انت هنا: الرئيسية العدد 85مقالاتطبيعة الدور الإيراني في الشرق الأوسط

طبيعة الدور الإيراني في الشرق الأوسط

انشأ بتاريخ: السبت، 01 تشرين1/أكتوير 2011

يستحوذ الدور الإيراني في منطقة الشرق الأوسط على اهتمام كبير من قبل الكثيرين، إذ يقر الجميع بدور إيراني إقليمي فاعل في هذه المنطقة، ولا ينحصر هذه الدور فقط في التأثير السياسي، وإنما يشمل أبعاداً جيوبوليتية واستراتيجية بالإضافة إلى الأبعاد الثقافية والدينية. ويعتبر الدور الإيراني وتأثيره في الشرق الأوسط نتاجاً طبيعياً لسياسة إيران الخارجية التي يقر العديد من المحللين والمهتمين والمتابعين بغموضها وصعوبة فهمها.

تنطلق سياسة إيران الخارجية في رؤيتها للعلاقات الدولية من منطلق مصالحها الحيوية، ويبدو أن الصراع بين الإصلاحيين والمحافظين ليس له انعكاس ظاهر على جوهر السياسة الخارجية الإيرانية وأهدافها وإنما على آليات واستراتيجيات تحقيقها، لأن قضية المصالح الوطنية الإيرانية تبقى محل إجماع وطني. وقد لا يكون الدور الذي تلعبه إيران اليوم في المنطقة فقط وليداً لسياستها الخارجية الراهنة، وإنما يعود لوجود عوامل أخرى ساعدت على بلورة وإنضاج وتصاعد هذا الدور. فإيران لم تخرج في سعيها لتحقيق أهدافها الإقليمية في منطقة الشرق الأوسط عن أهدافها وسياساتها طوال سنوات الحرب الباردة وقبل استيلاء الثورة الإسلامية الخمينية على الحكم.

لعبت إيران خلال فترة حكم الشاه الدور الإقليمي الأقوى في منطقة الشرق الأوسط وكانت حليفاً رئيسياً للولايات المتحدة، الأمر الذي سهل عليها تحقيق نفوذ ملموس خصوصاً بعد جلاء القوات البريطانية عن شبه الجزيرة العربية. وتوجه الاهتمام المركزي لسياسة إيران الخارجية منذ ستينات القرن الماضي نحو غرب آسيا في الخليج جنوباً والبلدان العربية غرباً، وأفغانستان وباكستان والمحيط الهندي في الشرق والجنوب الشرقي. وكانت إيران تبرر سياستها الخارجية آنذاك بحماية مصالح الأمن القومي الخاصة بها، وحماية استقرار تلك البلدان متحججة بضمان أمن خطوط نقل النفط عبر الخليج.

لقد سلكت إيران سياسة نشطة تجسدت بتدخل مباشر وآخر غير مباشر عن طريق الدعم المادي والعسكري، فقد دعمت إيران القوات الكردية بالسلاح في شمال العراق للبدء بحرب ضد الحكم المركزي في بغداد، وتدخلت في اليمن الشمالي خلال الحرب الأهلية ما بين عامي 1962 و 1970 لدعم الملكيين ضد النظام الجمهوري وقوات الجيش المصري المؤيد للجمهوريين، كما ساندت سلطنة عمان عام 1971 وحاربت معها ما بين عامي 1973 و 1976 جبهة التحرير في إقليم ظفار الجنوبي من السلطنة.

ولم تتورع إيران عن شن اعتداءات أو سلوك مواقف مزدوجة تحقيقاً لأهدافها، فقد شاركت عام 1973 في ضرب رجال العصابات في إقليم بلوخستان الباكستاني المتاخم لحدودها، وأوقفت دعمها للأكراد بعد اتفاق إيراني عراقي، كما بقيت تلعب دوراً هاماً في عمان رغم انتهاء القتال محتفظة بعدد من قواعدها الجوية والبحرية.

وبعد قيام الثورة الإسلامية طرأ تحول على علاقات إيران الدولية والإقليمية في المنطقة، خاصة بعد تبدل سياسة الولايات المتحدة تجاه إيران واعتبارها عدواً بعد أن كانت حليفاً، واصطدام مبادئ الثورة الإسلامية بجدار الاختلاف السياسي مع العديد من الأقطار الإسلامية والعربية والاختلاف المذهبي مع الحركات الإسلامية السنية. ولكن طموحات الجمهورية الإسلامية وأهدافها السياسية بقيت ثابتة ولم تتغير رغم الحصار الأمريكي والعزلة العربية الإسلامية، إلا أن استراتيجية إيران في تحقيق سياستها الخارجية هي التي اختلفت.

فإيران لم تخف رغبتها وسعيها للهيمنة على منطقة الشرق الأوسط لتصبح القوة الاقليمية العظمى. إلا أن افتقاد إيران للقوة العسكرية الكافية الضروريه للعب هذا الدور يعتبر المعضلة الحقيقية التي تواجه إيران اليوم في تحقيق أهداف سياستها الخارجية في المنطقة، والتي امتلكتها إبان حكم الشاه وتحالفها مع الولايات المتحدة.

لم تستطع إيران أن تخفي ازدواجية مواقفها في ظل الثورات العربية الحالية

ولأن إيران لا تمتلك شريكاً استراتيجياً مميزاً تستطيع الاعتماد عليه لدعم مكانتها وسياستها الإقليمية وضمان أمنها وتطور اقتصادها، لجأت إلى عقد شراكات بديلة وتحقيق التوازنات. وعلى الرغم من نجاح إيران في تحقيق الشراكة مع بعض دول أوروبا، لم توفر هذه الشراكة لها بديلاً عن الولايات المتحدة، وظلت أوروبا محكومة بموقف الولايات المتحدة وإسرائيل من إيران إلى حد كبير وخاصة فيما يتعلق بقدرة إيران النووية ودورها في منطقة الخليج والشرق الأوسط بشكل عام.

وعلى الرغم من القلق الروسي الصيني من تصاعد إيران مسلحة نووياً، خلقت المصالح المتبادلة بين إيران من جهة وكل من الصين وروسيا الاتحادية (كل على حدة) من جهة أخرى علاقات شراكة وتحالفات متنوعة ومتوازنة، إما لمواجهة سياسات الولايات المتحدة في المنطقة وإما من منطلق تبادل المنفعة. ولا تعتبر إيران شراكتها مع هذين البلدين بديلاً مؤقتاً إلى أن تستعيد علاقاتها مع الولايات المتحدة وتنتهي العقوبات، وإنما تعكس هذه الشراكات قراراً استراتيجياً يهدف إلى تعزيز الاستقلال في مواجهة الغرب.

لقد تعدت أهداف السياسة الخارجية الإيرانية في منطقة الشرق الأوسط حدود الاهتمام بالأمن القومي والإقليمي إلى مرحلة الهيمنة وبسط النفوذ في مناطق عديدة عربية وإسلامية مجاورة للجمهورية الإسلامية وبعيدة عنها. ويؤكد قادة إيران أن بلادهم تسعى لتحقيق أهدافها الخارجية من خلال نمطين من القوة: القوة الخشنة كآلية دفاعية لحماية مصالح وطنية حيوية، وكقوة ردع تدعم مكانتها ومركزها الإقليمي بين دول المنطقة والعالم، والقوة الناعمة لتحقيق تنامي الدور والمصالح والهيمنة والتغلغل في المنطقة.

وتقوم القوة الخشنة على امتلاك القدرة العسكرية الكبيرة والفعالة لضمان تحقيق أهداف إيران الخارجية في المنطقة بضمان مكانة إقليمية مميزة وقدرة لبسط النفوذ. وتستخدم إيران قوتها لتحقيق سياستها الخشنة في منطقة الشرق الأوسط سواء من خلال حروبها المباشرة كحربها مع العراق أو امتلاك السلاح النووي. ذلك السلاح الذي سيمنحها قوة ردع جبارة في منطقة لا تمتلك أكثر دولها ذلك السلاح، إذ أن امتلاكه يجعل إيران نداً نووياً لأقوى دول المنطقة وأكثرها نفوذاً وعلى رأسها إسرائيل، كما سيغير بالتاكيد من معادلة التوازن العسكري في المنطقة بأسرها، الأمر الذي يفسر مساعي إسرائيل والولايات المتحدة المتواصلة وتجنيد الحلفاء من أجل ردع إيران عن المضي قدماً لامتلاك السلاح النووي. ولم تختلف سياسة إيران اليوم بامتلاك القوة الخشنة لتحقيق أهداف سياستها الخارجية عن سياسة إيران في الماضي، فقد سعت إيران أن تكون قوة عسكرية مميزة في منطقة الشرق الأوسط منذ عهد الشاه، بل وسعت إلى امتلاك ترسانة نووية عسكرية ووضعت أسسها بدعم ومساعدة من الولايات المتحدة حليفتها الأقوى في ذلك الوقت.

ترفض إيران وجود سلطة عراقية قوية تحكم بمعزل عن سلطتها ونفوذها

واستخدمت إيران الإسلامية القوة الناعمة أيضاً في سبيل تحقيق أهداف سياستها الخارجية، فلم تخفِ إيران نواياها ببسط نفوذها بوسائل مختلفة منها (تصدير الثورة) ودعم حلفاء لها سياسياً وعسكرياً واقتصادياً، ناهيك عن دعم القوى الشيعية في المنطقة. ومنذ أن أطلق المرشد الروحي للثورة الإسلامية الإمام (الخميني) مشروع (تصدير الثورة) قبل ثلاثة عقود، لم تتراجع إيران رسمياً عنه حتى يومنا هذا. فإعلان إيران رفضها لوجود إسرائيل في المنطقة، ودعمها حركات المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي، أكسبها تعاطفاً لدى بعض شعوب المنطقة، ومنحها قدرة على التغلغل داخل منطقة الشرق الأوسط. إلا أن سياسة إيران في (تصدير الثورة) عقدت العلاقات بينها وبين العديد من دول المنطقة وعلى رأسها العراق، فاندلعت الحرب العراقية - الإيرانية عام 1988، وتوترت العلاقات الإيرانية الخليجية خصوصاً وأن إيران لم تنسحب من الجزر العربية التي احتلتها إبان حقبة الشاه ولا تزال تحتلها حتى اللآن، كما عانت العلاقات الإيرانية المصرية من أزمات متتالية.

وتدعم إيران حلفاءها في المنطقة وعلى رأسهم سوريا الحليف العربي الأكبر، كما تدعم حكومة البشير في السودان بالمال والسلاح لتضمن لها مكاناً ونفوذاً في إفريقيا. ونجحت إيران في دعم حركات شيعية وإسلامية في بلاد عربية أخرى لتعزيز نفوذها في منطقة الشرق الأوسط، وعلى رأسها حزب الله في لبنان، تلك الحركة الشيعية التي باتت اليوم ركناً أساسياً في التشكيلة السياسية اللبنانية، وذراعاً شيعياً قوياً في منطقة الشرق الأوسط، وكذلك حركتي حماس والجهاد الإسلامي اللتين تدعمهما إيران دعماً سياسياً ومالياً ولوجستياً كبيراً، بالاضافة بالطبع إلى دعمها للحوثيين في اليمن، وكذلك بعض الحركات الشيعية والاسلامية في مناطق عربية أخرى مما أدى إلى تغلغل إيران في صميم القضايا الداخلية لدول المنطقة.

امتلاك السلاح النووي سيجعل إيران نداً نووياً لأقوى دول المنطقة وأكثرها نفوذاً وعلى رأسها إسرائيل

ولا يخفى الدور الذي تلعبه إيران في العراق على أحد بعد دعمها لحرب الولايات المتحدة لضرب نظام صدام حسين في العراق، وزعمها بدعم المقاومة ضد الاحتلال الأمريكي للعراق بينما تهادن المرجعية الشيعية الموالية لها هذا الاحتلال. وترفض إيران وجود سلطة عراقية قوية تحكم بمعزل عن سلطتها ونفوذها، ولا تخف دعمها ومساندتها للشيعة على حساب السنة، الأمر الذي فتح جبهة جديدة للصراع بين إيران والدول العربية الداعمة لدور ومكانة سنة العراق في حكم البلاد. وقد مارست إيران ذات الدور في أفغانستان بعد سقوط حركة طالبان السنية بمساعدة إيرانية معلنة للولايات المتحدة، ودعم إيراني للشيعة على حساب الأغلبية السنية. ولم تستطع إيران أن تخفي ازدواجية مواقفها في ظل الثورات العربية الحالية، فعلى الرغم من دعمها الصارخ للثورة المصرية وانتقادها الشديد لقمع حكومة البحرين المظاهرات الاحتجاجية فيها، نجدها تقف ضد الحركة الشعبية المطالبة بالديمقراطية في سوريا وتدعم نظام الأسد مؤكدة أنها لن تسمح بسقوطه وتغض الطرف عن سياساته القمعية.

جاءت الحرب الأمريكية على أفغانستان وما تلاها من حرب على العراق، لتخدم مصالح إيران في المنطقة بعد أن حيدت إثنين من أكبر جيران إيران عداءً، فسقوط نظام صدام حسين أفسح المجال لحلفاء إيران الشيعة للاستيلاء على الحكم. كما ساعدت التحديات التي واجهتها الولايات المتحدة كقوة احتلال في العراق وأفغانستان وغرقها في معضلات ما زالت تبحث عن حلول ومخارج منها، إلى تصاعد مكانة إيران الإقليمية ودورها الاستراتيجي في المنطقة. كما كان لمحاولات الولايات المتحدة فرض العزلة والعداء للسلطة في سوريا وحزب الله في لبنان وحركة حماس في فلسطين إعطاء المزيد من الزخم لإيران الداعمة لهذه القوى العربية. ساعدت هذه العوامل مجتمعه في دعم المكانة الإقليمية لإيران اليوم في منطقة الشرق الأوسط، خصوصاً في ظل فشل سياسة العقوبات الأمريكية والضغط الدولي على إيران في حل مشكلة الملف النووي الإيراني.

من الصعب انكار الدور والمكانة الإقليمية التي تحتلها إيران اليوم خاصة إذا ما نجحت في تحقيق حلمها النووي، وتعزيز نفوذها السياسي والديني داخل بلدان عديده في منطقة الشرق الأوسط، وبالمقابل لا يمكن تجاهل أثر تفاعلات الوضع الداخلي الإيراني الراهن والمستقبلي في ضوء المتغيرات التي تجري في المنطقة على قوة إيران ودورها. كما أن التحول الديمقراطي الذي تشهده منطقة الشرق الأوسط قد يغير موازين القوة بين دول المنطقة وتحالفاتها، مما يعيد صياغة أدوار هذه الدول ونفوذها في معادلة التوازن الإقليمي، فقد يؤدي انهيار نظام بشار الأسد في سوريا إلى إحداث انقلاب في التحالفات وموازين القوى في المنطقة.

كلمات دليلية

الشركات المعلنة