;
الصفحة السابقة

دول الخليج العربية والتوجه شرقاً نحو الصين

انشأ بتاريخ: الأحد، 01 أيار 2011

تبنى مركز الخليج للأبحاث ومجلة (آراء حول الخليج)، منذ بداية القرن الميلادي الحالي، أهمية تفعيل العلاقات الخليجية - الصينية في إطار بناء منظومة علاقات خليجية متوازنة مع مختلف دول العالم على أسس التعاون البنّاء، وضمن استراتيجية العلاقات القائمة على خدمة اقتصادات دول الخليج العربية، وتفعيل مساهمتها البناءة في الاقتصاد العالمي بما يتناسب مع إمكاناتها ومدى حاجتها إلى توظيف هذه الإمكانات والاستفادة من العوائد النفطية في تحديث مجتمعاتها، خاصة أن هذه الدول تعتبر النفط أداة للتنمية، وليست وسائل ضغط سياسية يمكن توظيفها لتمرير أيديولوجيات معينة، كما أن الاهتمام بالصين جاء في وقت تلاشت فيه أخطار الأيديولوجيات الإلحادية والمد الشيوعي بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وسقوط جدار برلين وانتهاء الحرب الباردة وزوال الأفكار الماركسية والماوية، ويضاف إلى ذلك - حالياً - التعثر الأمريكي في العراق وأفغانستان، واقتراب انحسار دور واشنطن الأمني في الخليج، بل مع بوادر أفول نجم الإمبراطورية الأمريكية، ومع اقتراب بزوغ فجر إمبراطوريات جديدة خلال القرن الحالي.

لكن لماذا الاهتمام بالعلاقات الخليجية - الصينية تحديداً؟ والإجابة عن هذا السؤال تكمن في أسباب عدة واقعية ومستقبلية تأخذ في اعتبارها أهمية وضخامة الاقتصاد الصيني، واستهلاك الصين المتنامي للنفط والغاز الخليجي، وكون أسواق الجانبين واسعة وقابلة لاستيعاب منتجات الطرف الآخر، بالإضافة إلى أهمية الاستثمارات المشتركة وما يمكن أن تحقق من فوائد كبيرة للجانبين في ظل الوفرة المالية لدول الخليج العربية، وزيادة معدلات التنمية وتحقيق الصين نجاحات وقفزات اقتصادية غير مسبوقة بين الاقتصادات الناشئة، حيث تبلغ قيمة الاستثمارات الخليجية - الصينية حالياً ما يقارب 50 مليار دولار، والصين ثالث أكبر دولة تجارية في العالم، ويتبوأ الاقتصاد الصيني المرتبة الثانية عالمياً، كما أن الصين تأتي في المرتبة الثانية عالمياً من حيث امتلاك الاحتياطيات النقدية بعد اليابان، وبحلول العام 2050م سيكون الاقتصاد الصيني أكبر من اقتصاد الولايات المتحدة الأمريكية بمقدار 43 في المائة قياساً إلى القوة الشرائية، كما أن بكين تسعى إلى رفع حجم اقتصادها إلى 4 تريليونات دولار بحلول عام 2020م، وإضافة إلى ذلك يعيش في الصين أكثر 1.3 مليار نسمة بنسبة 22 في المائة من سكان العالم بينهم 50 مليون مسلم.

لقد بدأت بالفعل حركة التجارة بين الجانبين الخليجي والصيني تحقق ارتفاعاً تصاعدياً منذ عام 1991م، حيث بلغ حجم التبادل التجاري بين الجانبين في العام نفسه 1.5 مليار دولار، سرعان ما ارتفع إلى 11.2 مليار دولار في عام 2002م، ووصل إلى 33.8 مليار دولار في عام 2005م، ثم قفز إلى 70 مليار دولار في عام 2008م، منها 42 مليار دولار للصادرات الخليجية و28 مليار دولار للواردات الصينية.

وتعتبر الصين بلداً مستورداً لكل احتياجاته من النفط منذ العام 1993م، وثالث مستهلك للطاقة في العالم، حيث يستهلك 10 في المائة من طاقة العالم يأتي نصفها من الخارج، وتستورد الصين 55 في المائة من احتياجاتها النفطية من دول الخليج العربية، ومن المتوقع أن تصل هذه النسبة إلى 65 في المائة عام 2015م، فيما تسارع استيراد الصين للغاز من (صفر) عام 2000م، إلى ما بين 20 و35 مليون متر مكعب قبل نهاية عام 2015م، كما أن معدلات النمو العالية التي يشهدها الاقتصاد الصيني والتي تتجاوز 9 في المائة سنوياً تخلق نوعاً من زيادة الاعتماد على الطاقة للوفاء بالمتطلبات المتزايدة لمواكبة لهذا النمو.

وإذا كان الحديث عن الاقتصاد ومدى أهميته كمحور مهم وأساسي في بناء علاقات أكثر رسوخاً بين دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية والصين، فإن هناك محفزات أخرى يجب استثمارها والبناء عليها في تطوير هذه العلاقة، فمن المعروف تاريخياً أنه ليست للصين أطماع خارجية، ولم تخرج خارج حدودها بحثاً عن الاستعمار والهيمنة على دول أخرى، أو لبسط نفوذها في الخارج، ومن المعروف أيضاً أن التنين الصيني منكفئ وبطيء التحرك خارج جحره كقوة عسكرية أو طرف في تحالفات دولية أو إقليمية، ومن ثم ليست له أطماع توسعية خارجية، وذلك في الوقت الذي تتمدد فيه الصين اقتصادياً، مع تكهنات قوية بقرب ظهور عالم متعدد الأقطاب وأفول نجم الولايات المتحدة كقوة عالمية أحادية وما يتبع ذلك من تراجع للدور الأمني والاستراتيجي لواشنطن في منطقة الخليج، ولذلك يجب أن تتوجه أنظار دول الخليج العربية شرقاً نحو الصين في مجالات الاقتصاد، الطاقة، والأمن، لملء الفراغ الذي ستخلفه مغادرة الولايات المتحدة الأمريكية سواء كان الرحيل الأمريكي وشيكاً أو بعيد المدى، وسواءً كان جزئياً أو كلياً.

كما أن الصين تقدمت كثيراً في مجالات العلوم التطبيقية والفضاء والتسليح العسكري، بالإضافة إلى الصناعات الأخرى التي تشتهر بها الصين، ناهيك عن تخليها ولو جزئياً عن سياسة الستار الحديدي وانخراطها بالمجتمع الدولي بصورة مؤثرة وفاعلة خاصة في عصر العولمة وتطبيق اشتراطات منظمة التجارة العالمية.

وإذا كان الحديث يدور في مجمله على أهمية الانفتاح على الصين، فبالقدر نفسه بكين مطالبة بالتوجه ذاته، حيث الرغبة المتبادلة تسهل هذا التقارب الذي يهم الصين بالقدر الذي يهم دول الخليج أو ربما أكثر، حيث إن حاجة بكين كبيرة للنفط والطاقة والتصدير للأسواق الخليجية، والاستثمارات الخليجية والتبادل التجاري مع هذه المنطقة ذات القوة الشرائية والاستهلاكية العالية، ومن ثم لابد من التنسيق الجاد من أجل إيجاد منطقة تجارة حرة بين الطرفين، وإزالة العقبات الجمركية أمام الصادرات الخليجية إلى الصين، وفتح الأسواق الصينية أمام الصادرات والاستثمارات الخليجية، وتخفيض التعرفة الجمركية على صادرات دول الخليج إلى الصين، كما أنه من الضروري أن تحسّن الصين من جودة السلع والمنتجات التي تستهدف الأسواق الخليجية، وأن تكون مطابقة لمعايير الجودة العالمية، خاصة أن هذه الأسواق جاذبة للسلع ذات الجودة العالية من شتى بقاع العالم، وليست في حاجة إلى منتجات منخفضة الثمن ذات جودة متدنية.

ومطلوب أيضاً في المرحلة المقبلة تحرك أمانة مجلس التعاون الخليجي تجاه الصين، وإن كان هذا التحرك قد بدأ بالفعل منذ فترة، لكن يجب تفعيله بما يعزز العلاقات الخليجية - الصينية من كافة جوانبها.

 

كلمات دليلية
د. عبدالعزيز بن عثمان بن صقر 80