;
الصفحة السابقة

اليمن.. السير نحو المجهول أو المأمول

انشأ بتاريخ: الإثنين، 01 آب/أغسطس 2011

لقد دخل الربيع العربي فصل الصيف الساخن، ويبدو أن هذا الصيف سيطول وسترتفع خلاله ألسنة اللهب التي تندلع من الحرائق المشتعلة في أكثر من بلد عربي، واليمن واحدة من هذه الدول وربما أكثرها تضرراً من جراء الوضع المعقّد والملتبس هناك، نظراً لتشابك الوضع الداخلي بما يشتمل عليه من تزاوج بين التركيبتين السياسية والعسكرية، وكذلك الطبيعة القبلية الحاكمة للمجتمع اليمني، بالإضافة إلى الظروف الاقتصادية الصعبة، ثم الاحتجاجات وأعمال العنف التي زادت الوضع تدهوراً في ظل مطالب تتباين بين سياسية، مناطقية، فئوية، حزبية، ومذهبية، ناهيك عن شعارات الشارع اليمني وما ينادي به المحتشدون في ميادين المدن اليمنية.

في العموم إن المتفائلين لا يرون ضوءاً في نهاية النفق على المدى المنظور - على الأقل - ويعتقدون أن اليمن بعد التغيير وانتهاء حقبة نظام الرئيس علي عبدالله صالح - عند حدوث ذلك - لن يكون كما كان قبل (الربيع العربي)، وإن كنا لسنا ضد مطالب الشعب اليمني أو رغبته في اختيار حكومته وإدارة دولته بالطريقة التي يريدها، لكن نخشى على مستقبل اليمن في ظل عدم الوفاق الكامل، بل انقسام أطياف المعارضة، واستقلالية الشارع عن أحزاب المعارضة التقليدية وعدم تأثير الأخيرة على ثوار التغيير، ما يجعل الرؤية غير واضحة لمستقبل هذا البلد باستثناء اتفاق الفرقاء على رحيل الرئيس علي عبدالله صالح وإسقاط نظامه فقط.

المعارضة اليمنية لم تستطع الإجماع على صيغة لحكم اليمن مستقبلاً كبديل عن الرئيس علي عبدالله صالح، فهناك مصالح لكل حزب، وترتبط هذه المصالح بالنزعات الانفصالية كما هو حال الأحزاب الجنوبية، أو بأجندة مذهبية كما هو في صعدة، أو الأحزاب التقليدية التي تسعى إلى الحكم منذ فترة طويلة، أو الجماعات الليبرالية التي تحلم بنهاية حكم العسكر، بالإضافة إلى الأحزاب والجماعات الإسلامية وهي ليست قليلة في اليمن، وكل ذلك يأتي في ظل انقسام في الجهاز العسكري والأمني وإن كان في غالبيته مؤيداً للرئيس علي عبدالله صالح وتحت إمرة عائلته.

وما يزيد هذا الوضع المعقد تفاقماً هو دور القبائل التي ستبحث عمن يستطيع توفير مطالبها ولا يقلص نفوذها التقليدي، إضافة إلى وجود كميات من الأسلحة الموجودة لدى اليمنيين والتي يستحيل سحبها من شعب يعتبر السلاح مثل القوت اليومي، كما أنه من المعروف أن عناصر تنظيم (القاعدة) منتشرون في اليمن ولهم وجود كثيف ومن الصعب تعقبهم بسبب التضاريس والطبيعة الجغرافية لليمن، ناهيك عن وجود متعاطفين معهم يوفرون لهم الحماية والعتاد، كما لا يمكن تجاهل وجود تأثير حقيقي لحزب المؤتمر الشعبي الحاكم في الشارع السياسي، كل ذلك يهدد بنشوب حرب أهلية طويلة المدى في هذا البلد المتخم بالمشكلات، والمثقل بالأعباء ما لم يتم إرساء حل سلمي مقبول من جميع الأطراف ومن دون جور طرف على حقوق آخر.

إذاً المعطيات على الأرض لا تنبئ بانتقال سلس وهادئ للسلطة في اليمن كما يتمنى البعض، لذلك فإن البحث عن حل يضمن الاستقرار يتطلب التفكير الجاد والحاسم من جانب دول مجلس التعاون الخليجي بالتعاون مع الدول العربية والإسلامية، والقوى الكبرى ممثلة في الولايات المتحدة الأمريكية ودول الاتحاد الأوروبي للبحث عن صيغة عملية مدروسة لإنهاء الأزمة اليمنية تعتمد على عدم إقصاء حزب المؤتمر الوطني الحاكم من السلطة أسوة باستئصال حزب البعث في العراق، أو حرمان عناصر الحزب الوطني في مصر من الوصول إلى الحكم، أي القبول بمرحلة مخاض سياسي تعتمد على اقتسام السلطة بين الحزب الحاكم والمعارضة والشباب المنادين بالتغيير، والحفاظ على الكيان العسكري والأمني للدولة لضمان ضبط إيقاع الحياة وإلا سيدخل اليمن في حالة من الفوضى المدمرة نظراً لما تحتضنه من فسيفساء مسلح يتحكم فيه خليط من المصالح المتناقضة.

إن مشكلة اليمن الحقيقية هي الفقر وسوء الوضع الاقتصادي بالإضافة إلى الفساد السياسي، والحل يكمن في تبني المجتمع الدولي مساعدات مالية لإعادة تأهيل اليمن اقتصادياً، ومساعدته على إجراء انتخابات نيابية ورئاسية تحت إشراف المجتمع الدولي أو جامعة الدول العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي. وفي حال إجراء إصلاحات سياسية تضمن تداول السلطة سلمياً، وتطبيق إصلاحات اقتصادية فعالة في ظل وجود دولة مركزية ديمقراطية تحقق الأمن والرخاء والمشاركة السياسية للجميع فسوف تنتهي تقريباً كافة مشكلات اليمن.

وما لم تتدخل دول مجلس التعاون الخليجي والقوى الكبرى لإنهاء الأزمة اليمنية بالطريقة المثلى سيظل الجسد اليمني المنهك ينزف، واقتصاده الهش يتدهور، ووضعه الأمني ينهار، ويتحول إلى ساحة للفوضى والإرهاب، وتجارة السلاح، وتهريب البشر والمخدرات، وفوق كل ذلك سيكون بؤرة للصراع الإقليمي الذي سيقود إلى المزيد من إراقة الدماء تحت مسميات حروب مذهبية ونزعات انفصالية، خاصة أن الأمثلة كثيرة في الشرق الأوسط، فالطموح الإيراني إلى التواجد في اليمن واستخدام الورقة الطائفية قديم ومعروف وسوف يزداد في حال غياب الدولة اليمنية المركزية، وسيقابله تنامي دور تنظيم (القاعدة) كرد فعل للوجود الإيراني أو بدعم من جانب طهران لتبرير وجودها، أو لتشويه صورة الإسلام السني، كما اعتادت السياسة الإيرانية منذ أحداث 11 سبتمبر 2001م.

إن قوى المعارضة اليمنية رغم تعدد مشاربها، وسعة نفوذها ووجودها على الأرض، لن تتمكن من تقديم الحل السحري الذي سينقل اليمن إلى حالة يتحقق فيها الأمن والاستقرار. فاليمن يتجه إلى المجهول، وسوف يتضح ذلك بعد زوال تأثير نشوة النصر على نظام الرئيس علي عبدالله صالح.

كلمات دليلية
د. عبدالعزيز بن عثمان بن صقر 83