العدد 117

مارس 2017
انت هنا: الرئيسية كل المقالاتمقالالبعد الاقتصادي في العلاقات الإيرانية-الإفريقية

البعد الاقتصادي في العلاقات الإيرانية-الإفريقية

انشأ بتاريخ: الجمعة، 01 تشرين1/أكتوير 2010

لا شك في أن سعي إيران لتدشين وتوثيق علاقاتها الاقتصادية بالعديد من الدول الإفريقية ذات الثقل يمثل حلقة جديدة في سلسلة محاولات إعادة تفعيل السياسة الخارجية الإيرانية خاصة في المناطق ذات الأهمية الاستراتيجية والانطلاق نحو آفاق جديدة في القارة السمراء، مما يدعم القول بأن القارة الإفريقية لم تزل تمثل مجالاً حيوياً مهماً للسياسة الخارجية الإيرانية وفي القلب منها السياسة الاقتصادية.

الواقع أن إيران تهدف من تمتين علاقاتها بالروابط الاقتصادية مع دول القارة الإفريقية إلى خدمة أهدافها ببراغماتية فائقة وأبرزها هدفان رئيسيان: الأول محاولة كسر العزلتين الإقليمية والدولية بسبب طموحها النووي بإقامة علاقات مع دول من خارج منطقة الصراع ومحاولة كسب ود الدول الإفريقية في المحافل الدولية، وفتح سوق كبيرة في شرق إفريقيا مستفيدة من خبراتها البشرية ومواردها الطبيعية، فضلاً عن محاولة الدخول إلى مناطق الأزمات كمنطقة (الصراع العربي – (الإسرائيلي)) والتواجد في مداخل الممرات المائية، علاوة على التحسب لحدوث مواجهة عسكرية مع أمريكا أو (إسرائيل) فتصبح شرق إفريقيا جبهة للمواجهة يمكن الضغط من خلالها.

أما الهدف الثاني فهو إحياء فكرة تصدير الثورة الإيرانية التي خفتت منذ عقدين، لكنها عادت مع وصول التيار المحافظ بقيادة محمود أحمدي نجاد من خلال الدور الذي تقوم به المؤسسات الخيرية التي لها مشروعات في بعض الدول الإفريقية كمؤسسة (إمداد الإمام) التي تقوم في جزر القمر بدور في رعاية أُسر فقيرة وتأسيس مدارس وجمعيات خيرية.

وتتنوع الآليات التي تسعى إيران من خلالها إلى التغلغل في القارة الإفريقية منها: تدعيم واستعادة العلاقات الدبلوماسية مع دول القارة، والاستفادة من العضوية المشتركة في منظمة المؤتمر الإسلامي والعمل على صياغة أطر مؤسسية لتنظيم العلاقات مع الدول الإفريقية ومن أبرز الأمثلة على ذلك: الترويج لفكرة إنشاء تكتل وسوق تجاري بين الدول الإفريقية والآسيوية تكون إيران طرفاً فيه، وبحث المشاركة الإيرانية في الاتحاد الإفريقي بصفة مراقب، بالإضافة إلى آليات أخرى مثل تنظيم المؤتمر الأول للعلاقات الثقافية الحضارية بين إيران وإفريقيا وعقد منتدى التعاون الإيراني ـ الإفريقي، والذي حدد الأطر العامة للعلاقات الاقتصادية والتجارية بين الجانبين.

وعلى الرغم من أن حجم التبادل التجاري الحالي بين إيران والدول الإفريقية يصل إلى حوالي ‏300‏ مليون دولار سنوياً فقط‏،‏ إلا أنه مرشح للارتفاع خلال السنوات المقبلة على ضوء المساعي الإيرانية المحمومة لتفعيل التعاون الاقتصادي مع الدول الإفريقية‏، وهو ما عكسته الزيارة التي قام بها الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد في فبراير‏2009‏ إلى ثلاث دول إفريقية حيوية‏‏ هي‏:‏ كينيا وجيبوتي وجزر القمر،‏ حيث وقع خلال الزياره على العديد من الاتفاقيات الاقتصادية‏‏ كان أبرزها الاتفاقية التي وقعت مع كينيا والتي بموجبها ستقوم إيران بتصدير أربعة ملايين طن متري من النفط الخام إلى كينيا سنوياً‏.‏

وقد سعت إيران إلى توقيع العديد من اتفاقيات التعاون الثنائي مع معظم دول القارة في كافة المجالات والتي تركز معظمها على الجوانب الاقتصادية والتجارية. وقد ساهم ذلك في تنشيط التبادل التجاري بين إيران ودول إفريقيا ومنها على سبيل المثال مع الدول التالية:

1- أصبحت إيران المصدر الأول للنفط إلى جمهورية جنوب إفريقيا، كما انتشرت المعارض التجارية الإيرانية في كافة الدول الإفريقية.

2- وقعت طهران مع أوغندا العديد من الاتفاقيات التجارية إلا أن أبرزها هو ما تم الاتفاق عليه بين البلدين لتأسيس منظمة التنمية الاقتصادية بين البلدين والمصادقة على إنشاء مرکز للاستثمارات التجارية للجمهورية الإسلامية الإيرانية في أوغندا.

3- أقامت إيران علاقات قوية مع السنغال، فالرئيس السنغالي عبدالله واد زار طهران مرتين عامي (2006 -2008) وتقابل خلالهما مع خامنئي وأحمدي نجاد، وقد أعلن واد ـ خلال زيارته الثانية ـ أن الوحدة بين البلدان الإسلامية مثل السنغال وإيران من شأنها إضعاف القوى الكبرى مثل الولايات المتحدة. وتجدر الإشارة في هذا السياق إلى أنه في الوقت الذي كانت فيه إيران تسعى إلى توسيع الكتلة الإسلامية المؤيدة لسياستها، فإن السنغال كانت تبحث عن الفوائد الاقتصادية مثل إمدادات النفط والتعاون في مجال الصناعة.

4- عرضت إيران على كينيا المساعدة في إقامة مشروعات نووية لتوليد الطاقة الكهربائية، وكذلك وقعت معها على اتفاقية لتوثيق التعاون في مجال التربية والبحث العلمي والاقتصاد والصحة والاقتصاد والتجارة والتعاون المصرفي والزراعة والتربية والطاقة والنفط والصناعة، وبالإضافة إلى ذلك هناك اتفاقيات بين البلدين في مجالات الثقافة والصحة والإسكان. وقد وقعت طهران مع كينيا مذكرة تفاهم في مجال الإسكان وبناء المدن، وأعلن الجانبان دعمهما للاستثمار ومساهمة شركات البناء الإيرانية والكينية لتنمية بناء المباني وارتقاء بناء المدن وإنتاج مواد الإنشاء في البلدين، إلى جانب تبادل المعلومات والتجارب والخبراء في مجال الأبحاث وإنشاء المباني والمدن الجديدة.

5- هناك أهمية قصوى توليها إيران لإريتريا، فالعلاقات بين الجانبين تتطور سريعاً، والدليل على ذلك الزيارة التي قام بها الرئيس الإريتري إلى طهران في 2008 ووقع خلالها على اتفاقيات في مجال التجارة والاستثمارات والاقتصاد والزراعة، وكذلك الاتفاق على منح إريتريا قروضاً لتمويل مشروعات متنوعة، فضلاً عن التواجد البحري الأمني الإيراني في ميناء عصب الإريتري الذي يعد من المواقع الاستراتيجية المهمة في البحر الأحمر.

6- وقعت إيران مع جمهورية جزر القمر على اتفاقية لتوسيع العلاقات السياسية وتقديم المساعدات لتطوير المشاريع في مجال التطوير والإرشاد في الجزر، فضلاً عن علاقاتها مع جيبوتي التي تتميز هي الأخرى بموقع استراتيجي مهم على البحر الأحمر والتي زارها نجاد في عامي (2006-2009) وقام خلالها ببحث سبل التعاون في المجال العلمي والصناعي والهندسي بهدف تطوير مشاريع مختلفة في الدولة.

وبطبيعة الحال فإن المساعدات الإيرانية لإفريقيا قائمة على جوهر المصالح خاصة المرتبطة بالتوجهات الاستراتيجية والمصالح العليا لإيران والرامية إلى تحقيق طموحاتها الإقليمية، فطهران في سعيها لتنمية علاقاتها بالقارة الإفريقية لا تبدأ من فراغ وإنما ترتكز على مجموعة من القنوات والروابط الحيوية أهمها:

1- روابط ثقافية أو ما يسمى القوة الناعمة، إذ تعطي إيران منحاً للطلاب المسلمين بالدول الإفريقية للدراسة في إيران، حيث يوجد شيعة في هذه الدول، أيضاً هناك وجود صحفي وإعلامي مكثف وعشرات المطبوعات الإيرانية، وتحاول استقطاب النخب الإفريقية وإنشاء مراكز ثقافية ونشر المكتبات العامة والمدارس وتنظيم المؤتمرات والملتقيات الأفرو- إيرانية لأهداف سياسية ودينية.

2- روابط سياسية، حيث تكونت مجالس ومنتديات إفريقية - إيرانية من قبيل منتدى التعاون الإيراني - الإفريقي، فضلاً عن تكثيف الوجود الدبلوماسي الإيراني في القارة. فقد طورت إيران علاقاتها الدبلوماسية مع دول القارة، إذ بلغ عدد البعثات ومكاتب التمثيل الإيراني في إفريقيا نحو 26 بين بعثة ومكتب، وتعددت الزيارات الرسمية بين أعضاء الحكومة الإيرانية والحكومات الإفريقية. كما تمكنت إيران من التواجد بصفة مراقب في عدة منظمات إفريقية وبعثة المجلس الأعلى للشؤون الإفريقية.

3- روابط اقتصادية،فهناك تعاون بالفعل في العديد من المجالات الاقتصادية والفنية والعلمية والثقافية، وهناك رغبة إفريقية واضحة في الاستفادة من المساعدات والخبرة الإيرانية في قطاعي التكنولوجيا والنفط، ومجال صيانة معامل تكرير النفط، بالإضافة إلى الخبرة الإيرانية في مجال الاستكشافات البترولية، واستغلال الإمكانات البتروكيماوية والغاز، وأيضاً الاستفادة من قدرة إيران المتطورة في مجال الدفاع والاستخدامات العسكرية، ويكشف الواقع أن المساعدات الإيرانية لإفريقيا ترتبط بالأساس بتحقيق مصالحها الذاتية.

فقد سعت إلى الاستفادة من الميزة النسبية التي يمكن أن تقدمها دول القارة إليها أو بمعنى آخر القيمة المضافة التي يمكن أن تحصل عليها طهران مقابل هذه المساعدات، ومنها على سبيل المثال عملت إيران على استغلال العضوية غير الدائمة لجنوب إفريقيا في مجلس الأمن ووجودها في مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية لصالحها، ومن الشواهد على ذلك أنه عندما صدر تقرير عن الوكالة الدولية في عام 2008 يشير إلى استمرار إيران في تخصيب اليورانيوم بالمخالفة لمعاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية وقرارات مجلس الأمن، استخدمت جنوب إفريقيا عضويتها في مجلس الأمن حينذاك للتصويت ضد أية عقوبات تستهدف طهران. وهكذا سعت إيران إلى تأسيس وتعزيز علاقاتها مع العديد من الدول الأخرى في القارة الإفريقية مثل أوغندا وملاوي وكوت ديفوار وليسوتو وموريتانيا ومالي وناميبيا، وعملت طهران على تكريس دعم هذه الدول للبرنامج النووي الإيراني.

التحديات التي تواجه تفعيل العلاقات الاقتصادية الإيرانية - الإفريقية

لا تزال هناك بعض الإشكاليات التي تواجه تفعيل العلاقات الاقتصادية الإيرانية - الإفريقية والتي تحد من انطلاقها نحو تفعيل الدور الإيراني في القارة الإفريقية، ومن ذلك ما يلي:

1- محدودية الدور الإيراني في تسوية الصراعات الإفريقية، حتى بالنسبة للصراعات التي تحدث في الدول ذات الأغلبية المسلمة، أو التي تنطوي على انتهاكات واسعة لحقوق الإنسان أو أوضاع إنسانية بالغة السوء. وهناك العديد من الأمثلة التي توضح ذلك، لعل أبرزها الموقف الإيراني من الصراع في دارفور، حيث غالباً ما تردد تصريحات المسؤولين (بأن الصراع في دارفور هو شأن داخلي، وأن حكومة السودان بحكمتها وتدبيرها عليها حل تلك المشكلة).

2- وجود قدر كبير من التخوف لدى الجانب الإفريقي من ارتباط النشاط التنموي والعلاقات الاقتصادية الإيرانية مع دول القارة بمحاولات إيران لتصدير الثورة إلى القارة الإفريقية، أو لنشر المذهب الشيعي بين المسلمين فيها. ولا شك في أن هذا التخوف يمثل قيداً على الحركة السياسية الإيرانية في القارة الإفريقية. وقد طرحت هذه الإشكالية ذاتها بقوة في العديد من الدول الإفريقية، لا سيما تلك التي ينتشر فيها المذهب السني، والتي تأتي نيجيريا في مقدمتها، خاصة في ظل الاهتمام الإيراني المكثف بنشر التعليم الديني والمذهب الشيعي في الدول الإفريقية، سواء من خلال زيادة عدد البعثات المقدمة للطلاب الأفارقة في الجامعات الإيرانية، خاصة جامعة الإمام الخميني، أو عن طريق تمويل المعاهد الإسلامية، وإنشاء المراكز الثقافية، وإصدار المطبوعات باللغة العربية واللغات المحلية.

والخلاصة أن سعي طهران لتوثيق علاقاتها الاقتصادية بدول القارة الإفريقية يستهدف بالأساس كسب تأييد ودعم دول القارة الإفريقية للمواقف الإيرانية خاصة أحقيتها في تطوير مشروعها النووي، الأمر الذي يساعدها على امتلاك العديد من الأدوات التي تمكنها من المساومة في مواجهة الضغوط الدولية المتزايدة والملحّة عبر بناء عدة محاور، تؤثر في إعادة تشكيل توازنات القوى بما يساهم في النهاية في زيادة نفوذها والاعتراف بها كقوة إقليمية ذات ثقل، الأمر الذي يتطلب من الدول العربية، وفي مقدمتها الخليجية ذات الفوائض المالية، إعادة النظر في علاقاتها الاقتصادية مع الدول الإفريقية والسعي لزيادة الاستثمارات الخليجية في الدول الإفريقية التي تعد أسواقها أحد المنافذ الواعدة للصادرات الخليجية. فالقاره السمراء تمثل سوقاً مفتوحة للاستثمارات والسلع الخليجية فهي تعد من أغنى قارات العالم بالعديد من الموارد الطبيعية.

كلمات دليلية

الشركات المعلنة