انت هنا: الرئيسية جميع المقالاتقضية2019 عام الانتكاسات الاستراتيجية التركية وانتهاء مشروع اردوغان

2019 عام الانتكاسات الاستراتيجية التركية وانتهاء مشروع اردوغان

انشأ بتاريخ: الإثنين، 02 كانون1/ديسمبر 2019

إذا كان عام 2002م، يمثل بداية الصعود لتحقيق أحلام الرئيس التركي رجب طيب أردوغان نحو " العثمانية الجديدة " فإن عام 2019م، سيطلق عليه العام الذي أنهى هذه الأحلام، حيث توالت الانتكاسات الداخلية والإقليمية والدولية، السياسية منها والاقتصادية  على الرئيس التركي الذي حول بلاده من دولة " صفر " أعداء  إلى دولة منبوذة ومكروهة على كافة المستويات، وتراجع "الدور الوظيفي" للدولة التركية الذي ظل يمثل "الرافعة السياسية والاقتصادية" لأنقرة منذ اعترافها كأول دولة إسلامية  بإسرائيل عام 1949م، ودخولها حلف الناتو في 18 فبراير عام 1952م، الأمر الذي أدى لتراجع " القيمة النسبية " لتركيا على الصعيدين الإقليمي والدولي،  وهو من يجعل هدف أردوغان بالبقاء في السلطة حتى 2029م، ضربًا من ضروب المستحيل في ظل تراجع قيمة الليرة وزيادة معدلات التضخم ووصول الديون الخارجية لحافة الهاوية ، بالإضافة إلى خسارة الحزب الحاكم للمدن الكبرى وفي مقدمتها إسطنبول في الانتخابات المحلية، وفرض عقوبات من الإتحاد الأوروبي، ناهيك عن الخلافات مع الصين والولايات المتحدة وكل الدول العربية ما عدا قطر ، فكيف سيكون العام الجديد على تركيا ؟ وهل أنقرة مرشحة لمزيد من الاستقرار أم لمزيد من المشاحنات السياسية الداخلية وفقدان الشعبية لحزب الحرية والعدالة؟ وإلى أي مدى ستتفاقم مشكلات تركيا على الصعيدين الأوروبي والأمريكي في ظل إصرار أردوغان على المضي قدمًا في صفقة أس 400 مع روسيا بعد لقاء الرئيس ترامب؟

 نهاية الدور الوظيفي

راهن الرئيس أردوغان على حل خلافاته مع الولايات المتحدة في اللقاء الذي جمعه مع الرئيس ترامب يومي12و 13 نوفمبر الماضي، لكن لم يحقق أردوغان أي هدف من الأهداف التي ذهب من أجلها للبيت الأبيض وهي:

1-لم يستطع أردوغان إقناع واشنطن ببيع طائرات " أف 35 " لتركيا ، كما أنهت واشنطن برنامج " الشراكة في التصنيع " وهو الأمر الذي كان يتيح لتركيا المشاركة " من الدرجة الثالثة " في تصنيع طائرة " أف35 "وعاد الطيارين الأتراك الذين كانوا يتدربون على قيادة الطائرة من ولاية بنسلفانيا، وهذا سيضاعف مشاكل القوات الجوية التركية التي تم القبض على عدد كبير من الطيارين على خلفية أحداث 15 يوليو 2016م، كما يوجه هذا الرفض الأمريكي ضربة قاصمة للصناعات والصادرات العسكرية التركية التي كانت تسوق منتجاتها من منطلق أنها بنفس الخبرة الأمريكية اعتمادًا على الشراكة في التصنيع مع الولايات المتحدة الأمريكية.

2-رفض البيت الأبيض التعهد باستخدام الفيتو إذا ما مضى القرار الذي يتم دراسته الآن في مجلسي النواب والشيوخ لفرض عقوبات على تركيا بسبب شراء منظومة الصواريخ الروسية اس 400، والتوغل في شمال شرق سوريا، حيث يمكن للرئيس ترامب -إذا أراد-وقف أي عقوبات يصدرها الكونجرس باستخدام " الفيتو الرئاسي "

3- أدان البيت الأبيض توسيع المنطقة العازلة في شمال شرق سوريا حيث أصر الرئيس ترامب وكل أعضاء الكونجرس الذين التقى بهم  أردوغان على أن تظل المنطقة الآمنة بين تل أبيض ورأس العين بطول من 80الى 100 كلم، وبعمق لا يزيد عن 15 كلم، وأن لا تصل بأي حال من الأحوال إلى عين عيسى، وبذلك خاب أمل ترامب في توسيع المنطقة الآمنة بطول 444 كلم وعمق 35 كلم، لذلك التقى أردوغان بالسيناتور لينزى جرهام الذى جدد تعهده بأن تدفع تركيا " ثمنًا باهظًا " بسبب عدوانها على أكراد سوريا وارتكاب جرائم حرب،  وجرائم ضد الإنسانية، واستخدام الفسفور الأبيض المحرم دوليًا.

4-فشل أردوغان فشلاً ذريعًا في وقف التحالف بين الولايات المتحدة وقوات سوريا الديمقراطية، حيث قال 5 من أعضاء مجلس الشيوخ دعاهم ترامب للقاء أردوغان أن الشراكة بين واشنطن وقوات سوريا الديمقراطية ستستمر رغم كل المحاولات التي قام بها أردوغان للربط بين قوات سوريا الديمقراطية وحزب العمال الكردستاني.

5-رغم أن فريق أردوغان أحضر معه ما أسماه " كتاب الأدلة " ضد حركة " الخدمة " التي يتزعمها فتح الله كولن، رفضت الولايات المتحدة تسليم كولن لتركيا، وقالت إن كولن لن يترك منزله في بنسلفانيا.

6-لم يستطع أردوغان أن يوقف الحديث الأمريكي عن نقل قاعدة إنجرليك التابعة لحلف الناتو، ورغم الأموال الطائلة التي دفعتها تركيا لوسائل الإعلام الأمريكية للترويج أثناء الزيارة بأن تركيا حليف للولايات المتحدة منذ الحرب الكورية فإن البرامج الصباحية والتوك شو في اليوم التالي لزيارة أردوغان كررت الحديث عن ضرورة نقل القاعدة بعيدًا عن تركيا، يجري الحديث حاليًا لنقلها لرومانيا أو بولندا.

 عدم الاستقرار

حاول أردوغان أن يسوق لمشروعه من منطلق أن تركيا هي " عنصر استقرار " في المنطقة، لكن ما جرى خلال 2019م، كشف للجميع أطماع تركيا، ودخولها " كعامل توتر " في كثير من الأزمات ومنها:

1-كشف احتلال تركيا للشمال السوري في عفرين ومنبج وبعدها شرق الفرات أن تركيا ذهبت إلى تلك المناطق لتبقى وتضم هذه المدن، وما قامت به تركيا من " تتريك " لتلك المناطق يكشف أن تركيا على طريق إسرائيل في " ضم الأراضي " السورية من خلال تغيير أسماء الشوارع العربية لأسماء تركية، وفتح مدارس وفروع لجامعة غازى عنتاب، وترفض تركيا الآن تسجيل أسماء الأطفال العربية وتصر على تسميتها بأسماء تركية، كما تقوم المدارس والجامعات بنشر الفكر الأردوغاني الاحتلالي حتى لا تتشكل مقاومة ضد الاحتلال التركي في المستقبل.

2-رفضت تركيا الانسحاب من 5 قواعد تركية شمال العراق، وخاصة من معسكر " بعشيقة " بعمق يصل إلى 250 كلم من الحدود التركية العراقية، كما أن تركيا ومنذ 2011م، تتضمن ميزانيتها ما يسمى " بالليرة الموصلية " على أساس أن الموصل أرض تركية سيجري استعادتها في المستقبل حسب الوهم التركي، ويتم وضع هذه الليرة كرمزية لعودة الموصل لتركيا.

3-رفضت القبائل الليبية والبرلمان الليبي حديث أردوغان عن " إرث أجداده " في ليبيا، وقالوا له "أن الإرث الذي يتحدث عنه أردوغان هو إرث من القتل والدماء والفقر والجهل، وطول أمد الصراع في ليبيا يعود بشكل رئيسي لدعم أردوغان للإرهابيين والمتطرفين في الغرب، ويراهن أردوغان على " أقلية " من أصل تركماني عددها لا يزيد عن 35 ألفًا في المنطقة الغربية في طرابلس ومصراته للعودة والبقاء في تلك المناطق.

4-تحرش تركيا بقبرص في المياه الاقتصادية الخالصة لقبرص، وهو ما دفع البرلمان الأوروبي ووزراء خارجية الإتحاد الأوروبي لفرض عقوبات  قاسية على تركيا سيبدأ تطبيقها مع بداية عام 2020م، ولا تملك تركيا أي حجة منطقية في الحفر عن الغاز والنفط في المياه القبرصية، فادعاء أردوغان بأن تركيا تحافظ على حقوق" القبارصة الأتراك" مردود عليه بقرار البرلمان القبرصي بإنشاء صندوق تودع فيه عائدات النفط والغاز ولا يتم الإنفاق منها إلا بعد توحيد الجزيرة، ويتم توزيع عائدات الغاز والنفط وفق عدد السكان وهو المعيار العالمي لتوزيع الثروات.

5-أدان الإتحاد الأوروبي والولايات المتحدة تحرش تركيا بالجزر اليونانية في بحر إيجة، كما أدانت أمريكا حديث تركيا عن حقوقها في منطقة " تراقيا " اليونانية، وهو ما دفع واشنطن لتقديم أسلحة جديدة لليونان لردع الأطماع التركية.

5- يمثل التفسير الأردوغاني لمعاهدة " لوزان "  التي رسمت حدود الدولة التركية الحديثة في 24 يوليو 1923م، بمثابة قنبلة موقوتة لتفخيخ منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا ومنطقة القرن الإفريقي وحتى البلقان، حيث يصر أردوغان من خلال تصريحات علنية لأول مرة عام 2019م، أن هذه الاتفاقية تنتهي عام 2023م ، وأنه يحق لتركيا أن تستعيد ما أسماه " بأملاك السلطان عبد الحميد الثاني، وربما هذا يفسر عدم إيداع تركيا لحدودها في الأمم المتحدة، وبهذا تصبح تركيا هي الدولة الوحيدة في العالم مع إسرائيل التي لم تودع حدودها في المنظمة الدولية، وهذا يفسر رغبة أردوغان الذي أعلن خطة عام 2011م، وقال أنها ستنتهي عام 2023م، باستعادة الأراضي العثمانية في كل المنطقة

" قواعد عسكرية إسرائيلية في تركيا

ربما أبرز الانتكاسات التي حلت بتركيا الأردوغانية في عام 2019م، وأدت لتراجع شعبية أردوغان هو اكتشاف الجميع للخدعة التركية، واستخدام معايير مزدوجة تهدف في المقام الأول لبقاء الرئيس التركي وحزبه " العدالة والتنمية " في السلطة حتى عام 2029م، لكن الشعب التركي، والعالمين العربي والإسلامي تأكدا من حقيقة المشروع التركي القائم على الطمع في أراضي وممتلكات دول الجوار، وشهد عام 2019م، جلاء الحقيقة حول ادعاءات أردوغان في عدد من القضايا وهي:

أولاً: القضية الفلسطينية، تركيا كما هي إيران تتاجر سياسيًا بالقضية الفلسطينية، وظل الرئيس التركي يتاجر بالقضية الفلسطينية طول السنوات الماضية،  لكن عام 2019م،  شهد مجموعة من التقارير الموثقة بالصوت والصورة التي تكشف  العلاقات الخاصة والسرية بين أردوغان وإسرائيل، حيث أرسلت تركيا البترول المسروق من شمال العراق وسوريا وبالتعاون مع داعش لميناء أشدود الإسرائيلي وفق كل خدمات تتبع السفن بما فيها خدمة رويترز لتتبع السفن والحاويات، لكن ربما الأخطر في كل ذلك هو الاتفاقيات الموقعة بين أردوغان وإسرائيل لاستخدام القواعد العسكرية  التركية في انجرليك وقونية، وأن الطائرات الإسرائيلية تتدرب على المناورة ودقة التصويب في صحراء الأناضول التركية لضرب غزة والأطفال الفلسطينيين الذين يتغنى أردوغان بالدفاع عنهم ، ناهيك عن تمديد أردوغان لاتفاق " ميثاق الشبح " الذي ينص على تجسس تركيا على الدول العربية لصالح إسرائيل ، و يبني الجيش الإسرائيلي  قاعدة عسكرية للإنذار المبكر في كوراجيك بمدينة ملاطيا التركية، وأن هناك 60إتفاقية عسكرية بين تركيا وإسرائيل تغطى التدريبات الجوية وتحديث الدبابات وغيرها من الاتفاقيات العسكرية،  كما قامت بحريتا البلدين بمناورات مشتركة، كذلك القيام  بمناورات مشتركة يسمح فيها باستعمال أجواء الدولتين عسكريًا، و تمثل تركيا كنز  معلوماتي لإسرائيل خاصة في الـ10 سنوات الأخيرة حيث بدأت العلاقات التركية الإسرائيلية  قبل 70 عامًا ولكن في الـ60 عامًا الأولى كانت محدودة جدًا، وكانت إسرائيل في كل مناسبة تسعى إلى تطوير وزيادة هذه العلاقات، وتضاعفت هذه العلاقة عشرات المرات خلال حكم إردوغان في العشر سنوات الماضية ، فقد رفع أردوغان التأشيرات للإسرائيليين من جانب واحد ، كما أن العقود التجارية والعسكرية بين تل أبيب وأنقرة في عام 2018 و2019م، ارتفعت لأرقام قياسية، و تجاوزت 4 مليارات دولار في الشهور العشر الأولى من عام 2019م ، كل هذه الأرقام والاتفاقيات تؤكد أن أردوغان  يتاجر بآلام الفلسطينيين من أجل الدعاية الداخلية وتصوير نفسه كخليفة للمسلمين .

ثانيًا: منذ 2011م، حاول أردوغان إقناع الرأي العام العربي والإسلامي والدولي بأنه يحارب الإرهاب، لكن علاقة أردوغان الكاملة مع المنظمات الإرهابية كشفها أقرب حلفائه الذين استقالوا من الحزب الحاكم خلال الشهور الماضية، وبات الجميع يعلم أن أردوغان هو الذي ساعد داعش وساهم في تمرير أكثر  من 40 ألف إرهابي أجنبي لسوريا والعراق منذ 2013م، وأن كل خطواته بما فيها السيطرة على الشريط الحدودي لشمال سوريا هو دعم التنظيمات المتطرفة في تلك المنطقة، و تلقين " قبلة الحياة " لتنظيم داعش، وهو ما كان واضحًا عندما قصفت تركيا المناطق التي بها سجون التنظيم، ولعل قصف منطقة جركين التي بها سجن لكبار قادة داعش أحدث دليل على دعم أردوغان للتنظيم الإرهابي ،ويحاول أردوغان الآن ابتزاز الدول الغربية بوضعهم أمام خيارين إما القبول بمشروعه في المنطقة والسماح له بالسيطرة على ثلث الراضي السورية أو إعادة قيادات وعناصر داعش للدول الأوروبية.

رابعًا : منذ أحداث ما يسمى " بالربيع العربي " 2011م، قدم أردوغان نفسه بمثابة المناصر للاجئين الفارين من دولهم، ورغم حصوله على 3.7 مليار يورو من الاتحاد الأوروبي ومنظمات عربية وأممية لدعم اللاجئين السوريين إلا أن عام 2019م، كشف وجه أردوغان الحقيقي بشأن استخدام اللاجئين " كورقة ضغط " لشرعنة احتلاله لشمال سوريا، فهو يطالب الدول الأوروبية بأمرين، الأول إرسال الأموال لبناء ما يسميه " المنطقة العازلة " شمال شرق سوريا، وثانيًا بتقديم غطاء سياسي لهذه العملية التي رفضتها كل الدول الأوروبية التي هددت بفرض مزيد من العقوبات على تركيا لو سمحت بإرسال اللاجئين إلى أوروبا، وبالفعل تشير الأرقام إلى ارتفاع عدد اللاجئين الذين وصلوا اليونان عام 2019م، بنسبة 33% عن 2018م، مما دفع دول الإتحاد الأوروبي وخاصة الدول الكبرى مثل ألمانيا وفرنسا للحديث علنًا عن " ابتزاز تركي " للإتحاد الأوروبي، وهو ما أنهى عمليًا أي حديث عن دخول تركيا للاتحاد الأوروبي.

خامسًا : كثيرً اما كان أردوغان يتحدث عن الحرية، ويحلو له أن يعطي الآخرين الدروس والخطب عن الديمقراطية، لكن الأرقام وحدها هي من تقول أن أردوغان جعل من تركيا " سجن " كبير ، وأن أكثر الاستثمارات التركية عام 2019م، كانت في " بناء السجون "،حيث تواصل وزارة العدل التركية إنشاء 48 سجنًا جديدًا بتكلفة 9 مليارات ليرة، كما تبين أن مصلحة السجون التي يعمل بها السجناء بدأت في إنشاء 43 سجنًا جديدًا بتكلفة 4 مليارات ليرة ما يعني إنشاء 91 سجنًا جديدًا خلال عامين بتكلفة 13 مليار ليرة، و مع تزايد عدد السجناء في تركيا يوميًا اتجهت لبناء مزيد من السجون لاستيعاب العدد الضخم من المعارضين، فخلال الفترة بين عامي 2006 و2019م، افتتحت السلطات التركية 166 سجنًا جديدًا، ومن المنتظر أن يتم الانتهاء من هذه السجون بحلول عام 2021م، على أن تصل تكلفتها إلى 4 مليارات و59 مليون ليرة، وكان أبرز المشاهد عام 2019م، هو تنكيل أردوغان بعدد من الدبلوماسيين في الخارجية التركية، و اعتقال عدد كبير من اتحاد الأطباء التركي، والقضاة، فضلاً عن تشريد عدد ضخم من العاملين في جهاز الخدمة المدنية التركي،  وتشير معلومات المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان أنه منذ إنشاء  المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، نظرت 66251 دعوى لانتهاكات حقوق الإنسان، تحتل تركيا المرتبة الأولى في عدد الدعاوى المنظورة لدولة واحدة بنسبة 16% من جميع الدعاوى ضد الدول الأعضاء، حيث أن هذه النسبة تمثل 10638 دعوى ضد تركيا، وجدت فيها المحكمة الأوروبية انتهاكًا من جانب نظام أردوغان في 7255 قضية بنسبة 68% ، كما  أن تركيا  تحتل المرتبة الأولى أيضًا في الدعاوى التي تنتهك حرية التعبير والرأي في  المحكمة الأوروبية بواقع 1300 دعوى، حيث وجدت فيها المحكمة انتهاكا للمادة 10 (الخاصة بحرية الرأي والتعبير) في 1072 دعوى منها، بنسبة 82% ، وهو ما يخالف الأعراف والمواثيق الدولية وخاصة المادة 19 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية،  كما تحتل تركيا المرتبة الأولى عالميًا في سجن الصحفيين، فقد وصل عدد الصحفيين المحبوسين في السجون التركية حتى أخر أغسطس  العام الجاري إلى 88 صحفيًا، وهو ما يجعل تركيا أكبر سجن في العالم للصحفيين.

 

تراجع الشعبية

كثيرً اما كان أردوغان يتباهى بشعبيته، وقال مقولته الشهيرة" من يفوز في أي انتخابات بإسطنبول يفوز بتركيا " هذه المقولة أصبحت الآن الهاجس الذي يقلق أردوغان بعد أن حقق أكرم إمام أوغلو مرشح حزب الشعب الديمقراطي فوزًا كاسحًا على مرشح حزب الحرية والعدالة ورئيس الوزراء التركي السابق بن علي  يلدريم ، وكل يوم يمر على تركيا يخسر أردوغان وحزبه من رصيده الشعبي، وبعد نتائج الانتخابات المحلية فإن كل المؤشرات تقول أن عام 2020م، سيشهد مزيدًا من التراجع من شعبية أردوغان اعتمادًا على الحقائق التالية:

1-التحليل الكمي لنتائج الانتخابات المحلية يؤكد أن مرشح أردوغان خسر في الانتخابات الأولى التي جرت في 31 مارس 2019م، بفارق 13 الف صوت  لصالح أكرم إمام أوغلو ، لكن بعد 3 شهور فقط عندما تم إعادة الانتخابات في يونيو العام الماضي خسر مرشح أردوغان في إسطنبول بفارق 800 ألف صوت، وهو ما يعني أن كل يوم يمر يتم سحب البساط من تحت أقدام أردوغان، وهذه النتائج  تعتبر امتداد طبيعي لنتائج الانتخابات التي جرت منذ 2016م،  فالرئيس التركي مرر التعديلات التي حولت النظام السياسي من برلماني إلى نظام رئاسي خالص بصعوبة، وتحدثت المعارضة عن تزوير الانتخابات ووضع أكثر من مليون صوت لترجيح موقف أردوغان، كما أن الانتخابات التشريعية التي جرت في 2017م، حصل فيها أردوغان على أقل نسبة منذ وصولة للحكم عام 2002م، وفى الانتخابات البلدية خسر حزب أردوغان كل المدن الكبرى في مقدمتها أنقرة واسطنبول وأزمير

2-منذ فوز المعارضة في الانتخابات المحلية دبت الخلافات داخل حزب الحرية والعدالة، وهو ما دفع قيادات تاريخية مثل عبد الله جول وداود أوغلو، وعلي باباجان للانسحاب والانسلاخ عن الحزب الحاكم، ويتهم قادة الحزب المستقيلون أردوغان بخيانة توجهات حزب العدالة والتنمية من حزب مركزي يحتضن جميع أطياف الشعب إلى حزب يتحالف مع القوميين، ويمارس الاستعلاء والغطرسة والإقصاء حتى لقياداته التي عملت معه وساعدته لفترات طويلة

3-هناك انهيار حقيقي في الاقتصاد التركي وفق تقرير المفوض الاقتصادي للإتحاد الأوروبي حيث أشار إلى ظاهرة " الهجرة العكسية " للاستثمارات الأوروبية من تركيا لخارجها بعد أن شهدت الفترة من 2002م، حتى 2011م، ذروة هذه الاستثمارات، كما أن الليرة فقدت حوالي 31% من قيمتها عام 2019م، وارتفعت معدلات البطالة والتضخم لمستويات لم تعرفها تركيا من قبل

 سيناريو مستقبلي

 4- قد يلجأ أردوغان عام 2020م، إلى مزيد من التنكيل بزملائه في حزب العدالة والتنمية الحاكم حتى يتخلص من أي معارضة داخلية، ولذلك من غير المستبعد أن تكون الخسارة في الانتخابات المحلية  بداية لهزائم في الانتخابات البرلمانية السنوات المقبلة، خاصة أن صورة أردوغان التي حاول أن يثبتها خلال السنوات الماضية بأنه رجل تركيا القوي تزعزعت بشكل واضح ،لأن فوز أوغلو  برئاسة بلدية اسطنبول التي يسكنها 16 مليون نسمة، تجعل منه الزعيم الجديد لتركيا، وأنه قادر على هزيمة  إردوغان في الانتخابات الرئاسية 2023م، وأن إعادة الانتخابات في اسطنبول كانت بمثابة استفتاء على شعبية أردوغان.

5-هزيمة أردوغان في اسطنبول ستشكل ضربة لما يسمى " مشروع الإسلام السياسي " في كل المنطقة، وأن قدرة أردوغان على التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى لدعم التنظيمات الإرهابية لن تمر مرور الكرام من الشعب التركي الذي أثبت قدرته على معاقبة أردوغان.

6-خسارة الحزب الحاكم لملايين الأصوات في 2017 و2018م، وأخيرًا في الانتخابات المحلية يؤكد أن أردوغان سيكون أكثر حذرً امن أي تعبئة محتملة مع أحزاب المعارضة، وأن أردوغان الذي دخل العديد من " الانتخابات المبكرة " خلال أعوام 2016 و2017 و2018م، لا يمكن أن يكرر ذلك في 2020م، لأنه واثق من الهزيمة الثقيلة.

7-سيشهد العام الجديد 2020م، مزيدًا من العزلة الإقليمية والدولية لتركيا، فالخلافات مع الجميع بداية من دول الجوار العربي والأوروبي والآسيوى، بالإضافة إلى الخلافات مع الولايات المتحدة الأمريكية

8- تشير كل الاحتمالات لخلاف تركي روسي عام 2020 م، نظرًا لاختلاف التوجهات بين البلدين، فهناك 17 حربًا في التاريخ بين الأتراك والروس، كما أن الدعاية التركية ما زالت تستهدف روسيا بشكل واضح، والمصالح التكتيكية التي جمعتهما خلال الفترة الماضية كانت نتيجة لتقاسم الكعكة في الشمال السوري ،وفرض العقوبات الأمريكية على روسيا، لكن عام 2020م،  سيكون عام " اليقين السياسي والاقتصادي " للعلاقات الروسية التركية خاصة بعدما اكتشفت تركيا علاقة أنقرة بالإرهابيين الروس خاصة في منطقة القوقاز ، وأن تركيا ما زالت تراهن على إضعاف روسيا  من خلال إضعاف الجزء الجنوبي المتمثل فى جمهوريات آسيا الوسطى عن طريق ما تسمية تركيا دعم العمل الخيري هناك ، حيث كشفت التقارير الروسية أن تركيا هي التي تدعم الجماعات المتطرفة في كل الأراضي  الروسية بالتعاون مع قطر خاصة في جمهوريات الشيشان وانجوشيا وبشكيريا وهى الجمهوريات التي أرسلت أعدادًا كبيرة لداعش في سوريا والعراق ، ويمثل عودة هؤلاء تحدٍ كبير لروسيا وجمهوريات أسيا الوسط.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

متخصص في العلاقات الدولية 

كلمات دليلية

الشركات المعلنة