انت هنا: الرئيسية جميع المقالاتمتابعاتالعدوان العسكري التركي في سوريا: الأهداف والتداعيات على المنطقة والشرق الأوسط

العدوان العسكري التركي في سوريا: الأهداف والتداعيات على المنطقة والشرق الأوسط

انشأ بتاريخ: الأربعاء، 06 تشرين2/نوفمبر 2019

تستعرض هذه الدراسة تداعيات التدخل العسكري التركي الأخير والذي وصفته جامعة الدول العربية إلى جانب قوى إقليمية ودولية "بالعدوان أو الغزو" التركي لسوريا تحديدًا والمنطقة العربية إجمالاً. التدخل العسكري التركي أو ما تمت تسميته من قبل الدولة التركية بعملية "نبع السلام" بدأ في التاسع من أكتوبر من العام الجاري، ويأتي بعد ثلاثة أيام من بدء القوات الأمريكية والمقدّر عددها بألفي جندي بالرحيل من الأراضي السورية. يشكّل هذا الحدث ضرورة هامة لبحث أسباب التدخل العسكري التركي وكذلك إلى ماذا يسعى من استهداف منطقة شمال سوريا في هذا التوقيت تحديدًا. وكذلك ينبغي متابعة النتائج الحاصلة جراء هذا الهجوم وتقييم أي تأثير ممكن سواء داخل تركيا او سوريا والمنطقة العربية كمستقبل العلاقات العربية-التركية. هذا التدخل العسكري التركي في سوريا ليس الأول فقد سبقه هجومان سابقان، أولهما عملية "درع الفرات" والتي بدأت في أغسطس من عام 2016م.وانتهت بعد عام ونصف، وكانت مختزلة في منطقة شمال سوريا وخصوصًا منطقة غرب الفرات. وثانيهما كان هجوم عفرين أو ما سمي رمزيًا بعملية "غصن الزيتون" والتي بدأت في يناير 2018، وما زلت مستمرة ولم تحقق نجاحات تذكر حتى الآن. وبذلك يمكن إيجاز أن التدخلات العسكرية التركية مستمرة ولكن ينبغي عدم تجاهل تداعيات الهجوم التركي المتكرر على سوريا سواء على إرباك الداخل التركي لا سيما صراع الأحزاب والأقليات كالأكراد، أو على تطورات الصراع والحرب الأهلية في سوريا، وكذلك على العلاقات التركية سواء مع الدول العربية أو الإتحاد الأوربي والعالم. تسعى هذه الدراسة لتحليل التدخلات العسكرية التركية او العدوان التركي المستمر ولتسليط الضوء ليس فقط على أهدافه، وإنما تأثيراته على تركياوالمنطقة العربية والعالم.

 

منذ استقلال مجمل الدول العربية من الإمبراطورية العثمانية، لم تكن العلاقات العربية-التركية على توافق دائم حيال العديد من القضايا العربية كالصراع الإسرائيلي-الفلسطيني والمصالح العربية عمومًا وخصوصًا الدول المجاورة لتركيا كالعراق وسوريا، حيث لطالما تعدت الجمهورية التركية الوليدة حديثًا في أوائل القرن العشرين وحينما كانت تحت قيادة مصطفى كمال أتاتورك على الدول والأراضي العربية وقضية "لواء اسكندرون" أبرز مثال على ذلك والتي احتلتها تركيا وأعلنت ضم المنطقة ضمن أراضيها بشكل رسمي في عام 1939م. تاريخيًا، استمرت تركيا بالاتجاه غربًا في سياساتها الخارجية وكذلك صياغة ثقافتها على النطاق الغربي منذ تأسيس الجمهورية وحتى اليوم. وقد نتج عن هذه السياسية علاقة محدودة بين تركيا وبقية الدولة العربية. محدودية العلاقة العربية-التركية في القرن العشرين وربما حتى الواحد والعشرين نسبيًا كان نتيجة قلة المصالح السياسية والاقتصادية المشتركة لغالب الدول العربية ما عدا العراق وسوريا إلى حدٍ ما. ليس ذلك فقط، ولكن الجمهورية التركية كذلك انشغلت بتحدياتها السياسية الداخلية منذ تأسيسها كمشكلة المكون الكردي والأقليات الأخرى كالأرمن والعرب واليونانيون، والانقلابات العسكرية لا سيما في أعوام 1960، 1971، 1980، 1997م،وحتى مؤخرًا في 2016م،انشغال الداخل التركي بالقضايا الداخلية كالصراعات بين الأحزاب اليمينية المتطرفة واليسارية والعنصرية لا سيما في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي أدى لجعل تركيا مركزة أكثر على الشأن الداخلي والعلاقات مع الغرب وتجاهل المنطقة العربية إلى حد كبير. تعاقبت العديد من الأحزاب التركية والشخصيات السياسية سواء نتائج لانتخابات مشكوك فيها أو تدخل عسكري مباشر لحكم الدولة التركية وتشكيل سياساتها الخارجية.

صعود حزب العدالة والتنمية كحزب حاكم في تركيا تحت قيادة رجب طيب أردوغان في الساحة التركية في أواخر عام 2002م، يعتبر أمر هام في محور العلاقات العربية-التركية. ومنذ ذلك الوقت، بدأت تركيا بتحسين علاقاتها مع الدول العربية وخصوصًا المجاورة لحدودها كالعراق وسوريا وبناء سياستها على المبدأ البراغماتي (النفعي) والوطني في المقام الأول، وإن كان ذلك ممزوجًا بخطاب تاريخي وديني يحاكي التاريخ العثماني والعاطفة الشعبية في المنطقة العربية. استمرت العلاقات العربية-التركية بالتقارب ضمن إطار محدود في المجالات الثنائية المتبادلة في الشؤون الاقتصادية والثقافية والتنموية وإلى حد أقل في الجانب السياسي مرورًا بحرب العراق في 2003 م، وحتى ظهور ما يسمى بالربيع العربي في أواخر عام 2010م، وبدايات 2011م،العلاقات العربية-التركية في مجملها، بدأت على مختلف طرق في مرحلة ما بعد الربيع العربي وخصوصاً في السنوات التي تلت الحرب الأهلية في سوريا منذ 2011 م، وحتى اليوم.

المستجد الطارئ والذي بعثر أوراق العلاقات العربية-التركية، هو التدخل العسكري التركي في سوريا المتكرر وخصوصًا الأخير وقبله الموقف التركي تجاه الحروب الأهلية في سوريا وليبياوأزمة قطر، ودعمها لحركة الإخوان المسلمين رغم تصنيفها كجماعة إرهابية من قبل أغلب الدول العربية ومن أهمهم المملكة العربية السعودية وجمهورية مصر العربية والإمارات العربية المتحدة ومملكة البحرين. لذلك بدأت العلاقات التركية تتدهور مع مجمل الدول العربية ما عدا قطر والصومال، والتي تستضيفا قواعد عسكرية تركية، الأمر الآخر الذي يزيد حدة خلاف الدول العربية ممثلة بجامعة الدول العربية مع دور تركيا في المنطقة العربية. لذلك من الضروري دراسة أسباب وأهداف التدخل العسكري التركي في المنطقة العربية وتحديدًا سوريا لفهم نتائج هذا الحدث وتقييم تأثيراته سواء على سوريا أو العلاقات العربية-التركية ومستقبل منطقة الشرق الأوسط على وجه التحديد وكذلك القوى الإقليمية والدولية.[i]

أسباب الهجوم التركي على سوريا

يمكن إيجاز التدخل العسكري التركي في سوريا لعوامل عديدة بينها صراعات حزبية وسياسية في الداخل التركي، وكذلك أبعاد إقليمية ودولية، ولكن يبقى الدافع الرئيسي خلف السياسة التركية إزاء تدخلها العسكري وتعديها على الأراضي السورية هو التصدي للمد الكردي المتواجد في شمال سوريا تحديدًا والذي يأتي ضمن الأولية التركية في سياستها تجاه سوريا قبل فرض النفوذ السياسي في إقليم الشرق الأوسط والمكاسب الاقتصادية وغيره. ولذلك من المهم فهم أسباب وأهداف التدخل التركي في سوريا ضمن بعدين أساسيين وهم البعد الداخلي والذي يتمحور حول سياسة تركيا الداخلية وأولوياتها ومنطلقها من الداخل التركي، وأيضًا البعد الدولي للسياسة الخارجية التركية وعلاقاتها الدولية في منطقة الشرق الأوسط وخصوصًا سوريا.[ii]

ولذلك يمكن فهم أسباب التدخل العسكري في سوريا من خلال تحليل البعد الداخلي لتركيا ضمن أبعاد سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية أيضًا. تركيا على الصعيد الداخلي، لديها مشاكل عديدة في مكونها القومي والثقافي والذي يشكل منه الأكراد ما يزيد على ثمانية عشر مليون نسمة أي ما يقارب 20% من التعداد السكاني، والذي يقطن في غالبه الجزء الشرقي والجنوبي من تركيا بالإضافة إلى تواجد كثيف في المدن الكبرى كاسطنبول وأنقرة وأزمير وغيرها. الفروقات الاقتصادية والثقافية وكذلك الهوياتية أدت لاتساع الفجوة بين الأتراك والأكراد مما أنتج مشاكل عنصرية ومعارك بين الشعب الكردي والحكومة التركية وسلطاتها الأمنية منذ سنوات عديدة وحتى اليوم. ولهذا السبب، تقلق تركيا كثيرًا من وصول مساعدات أو دعم من الأكراد من خلال الحدود العراقية والسورية خصوصًا. ويمكن فهم أن من أهم أسباب الهجوم التركي على شمال سوريا هو لمقاومة المد الكردي والذي يمثله "بي بي كي" و "بي واي دي" وميليشيات مختلفة إذ أصبحت هذه المنظمات لديها نفوذ وسيطرة على نصف معابر الحدود بين سوريا وتركيا حتى منتصف العام المنصرم.

كما توجد أسباب أخرى دفعت بالهجوم العسكري التركي للأراضي الشمالية في سوريا، وإحداها هو أن الحكومة التركية تسعى من خلال هذا الهجوم والذي تطلب إرسال آلاف الجنود واستخدام الطائرة والمدرعات الثقيلة، لإشغال الجيش التركي عن الأوضاع المتردية في الداخل التركي كانهيار الليرة التركية وتباطؤ نمو الاقتصاد المحلي فضلاً عن تدهور علاقات تركيا الخارجية مع دول محورية لا سيما الولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا والاتحاد الأوربي ومصر والسعودية وغيرهم. وبذلك تسعى الحكومة التركية أن تتجنب الاصطدام المباشر مع الجيش، وعملية "نبع السلام" وسابقتها التي لم تنته "غصن الزيتون" لتشتيت أي نقد تجاه السياسات الداخلية سواء من الجيش أو الأحزاب أو الشعب بكافة مكوناته.

إضافة إلى ما سبق، المجتمع التركي يعاني من ارتفاع نسبة اللاجئين من دول عديدة أهمها سوريا إذ تستضيف تركيا ما يفوق ثلاثة ملايين ونصف لاجئ سوريا والذي يساوي 2.5% من كامل التعداد السكاني، مما يسبب منافسة شديدة على سوق العمل وبالتالي ارتفاع نسبة البطالة بين المواطنين الأتراك.[iii] ليس ذلك فقط، ولكن المجتمع التركي بدأ يشهد ارتفاعًا في معدل الجريمة وخصوصًا في المدن الصناعية والكبرى والتي عادة ما يقصدها اللاجئون كإسطنبول التي تستضيف وفقًا لآخر إحصاء أكثر من نصف مليون سوري. إضافة إلى أن المجتمع التركي بدأ يطرح أسئلة حول الهوية التركية والتي بدأت تتأثر بالثقافة العربية والسورية خصوصًا كانتشار اللغة العربية في الأماكن العامة، الأمر الذي يدفع بكثير من القوميين الأتراك للتصدي لهذه الظاهرة حفاظًا على خصوصية الثقافة والمجتمع التركي. ولذلك تريد تركيا السيطرة عسكريًا على شمال سوريا في محاولة لتوطين اللاجئين السوريين لديها في وقت لاحق، الأمر الذي لم ينجح بشكل كامل حتى اليوم. هذا ملخص لأهم أسباب داخلية دفعت تركيا بالهجوم على شمال سوريا، ولن تكتمل الصورة لفهم أسباب تدخلات تركيا المتتالية في سوريا إلا بتحليل المشهد ولكن من خلال البعد الدولي للسياسة التركية.

بالنظر إلى البعد الدولي للهجوم التركي على سوريا سواء السابق كعملية "غصن الزيتون" أو بهجوم عفرين، وكذلك الهجوم الأخير عملية "نبع السلام"، فيمكن تحليل المعطيات الجيواستراتيجية وبالتالي فهم أسباب الهجوم التركي على النطاق الدولي. منذ تفرد حزب العدالة والتنمية بالسلطة والقرار في تركيا، قد أعلن عن استراتيجيته على لسان وزير خارجيته الأسبق أحمد داود أوغلو في كتابه "العمق الاستراتيجي" والذي كان مبدأها يتمحور حول تصفير المشاكل مع الجيران. ولكن استراتيجيًا وبعد السياسيات الخارجية والتدخل العسكري التركي المتكرر في سوريا، أصبحت تركيا بدلاً من "مشكلات صفرية مع الجيران" إلى "مشكلات عديدة مع الجيران". ليس ذلك فقط، بل أصبحت هناك مشكلات داخلية في السياسة التركية كان أبرزها انسحاب العديد من السياسيين من حزب العدالة والتنمية وتأسيس أحزاب جديدة كالحزب "الجيّد". لكن هناك أسباب مهمة ضمن النطاق الدولي أدت لتسارع سيناريو التدخل العسكري التركي في سوريا، وأهمها هو ازدياد نفوذ المنظمات الكردية في شمال سوريا بعد عام 2015م، تحديدًا ولذلك شهدنا هجوم تركيا العسكري الأول تحت مسمى عملية "درع الفرات". ازدياد النفوذ الكردي في الأراضي السورية وخصوصًا المناطق الشمالية، يعتبر أمر حساس ضمن الاستراتيجية التركية لسياساتها الخارجية كون أن تركيا لديها عداء وخلاف مع المتمردين الأكراد منذ أواسط الثمانينات الميلادية. وهناك سبب آخر سبب إشعال فتيل الأزمة الحالية وهو إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالقيام فعليًا بسحب القوات الأمريكية المتمركز في سوريا إلى خارج الأراضي السورية الأمر الذي دفع تركيا لاقتحام سوريا عسكريًا وبعمق 30 كليو متر.

أهداف الحملات العسكرية التركية في سوريا

تهدف تركيا إلى العديد من الأمور والتي تسعى لتحقيقها من خلالها تدخلاتها العسكرية في سوريا السابقة والحالية سواء على النطاق الداخلي أو الدولي. رغم اختلاف أوقات الهجومات العسكرية التركية وكذلك اختلاف مسمياتها الرنانة، يبقى أن هذه الهجمات تسعى لأهداف متشابهة.

تستهدف تركيا في المقام الأول إلى صد أي تأثير من المد الكردي القادم من خارج الحدود التركية إلى الداخل التركي سواء من ناحية عسكرية أو استخبارية أو تمردية أو حتى ثورية. ليس ذلك فقط، ولكن كما توضح مصادر تركية سياسية وإعلامية، بأن تركيا حددت مسافة بعمق 30 كيلو داخل سوريا وأعلنت أن العملية العسكرية لن تتوقف حتى تتراجع كافة المنظمات العسكرية الكردية إلى خارج المسافة المذكورة.[iv]

الأمر الآخر الذي لطالما تهدف له تركيا منذ سنوات والذي أتى الهجوم العسكري الأخير للتأكيد عليه، ألا وهو المنطقة العازلة والتي تسميها الصحافة التركية والسياسيين الأتراك بالمنطقة الآمنة وتعني عزل السلاح وطرد كافة المنظمات الكردية المسلحة من طول الحدود التركية-السورية وحتى ثلاثين كيلو مترًا. على الصعيد الدولي، لم يلق هذا المقترح حتى الآن أي قبول دولي من كافة أطراف النزاع كسوريا وروسيا وإيران. لماذا تسعى تركيا لصنع هذه المنطقة؟ الجواب هو أن تركيا تسعى للتوطين القسري للاجئين السوريين مرة أخرى في شمال سوريا، وكما أشرت سابقًا أن بروز ظاهرة اللاجئين السوريين ونتائج ذلك، كان أحد الأسباب الدافعة لتركيا للهجوم العسكري الأخير والذي يسعى للسيطرة على شمال سوريا فضلاً عن توطين اللاجئين السوريين مرة أخرى وقسريًا.

إلى جانب الأهداف السابقة، يمكن كذلك إجمالاً فهم مغزى توجه تركيا للمنطقة العربية ومنطقة الشرق الأوسط عمومًا، بأنها تسعى لبسط نفوذها في سوريا، وأنها غير مترددة بالخيار العسكري رغم الخسائر في صفوف جيشها أو التكاليف الاقتصادية وكذلك المعارضة الشعبية لا سيما من قبل عموم الشعب التركي وبالأخص ذوي الخلفيات التركية. ولذلك، يمكن تلخيص أهداف الهجوم العسكري سواء السابق أو الحالي بأنه يسعى إلى :

-         مقاومة المد الكردي خارج الحدود التركية.

-         منع أي دعم عسكري كردي أو تأثير ثقافي ثوري من الوصول للأقلية الكردية داخل تركيا.

-         الدفع بصنع المنطقة العازلة أو كما تسميها تركيا بالمنطقة الآمنة أو ممر السلام.

-         إبعاد المنظمات الكردية إلى ما يفوق 30 كيلو مترًا داخل العمق السوري عن الحدود التركية.

-         توطين الملايين من اللاجئين السوريين لاحقًا في شمال سوريا وتخفيف عبء وجودهم على المجتمع والاقتصاد التركي.[v]

تداعيات الهجوم التركي على منطقة الشرق الأوسط

بعد إعلان الرئيس التركي أردوغان من مكتبه عن بدء هجوم الجيش التركي على مدن شمال سوريا كمنطقة "عين عيسى" وكذلك "رأس العين"، بدأت تداعيات عديدة سواء تجاه تركيا وكذلك الرئيس نفسه وحزبه، وكذلك تداعيات على النطاق الدولي لا سيما العلاقات الخارجية لتركيا مع العالم كالدول الأوروبية والولايات المتحدة والدول العربية فضلاً عن تعقيد إمكانية حل الأزمة سياسيًا.

فيما يخص تركيا، فكانت الخاسر الأول لتداعيات تدخلها العسكري في سوريا، فعلى سبيل المثال، أعلنت تسع دول أوروبية عدم دعمها لتركيا، وليس ذلك فقط، بل حتى جمهورية التشيك وفنلندا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وهولندا وإسبانيا والسويد والمملكة المتحدة إلى جانب كندا أعلنوا عن وقف بيع السلاح لتركيا. كما أعلنت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بدراسة فرض عقوبات اقتصادية على تركيا.[vi]

التداعي الآخر هو تضرر العلاقات العربية-التركية أكثر مما هي متضررة حاليًا، حيث أعلنت جامعة الدول العربية في اجتماعها الأخير والطارئ عن إدانتها الكاملة لما وصفته بالعدوان التركي على سوريا فيما تحفظت كلاً من قطر والصومال حول البيان الختامي والذي أكد على مواقف مهمة وحساسة.[vii] ويمكن إيجاز النقاط المهمة للبيان الختامي للاجتماع الطارئ للجامعة العربية في الثاني عشر من أكتوبر:

-         إدانة العدوان التركي واعتباره خرقًا للقوانين والمواثيق الدولية.

-         المطالبة بوقف العدوان التركي على سوريا وسحب القوات العسكرية التركية فورًا.

-         النظر في العلاقات العربية-التركية واتخاذ إجراءات سياسية واقتصادية وثقافية كتخفيض العلاقات الدبلوماسية والحد من التبادل التجاري والنشاط السياحي.

-         مطالبة مجلس الأمن في الأمم المتحدة بالتدخل واتخاذ كل ما يلزم للتصدي للتدخل التركي العسكري في سوريا.

-         رفض المنطقة العازلة بشكل كامل.

-         إدخال بند جديد في اجتماعات جامعة الدول العربية وتسميته "التدخلات التركية في الدول العربية.

وبالنظر على خلاصة البيان الختامي، يمكن أن تؤدي تداعيات الهجوم العسكري التركي في سوريا لتردي العلاقات العربية-التركية على نحو عال في ملفات حساسة، كتخفيض العلاقات الدبلوماسية مع تركيا إلى أدنى مستوى في الجانب السياسي والاقتصادي، وكذلك ربما تسعى الدول العربية لبحث إمكانية اعتبار مذبحة الأرمن، الأمر الذي يشكل حساسية تاريخية لتركيا مع دول عديدة حول العالم كأرمينيا وقبرص وغيرهم. ليس ذلك فقط، ولكن هناك سيناريوهات مطروحة كإمكانية عودة سوريا للجامعة العربية وتنشيط عضويتها المجمدة منذ 2011م، وبذلك يتيح لسوريا مقاضاة تركيا ضمن القانون الدولي. ويوجد سيناريو آخر وهو احتمالية لتطور علاقة وطيدة بين الدول العربية والمكونات الكردية في كلٍ من العراق وسوريا لبحث إمكانية الحل في سوريا وربما التصدي للتدخل التركي إذا ازداد عمقًا في الأراضي السورية أو انتقل لدول عربية أخرى.

وأخيرًا ما هي نتائج الهجوم العسكري على شمال سوريا؟ بناء على المعطيات السياسية والجغرافية للنشاط العسكري التركي في سوريا، والتطورات الناتجة عن هذه العملية التي لم تمض سوى مدة قصيرة قياسًا بسابقتها التي تجاوزت سنة ولم تنته، لا يمكن الجزم بأن تركيا قد حققت أهدافها حتى اليوم أو أنها ستحقق أهدافها في المستقبل. هل استطاعت تركيا ردع المد الكردي المتمرد والمسلح في سوريا؟ الجواب، هو نعم ولكن في المدى القصير والآني، ولكن ماذا عن المدى الطويل؟ طبعًا، الجواب سيكون أكثر تعقيدًا لأن تركيا لم تنجح حتى اليوم في عمليتها الأخيرة. ما زلت أسباب وأهداف التدخل العسكري في سوريا لم يتم حلها أو تحقيقها، كأزمة ملايين اللاجئين السوريين في تركيا، وتدهور الاقتصاد والليرة التركية خلال الثلاث سنوات الماضية تحديدًا، فضلاً عن عدم حصول تركيا للدعم الدولي للمنطقة العازلة في شمال سوريا. إذا كان هناك من نتائج فهي في مجملها تكلفة اقتصادية واستنزاف عسكري لتركيا مستمر لطالما بقيت القوات التركية في حربها ضد الجماعات الكردية، وكذلك تعقيد علاقات أنقرة الخارجية بالدول والقوى المهمة عالميًا كالولايات المتحدة وأكثر من 12 دولة أوربية فضلاً عن مجمل الدول العربية وفي مقدمتهم السعودية والإمارات ومصر. يبقى مستقبل الهجوم التركي على سوريا مجهول على الأقل في المدى الطويل. الأمر المهم هو أن الحل السياسي في سوريا هو البداية للحل النهائي لأزمة الحرب الأهلية في سوريا والتي استمرت لأكثر من عشر سنوات. لذلك من المهم أن الدول العربية والخليجية تحديدًا متابعة تطورات التدخل التركي في البلدان العربية وتحديد مواقف موحدة واستراتيجيات للتعاطي مع أزمات الشرق الأوسط في ظل تراجع الولايات المتحدة وتعدد أطراف النزاع بين قوى إقليمية كإيران وروسيا وغيرهم.

 

 

 

 

 

المراجع:

[i]Ayata, B. (2015). Turkish foreign policy in a changing Arab World: rise and fall of a regional actor?. Journal of European Integration, 37(1), 95-112.

[ii]Hinnebusch, R. (2015). Back to enmity: Turkey-Syria relations since the Syrian Uprising. Orient, Journal of German Orient Institute.

[iii]Ela, N. (2015). The international migration and foreign policy nexus: the case of Syrian refugee crisis and Turkey. Migration letters, 12(3), 193-208.

[iv]CAMERON ABADI, Why Is Turkey Fighting Syria’s Kurds?, Foreign Policy, October 17th, 2019, https://foreignpolicy.com/2019/10/17/turkey-claim-syrian-kurds-terrorists-not-isis-ypg-pkk-sdf/

[v]BBC, Barış Pınarı Harekâtı başladı: Suriye'nin kuzeyindeki Resulayn ve Tel Abyad'da hedefler havadan ve karadan vuruluyor, https://www.bbc.com/turkce/haberler-turkiye-49984823

[vi]BBC, من يزود تركيا بالأسلحة بعد أن توقفت بعض الدول الأوروبية عن بيعها؟, 23 October, 2019, https://www.bbc.com/arabic/middleeast-50150956

[vii]Reuters, Turkey's Syria offensive an 'invasion': Arab League secretary general, https://www.reuters.com/article/us-arableague-turkey-syria/turkeys-syria-offensive-an-invasion-arab-league-secretary-general-idUSKBN1WR0C9

كلمات دليلية

الشركات المعلنة