انت هنا: الرئيسية جميع المقالاتمتابعاتتحولات في المشهد الداخلي وتجذير السياسة الخارجية وتأكيد الثوابت السعودية

تحولات في المشهد الداخلي وتجذير السياسة الخارجية وتأكيد الثوابت السعودية

انشأ بتاريخ: الثلاثاء، 03 كانون1/ديسمبر 2019

لسبع دورات مضت، وبشكل سنوي أمام أعضاء مجلس الشورى يلقي ملك المملكة العربية السعودية خطابًا ملكيًا بهدف وضع الحروف على النقاط المحتدمة وليس العكس حول السياسة السعودية الداخلية والخارجية، وبما أن الفرق السنوي في الخطابات الملكية لايبدو مساحة واسعة أمام المحللين لإكتشاف فروقات التحول أو الفروقات، الحديثة التي طرأت، إلا أن السياسة السعودية تتميز بالمرونة الشديدة واعتادت أن تشكل جاذبيتها الاهتمام الكبير للمتابعين، فالسعودية خلال تاريخها الطويل ظلت نقطة مضيئة ولافتة للانتباه في مجرة دول العالم وهذه حقيقة واقعة، وفي هذا الخطاب الملكي تبدو الأولويات منصبة على إلتزام شديد التأكيد على تحولات المشهد الداخلي بجوانبه الثقافية والاجتماعية صعودًا نحو القمة لتحولات إقتصادية تم بلورتها بشكل ممنهج كحصيلة مطلوبة لتنفيذ رؤية المملكة 2030م، وباستدراك تاريخي دائم يبرهن على تجذر السياسية السعودية الخارجية وفق معطيات تاريخية لا تتجلى الإ في إطار يتميز بالمرونة السياسية.

رؤية 2030 خيارات الإنجاز

المملكة العربية السعودية وبرؤية 2030م، تتجه في مسار تصاعدي وإصرار حكومي واضح نحو تحقيق محاور رؤية المملكة 2030م، وقد استهل الخطاب الملكي بالتأشير مباشرة الى " أن المملكة سائرة بعون الله في طريقها نحو تحقيق المزيد من الإنجازات من خلال رؤية 2030م، بجميع محاورها التي ترتكز على تعزيز النمو الاقتصادي وإستدامته في جميع المجالات".

وقد ظهرت رؤية المملكة 2030م، كفاعل مهجن بين واقع حكومي مشحون بالبناء البيروقراطي وبين اقتصاد يعتمد بشكل كبير على مصدر واحد للضمان الاقتصادي، ولكي تخترق الرؤية هذه المسارات وتأتي التأكيدات الحكومية بشكل كبير على أن الرؤية كفاعل جديد على الساحة السعودية لابد وأن تحصل على الدعم المميز من القيادة السياسية، وخاصة أنه أنيط بهذه الرؤية مهمة نقل المجتمع بكل مكوناته إلى مرحلة ذات فرص ومجالات واعده. وهذا ما يعكس تكرار الإشارة إلى رؤية المملكة 2030م، عشر مرات في الخطاب الملكي.

من الواضح أن خيار الإنجاز هو الخيار الوحيد أمام الجهاز الحكومي السعودي في سبيل تحقيق رؤية المملكة 2030م، بكل معاييرها وأدواتها، ولعل الرسالة المهمة في الخطاب الملكي قد حققت أهدافها عبر تعبئة الخطاب الملكي بالكثير من الإشارات لرؤية 2030م، وإنجازاتها المتواصلة في سبيل تحقيق أهدافها بعد عقد من الزمان حينما يحل العام 2030م.

دعم تحولات المشهد الداخلي

يبدو وبكل شفافية أن ديناميات التحول الداخلي في السعودية أصبحت من أهم العناوين في الرسالة الحكومية وخاصة أن الخطاب الملكي أمام مجلس الشورى دفع وبقوة إلى التركيز على الشعب السعودي عبر الالتزام التام بذلك، فقد جاء في الخطاب الملكي ما نصه التزام القيادة " بتطوير ودعم قدرات أبناء وبنات شعبنا العزيز من خلال رفع مستوى التعليم، وزيادة برامج التأهيل، وتوفير فرص العمل للحاضر والمستقبل في شتى الميادين التنموية والاقتصادية".

لقد أصبح من المؤكد أن دعم الدولة لقطاع السياحة يعكس انفتاحًا مستهدفا من قبل الحكومة لتحقيق الأهداف المشتركة بين الثقافة والاقتصاد وقد أشار الخطاب الملكي إلى أنه "يأتي فتح قطاع السياحة وبدء العمل في إصدار التأشيرات السياحية تحقيقًا لأهداف رؤية المملكة 2030: أحد محفزات النمو الاقتصادي لجذب وتنويع الاستثمار في هذا القطاع الواعد الذي يوفر فرصًا كبيرة لأبنائنا وبناتنا، وجسرًا ثقافيًا للتواصل مع العالم ليشاركنا تراثنا الغني وكنوزنا الحضارية". الخيار التنموي في المجتمع السعودي عطفًا على هذه الرؤية مطلوب منها السير بخط متوازٍ بين المعطيات الثقافية والمعطيات الاقتصادية والمجتمعية وهو محور أساسي في رؤية السعودية 2030م.

الانفتاح الثقافي هذه المرة حصل على إشارة استثنائية في الخطابات الملكية من خلال الدليل العلمي بأن الشعوب يجب أن تتشارك تراثها الغني وكنوزها الحضارية عبر انفتاحها على بعضها البعض عبر السياحة أو غيرها من الأنشطة الثقافية أو الاجتماعية، ودلائل هذا الانفتاح الثقافي أصبحت واضحة بمجرد وجود التأشيرة السياحية وسهولة الحصول عليها بجانب الإشارة العلمية والفكرية بأن التراث السعودي تراث غني ويحظى بكنوز تاريخية يمكنها أن تكون فعل جاذب للمهتمين.

ولعل من أهم الإشارات الداعمة لتحول المشهد الداخلي أيضًا في إطار الرؤية التي يشير اليها الخطاب الملكي بدقة التزام الحكومة بمواصلة الجهود في "تمكين المرأة السعودية، ورفع نسب مشاركتها في القطاعين العام والخاص" وهذه دلائل مؤكدة إن التحولات في المشهد الداخلي الثقافي والمجتمعي جزء لا يمكن عزله عن المشهد الاقتصادي الذي يشكل لب رؤية المملكة 2030م.

الطاقة توازن دولي واستثمار محلي

أشار الخطاب الملكي إلى الرغبة الدائمة في تطمين العالم بأن المسار الحكومي للسياسية البترولية السعودية ثابت كما هو نحو "سياسة بترولية تهدف إلى استقرار السوق العالمية بما يخدم مصالح المنتجين والمستهلكين على حد سواء، والسعي إلى أمن وموثوقية في الإمدادات بشكل يعتمد عليها".

وفي جانب استثماري محلي تشير السياسة السعودية إلى أن طرح جزء من أسهم الشركة السعودية البترولية الأكبر على مستوى العالم هو مشروع استثماري كما يشير النص التالي من الخطاب الملكي " إن إعلان المملكة عن طرح جزء من أسهم أرامكو السعودية للاكتتاب العام سيتيح للمستثمرين داخل المملكة وخارجها المساهمة في هذه الشركة الرائدة على مستوى العالم مما يؤدي إلى جلب الاستثمارات وخلق آلاف الوظائف، كما سيحدث نقلة نوعية في تعزيز حجم السوق المالية السعودية لتكون في مصاف الأسواق العالمية، وسيعزز من الشفافية ومنظومة الحوكمة في الشركة بما يتماشى مع المعايير الدولية، وستوجه عائدات البيع الناتجة عن الطرح لصندوق الاستثمارات العامة لاستهداف قطاعات استثمارية واعدة داخل المملكة وخارجها"، وتعتبر هذه هي المرة الأولى والأكثر جرأة من القيادة السعودية نحو فتح المجال لمشاركة السوق المحلي في طرح جزء من أسهم شركة طالما اعتبرها السعوديون منيعة عن دخول سوق الأسهم مع العلم أن منتجات هذا الطرح كانت مبهرة من حيث التفاعل المجتمعي عبر شراء أسهم هذه الشركة .

تفتيت المخاطر

يشير الخطاب الملكي بكل وضوح إلى المسار التاريخي وقدرته على تفتيت المخاطر والثبات من خلال الإشارة المباشرة إلى أن الممكلة العربية السعودية "قد أثبتت في كل الظروف على مدار الثلاثمائة عام الماضية أنها قادرة على تجاوز كافة التحديات بعزم وإصرار والخروج منها منتصرة دائمًا بحمد الله وفضله. وإن ما تعرضت له المملكة من اعتداءات بـ (286) صاروخًا باليستيًا و (289) طائرة بدون طيار، بشكل لم تشهد له مثيلاً أي دولة أخرى لم يؤثر على مسيرة المملكة التنموية ولا على حياة مواطنيها والمقيمين فيها، والفضل بعد الله يعود لمنسوبي قطاعاتنا العسكرية والأمنية الذين يسهرون على أمن هذا الوطن وبما يقومون به في الذود عنه، ونفخر بشهداء الواجب - رحمهم الله - والمصابين الذين ضربوا أروع الأمثلة في التضحية من أجل العقيدة والوطن".

الدلائل التاريخية هي أقوى الأدلة فثلاثة قرون من التاريخ صاغت القدرة السعودية على تفتيت المخاطر المحيطة مهما كانت متجددة، ولعل من البراهين الأكثر وضوحًا قدرة السعودية على التعامل بشكل إحترافي مع قضية محاربة الإرهاب والتطرف التي شكلت حصارًا كبيرًا على المجتمعات الشرق أوسطية، وعانت المملكة العربية السعودية منها كثيرًا وقد أشار الخطاب الملكي بوضوح بالغ أن " الإرهاب آفة خطيرة لا يمكن ربطها بأي دين أو وطن أو ثقافة ، وأنها تستلزم جهودًا دولية مشتركة لمحاربتها على كل الأصعدة ، ونشيد في هذا الصدد بما يثمر عنه التعاون الثنائي والمتعدد الأطراف بين المملكة والدول الأخرى من جهود في إفشال المخططات الإرهابية وقطع مصادر تمويلها ومواجهة الفكر المرفوض الذي تستند عليه".

سياسة خارجية مستقلة بوعيها

يشير الخطاب الملكي بدقة إلى أهم عملية تجذير تاريخية لمسار المملكة العربية السعودية تجاه القضايا السياسية التي تعكس مكانة المملكة عبر تاريخ طويل وممتد ويشير إليه الخطاب الملكي بهذا النص" ستظل مكانة المملكة الرائدة في العالمين العربي والإسلامي وموقفها الراسخ من دعم مسيرة العمل العربي والإسلامي المشترك مرتكزًا أساسيًا في سياستها الخارجية"، ويعكس هذا النص ثبات الموقف السعودي من عدة قضايا:

أولاً: الموقف السعودي تجاه قضية فلسطين التي أشار اليها الخطاب الملكي بوضوح بالقول " أن القضية الفلسطينية هي قضية العرب والمسلمين الأولى. وموقف المملكة من القضية الفلسطينية والأراضي العربية المحتلة الأخرى موقف مبدئي. ومنذ عهد المؤسس عبد العزيز بن عبد الرحمن ـ رحمه الله ـ لم تدخر المملكة أي جهد لنصرة الشعب الفلسطيني الشقيق، إيمانًا منها بعدالة قضيته وضرورة وقف الممارسات والانتهاكات السافرة بحقه وإيجاد حل عادل وشامل للقضية الفلسطينية يمكن الشعب الفلسطيني الشقيق من الحصول على جميع حقوقه، وعلى رأسها إقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية وفقًا لمبادرة السلام العربية والقرارات الأممية ذات الصلة. وقد واصلنا ـ ولله الحمد ـ دعمنا للشعب الفلسطيني عبر وكالة الأونروا، لنصبح الداعم الأول لفلسطين خلال العقدين الماضيين" هنا لا يمكن البحث عن وضوح أكثر مما تناوله الخطاب الملكي حول القضية الفلسطينية فهذا التزام تاريخي لم يتغير منذ عهد مؤسس المملكة العربية السعودية وهذا النص حافظ بثبات على تواجده في كل الخطابات الملكية عبر السنوات كدليل على وعي مستقل وثابت للسياسة السعودية الخارجية يتم تأصيله في كل موقف يتطلب البث فيه.

ثانيًا: شكل الشأن اليمني مسارًا مهمًا للسياسة الخارجية السعودية خلال السنوات الماضية من خلال تأكيدات الخطاب الملكي " بثبات موقف المملكة في نصرة اليمن وحكومته الشرعية الذي جاء استجابة لنداء الأخوة وحسن الجوار في سبيل تحقيق الأمن والاستقرار في اليمن الشقيق، وحفظ مؤسسات الدولة اليمنية، وضمان وحدتها واستقلالها، وتوحيد الصف وتفعيل مؤسسات الدولة لخدمة اليمن بجميع مكوناته".

هذا ما يرسخ فكرة الالتزام السعودي بأن الحل السياسي في اليمن هو أحد أكثر الحلول فاعلية لإنهاء الأزمة اليمينة من خلال نص صريح في الخطاب الملكي يقول أثمرت " جهود المملكة السياسية بتوقيع اتفاق الرياض بين الحكومة الشرعية اليمنية والمجلس الانتقالي الجنوبي الذي نأمل أن يفتح الباب أمام تفاهمات أوسع بين المكونات اليمنية للوصول إلى حل سياسي للأزمة اليمنية وفقًا للمرجعيات الثلاث يحصن اليمن ضد من لا يريد له الخير ويتيح للشعب اليمني العزيز استشراف مستقبل يسود فيه الأمن والاستقرار والتنمية"

ثالثًا: في الشأن السوري وبوضوح أشار الخطاب الملكي "بالتأكيد على موقف المملكة من أن الحل السياسي هو الحل الوحيد للحفاظ على سوريا وطنًا آمنًا وموحدًا لجميع السوريين، وأن ذلك لن يتحقق إلا بإخراج كل القوات الإيرانية والميليشيات التابعة لها من الأراضي السورية".

وهنا يجب الإشارة إلى أن تداخلات إيران في الأزمة اليمينة والسورية شكلت فرصة سلبية لإضافة الكثير من المآسي إلى كل من الشعب اليمني والشعب السوري الذي ترى فيه السياسية السعودية أنه يتعرض لذات المسار من التدخلات الإيرانية، وقد عكست الأزمة السورية واليمينة مدى حجم التوغل الإيراني وعسكرة سياسة إيران الخارجية عبر التدخل المباشر وغير المباشر في الكثير من الدول.

وقد علق الخطاب الملكي بأهمية أن النظام الإيراني بهذا السلوك السياسي غير المقبول " لازال مستمرًا منذ أكثر من أربعة عقود بالتدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى ومواصلاً الرعاية والدعم لقوى الإرهاب والميليشيات المسلحة التي تستهدف كيان الدول وتقوض مؤسساتها في المنطقة، وقد آن الأوان لإيقاف ما يحدثه هذا النظام من فوضى ودمار، وزعزعة للأمن والاستقرار في دول المنطقة. ونؤكد على أهمية قيام المجتمع الدولي بوضع حد لبرنامج النظام الإيراني النووي والبالستي، واتخاذ الإجراءات الكفيلة بالوقف الفوري للتدخلات الإيرانية السافرة في الشؤون الداخلية للدول الأخرى".

استنتاج

اتجاه المملكة العربية السعودية بسياستها الداخلية في المقام الأول ذاهبة بلا تردد أو مواربة نحو تنفيذ رؤية 2030م، وجعلها منطلقًا استراتيجيًا يملأ الزمن للعشر سنوات القادمة، من خلال حزمة من البرامج والمشروعات التنموية ذات الأطر الاقتصادية والثقافية والاجتماعية، ولعل من الواضح أن التحديات بغض النظر عن حجمها أو شكلها سيتم مواجهتها بالكثير من الخطط والمشروعات بهدف ترويض البيئة البيروقراطية وتحويلها إلى بيئة أكثر إنتاجًا عبر تحقيق الهدف الاستراتيجي الأول لرؤية السعودية 2030، والقاضي بتحييد الاعتمادية الكاملة على مصدر طاقة وحيد.

كل هذا من أجل نقل المجتمع إلى خيارات قائمة داخل المجتمع ولا تتطلب عملية استجلاب خارجي كونها خيارات قائمة في المجتمع مثل دعم السياحة والتشاركية الثقافية وتسهيل فرص الاستثمار بجعل السعودية أكثر إضاءة في سماء الاستثمار الأجنبي وتوجيه البوصلة البيروقراطية والثقافية للعمل على خدمة المعطيات الناتجة عن برامج الرؤية ومشروعاتها إعتمادًا على ميزة تنافسية مهمة تتمثل في تكون المجتمع من طبقة من الشباب يشكلون ما يقارب من ثلثي المجتمع.

وتدرك السياسية السعودية بوضوح من خلال هذا الخطاب الملكي أن ذلك لايمكن تحقيقه إلا بتطوير مستويات الأداء في الأجهزة الحكومية وخاصة في مجال التعليم وتحسين وتطوير الأنظمة وتوفير البيئة الشاملة وتحسين جودة الحياة بما في ذلك التركيز على المعطيات الثقافية وتوفير البنية التحتية الشاملة بكل مكوناتها وهذا ما شغل حيزًا لا يستهان به من رؤية 2030.

السياسة السعودية الخارجية تؤكد التزامها التاريخي تجاه متغيرات المنطقة وتعكس توازنًا دائم ومستمر وغير متأثره بالدعاية الإعلامية أو التحولات سواء الناعمة أوالصلبة في محيط المنطقة السياسي، وخاصة في الموقف السعودي من القضايا المحورية مثل قضية فلسطين حيث الثبات السعودي تجاه هذه القضية يصل إلى درجة كبيرة فذات المطالب بذات الكلمات هي ما احتواه الخطاب الملكي عندما أشار إلى القضية الفلسطينية، بالإضافة إلى موقف متزن وتاريخي من المملكة العربية السعودية تجاه القضايا الشائكة في المنطقة سواء تلك التي أنتجتها تحولات وثورات نهاية العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، أو الموقف من إيران الممتد لأكثر من أربعة عقود ورفض طموحاتها التوسعية وتدخلاتها الجريئة في الخارطة الجيوسياسية للعالم العربي.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*كاتب ومحلل سياسي سعودي

كلمات دليلية

الشركات المعلنة