساءلة، حيث يمكن لمشاركة تلك المنظماتأن تسهم بتحسن ملحوظ في ميداني: "التنمية" من خلال تعويض تراجع خدمات الدولة، وقدرتها على الوصول إلى الفقراء، بتعزيز تكافؤ الفرص ومعدلات النمو الاقتصادى. و"الديمقراطية" بتعزيز قيم التعددية والشرعية والمساءلة والشفافية، وبهذا يفترض أن تلعب في إطار ترتيبات الحكم التي تتميز بالدور المحدود للدولة والمزيج المرن بين الجهات الفاعلة الحكومية وغير الحكومية، دورًا جوهريًا في دفع عجلة التنمية وترسيخ قيم الديمقراطية التى باتت تشكل الأساس الأيديولوجي لمشروعات العديد من الهيآت المانحة الدولية، إذ تعكس الممارسة العملية تداخل مشروعات التنمية مع العملية الديمقراطية ضمن جدول أعمال سياسة "الحكم الرشيدGood Governance"، بعد إخفاق برامج التكيف الهيكلي لحقبة الثمانينيات القائمة على آليات السوق، والتي كانت تميل إلى استبعاد وجهة نظر الجمهور في اتباع سياسات تهدف إلى الحد من الفقر بشكل فعال وتحفيز التنمية الاجتماعية، حيث ظهر توجه لدمج المجتمع المدني بشكل عام في سياسات الإصلاح كنهج بديل للدولة، وتجلت الآثار المترتبة على هذا التوجه في زيادة تمويل المانحين، وإدماج المنظمات غير الحكومية في السياسات على المستوى المحلي ضمن شراكات متعددة الأطراف لإيجاد الحلول وتوفير الخدمات العامة، وتعزيز المشاركة الفعالة في عملية اتخاذ القرار باعتبارها بمثابة شرط مسبق لتحقيق الديمقراطية.[8]

ويحددبعض المحللين مجموعة من الوظائف للمجتمع المدني ذات الصلة بالديمقراطية، تم الاعتماد في استخلاصهابصفة أساسية على تحولات نظم أوروبا الشرقية وبعض الممارسات في سياقات متباينة، تتضمن:

- الحماية: فالمجتمع المدني هو المجالالاجتماعي، الذي يتمتعفيه المواطنون بحرية تنظيم حياتهم، وبينما تقوم الدولة على حمايةالمجال الخاص، يقوم المجتمع المدني بمهمة التذكير بهذا الدور ومتابعته.

- الوساطة بين الدولة والمواطنين: وتركز هذه الوظيفة على تحقيق التفاهم المتبادل بين المنظمات التطوعيةوالدولة.

- التنشئة الاجتماعية القائمة على المشاركة: فالمجتمع المدنيمدرسة لتعليم القيم، يمكن أن يكتسب الأفراد داخلها القدرة على المشاركة في الحياةالعامة، والقيم المدنية الأساسية كالتسامح،وحل الخلافات بالطرق السلمية.

- بناء المجتمع والتكامل:حيث ينظر للمجتمع المدني كمحفز للفضائلالمدنية تساعد المشاركة بمنظماته في سدالانشقاقات المجتمعية، وتعزيز التماسك الاجتماعي، لاسيما أنأحد الشروط الأساسية لتنظيماته تناهض قيامعضويتها على أساس أيانقسام أولي (عرقي أوديني أو نوعي...).

- الاتصال والتواصل: حيث يوفر للأفراد مساحة للنقاش والمشاركة في صنعإدارة شؤونهم.[9]

إشكاليات تمويل المنظمات غير الحكومية

يقصد بتمويل المنظمات غير الحكومية "ذلك المال الذي تحصل عليه المنظمات من مصادره الخاصة والعامة-طبقًا للوائح والقوانين المنظمة-ليكون موردًا ثابتًا ومستمرًا للصرف منه على أجهزة المنظمة وعملياتها الإدارية وبرامجها وأنشطتها، وتكوين أصولها الثابتة والمتداولة".[10] ويختلف تمويل المنظماتغير الحكومية عنتمويلالمشروعات الاستثمارية،نظرًا لكونها منظماتغيرربحية لا تعتمد بصفة أساسية على أعمال مدرة للعائد المادى، فكثيرًا ما تتأثر فرصةحصولالمنظمة علىتمويللمشروعاتهابنوعيةالأنشطة والمشروعات والأهدافالمعلنةمنقبلها.

وتنقسم مصادر تمويل المنظمات غير الحكومية إلى نوعين: مصادر داخلية توفرها المنظمة بالاعتماد على قدراتها الذاتية، ومصادر خارجية توفرها أطراف محلية أو أجنبية. وتعتبر مصادر التمويل الذاتي من أهم مصادر التمويل لأي منظمة، نظرًا لما تلعبه من دور جوهري في ضمان استدامتها، حيث يسهم هذا النوع من التمويل -ولو على المستوى النظري-في تعزيز الثقة بقدرة المنظمة علىتدبيراحتياجاتها دونالاعتمادعلىالغير، ويساعدها في تحقيقالاكتفاءالذاتي والاستقلالية، ويقلل من فرص انسحابها المرتبط باعتماد مواردها المالية على أطراف خارجية.

ويأتى التمويل الذاتي للمنظمات غير الحكومية من عدة مصادر، من بينها رسومالعضويةوالاشتراكات التى يدفعهاالأعضاء (المؤسسون، والمنضمون)، والتبرعاتوالوصاياوالهبات منالأشخاصالطبيعيين المنتمين لها، وكذلك إيرادات المشروعات أو المبادراتوالأنشطة الإنتاجيةوالخدمية التى قد تديرها المنظمة وتدر عليها عائدًا ماديًا، حيث تلجأ بعض المنظمات إلى إقامةأنشطة مدرةللدخللمواجهةأي انخفاضمحتمل في إيراداتها منالمنح والتبرعات، وهو ما لا يتعارض مع مبدأ "عدم الربحية" طالما أنه يتم استخدام دخول تلك المشروعات في الإنفاق على أنشطة المنظمة. ومن أهم ما يميز المبادرات المدرة للدخل للمنظمات كونها تستجيب للاحتياجات والقدرات المحلية، وتساعد في التعرف على احتياجات المجتمع الذي تعمل فيه بصورة أعمق، مما يساعد في إزالة الحواجز بينها وبين القطاعات المجتمعية التى تستهدفها.[11]

وفعليًا، قلما تمثل الاشتراكات ورسوم العضوية مصدرًا كبيرًا لموارد المنظمة، إلا في الحالات التى يتم فيها تحديد سقف مرتفع نسبيًا لتلك الرسوم، في حين تمثل الهبات والتبرعات -لاسيما للمنظمات ذات الطبيعة الرعوية والخدمية-مصدرًا أكبر نسبيًا، ولكنه على عكس رسوم العضوية لا يتسم بالديمومة والاستمرارية. ومن هذه الناحية عادة ما يكون وضع المنظمات التى تدير مشروعات أو أنشطة مدرة للمال أفضل إلى حد ما.وعربيًا، يكشف الواقعالعملي عن وجود عدد من المعوقات في مواجهة نمو مصادر التمويل الذاتي للمنظمات غير الحكومية، من بينها القيود التشريعية المفروضة بهذا الشأن، وندرةالمؤسساتالمعنيةبتقديمالدعم، وغياب تقليد التبرع كتوجهعاملدىالمقتدرين ورجال الأعمال في إطار مسؤوليتهم الاجتماعية، فضلاً عننقصخبرةالمنظماتنفسها ببرامججمعالمعونات.[12]

أما التمويل غير الذاتي، فيأتي للمنظمات من منبعين، أحدهما محلي، والآخر أجنبي. ويأتي النمط المحلي إما عن طريق جهات حكومية، تحديدًا ما توفره المؤسسات الرسمية للدولة من موارد لتمويل المنظمات، والتي قد تتخذ صيغة تخصيصموازنةسنويةمحددة البنود لبعض المنظمات، أو إعانات تدفعكمساعداتمقطوعةوغيردورية، أو إعفاءات ضريبية أو جمركية للمنظمات، أو إعفاءات من بعض الرسوم الواجبة الدفع. وعادة ما تحدد الحكومات أولويات التمويل وفقًا لمدى إلحاح الاحتياجات الاجتماعية وأهمية المشروعات التى تنفذها المنظمات على ضوء الخطة التنموية للدولة.[13]

وعلى الرغممن عدمتوفربيانات موثقة حول مقدار الدعم الذي تقدمهالحكومات العربية،يتسم التمويل الحكومي للمنظمات غير الحكومية بشكل عام بالضعف الشديد من ناحية، والانتقائية وعدم الشفافية في توزيع المنح والمساعدات من ناحية أخرى.[14] وذلك على عكس التمويل المحلي من المصادر المجتمعية، بما في ذلك منحوتبرعات الأشخاص والمؤسسات والشخصيات الاعتبارية غير الحكومية، حيث يمثل هذا النوع من التمويل في بعض الدول، تحديدًا التمويل المقدم من القطاع الخاص في إطار ما يسمى بـ"المسؤولية الاجتماعية"، موردًا مهمًا لتمويل المنظمات. ويتأثرهذا النوع من التمويل، سلبًا وإيجابًا، بمجموعة من الاعتبارات، من بينها الأوضاعالاقتصاديةالعامةللدولة، ومستوى ثقة المجتمع بها، وكذلك نوعية النشاط الذي قد يجذب فئات دون الأخرى.[15]

وبالإضافة إلى المصادر المحلية، هناك مصادر التمويل الأجنبية، والتيتأتيمن مانح (شخص، أو هيأة) دولية. فقد ظهر توجه عالمي في منتصف القرن العشرين نحو تخصيص نسبة من ميزانيات الدول المتقدمة لصالح الدول النامية، وقررت الدول المانحة تخصيص حصة من المنح للمنظمات غير الحكومية داخل تلك الدول، على أن يتم هذا الأمر تحت نظر ومتابعة دول المنظمات المتلقية.

وفى ظل تعرض تدفق موارد تمويل منظمات من مصادرها الذاتية والمحلية (الحكومية، والمجتمعية) للتذبذب صعودًا وهبوطًا بسبب العديد من العوامل، كعلاقة المنظمات نفسها بالحكومة وما تشهده من توافق أو توتر، ومعامل الثقة المجتمعي في المنظمات، وتطور الأوضاع الاقتصادية في الدولة...إلخ، بات تدبير التمويل من مصادر أجنبية أمرًا لا غنًا عنه.

إشكالية التمويل الأجنبي للمنظمات غير الحكومية

على عكس مصادر التمويل الأخرى، غالبًا ما تثير مسألة التمويل الأجنبي للمنظمات غير الحكومية جدلاً على الساحة العربية- تختلف حدته من وقت لآخر- حولمجموعة من الأمور تتعلق بأثرذلك التمويلعلىروابطالمنظماتالمتلقية بالمجتمع،وتأثيرهعلىبرامجها،ومديقدرتهاعلى بناءشراكات فعلية معالهيآتالمانحةدونالمساومةعلىاستقلالها الذاتي،وكيفيةتحديدأولويات التمويل، وما إذا كانذلكيتم في إطار عمليةثابتةأميكونقابلاًللتفاوض،وهليعدتزايدالاعتمادعلىالتمويل الأجنبي عاملاً إيجابيًا أمسلبيًا، وإذاكان قد أفضىإلىانتشارالعديدمنالمنظماتالدفاعية والحقوقية فهل يحتم ذلك تأييد تلك التعدديةالمتزايدة،أمنبذها باعتبارها تمثل تفتيتاللجهودالراميةإلىإحداثالتغيير.[16]

وعلى الرغم أن التمويل الأجنبي للمنظمات غير الحكومية ليس ظاهرة جديدة، إلا أن طبيعة المساعدات الموجهة لدول المنطقة العربية قد شهدت تغيرات ملحوظة منذ عملية أوسلو Oslo في عام 1993م، حيث تدفقت المزيد من الأموال الأجنبية الموجهة في خدمة تطبيع العلاقات بين إسرائيل والدول العربية، جاء الكثير منها تحت مظلة "تحقيق الديمقراطية وبناء السلام".[17]

وأمام شح الموارد المتاحة من ناحية، واشتراطات الجهات المانحة من ناحية ثانية، ومحاولات الحكومة تخويف المنظمات من قبول الأموال الأجنبية من ناحية ثالثة، غالبًا ما تجد المنظمات نفسها في التعامل مع التمويل الأجنبي أمام خيار من ثلاثة: الأول الحصول على التمويل الأجنبي بواسطة حكومتها الوطنية، من خلال الجهة الإدارية المختصة، وهو سلاح ذو حدين، حيث يساعد من جهة في تقليل احتمالات تعرض تلك المنظمات لحملات التشويه، إلا أنه في المقابل يهدد بتقويض استقلالية تلك المنظمات وتحولها إلى منظمة شبه حكومية. والثاني الحفاظ على وضع المنظمة وأهداف البرنامج مع مواجهة الإغلاق أو تقليص حجمها بسبب تناقص توافر التمويل "غير المقيد"، وهو الخيار الذي تتبناه عادة المنظمات الأقدم والأكثر رسوخًا، حيث تقوم على وضع أجندتها الخاصة وجمع أموالها وفقًا لذلك. والثالث قيام المنظمة المتلقية بتغيير أو تعديل برنامجها ليتناسب ومتطلبات التمويل، وهو ما قد يتم بشكل تطوعى من جانب المنظمة لتحسين فرصة حصولها على التمويل، أو بناء على إملاءات من جانب الجهة المانحة بإدخال تغييرات محددة جزئية أو حتى كلية تتوافق مع أجندتها.[18]

إلى جانب التحدي الخاص بتدبير التمويل، تعانى المنظمات غير الحكومية فى المنطقةالعربية من مجموعة أخرى من التحديات منها ما يتعلق بالسياق السياسي والاجتماعيالمحيط، والإدراك الأمني الذي يقوم على التشكيك فى الأنشطة والفاعليات المدنية المستقلة عن أجهزة الدولة، باعتبارها مصدر لتهديد الأمن القومى، ومنها ما يتعلق بالإطار القانوني المنظم وفلسفته الحاكمة التي لا تؤسس لعلاقة تعاونية بين الدولة وتلك المنظمات، ومنها ما يتعلق بالقدرات والممارسات الداخلية لبعض المنظمات، التي تكشف عن وجود قدر من الفساد وافتقاد الشفافية، وغياب الممارسة المؤسساتية الداخلية، وضعف الدور الاجتماعي لمنظماته، والمرتبط بنقص كوادرها البشرية المؤهلة.

خاتمة

تتراكم الإشكاليات السابقة لتسهم بأوزان متفاوتة بدورٍ في تأطير ملامح صورة المنظمات غير الحكومية لدى الوعي الجمعي العربي، خاصة أن المصطلح نفسه لا يزال يعاني مشكلة استيعابه وهضمه ضمن منظومة مفاهيم قطاعات عريضة من النخبة والجماهير على حد سواء. حيث يرى البعض فيه مصطلحًا وافدًا لا يناسب السياق المحلي، وقد يشكك في أهدافه وينظر إلى مؤسساته باعتبارها أداة لمشروعات غربية مستترة، متحججين في ذلك بهمزات وصلها مع بعض المؤسسات الدولية، ومحتوى الأجندة التى تتبناها والتي قد تستهدف برامج عمل اجتماعية وسياسية، لا يتلاءم بعضها مع الواقع المحلي ولا تشكل مطالب ملحّة لمجموع أفراده.

ومع ذلك لا يجب أن تحول أصول المفهوم دون الاستفادة من تطبيقاته، وهو ما لا يمثل فرضًا للقيم الاجتماعية الغربية، وإنما استكشاف جوانب التقارب المفيدة لصانع القرار العربي على المستويين الرسمي وغير الرسمي. إذ لا يوفر مجرد التبني للمفهوم وصفات سحرية لحل المشكلات الاجتماعية، قدر ما يوفر شعور مشترك بالهوية، على الأقل من خلال اتفاق ضمني على الحدود التقريبية للوحدة السياسية الجامعة، باعتبار أن المواطنة وما يرتبط بها من حقوق ومسؤوليات جزء لا يتجزأ من المفهوم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*خبير نظم سياسية-مستشار منظمة العمل الدولية

 

 

 

[1]Michale Edwards, Civil Society, )Cambridge: Polity, 3rd edition, 2014(, p 2.

[2]مايكل إدواردز، المجتمع المدني (النظرية والممارسة)، ترجمة: عبد الرحمن عبد القادر شاهين، مراجعة سعود المولى، (بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الطبعة الأولى، 2015)، ص 30.

[3] جون اهرنبرغ، المجتمع المدني: التاريخ النقدي للفكرة، علي حاكم صالح، وحسن ناظم (مترجمان)، (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2008) ص ص 411- 417.

[4]Diamond, L., Toward Democratic Consolidation, Rethinking Civil Society, Journal of Democracy, Vol.5:3, 1994, p5.

[5] د. على الدين هلال، "المجتمع المدني والانتقال إلى الديمقراطية.. أي علاقة؟"، في: د. يسري العزباوي (محرر)، التحول في بنية المجتمع المدني بعد الثورات المصرية، (القاهرة: مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، 2015)، ص ص 26،27.

[6] NGO Global Network, Definition OF NGOs: <http://www.ngo.org/ngoinfo/define.html>

[7] د. زينب عبد العظيم، "الدور المتغير للمنظمات غير الحكومية في ظل العولمة"، في: د. نجوى سمك، والسيد صدقي عابدين (محرران)، دور المنظمات غير الحكومية في ظل العولمة: الخبرتان المصرية واليابانية، (القاهرة: مركز الدراسات الآسيوية يكلية الاقتصاد والعلوم السياسية-جامعة القاهرة، 2002)، ص ص 52-56.

[8] Lina Suleiman, "The NGOs and the Grand Illusions of Development and Democracy", Voluntas, Vol.24, 2013, pp 241-261.

[9]Thania Paffenholz (ed.), Civil Society and Peacebuilding: A Critical Assessment, Lynne Rienner Publishers, 2010, pp 21-22.

[10] د. عطيه حسين أفندي، المنظمات غير الحكومية مدخل تنموي، (القاهرة: كلية الاقتصاد والعلوم السياسية-جامعة القاهرة، الطبعة الثانية، 2010)، ص 122.

[11] منى فواز، "الأيدلوجية في خدمة المجتمع المحلي: المنظمات الإسلامية غير الحكومية في ضاحية بيروت الجنوبية- لبنان"، في: نبيل عبد الفتاح، د. سارة بن نفيسة، وآخرون (محررون)، )، المنظمات الأهلية العربية والمحكومية: قضايا وإشكاليات وحالات، (القاهرة: مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، 2004)، ص ص384، 385.

[12]محسن عوض، "إشكاليات الأداء في منظمات المجتمع المدني"، فى: ممدوح سالم (محرر)، المجتمع المدني فى البلدان العربية ودوره في الإصلاح، (أعمال الندوة الإقليمية- الأسكندرية: 21-22 يونيو 2004)، ص ص 170، 171.

[13]أماني قنديل، "القطاع الثالث في العالم العربي"، في: ليندا ستاركى (محرر)، مواطنون: دعم المجتمع المدني في العالم: سيفيكوس، (القاهرة: دار المستقبل العربى، 1995). ص 181.

[14]د. عمر دراس، "تحليل ظاهرة العمل الأهلى في الجزائر: الوضع الراهن"، في: نبيل عبد الفتاح، د. سارة بن نفيسة، وأخرون (محررون)، مرجع سابق، ص 460.

[15] د. أماني قنديل، "القطاع الثالث في العالم العربي"، مرجع سابق، ص ص 181- 184

[16]محسن عوض، مرجع سابق، ص ص 171، 172.

[17] Julia Pitner, "NGOs' Dilemmas", Middle East Report, No. 214, (Spring, 2000), p 35: <http://www.jstor.org/stable/1520193>

[18] Ibid, pp 36, 37.

كلمات دليلية