;
الصفحة السابقة

أمن الطاقة.. بين إغلاق مضيق هرمز ومشروع قناة الحجاز

انشأ بتاريخ: الأربعاء، 01 كانون1/ديسمبر 2010

(أمن الطاقة هو نتاج مجموعة معقدة من العوامل الاقتصادية والسياسية المترابطة والمتصلة بالبيئة، وأن هناك حاجة إلى الرصد الدائم، والبحث والحوار من أجل اتخاذ قرارات وسياسات صائبة وذكية)، بهذه الكلمات بدأت فعاليات مؤتمر (أمن الطاقة 2010) حاملاً شعار (آفاق التعاون بين الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون لدول الخليج العربية) والذي نظمه مركز البحرين للدراسات الاستراتيجية والدولية والطاقة في مملكة البحرين خلال يومي التاسع والعاشر من نوفمبر 2010، ليعيد طرح جملة من التساؤلات حول قضية مهمة تشغل العالم أجمع بمنتجيه ومصدريه ومستورديه لمحركات التنمية، فما هي التهديدات لأمن الطاقة في العالم؟ وهل برزت تهديدات جديدة أم لا تزال هي تلك القائمة؟ وإلى أي مدى يمكن تقليل مخاطر تلك التهديدات والحد منها؟

بداية، يمكن القول إن الاهتمام بأمن الطاقة وقضاياها المتشعبة يعود من الناحية التاريخية إلى عشية الحرب العالمية الأولى عام 1914، حينما اتخذ الزعيم البريطاني ونستون تشرتشل، وكان في حينها وزيراً للبحرية، قراراً بتحويل طاقة أسطول البحرية التي كانت تعمل بالفحم إلى العمل على النفط الخام، لجعل الأسطول البريطاني أسرع وأكفأ من نظيره الألماني. ومنذ ذلك التاريخ، بدأ الاهتمام المتصاعد بأمن الطاقة، وإن تركز آنذاك في قضية واحدة تعلقت باختلال التوازن بين عرض الإمدادات والطلب عليه في السوق، تلك القضية التي استمرت حتى بدايات القرن الحالي وبرزت بصورة جلية فيما شهده سوق الطاقة من ارتفاع مطرد في الأسعار ليصل إلى مستوى 150 دولاراً للبرميل في أغسطس 2008، لكن لم يعد يُعزى أمن الطاقة إلى تلك القضية فحسب، بل أصبح يُعزى إلى العديد من القضايا والإشكاليات، فقد أصبح مرادفاً لعدم اليقين في بعض الدول المصدرة، والسباق والتنافس الجيوسياسي بين مختلف الأطراف، وكذلك إلى التهديدات الإرهابية، وأيضاً حاجة الدول إلى الطاقة لتعزيز نموها الاقتصادي، ولعل الطلب المتعاظم على الطاقة في الصين لتعزيز عملية النمو الاقتصادي فيها يُعد من أبرز الأمثلة على ذلك، ولاسيما أن الصين كانت حتى وقت قريب مصدراً صافياً للنفط، بيدَ أن ذلك تغير جذرياً في السنوات القليلة الماضية، مع ارتفاع الاستهلاك على النفط فيها إلى أكثر من 7 ملايين برميل يومياً متجاوزة في ذلك اليابان، التي كانت حتى وقت قريب ثاني أكبر مستهلك للطاقة في العالم، وتشير التقديرات إلى أن الصين بمعدلات النمو الاقتصادي الحالية التي تقترب من الـ 10 في المائة سنوياً يمكنها أن تتجاوز الولايات المتحدة الأمريكية الـمستهلك الأول للطاقة في العالم بحلول2025م.

لكن، رغم كل هذه القضايا المتعلقة بقضية أمن الطاقة، إلا أنه من الجدير بالملاحظة أن تلك القضية ترتبط في جانبها الأكبر أو يمكن إجمال أبعادها في مجالين مهمين: الأول، ضمان المناطق للإمداد المستقر للنفط واستمرار الطلب عليه. والثاني، حماية سلامة خطوط نقل النفط والغاز. والحقيقة أن هذين المجالين قتلاً بحثاً ودراسة من جانب المتخصصين والباحثين والدارسين حول أبعادهما وتداعياتهما على مستقبل الطاقة بل على مستقبل العالم باعتبارها من أهم القضايا ذات البعد الاستراتيجي والمستقبلي.

وإذا كان صحيحاً أن قضية حماية سلامة خطوط نقل النفط والغاز، تتجلى في ضمان سلامة خطوط النقل سواء البرية أو البحرية أو خطوط الأنابيب بصورة أساسية، فإنه من الصحيح أيضاً أن ضمان أمن الممرات البحرية أو ما يطلق عليه (نقاط الاختناق) يحظى بأهمية كبرى بدءاً من مضيق هرمز الذي يمر من خلاله أكثر من 17 مليون برميل يومياً أو ما يعادل 40 في المائة من تجارة النفط البحرية، مروراً بمضيق باب المندب الذي يربط بحر العرب بالبحر الأحمر، ومضيق مالقة الذي يربط شبه القارة الهندية بشواطئ المحيط الهادي، انتهاء بمضيق البوسفور الذي يربط البحر الأسود وبحر قزوين بالدول المطلة على شواطئ البحر الأبيض المتوسط.

ويتضح مما سبق مدى الأهمية التي يحظى بها مضيق هرمز الذي استحوذ على جانب كبير من المناقشات في مؤتمر أمن الطاقة سالف الذكر، حيث تركزت المناقشات حول مدى إمكانية إغلاق مضيق هرمز أمام التجارة الدولية، وتداعيات ذلك على أمن الطاقة؟ خاصة في ظل التوترات والتهديدات التي تتبادلها كل من الولايات المتحدة وإسرائيل من جانب وإيران من جانب آخر بخصوص برنامج الأخيرة النووي. والحقيقة أنه على الرغم من تأكيد جميع الأطراف المشاركة في المؤتمر على أن هذا المضيق ممر مائي دولي ولا يحق لأحد الأطراف إغلاقه في وجه الملاحة الدولية، إلا أنه من المعروف تاريخياً وعسكرياً وأمنياً واستراتيجياً أن الدول المتحكمة في مثل هذه الممرات تلجأ في حالة اندلاع حرب أو نزاع مع أطراف أخرى إلى إغلاق مثل هذه الممرات الحيوية حماية لأمنها القومي، وهو ما دفع أحد الباحثين المصريين إلى طرح تصور جديد ربما يمثل نقطة بداية لتغيير ملامح المنطقة وأهميتها واستراتيجيتها وتخطيطها وتوجهاتها. فإذا كان صحيحاً أن مضيق هرمز يمثل الحلقة الأكثر أهمية في الممرات المائية البحرية، فإنه من الصحيح أيضاً أن هذه الأهمية يمكن أن تتلاشى أو على الأقل تتضاءل أمام مشروع (قناة الحجاز) ذلك المسمى الذي أطلقه الباحث على مشروعه للقضاء على التهديدات بإغلاق مضيق هرمز. وتتلخص فكرة المشروع في شق قناة تمر بشمال أراضي المملكة العربية السعودية تبدأ من الخفجي على الخليج العربي وتنتهي عند ميناء ضباء على البحر الأحمر لتكمل مسيرتها عبر قناة السويس والبحر المتوسط.

والحقيقة أنه على الرغم مما يواجهه مثل هذا الطرح من صعوبات جمة سياسية واقتصادية وجغرافية وأمنية واستراتيجية، إلا أنه يظل طرحاً واجب الدراسة والتحليل من جانب المتخصصين والمسؤولين لمّا يمكن أن يمثله من بداية حقيقية لإعادة رسم خريطة المنطقة بأسرها. فصحيح أن إتمام مثل هذا المشروع لن يجعل مضيق هرمز عديم الجدوى، لكن يقلل من مستوى الأهمية الكبرى التي يحظى بها، فضلاً عن العوائد الاقتصادية التي تجنيها مختلف الأطراف بدءاً من المملكة العربية السعودية بما تفرضه من رسوم لعبور القناة البالغ طولها ما يقرب من 1200 كم، وما يمكن أن تقيمه من مدن ساحلية على هذه القناة، فضلاً عن إمكانية إقامة محطات تحلية المياه ...إلخ، مروراً بشركات نقل النفط حيث تقل التكلفة سواء تكلفة النقل الذي يصل طول مساره لأكثر من 8500 كم أو تكلفة التأمين نظراً لتقليل حجم المخاطر والتهديدات، خاصة أنه في هذه الحالة ستتفادى السفن المرور بمضيق باب المندب وما يعانيه من جرائم قرصنة تعيق حركة التجارة وترفع تكلفة النقل والتأمين.

ومن هذا المنطلق، نخلص إلى القول إنه إذا كان من الصحيح أن قضية اختلال التوازن بين العرض والطلب ستظل تحظى بأولوية مهمة لدى المسؤولين في تحقيق أمن الطاقة، فإن الواقع يكشف بل يؤكد على أن قضية أمن الممرات البحرية يجب أن يوليها الجميع أهمية مضاعفة، خاصة إذا علمنا أن إطلاق التعاميم المغلوطة ذات الطابع النمطي والتي طالما تتردد في وسائل الإعلام الغربية متشدقة بأن إمدادات الطاقة من دول الخليج والشرق الأوسط هي بالضرورة غير مستقرة يجانبها الصواب في كثير منها، فالمتتبع للتاريخ القريب لسجل الدول المنتجة للنفط يكتشف أن أغلب الاضطرابات التي تشهدها الدول النفطية تنحصر في دول خارج منظومة الخليج العربي والشرق الأوسط، منها على سبيل المثال لا الحصر الإضرابات العمالية لعمال النفط التي شهدتها فنزويلا عام 2002 احتجاجاً على ترشيح الرئيس الفنزويلي شافيز لولاية ثانية، وكان من نتائجه تراجع الإنتاج فيها إلى أكثر من الثلث. كما تشهد نيجيريا أكبر دولة نفطية في إفريقيا قلاقل مستمرة من قبل المتمردين الانفصاليين في حوض دلتا النيجر مما تسبب في تراجع صادراتها للولايات المتحدة. كما تتمتع المنطقة بطبيعة جغرافية متميزة بخلاف المناطق الجغرافية الأخرى، فهي في منأى عن الأعاصير كإعصار (كاترينا) الذي ضرب خليج المكسيك صيف عام 2005. فضلاً عن ذلك تحرص دول المنطقة على تأمين استقرار السوق من خلال إمداده بما هو مطلوب لتحقيق التوازن من دون الإخلال بأسعار النفط، إذ تشير المنظمة العربية للاستثمارات النفطية (أبيكورب) إلى أنه من المتوقع أن ينفق أكثر من 478 مليار دولار لهذا الغرض خلال الفترة 2011 - 2015 تتركز أغلبها في المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات وقطر بالإضافة إلى دول أخرى كالعراق والكويت والجزائر.

خلاصة القول أن الإمدادات التي مصدرها دول الخليج العربية هي إمدادات موثوقة يشهد على ذلك سجلها التاريخي الممتد لعقود طويلة خلت، وتظل الأزمة متمركزة في بعدين: الأول، أمن الطلب على الإنتاج، فإذا كانت الدول المنتجة حرصت على تحقيق أمن المعروض من الإمدادات (Security of Supply) الذي تشدد عليه باستمرار الدول الغربية المستوردة للطاقة، فإن من حقها أن تضمن أمن الطلب على الإنتاج (Security of Demand) من جانب هذه الدول. والثاني، البحث جدياً في تأمين وحماية الممرات البحرية، فهل ستحظى بالأهمية المطلوبة؟ تساؤل ستجيب عنه الأيام المقبلة. 

كلمات دليلية
أحمد طاهر 75