انت هنا: الرئيسية العدد 142الافتتاحيةمؤسسات المجتمع المدني .. الواقع والمأمول

مؤسسات المجتمع المدني .. الواقع والمأمول

انشأ بتاريخ: الأربعاء، 06 تشرين2/نوفمبر 2019

ظهرت أهمية مؤسسات المجتمع المدني بداية في الغرب منذ القرن الثامن عشر الميلادي، بهدف المساهمة في تقديم الخدمات للنهوض بالمجتمع من خلال جمعيات شعبية بعيدًا عن العمل الحكومي الرسمي لتكون أداة موازية لما تقوم به الحكومات في خدمة المجتمعات، ومع مرور الوقت زاد عدد هذه المؤسسات وانتشرت وزاد تأثيرها، واقترب دورها في بعض الأحيان من دور المؤسسات الرسمية سواءً الأممية أو الإقليمية، وأصبح لها تأثيرها على قيادة أو تشكيل الرأي العام، بل على صناعة القرار.

وإن كانت هذه المؤسسات تقوم بدور تنويري في المجتمعات، أو الدفاع عن القضايا المجتمعية، إلا أن هذا الدور الذي يبدو مثاليًا براقًا، يكتنفه الغموض في كثير من الأحيان، خاصة عندما تُثار قضية تمويل هذه المؤسسات ومن ثم تبعيتها لدول أو حكومات أو جهات أمنية أو استخباراتية، وكذلك عندما يعلو صوت هذه المؤسسات تجاه قضايا، أو سياسات، أو مواقف تتبناها دول معينة دون أخرى، لذلك نجدها موضوعية أو محايدة أحيانًا، وغير موضوعية في كثير من الأحيان خاصة عندما تتبنى مواقف الغرب وتنحاز إليه ضد غيره من الدول والتكتلات لا سيما تجاه الدول العربية أو الإسلامية، وكثيرًا ما نجدها تكيل بمكيالين فنجدها تكيل الاتهامات للمشرق العربي والإسلامي، وتغض الطرف عن ما يحدث في الغرب أو إسرائيل مثلًا.

ونحن لسنا بصدد الرد على المواقف الانتقائية، أو مزدوجة المعايير لمؤسسات المجتمع المدني الغربية، أو كشف انحيازها وعدم حيادها لأنها كثيرة ومتكررة، لكن ندعوا هذه المؤسسات لضرورة التعرف عن قرب على  حقيقة ما يحدث في الدول العربية والإسلامية عامة والخليجية خاصة،  المعتدلة التي تركز على التنمية المستدامة بما فيها تنمية "الإنسان"، والتي تعمل على إرساء السلام والاستقرار وإعمال القانون الدولي، وأعتقد أن المملكة ودول مجلس التعاون الخليجي قطعت شوطًا مهمًا على هذا الطريق سواء في مبادرات فردية لدول مجلس التعاون، أو في إطار المنظومة الخليجية الجماعية.  

وفي الوقت نفسه لابد من الاعتراف بالتقصير من ناحية دول مجلس التعاون الخليجي في مواجهة مؤسسات المجتمع المدني الغربية، سواء لتصحيح معلوماتها الانطباعية المسبقة المستقاة من وسائل الإعلام المغرضة، أو من جماعات الضغط الموجهة وذات المصالح والأجندات  الخاصة عن الدول الخليجية، وأيضًا هناك جانب من التقصير في عدم تقديم البيانات والمعلومات عن المنطقة لهذه المؤسسات، أو طرحها في المحافل الدولية والإقليمية، بينما استطاعت  دول إقليمية أخرى أن تخترق هذه المؤسسات، وقدمت نفسها للغرب على أنها دول ديمقراطية ومسالمة وتحارب الإرهاب، وفي الحقيقة هي متورطة في ذلك كله، وتأتي إيران في مقدمة هذه الدول التي تسوق نفسها بأنها دولة مثالية عبر تواجدها في هذه المؤسسات أو تجنيد جماعات الضغط في الخارج لبث سمومها بغية تنفيذ أجندات خاصة وبطرق مؤدلجة .

وأمام دول مجلس التعاون خطوات مهمة للتعامل مع هذه المؤسسات بمقارعة الحجة، بالحجة، أو تقديم المعلومات الصحيحة عبر قنوات مناسبة من خلال منابر مماثلة جماعية خليجية، أو لكل دولة من دول المنطقة على حدة، ولعل من أهم هذه المنابر تأتي المراكز البحثية المتخصصة التي تتعامل مع مثيلاتها  في دول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية، وبقية دول العالم المؤثرة على أن تطرح ما يتعلق بدول مجلس التعاون في منتديات بحثية في الدول المشار إليها عبر طرح أوراق بحثية متخصصة، أو تنظيم مؤتمرات وورش عمل تستضيف رموز مؤسسات المجتمع المدني الغربية مع نظرائهم من دول الخليج لمناقشة التطورات التي طرأت على المجتمعات الخليجية وما تحقق من إنجازات ومكاسب لشرائح المجتمع المختلفة خاصة ما يتعلق بمكاسب المرأة وحقوقها، وحقوق الطفل، وما تستفيد منه الجاليات الأجنبية الموجودة في دول المنطقة، إضافة إلى الحريات العامة وحقوق الملكية والعمل والسفر والتنقل وغير ذلك.

أي لابد من تعريف الآخر بما يحدث من تطور في دول مجلس التعاون الخليجي وتقديم ذلك بلغة يفهمها الآخر ويقتنع بها وعبر وسائل وقنوات ذات مصداقية وباحترافية وعمل منظم، وهنا لابد من الإشارة إلى أهمية وجود وسائل إعلام تخاطب الآخر بلغته، وبلسان بني قومه وفي عقر داره / ومن ثم يستطيع الإعلام نقل الرسالة بدقة ومصداقية إلى الآخر الذي تستهدفه الرسالة الإعلامية الخليجية، حيث تبدو الكثير من وسائل الإعلام الخليجية ، بل والعربية بصفة عامة مهتمة بمخاطبة الداخل فقط، أو الانكفاء على الذات، وتوجيه الرسالة الإعلامية إلى أنفسنا دون مخاطبة الآخر ونقل الرسالة إليه في مكان تواجده في بلده.

وإن كان الخطاب الإعلامي الخليجي يخاطب شعوبه فقط وهذه إشكالية بالطبع لأنه من الضروري أن يخرج بالرسالة إلى الآخر، فهناك إشكالية أخرى تتمثل في أن هذا الإعلام تحول إلى أداة لحروب إعلامية متصاعدة ومستمرة، وتساعد على التشتت والفرقة وليس مواجهة التحديات، بل تكشف السلبيات وتقدمها للرأي العام العالمي والإقليمي وكأن المنطقة في حرب داحس والغبراء متصلة وغير منتهية، بينما كان يجب أن يقوم الإعلام بمهمته الأساسية وهي إلقاء الضوء على الإيجابيات والسلبيات معًا ويكون مرآة المجتمع.  

كما أنه من الضروري على دول مجلس التعاون الخليجي أن تشجع قيام مؤسسات المجتمع المدني التي تعبر عن واقع المنطقة، وتتحدث بلسانها في المحافل الدولية وتدافع عن قضاياها بموضوعية ومنطق بخطاب هادئ ومتزن غير انفعالي، وتتعامل مع نظيراتها في الغرب لتوضيح الحقائق، وكذلك دعوة المؤسسات الغربية لزيارة دول المنطقة لتشهد إنجازاتنا عن قرب وتتحدث عن منطقتنا بوعي وإدراك دون تهويل أو تهوين.

كلمات دليلية

الشركات المعلنة