العدد 143

نوفمبر 2019
انت هنا: الرئيسية كل المقالاتالعدد 99 تقرير خاصالاتفاق النووي وتداعياته على الحضور الإيراني بالمنطقة

الاتفاق النووي وتداعياته على الحضور الإيراني بالمنطقة

انشأ بتاريخ: الثلاثاء، 01 أيلول/سبتمبر 2015

منذ توقيع إيران والقوى الكبرى على الاتفاق النووي في 14 يوليو 2015 بدأ الحديث عن قضية إيران ما بعد النووي، وبما يتيح لها الاتفاق من شرعية دولية كانت تفتقدها، وكذلك الخروج من الحصار الدولي وانفتاحها اقتصاديا على دول العالم والسماح لها بتطوير قدراتها الاقتصادية وخاصة في مجالات البترول والغاز، بما ينعكس بالإيجاب على القدرات الاقتصادية الإيرانية التي ستمكنها من زيادة دعمها للحركات والأنظمة الموالية لها بمنطقة الشرق الأوسط، كما يثير الاتفاق التساؤلات حول مستقبل النفوذ الإيراني بالمنطقة والتدخلات الإيرانية في عدد من الملفات الرئيسية مثل سوريا والعراق ولبنان واليمن، بما يزيد من حدة التنافس الإقليمي والصراعات بالمنطقة. وفي هذا الإطار تتناول الورقة عدد من النقاط الرئيسية التي تمثل في جوهر الاتفاق النووي وما حققه كل طرف من هذا الاتفاق، والمكاسب السياسية والاقتصادية التي ستحققها إيران من هذا الاتفاق، والرؤية المصريةالخليجيةللحضورالإيرانيوتداعياته.

أولاً: جوهر الاتفاق النووي الإيراني وما حققه كل طرف من هذا الاتفاق:

نص الاتفاق على تخفيض عدد أجهزة الطرد المركزي بمقدار الثلثين خلال فترة 10 سنوات، من 19 ألف جهاز (منها 10200 جهاز تعمل الآن) إلى 6104، وسيكون لـ 5060 منها فقط حق إنتاج اليورانيوم المخصب بنسبة لا تتجاوز 3.67% خلال فترة 15 سنة، وستكون جميع أجهزة الطرد المركزي التي ستستخدمها إيران خلال تلك الفترة من الجيل الأول. وستتولى الوكالة الدولية للطاقة الذرية عملية مراقبة جميع المواقع النووية الإيرانية بشكل منتظم، ولمفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية الحق في مراقبة كل الشبكة النووية الإيرانية لمدة 25 عاما، وكذلك وافقت إيران على دخول مفتشي الوكالة بشكل محدود إلى مواقع غير نووية خاصة العسكرية منها في حال ساورتهم شكوك في إطار البروتوكول الإضافي لمعاهدة حظر الانتشار النووي، التي التزمت إيران بتطبيقه والمصادقة عليه.

‌سيتم رفع عقوبات دولية مفروضة على 800 مؤسسة وشخصية إيرانية، بما فيها البنك المركزي الإيراني، والمؤسسة الإيرانية الوطنية للنفط، بالإضافة لرفع العقوبات الأمريكية والأوروبيةوالعقوبات المفروضة بموجب قرارات صادرة عن مجلس الأمن الدولي فور تأكيد الوكالة الدولية للطاقة الذرية على احترام إيران لتعهداتها ويُعاد فرض هذه العقوبات بشكل سريع في حال عدم تطبيق الاتفاق خلال 65 يوما.

المجتمع الدولي أنهى مرحلة مطالبة إيران بالإصلاح .. ونظام طهران حصل على الشرعية لأول مرة منذ ثورة الخميني 

وبصفة عامة فإن الاتفاق النووي الإيراني لم يعكس الموقف الأمريكي الذى كان مطروحاً قبل التوقيع عليه، أي أن الهدف الأمريكي والغربي لمنع إيران من امتلاك برنامج نووي تحول إلى تقييد قدرات إيران على تطوير هذا البرنامج مع تمتعها ببنية تحتية وقدرات بحثية ووضع عوائق وقيود تحول دون وصولها للعتبة النووية، وذلك اعتراف أمريكي بأن هذا هو أكبر ما يمكن الحصول عليه من خلال المفاوضات المحاطة بضغوط سياسية وحزم من العقوبات الاقتصادية شلت تقريباً القطاعات الحيوية في الاقتصاد الإيراني، وتؤكد في الوقت نفسه بأن الإدارة الأمريكية لا توجد لديها أي نية أو توجهات للخيار العسكري تجاه إيران وبرنامجها النووي وأن ما حدث هو أفضل الحلول الممكنة لأزمة النووي الإيراني، طبقاً لهذه المعايير هكذا نرى أن الاتفاق النووي الإيراني لم يعالج قضايا رئيسية كانت الإدارات الأمريكية المتعاقبة تعتبرها قضايا استراتيجية حاكمة في العلاقة مع إيران وأهمها، الأنشطة الإقليمية لإيران التي تزعزع الاستقرار الإقليمي وبرنامجها للصواريخ الباليستية وكذلك ما سمته تلك الإدارات بدعم إيران للإرهاب.

حققت إيران من الاتفاق النووي مكاسب استراتيجية أهمها المحافظة على البنية التحتية لبرنامجها النووي وحقها في تخصيب اليورانيوم واستمرارها في إجراء الأبحاث الخاصة بذلك وذلك ضمن ضوابط وشروط مراقبة صارمة يتم النظر في إلغائها بعد 10 سنوات. والمكسب الثاني الاعتراف الدولي بشرعية النظام الإيرانيالتي افتقدها منذ ثورة الخمينى عام 1979، وما يتضمنه ذلك من غض النظر الدولي عن ممارسات النظام في مواجهة المعارضة المطالبة بالإصلاح وعدم احتكار العملية السياسية أو تقديم مساعدات لها.

إن قرار مجلس الأمن الذي وقفت وراءه الدول الكبرى يتضمن إلغاء القرارين السابقين (1737، 1747) اللذين تضمنا بنوداً تتعلق بمنع إيران من تصدير السلاح والعتاد العسكري والرجال خارج أراضيها ورغم أن شيئاً من ذلك لم يحدث وأن الخروقات الإيرانية للقرارين كانت واضحة، إلا أن الجدير هنا هي أن الممارسات الإيرانية بهذا الخصوص سوف تكتسب نوعاً من الشرعية ولا تخضع للمراقبة الدولية.

إن طول سنوات التفاوض بين إيران والدول الكبرى بخصوص برنامجها النووي ارتبط بهدف أساسي مزدوج وهو التخلص من العقوبات والعزلة السياسية والتهديد العسكري مع الحفاظ بقدر الإمكان على القدرات اللازمة لتطوير برنامج نووي إذا قررت مستقبلا تطوير سلاح نووي وسمحت الظروف والمناخ الدولي بذلك، وفي الحقيقة فإن تلك الأهداف تندرج في إطار استراتيجية أوسع تهدف إلى ضمان تحصين النظام وزيادة الحضور الإيراني في ملفات المنطقة لتصبح إيران قوة إقليمية عظمى، وقد نجحت إيران من خلال الاتفاق الذي تم التوصل إليه إلى التجرد من الضغوط السياسية والعسكرية والعقوبات الاقتصادية مع المحافظة على برنامجها النووي وما حققته من  إنجازات على هذا المستوى مع إبقاء خيار تطوير أسلحة نووية مفتوحاً وإن كان مؤجلاً لعدة مشكلات. والسؤال هنا، هل تستطيع إيران التوفيق بين المسارين المتناقضين، فرفع العقوبات يتطلب وقف الأنشطة النووية، بينما بلوغ عتبة السلاح النووي يتطلب مواصلة هذه الأنشطة لتطوير الأبحاث والتخصيب وامتلاك الأجهزة المتطورة والأسلحة الناقلة.

ثانياً: المكاسب السياسية والاقتصادية التي ستحققها إيران من هذا الاتفاق:

لقد بدأت بعض التداعيات لهذا الاتفاق تنضج على المستوى الداخلي الإيراني، أو على القضايا المطروحة في المنطقة والتي تشهد نوعاً من الاشتباك الإيراني معها أو التمدد الإيراني داخلها.

فعلى المستوى الداخلي في إيران تتحدد أهم هذه التداعيات في الآتي:

1-    يرى كثير من المراقبين أن النتائج الاقتصادية الإيجابية للاتفاق النووي لن تكون مباشرة وسريعة،وستحقق إيران بعد إزالة العقوبات نموا اقتصاديا يتراوح بين 3-7%، لكنه لن يكون كافيا لحل مشكلة البطالة (14%) وتجاوز المشكلات الاقتصادية الأخرى، خاصة أن إيران خسرت الكثير من عائداتها نتيجة العقوبات، وأن الحكومة بحاجة إلى سنوات طويلة لجبر هذه الخسارة، وإن كانت إزالة العقوبات ستترك آثارًا إيجابية مباشرة ومستقبلية على الاقتصاد الإيراني، ومن المعلوم أن لإيران 100-140 مليار دولار، من عائدات النفط المجمدة في المصارف الأجنبية، وهناك ما بين 30 إلى 50 مليار دولار من عائدات إيران المجمدة ستتحرر فور التوقيع على الاتفاق.

2-    إن إلغاء العقوبات من شأنه أن يحدث تغييراً في بنية الاقتصاد الإيراني، ويوجهها اتجاهات جديدة تفرض سياسات جدِّية فيما يتعلق بالاستثمار الخارجي، والمِلكية وشروط التنافسية، ومن المرجح أن يكون الملف الاقتصادي والاستثمار الأجنبي ملف الصراع بين التيار الأصولي وتيار الاعتدال الذي يتزعمه روحاني خاصة أن لكل تيار مقاربة مختلفة على هذا الصعيد.

3-    عرضت إيران خططاً لإعادة بناء علاقاتها الصناعية والتجارية في أعقاب الاتفاق النووي مع القوى العالمية، معلنة استهداف 50 مشروع للنفط والغاز قيمتها 185 بليون دولار بحلول عام 2020، حيث ستركز على قطاعات النفط والغاز والمعادن والسيارات، متطلعة إلى التصدير إلى أوروبا بعد رفع العقوبات المفروضة عليه.

4-    يرجح الكثير من المراقبين للشأن الإيراني الانعكاسات السلبية للاتفاق النووي على أزمات المنطقة، نظراً للتداعيات الإيجابية على الاقتصاد الإيراني وما يترتب عليها من تعزيز إمكانيات إنفاقه على حلفائه وذلك إلى جانب الاعتراف الغربي بدور إيران الإقليمي مما يرجح مواصلة طهران سياساتها في الشرق الأوسط، ويؤكد ذلك تصريحات المرشد الأعلى علي خامنئي بعد أيام عن الاتفاق حيث أكد على أن مواقف بلاده من الولايات المتحدة الأميركية لن تتغير، وإنها لن تدخل في مفاوضات معها حول قضايا الشرق الأوسط.

5-    كما أنه لا يمكن المراهنة على التوجه الإصلاحي للرئيس الإيراني إذ لم يوجه روحاني أية إشارات خلال الفترة الماضية تكشف عن سعيه لتغيير السياسة الإيرانية تجاه العديد من الأزمات الإقليمية، على غرار الأزمتين السورية واليمنية، فعلى الرغم من أنه حاول تقليص حدة التوتر في العلاقات مع بعض دول المنطقة خاصة دول مجلس التعاون الخليجي، فإنه كان حريصاً في الوقت ذاته على التوافق مع الخطوط العامة التي تحكم موقف إيران إزاء تلك الأزمات.

6-    إن توقيع الاتفاق النووي يمثل نجاحاً ويضيف رصيداً سياسياً للرئيس روحاني خاصة مع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية في فبراير المقبل، وأنه قد يؤثر بالسلب على مساحة حضور التيار الأصولي المسيطر على تركيبة مجلس الشورى الراهنة، ولذلك بدأ التيار الأصولي من خلال صحفه ومواقعه في زيادة حدة الانتقاداتالموجهة إلى روحاني وقامت بإبراز نتائج استطلاع للرأي تظهر تراجع شعبية روحاني بصورة كبيرة.

على مستوى الحضور الإقليمي لإيران تتحدد أهم هذه التداعيات في الآتي:

1-    رغم تأكيد القوى الغربية أن ذلك الاتفاق قد انحصر في القضايا والمسائل النووية الفنية إلا أن الواقع يؤكد استحالة أن يكون التفاهم الذي ترافق مع هذا الاتفاق متعلق بالنفوذ الإقليمي والدولي لإيران سواء في منطقة الشرق الأوسط أو مناطق الجوار الاستراتيجية لها، ولقد بدأت ملامح ذلك تنضج من خلال قبولها كطرف في المبادرات المطروحة لحل الأزمة السورية بل أن هناك تفهماً أمريكياً للمبادرة الإيرانية المطروحة بهذا الخصوص حالياً وهو ما كشف عن أن التوافق الأمريكي الإيراني قد سبق توقيع الاتفاق بل إن الإدارة الأمريكية قدمت تنازلات إقليمية لإيران كورقة لدفعها للتجاوب مع عناصر ومتطلبات الاتفاق ولم تهتم الولايات المتحدة للسياسات الإيرانية في الإقليم ولا لتزايد النفوذ في العراق، والهيمنة على محركات الأزمة السورية أو محاولة التمدد والاختراق في اليمن ومواصلة تثبيت النفوذ في لبنان، وكان كل ذلك ثمناً قدمته الولايات المتحدة لتحقيق هدفها الاستراتيجي وهو التوصل للاتفاق النووي، ورغم هذا الموقف الأمريكي، إلا أن الدوائر الاستراتيجية في الولايات المتحدة ودول أوروبية أخرى نبهت إلى أن الدول التي تنشط داخلها إيران مرجح أن يتزايد الحضور الإيراني داخلها خاصة العراق وسوريا واليمن ولبنان والتي تمثل مجالاً حيوياً لكل من السعودية ودول الخليج ومصر مما سيؤثر على أمنها بسبب تماس الأمن المباشر لتلك الدول مع إيران في تلك المحاور.

2-    ومن الملاحظ أنه قد سبق توقيع الاتفاق نوع من التحول في الرؤية الأمريكية لإيران ربما تمهد له، حيث تجاهل التقرير الأخير للمخابرات الأمريكية الإشارة إلى دور إيران في دعم الإرهاب، كما بدا الحديث عن تعاون في مواجهة داعش (رسالة أوباما لخامنئي) أي تعاون في قضايا إقليمية، وبدلاً من مواصلة الجهود لإرغام إيران على القيام بتغييرات استراتيجية في سياستها الإقليمية، يحدث نوع من التحول الاستراتيجي الأمريكي والتمهيد لنوع من التعايش والقبول لبعض مسارات حركتها خاصة في العراق.

3-    تصاعد ثقل ونفوذ وتأثير الحرس الثوري في إيران خاصة قائد فيلق القدس قاسمي سليماني المسئول عن الملفات المأزومة في المنطقة خاصة ملفات العراق وسوريا ولبنان فضلاً عن دوره في اليمن. ولا شك أن جولاته الأخيرة في نهاية شهر يوليو وبداية شهر أغسطس الماضي في كل من العراق، وروسيا، وسوريا يكشف بوضوح عن الدور المتوقع للحرس الثوري الإيراني في ظل الشرعية الدولية للنظام، وبعد رفع العقوبات عن الأرصدة الإيرانية المجمدة، والانفتاح الاقتصادي الدولي على إيران، وهو ما يمكن أن تزيد من شهية قادة هذا الحرس لتحقيق مكاسب عسكرية وأمنية في دوائر الاهتمام الحيوية التي تمثل ركيزة لاستراتيجية الانتشار الإيراني في المنطقة. خاصة وأن القيادات المتشددة الدينية وكذلك السياسية في إيران ترى أن ما يسمى بمحور المقاومة، ودعم الحركات الإسلامية والفصائل الموالية لإيران في دول المنطقة هي العمق الاستراتيجي لإيران، وأنها لن تتأثر بالاتفاق النووي وضوابطه، وبالتالي فإنها تأمل في مزيد من حرية الحركة على هذا المستوى مستقبلاً.

4-    ستشكل القوة التقليدية العسكرية لإيران - التي لم ينسحب عليها الاتفاق بإطاره العام وتفاصيله- خاصة في مجال الصواريخ بعيدة المدى تهديداً رئيسي اًللصادرات النفطية الحالية والمستقبلية في الخليج، كما أن التقارب الأمريكي- الإيراني من شأنه تقويض توازن القوى الإقليمي القائم في منطقة الخليج العربي.

5-    من الواضح أن هذا الاتفاق سوف يدشن مرحلة جديدة في الحضور الإيراني في منطقة الشرق الأوسط على اتساعها خاصة بعد الحصول على الشرعية الدولية للنظام، وانضمام طهران للنادي النووي خاصة في ضوء عدد من الاعتبارات الهامة التي من بينها التوجه المتسارع للإدارة الأمريكية والدول الأوروبية الكبرى لتطبيع العلاقات مع النظام الإيراني، الذي لم يتغير طبقاً لمفاهيم تلك الدول كأحد مبررات سنوات المقاطعة.

6-    ومن غير المتوقع أن تقوم إيران بتغيير سياستها بالنظر إلى عاملين، الأول: المتطلبات الدستورية اللازمة لذلك التغيير، خاصة المواد التي تنص على أن "إيران تدعم المستضعفين في الأرض" ،أما العامل الآخر، فيتعلق بالأيديولوجية، حيث لوحظ أن السنوات الأخيرة شهدت المزيد من سيطرة رجال الدين المتشددين في إيران على مفاصل الدولة، بما يعني محورية دور هؤلاء ضمن أي تحولات متوقعة في السياسة الخارجية الإيرانية.

طهران عرضت 50 مشروعا بتكلفة 185 مليار في النفط والغاز

ثالثاً: الرؤية المصرية الخليجية للحضور الإيراني وتداعياته:

من الثابت أن المنطقة مقبلة على تنافس إقليمي من جانب القوى الرئيسية فيه وعلى رأسها تركيا وإيران وأن استعادة مصر لدورها الإقليمي سوف يكون محكوماً بقدرة مصر على التعامل مع هذا التنافس ومواجهة سعى كل منها لصياغة تحالفات مشتركة تكفل لأى منها النفوذ والتمدد على حساب الأطراف الإقليمية الأخرى، ولعله من المفيد على هذا المستوى النظر في الاعتبارات التالية: أن صيغة التحالف المصري الخليجي هي الإطار الذي يمكن أن يسهم في دعم الاستراتيجية المصرية بهذا الخصوص على أن تكون مصر طرفاً رئيسياً، له رؤاه طبقاً لمصالحه مع توسيع مساحات الاتفاق وتضييق مجالات الاختلاف.

إدراك أن إيران دولة إقليمية لها مصالحها ولها الحق في السعي للحصول عليها، على ألا يكون ذلك على حساب الأمن القومي العربي أو الخليجي أو المصري بصفة خاصة وأن التعايش والتعامل مع إيران يجب أن يكون على أساس تلك القاعدة وأن الاتفاق النووي مع إيران لا يعنى تلقائياً خروج مارد إيراني فجأة ليفرض هيمنته على المنطقة، فالتقديرات العسكرية المحايدة تشير إلى محدودية القدرات العسكرية الاستراتيجية الإيرانية قياساً بما لدى دول المنطقة.

إن إيران حققت نموذجاً مبكراً للتصنيع العسكري ولا شك أن مصر ودول الخليج لديها من الخبرات التكنولوجية والاقتصادية ما يمكن أن يتجاوز القدرات الإيرانية بهذا الخصوص. وبالتالي فإن إيران لا تملك القدرة على تغيير التوازن الاستراتيجي الإقليمي في أبعاده العسكرية.

إن القلق من استثمار إيران لأوراق المساومة في الملفات الملتهبة في المنطقة يتطلب بداية توحيد وجهات النظر والرؤى بخصوصها دون محاولة أي طرف من دول التحالف فرض وجهة نظره في ملفات لا تمس أمنه بصورة مباشرة، وعلى أساس خطوط عريضة لسياسات حاكمة وليس بمبادرات منفردة وإخطار الأطراف الأخرى. من المفيد لمصر ودول المنطقة عدم تصاعد النغمة المذهبية، ورغم أن محور الحركة الإيرانية في ملفات المنطقة يستند إلى دعاوى مذهبية ومن خلال كتل وتيارات مذهبية ترتبط بها، إلا أن تجاوز ذلك يسهم في تحصين الجبهات الداخلية في دول الخليج، ويعيد التنافس والصراع إلى أبعاده السياسية، وأن قضية مواجهة أية سياسات إيرانية غير إيجابية سوف تبقى مرهونة بقدرات دول المنطقة ذاتها خاصة وأن الولايات المتحدة لن تمارس أي سياسة لاحتواء إيران، خلال المرحلة المقبلة بل إنه من المرجح أن تسعى للاستفادة من قلق دول الجوار من تحركاتها المستقبلية في إقناعها بمزيد من عقود التسليح.

وبصفة عامة يجب إدراك أن كلاً من تركيا وإسرائيل يتحسبان من الخروج الإيراني من الحصار والعقوبات، وكيفية تضييق المساحة أمام الحركة الإقليمية لإيران وهو متغير يمكن أن يسهم في جانب منه في إتاحة مزيد من الفرص للدور الإقليمي الخليجي المصري، كما أن سعى دول التحالف لتطوير علاقاتها بدول إقليمية لها وزنها خاصة الهند وباكستان التي يوجد نوع من التنافس بينها وبين إيران يمكن أن يوفر لها أوراقا للتعامل مع إيران. ولا شك أن قيام مصر بمبادرات لحل الأزمة السورية المعقدة بالتنسيقمع دول الخليج ومن خلال حوار مع جميع أطراف الأزمة ربما تؤثر في النهاية على أحد الأوراق الإقليمية لإيران.

إن مصر مطالبة بتعميق وتفعيل تحالفها مع دول الخليج العربي في مواجهة أي قلق من السياسة والتحركات الإيرانية سواء في الخليج أو الدوائر المحيطة به، ليس لاعتبارات أخلاقية ولكن طبقاً لمتطلبات الأمن القومي المصري الذي يعتبر الأمن في الخليج مكوناً رئيسياً له، وكذلك طبقاً للمصالح الحيوية الاستراتيجية المصرية.

                                                                                                                                                                                                                                                                                                ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصادر:

1- پاتريك كلاوسون، التأثير المحتمل لمكاسب إيران الاقتصاديةمن الاتفاق النووي على سياستها الخارجية، معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، 10 يوليو 2015، متاح على الرابط:

http://www.washingtoninstitute.org/ar/policy-analysis/view/how-irans-economic-gain-from-a-nuclear-deal-might-affect-its-foreign-policy

2- مايكل  آيزنشتات، سايمونهندرسون وآخرون، الأثر الإقليمي لتزايد الأموال الإيرانية، معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى،28 يوليو 2015، متاح على الرابط:

http://www.washingtoninstitute.org/ar/policy-analysis/view/the-regional-impact-of-additional-iranian-money

3- روبرت ساتلوف، ما الخطأ الفعلي في صفقة إيران النووية، معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، 14 يوليو 2015، متاح على الرابط:

http://www.washingtoninstitute.org/ar/policy-analysis/view/whats-really-wrong-with-the-iran-nuclear-deal

4- بوزيدي يحيى، الاتفاق النووي والنفوذ الإيراني في الشرق الأوسط، مركز الجزيرة للدراسات، 7 أغسطس 2015، متاح على الرابط:

http://studies.aljazeera.net/reports/2015/08/20158754947340164.htm

5- د. فاطمة الصمادي، مابعد الاتفاق النووي: حسابات إيران وعلاقاتها، مركز الجزيرة للدراسات، 28 يوليو 2015، متاح على الرابط:

http://studies.aljazeera.net/reports/2015/07/201572892545969179.htm

6- فاطمة الصمادي، النووي الإيراني: "الاتفاق الجيّد" يشعل صراعا داخليا، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 4 أغسطس 2015، متاح على الرابط:

http://www.dohainstitute.org/release/6655c49b-1084-415a-8e8c-8ea28b214ab9

7- أسامة أبو ارشيد، الولايات المتحدة الأميركية واتفاق الإطار مع إيران: الدوافع والمكاسب والأثمان، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 14 أبريل 2015، متاح على الرابط:

http://www.dohainstitute.org/release/eea49a5b-40b2-4a3c-bfa5-ec3248b181db

8- مروان المعشر، الاتفاق النووي مع إيران، مركز كارنيغي للشرق الأوسط، 29 يوليو 2015، متاح على الرابط:

http://carnegie-mec.org/2015/07/29/ar-60879/ie1w

9- محمد مجاهد الزيات، مصر والاتفاق النووي الإيراني، صحيفة الأهرام، 7 أبريل 2015،متاح على الرابط:

http://www.ahram.org.eg/NewsQ/376661.aspx

10- رندة تقي الدين، توسع إيران أسهل بعد الاتفاق النووي، جريدة الحياة، ١٠ يونيو ٢٠١٥، متاح على الرابط: http://alhayat.com/Opinion/Randa-Taghi-Deen/9470965

11- رندة تقي الدين، سياسة إيران الإقليمية لنتتغير، جريدة الحياة٢٢ يوليو ٢٠١٥،متاح على الرابط:

http://alhayat.com/Opinion/Randa-Taghi-Deen/10119804

12- رندة تقي الدين، الاتفاق النووي يسلّم المنطقة إلى إيران، جريدة الحياة، ٢٤ يونيو ٢٠١٥، متاح على الرابط:

http://alhayat.com/Opinion/Randa-Taghi-Deen/9626343

كلمات دليلية

الشركات المعلنة