;
الصفحة السابقة

المبادرة الروسية لبناء نظام أمن إقليمي في الخليج العربي... الانفتاح الخليجي الحذر

انشأ بتاريخ: الأربعاء، 06 تشرين2/نوفمبر 2019

ربما لم يعرف إقليم الشرق الأوسط من قبل المستويات الراهنة من السيولة، والغموض، والعنف، والاستقطاب، والتدخل العسكري الخارجي. وعلى العكس من بعض الأقاليم الأخرى، لم ينجح الإقليم في بناء نظام إقليمي فاعل على أي من مستوياته (الكلية أو الفرعية). ربما كانت الخبرة الوحيدة هي المحاولة التي قدمها مجلس التعاون الخليجي.

وإزاء تصاعد أنماط مختلفة من التهديد، كرستها وكشفت عن بعضها الأزمة الأمريكية- الإيرانية الراهنة، اتجهت القوتان الأكثر تورطا في الإقليم -الولايات المتحدة وروسيا- إلى طرح بعض المفاهيم للتعامل مع هذه التهديدات. والجدير بالملاحظة هنا أن هذه المفاهيم جاءت مقصورة على منطقة الخليج العربي فقط. وبينما فتح إحداهما -المبادرة الروسية- المجال لتشمل إقليم الشرق الأوسط، إلا أنها رهنت ذلك بنجاح التجربة في منطقة الخليج.

هذا المقال يناقش بالأساس المفهوم الروسي حول أمن منطقة الخليج، وحدود وجدوى التعامل معه، والمحاذير المرتبطة به، والذي جاء كرد فعل للتصور الأمريكي والذي ارتكز إلى بناء قوة أمنية بحرية للحفاظ على حرية الملاحة في الخليج العربي ومضيق هرمز.

أولا: المفهوم الروسي للأمن الإقليمي في منطقة الخليج

طرحت روسيا في 23 يوليو/ تموز الماضي إنشاء نظام أمني في منطقة الخليج، يقوم على تحسين شروط الاستقرار والأمن، وحل النزاعات، والتعامل مع مرحلة ما بعد الأزمات. وطرحت الرؤية الروسية مجموعة من المبادئ التي يجب أن تحكم عمل هذا النظام، تحددت في تسعة مبادئ، شملت: (1) بناء تحالف موحد لمكافحة الإرهاب، يضم جميع الأطراف المعنية بالقضاء على بؤر التطرف والإرهاب في الشرق الأوسط وضمان التسوية السياسية المستدامة في سوريا واليمن وغيرها من دول الإقليم، على أن تتم جميع هذه الأنشطة تحت رعاية الأمم المتحدة. (2) تعبئة الرأي العام في العالم الإسلامي، وغيره، من أجل مواجهة تهديد الإرهاب وبشكل مشترك، بما في ذلك الجهود الإعلامية. (3) التزام جميع الأطراف بالقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة وقرارات مجلس الأمن، وبالسعي إلى بناء "شرق أوسط ديمقراطي ومزدهر يشجع على السلام والتعايش بين الأديان". (4) أن أي عمليات "بناء السلام" peace making في المنطقة يجب أن تستند إلى قرارات واضحة لمجلس الأمن، أو على طلب من السلطات الشرعية للدولة التي تعرضت للاعتداء، والتخلي عن المعايير المزدوجة في هذا المجال. (5) العمومية والشمول، بمعنى أن يقوم النظام الأمني على احترام مصالح جميع الأطراف الإقليمية وغير الإقليمية المعنية، وأن يشمل جميع مجالات الأمن، بما في ذلك الأبعاد العسكرية والاقتصادية والطاقة، فضلا عن تقديم المساعدات الإنسانية للدول والمجتمعات المأزومة. (6) الالتزام بمبدأ "تعددية الأطراف"، بمعنى دمج جميع الأطراف المعنية بأمن المنطقة، سواء في عمليات تقييم حالات التهديد القائمة، أو عملية صنع القرارات وتنفيذها. (7) الالتزام بالمنهج التدريجي للوصول إلى هدف بناء النظام الأمني، على أن يتم البدء بالمشكلات الملحة، وعلى رأسها مكافحة الإرهاب وتسوية الأزمات العراقية واليمنية والسورية، وتنفيذ جميع الاتفاقات التي تم التوصل إليها بشأن البرنامج النووي الإيراني. (8) اتساقا مع منهج العمل التدريجي، يجب أن تشرع دول الخليج والمجتمع الدولي في تطبيق تدابير لبناء الثقة وتوفير ضمانات أمنية متبادلة في المنطقة. (9) في ضوء الترابط الوثيق بين المشكلات الإقليمية، فإن إنشاء نظام أمني في منطقة الخليج يجب أن يكون جزءا من تحقيق الأمن في إقليم الشرق الأوسط ككل. وفي هذا السياق، فإن مبادئ احترام السيادة والسلامة الإقليمية، وتسوية قضايا السياسة الداخلية من خلال الحوار الوطني وضمن الإطار الدستوري ودون تدخل خارجي، هي أمور أساسية.

وللشروع في بناء هذا النظام اقترحت الورقة الروسية تدشين مشاورات ثنائية ومتعددة الأطراف، تشمل القوى الدولية والإقليمية المعنية، ومجلس الأمن، وجامعة الدول العربية، ومنظمة التعاون الإسلامي، ومجلس التعاون الخليجي. على أن تنتهي هذه المشاورات إلى إنشاء مجموعة عمل للإعداد لمؤتمر دولي حول الأمن والتعاون في منطقة الخليج. تتولى هذه المجموعة اقتراح النطاق الجغرافي للنظام الأمني، والدول الأطراف، وجدول الأعمال، ومستوى التمثيل، ومكان انعقاد المؤتمر، وإعداد مشروعات القرارات، بما في ذلك تحديد تدابير الأمن وبناء الثقة المطلوبة.

وفي إطار المساهمة الروسية في بناء الثقة، طرحت الورقة الروسية عددا من الإجراءات، شملت إعادة تأكيد الأطراف على جميع التزاماتها القانونية (خاصة عدم استخدام القوة أو التهديد باستخدامها في تسوية النزاعات، واحترام السيادة والسلامة الإقليمية لدول المنطقة، والالتزام بتسوية النزاعات الإقليمية والحدودية من خلال المفاوضات والوسائل السلمية)، والالتزام المتبادل بالشفافية العسكرية (الحوار حول العقائد العسكرية، الاجتماعات دون الإقليمية لوزراء الدفاع، إنشاء الخطوط الساخنة، تبادل الإخطارات الأولية حول التدريبات العسكرية والرحلات الجوية، وتبادل المراقبين، الامتناع عن النشر الدائم للقوات الأجنبية داخل أراضي دول الخليج، تبادل المعلومات المتعلقة بشراء الأسلحة والقوات المسلحة)، وتوقيع اتفاقات لضبط التسلح (إنشاء مناطق منزوعة السلاح، حظر تكديس الأسلحة التقليدية المهددة للاستقرار مثل القدرات الصاروخية، التخفيض المتبادل للقوات المسلحة)، واتخاذ الخطوات الضرورية لإخلاء المنطقة من أسلحة الدمار الشامل، وإبرام اتفاقات بشأن مكافحة الإرهاب العابر للحدود وتجارة السلاح والهجرة غير القانونية والاتجار بالمخدرات والجريمة المنظمة.

وفيما يتعلق بالوجود العسكري القائم بالفعل في المنطقة، تذهب المبادرة إلى أنه مع تقدم عملية بناء النظام الأمني​​، ينبغي بدء النقاش حول تقليص الوجود العسكري الدولي في المنطقة.

وقد جاءت الرؤية الروسية متأثرة بتجربة منظمة الأمن والتعاون الأوروبي، عندما أشارت صراحة إلى أن الهدف النهائي لتلك العملية هو إنشاء "منظمة للأمن والتعاون في منطقة الخليج". وحددت المبادرة الدول الأطراف المعنية في: روسيا، والصين، والولايات المتحدة الأمريكية، والاتحاد الأوروبي، والهند كأطراف أساسية. كما أعادت الرؤية الروسية التأكيد على أهمية تسوية النزاعات المزمنة في إقليم الشرق الأوسط، وفي مقدمتها الصراع الإسرائيلي- الفلسطيني باعتباره أحد المصادر الرئيسية لعدم استقرار الإقليم، والذي يوفر فرصة كبيرة لبقاء التنظيمات الإرهابية. كما فتحت المجال أمام توسيع نطاق النظام الأمني والمنظمة الأمنية المقترحة لتشمل إقليم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

ثانيا: هل يجب الانفتاح على المبادرة الروسية؟

ثلاثة عوامل قد تدعم أهمية الانفتاح على المبادرة الروسية لبناء نظام للأمن الإقليمي في منطقة الخليج العربي:

العامل الأول، يتعلق بخبرة الأزمة الإيرانية- الأمريكية، والتي بدأت مع إعلان الرئيس دونالد ترامب الانسحاب الأحادي الجانب من الاتفاق النووي الإيراني، والتي شهدت موجات متتالية من التصعيد، بدءا من فرض موجات أكثر تشددا من العقوبات الاقتصادية على إيران، بهدف إجبارها على الوصول إلى مستوى "صفر صادرات نفطية"، وانتهاء بعمليات الحشد العسكري في الخليج، في إطار ما وصفه بسياسة "الضغوط القصوى" على إيران لإجبارها على القبول بالشروط والمطالب الأمريكية، سواء فيما يتعلق بالاتفاق النووي أو السياسات الإقليمية الإيرانية.

لكن مع أهمية هذه الأدوات الأمريكية (السياسية والاقتصادية والعسكرية) في إدارة الأزمة، إلا أنها أثبتت عدم فعالية شديدة. فمن ناحية، لم تستطع الولايات المتحدة إجبار الطرف الآخر -إيران ووكلائها داخل الإقليم- على القبول بالشروط الأمريكية المطروحة. وعلى العكس، استطاع الطرف الآخر -حتى الآن- التعايش مع الأزمة وتبعاتها وتوظيف أدواته الداخلية والإقليمية في الوصول إلى درجة متقدمة من الردع، سواء من خلال التهديد بنقل المعركة إلى ساحات أخرى خارج مسرح المواجهة المباشر، وتفعيل أدوار الوكلاء، أو تنفيذ عمليات عسكرية غير تقليدية باستخدام سلاح الطائرات المسيرة (الدرونز). من ناحية ثانية، نالت الأزمة بشكل مباشر من قدرة القوة العسكرية الأولى داخل النظام العالمي على الردع. وقد تأكد ذلك مع تعرض منشآت نفطة وأمريكية لضربات عسكرية دون ردود فعل أمريكية.

العامل الثاني، يتعلق بطبيعة المبادرات الأمريكية والدولية الأخرى التي طُرحت على خلفية التهديد الإيراني لحرية الملاحة عبر الخليج العربي ومضيق هرمز. فقد طرحت الولايات المتحدة في 20 يوليو الماضي، عقب عمليات الاستهداف المتكرر للسفن التجارية في مضيق هرمز وخليج عمان إنشاء قوة بحرية متعددة الجنسيات لتأمين الملاحة البحرية في الخليج والمضايق البحرية المرتبطة به. لكن هذه المبادرة لم تلق الاستجابة الدولية المتوقعة، سواء من جانب حلفاء الولايات المتحدة الأوربيين، أو من جانب المستوردين الآسيويين الرئيسيين لنفط الخليج. فقد رفضت القوى الأوروبية -باستثناء بريطانيا- المشاركة في هذه "القوة". ولم يختلف الأمر بالنسبة للقوى الآسيوية، فقد حاول وزير الدفاع الأمريكي "مارك إسبر" أثناء زيارته لكل من اليابان وكوريا الجنوبية في أغسطس الماضي إقناعهما بالمشاركة في هذه "القوة"، لكنه لم يحصل على موافقة أي منهما، رغم علاقاتهما السياسية والدفاعية القوية مع الولايات المتحدة. إذ أعلنت طوكيو رفضها المشاركة في هذه "القوة"، وأنها قد تكتفي بإرسال طائرات لتنفيذ دوريات، أو سفن حربية، لحماية سفنها أثناء عبورها مضيق هرمز بشكل مستقل وبعيدًا عن أي أطر دولية. الأمر ذاته بالنسبة لسيئول التي أعلنت أنها تفكر في خيارات أخرى. ورغم تجاوب الصين نسبيا مع المبادرة الأمريكية، إلا أنه ليس من المتوقع عمليا مشاركتها في أي قوة في المنطقة ضمن هيكل أو إطار دولي تقوده الولايات المتحدة.

من ناحية ثانية، كشفت المبادرة الأمريكية بشكل واضح عن حدود الاعتماد على القوة العظمى الرئيسية داخل النظام العالمي لتوفير إحدى أهم الخدمات العالمية الرئيسية داخل هذا النظام، وهي ضمان حرية الملاحة الدولية. وقد تأكد هذا "الانكشاف" الأمريكي في ضوء عاملين رئيسيين. أولهما، الطلب الأمريكي المتكرر من المجتمع الدولي والقوى الحليفة والمستفيدة من الملاحة بمضيق هرمز، وإعادة صياغة الدور الأمريكي في هذا المجال من كونه حفاظ على "خدمة عامة" اضطلعت بها كقوة عظمى، إلى كونها "خدمة مدفوعة الأجر"، على نحو ما ذهب إليه الرئيس ترامب في 24 يوليو/ تموز عندما قال: "إن الولايات المتحدة لا تحتاج إلى استيراد النفط لأنها أصبحت دولة مصدرة، كما أنها لا تحتاج إلى حراسة مضيق هرمز من أجل الدول الغنية دون مقابل ...نحن نحصل على نفط قليل جدًّا من المضائق.... فلا توجد ناقلات نفط أمريكية هناك، بل من الصين واليابان. الصين تستورد 65% من النفط من هناك واليابان 25% ودول أخرى تحصل على الكثير أيضًا، ورغم ذلك نحن من يقوم بحراسة المضيق منذ عقود طويلة ولم نحصل على مقابل أبدًا، نحن نحرسه لكل هذه الدول، ولكن لماذا نفعل ذلك دون مقابل؟ ولماذا نضع سفننا الحربية هناك؟".

إعادة صياغة أساس الدور الأمريكي تجاه هذه الخدمة الدولية، يفتح المجال ليس فقط أمام طرح التساؤلات حول حدود الاعتماد على الولايات المتحدة في حماية الأمن العالمي، ولكنه يفرض الاستعداد لمرحلة قد تتنازل فيها الولايات المتحدة كلية عن توفير هذه الخدمة في ضوء تحولها إلى دولة مصدرة للنفط. كما يؤسس لسحب مقولات بعض نظريات العلاقات الدولية، خاصة نظرية "استقرار الهيمنة"، التي تطورت على يد عدد من المنظرين، أبرزهم شارليز كيندليبيرجر، وستفين كراسنر، وروبرت جيلبين، التي ربطت بين تراجع القدرات الاقتصادية للقوة العظمى داخل النظام العالمي في مرحلة محددة وقدرتها على تقديم السلع/ الخدمات العامة داخل النظام، وعلى رأسها حرية الملاحة والنظام الاقتصادي الحر.

من ناحية ثالثة، يلاحظ أن المبادرة ذات طابع عسكري بالأساس، وتخلو من أي مضمون سياسي، ولا تتعامل مع المصادر الرئيسية للتهديد وعدم الاستقرار في المنطقة. ومن ثم، فإنها لا ترقى إلى السعي لبناء نظام أمن إقليمي في منطقة الخليج.

العامل الثالث، يتعلق بالأزمة التي بات يواجهها النظام الإقليمي الخليجي، ونظامه الأمني الذي تطور في إطار تجربة "مجلس التعاون لدول الخليج العربي". فرغم التطورات المهمة التي اتخذها المجلس لبناء آلية دفاع إقليمية (قوات درع الجزيرة)، لكن الخبرة العملية لهذه التجربة تشير هي الأخرى إلى صعوبة الاعتماد على هذا النظام، لعوامل يتعلق بعضها باتجاه بعض أعضاء مجلس التعاون إلى بناء علاقات سياسية ودفاعية مع قوى إقليمية غير عربية (العلاقات القطرية مع إيران وتركيا)، على نحو ينال من مفهوم "الأمن الإقليمي الخليجي". ويتعلق بعضها الآخر بصعوبة تعامل الذراع العسكرية الإقليمية للنظام مع أنماط ومستويات معينة من التهديد.

ثالثا: خبرات دولية

الصيغة التي طرحتها روسيا ليست جديدة، فقد اتجهت بعض الأنظمة الإقليمية إلى التأقلم مع طبيعة التحديات الأمنية الإقليمية، وموازين القوى الجديدة. المثال الأبرز في هذا السياق هو رابطة الآسيان في إقليم جنوب شرقي آسيا، التي استحدثت "المنتدى الإٍقليمي للآسيان" ASEAN Regional Forum (ARF)، والذي قام على تشكيل إطار يضم أوسع يضم عددا من الفاعلين الإقليميين والدوليين ذوي الصلة بالبيئة والتفاعلات الأمنية في منطقة جنوب شرقي آسيا، شملت -بالإضافة إلى أعضاء الآسيان العشرة- سبعة عشرة دولة أخرى، عشرة منها ضمن صيغة "شركاء حوار" (استراليا، كندا، الصين، الهند، اليابان، نيوزيلندا، كوريا الجنوبية، روسيا، الولايات المتحدة، الاتحاد الأوروبي)، وسبعة آخرين كأعضاء مراقبين (بابوا نيو غينيا، كوريا الشمالية، منغوليا، باكستان، تيمور الشرقية، بنجلادش، وسريلانكا). ولم يقتصر الأمر على "منتدى الإقليمي للآسيان"، فقد استحدثت الرابطة صيغا أخرى مثل "الآسيان +٣" (دول الآسيان+ الصين، واليابان، وكوريا الجنوبية)، و"قمة شرق آسيا" (الآسيان+ ثمانية أعضاء شركاء حوار هم: الصين، واليابان، وكوريا الجنوبية، ونيوزيلندا، وأستراليا، والهند، والولايات المتحدة، وروسيا). وقد تم استحداث هذه الصيغ كنوع من التأقلم مع البيئة الأمنية المتغيرة في المنطقة، وظهور أنماط جديدة من التحديات والتهديدات غير التقليدية، خاصة الإرهاب، والأمن البحري، والتغير المناخي، والجريمة المنظمة عابرة الحدود، وذلك بهدف بناء الثقة بين دول الآسيان والفاعلين الإقليميين والدوليين ذوي الصلة بأنماط التهديد، وتطوير دبلوماسية وقائية.

وتجدر الإشارة هنا إلى ملاحظة مهمة وهي أن هذه الصيغ الجديدة لم تشكل بأي حال من الأحوال بدائل للإطار الإٍقليمي الرئيسي والمتمثل في رابطة الآسيان، كما أنها لم تأخذ شكل التنظيم أو الكيان القانوني الإٍقليمي أو عبر الإٍقليمي، فقد ظلت أطرا تشاورية، تقوم على مبادئ احترام السيادة، وعدم التدخل في الشئون الداخلية، والتسوية السلمية للنزاعات والخلافات الثنائية والإٍقليمية.

وهكذا، فإن خبرة الآسيان تشير إلى نجاح دول الرابطة في "التأقلم" الرابطة مع الواقع والتحديات الأمنية المتزايدة في المنطقة، من خلال استحدث صيغ تشاورية أمنية مع قائمة واسعة من الفاعلين الإٍقليميين والدوليين المعنيين بأمن واستقرار إقليم جنوب شرقي آسيا. ومع التأكيد على أن لكل منطقة خصوصيتها السياسية والأمنية والديموغرافية والقومية. وتجدر الإشارة هنا إلى أن بعض الدراسات الغربية اهتمت أيضا بمسألة تطوير تجربة مجلس التعاون الخليجي، وطرحت بالفعل بعض الأفكار القريبة من الرؤية الروسية، أبرزها دراسة فريدريك وبري، وريتشارد سوكولسكي، الصادرة عن مركز كارنيجي للشرق الأوسط (19 نوفمبر/ تشرين الثاني، 2015)، حول تصور نظام أمني جديد في الخليج العربي.

رابعا: محاذير وتحديات

لا يمكن إغفال العديد من الأبعاد الإيجابية التي ميزت المبادرة الروسية. فمن ناحية، تميزت المبادرة بطابعها "الشمولي" و"التعقيد"، وهو ما كان واضحا في انطلاق المبادرة من مفهوم شامل للتعامل مع الأمن ومصادر التهديد في الإقليم، دون أن تُقْصِر هذه المصادر على أنماط معينة للتهديد، وتبنيها مفاهيم مثل بناء الثقة بين الأطراف، والاستفادة من الخبرات الدولية المهمة في هذا المجال، وسعيها إلى وضع أبنية هيكلية مستقرة. هذا "الشمول" و"التعقيد" هو سمة أساسية لأنظمة الأمن الإقليمية. في المقابل، فإن المفهوم الأمريكي المطروح للتعامل مع قضية أمن الخليج لم يتجاوز كونه -كما سبق توضيحه- إجراء أمني محدود ومباشر للتعامل مع نمط محدد للتهديد في منطقة الخليج وهو السلوك الإيراني في مضيق هرمز. ومن ثم، فإن هذا المفهوم يفتقد إلى السمات الأساسية التي ميزت المفهوم الروسي، ولا يرقى بالطبع إلى طرح نظام أمني إقليمي لمنطقة الخليج.

في هذا السياق، يميز المبادرة الروسية أيضا أنها لم تغفل الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي، باعتباره أحد المصادر الأساسية التاريخية لعدم استقرار الإقليم، وهو ما جنب المبادرة الوقوع في أحد الأخطاء المتكررة التي وقعت فيها العديد من الاقترابات الدولية التي تعاملت مع قضية الأمن ومصادر التهديد بالإقليم، بما فيها تهديد الإرهاب نفسه.

وأخيرا، يمكن الإشارة إلى إحدى السمات المهمة للمبادرة والمتمثلة في الانفتاح على عدد من القوى الإقليمية المهمة التي لا يمكن تجاهل دورها مستقبلا، خاصة الصين والهند، التي يتصاعد دورها في منطقة الخليج العربي.

ومع أهمية السمات السابقة، فإن المبادرة تعاني من بعض أوجه القصور، والتي تستوجب التعامل الحذر معها. ونشير فيما يلي إلى أهم أوجه القصور تلك:

1- تجاهل الأزمة الأمريكية- الإيرانية الراهنة

أحد الملاحظات الأساسية على المبادرة الروسية أنها حرصت على تجاوز الأزمة الأمريكية/ الخليجية- الإيرانية الراهنة، ولم تطرح تصورا محددا للخروج منها. بمعنى آخر، تبنت المبادرة اقترابا يقوم على الهروب إلى الخلف، ومحاولة العودة إلى ما قبل الأزمة من خلال التزام الأطراف بالاتفاق النووي مع إيران، ولصالح تركيز القوى الدولية والإقليمية على قضايا أخرى تشمل الإرهاب والتسوية السياسية في العراق واليمن وسوريا. صحيح أن نجاح الأطراف في تحقيق تقدم في هذه الملفات، خاصة الأزمتين السورية واليمنية، سيكون له تأثير إيجابي كبير على علاقات الأطراف، بما في ذلك بناء الثقة بينها قبل الانتقال إلى معالجة قضايا أخرى. لكن المشكلة هنا أن هذا الاقتراب يأتي امتدادا للرؤية الروسية من الاتفاق النووي الإيراني، ومن ثم فإنه يتجاهل رؤى قوى أخرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة، أحد طرفي الأزمة.

2- أسبقية بناء الثقة على تسوية النزاعات القائمة

مع أهمية تركيز المبادرة على انتقال الأطراف مباشرة إلى بناء الثقة من خلال مجموعة من الإجراءات، كشرط للانتقال إلى تسوية النزاعات القائمة في مرحلة لاحقة، لكن تظل هناك وجهة نظر أخرى لا يمكن تجاهلها ترى أن بناء الثقة يأتي في ترتيب تالي لتسوية النزاعات القائمة وليس العكس. وفي ظل الفجوة وحالة الاستقطاب القائمة بين الأطراف، فقد يتمسك بعضها بوجهة النظر التي ترى ضرورة تسوية النزاعات أولا كمدخل رئيسي لبناء الثقة (وجهة النظر الأمريكية تعبر عن هذا الرأي).

3- الإدراك الأمريكي للمبادرة الروسية

تعاني المبادرة الروسية -رغم أهميتها- من مشكلة تحميلها مشكلات العلاقات الأمريكية- الروسية. بمعنى أن الاحتمال الأغلب أن الولايات المتحدة ستدرك المبادرة كجزء من استراتيجية روسية لتحجيم النفوذ الأمريكي في منطقة الخليج العربي، وهو ما يتضح في الاهتمام الذي أولته المبادرة لإنهاء الوجود العسكري الدائم في المنطقة. لا شك أن تطور هذا الإدراك سيحول دون تفاعل إيجابي من جانب الولايات المتحدة مع المبادرة، الأمر الذي سيؤثر بالطبع على فرص نجاحها أو حتى التفاعل الإيجابي معها. ولن يقتصر الأمر على الإدراك الأمريكي، لكنه سيطال بالتأكيد الفاعلين الآخرين في منطقة الخليج العربي، خاصة في ضوء العلاقات والمصالح القوية والمتنامية بين روسيا وإيران.

خلاصة القول، إن المبادرة الروسية اتسمت بالعديد من السمات المهمة التي ميزتها عن الاقتراب الأمريكي المطروح للتعامل مع قضية الأمن الإقليمي في منطقة الخليج، لكنها لازالت تعاني في الوقت ذاته من بعض أوجه القصور، التي تتطلب مزيدا من النقاش، بدءا من النقاش الخليجي- الخليجي، والخليجي- العربي، للوصول إلى تصور محدد حول طريقة التعامل مع المبادرة الروسية. كذلك، تجدر الإشارة إلى ضرورة انطلاق هذا النقاش من حقيقة -أكدتها التجارب الإقليمية الأخرى على نحو ما تشير إليه تجربة رابطة الآسيان- وهي أن استحداث أي صيغة تشاورية لا يجب أن يمثل بديلا لبناء نظام أمن إقليمي بين دول مجلس التعاون الخليجي.

 

كلمات دليلية