;
الصفحة السابقة

قمة العشرين ومصالح دول مجلس التعاون

انشأ بتاريخ: الجمعة، 01 أيار 2009

احتلت قضايا الأزمة المالية العالمية وتنسيق السياسات الاقتصادية بهدف إنعاش النمو الاقتصادي وإصلاح النظام المالي العالمي- كما كان متوقعاً لها – رأس جدول أعمال قمة دول مجموعة العشرين التي عقدت في لندن في الثاني من إبريل الماضي، وسط إدراك من الجميع أن إيجاد الحلول الناجحة لمثل هذه المشكلات التي تعصف بالاقتصاد العالمي لا يمكن أن يتحقق على يد بعض الدول بعد الآن، حتى إن مجموعة الدول السبع الكبار لا تستطيع الاضطلاع بهذه المهمة؛ وذلك نظراً لتزايد أهمية الأسواق الناشئة خلال العقدين المنصرمين.

وبغض النظر عمّا إذا كانت المهمة تتمثل في معالجة العجز التجاري الأمريكي أو الحصة من إجمالي الناتج المحلي في العالم أو توفير ما يمكن من الطاقة والمواد الخام، فإنه لم يعُد ممكناً بعد اليوم تجاهل دول مثل الصين والبرازيل والمملكة العربية السعودية. وتأسيساً على ما تقدم فإن صيغة مجموعة العشرين تبدو الإطار الأنسب للتعامل مع الأزمة القائمة. فهذه المجموعة التي تأسست عام 1999 تضم الاقتصادات التسعة عشر الأكبر في العالم والاتحاد الأوروبي وتمثل مجتمعة تسعين في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في العالم ونحو ثمانين في المائة من حجم التجارة العالمية ونحو ثلثي سكان الكرة الأرضية.

وهذه هي المرة الثانية التي يجتمع فيها رؤساء دول مجموعة العشرين، الأمر الذي يدلِّل على حجم الأزمة. أضف إلى ذلك أن جدول أعمال المجموعة تحول من مناقشة القضايا السياسية إلى مناقشة القضايا الاقتصادية التي أصبحت أكثر أهمية وإلحاحاً. إلا أن التنسيق العالمي هو الكفيل وحده بتحقيق الانتعاش الاقتصادي المنشود وإيجاد الحلول للمصارف المتعثرة، وتبقى كافة المحاولات الأخرى التي لا تلتزم بالتنسيق بين دول العالم محفوفة بالمخاطر،وتؤدي بالضرورة إلى الإضرار بالعديد من دول العالم وربما العودة مجدداً إلى السياسات الحمائية التي لا بد من تجنبها مهما كلَّف الأمر.

إن دور المملكة العربية السعودية في مجموعة العشرين يبقى محورياً، ليس لأنها أكبر الدول المصدرة للنفط وحسب، بل لأنها تحرص كل الحرص على حماية مصالح دول مجلس التعاون الأخرى وكافة الدول المصدرة للنفط بشكل عام. ونظراً لأن المملكة العربية السعودية تحتل مقعداً في المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي منذ عام 1978، فإن لها دوراً لا يمكن تجاهله في الحوار الدائر حول إصلاح المؤسسات المالية العالمية. إلا أنه لا بد من الإشارة إلى أن مجموعة العشرين لا تزال تفتقر إلى أمانة عامة وكوادر متفرغة من الموظفين، الأمر الذي لم يسمح لها حتى الآن بلعب دور فعال يتسم بالكفاءة في الجهود المبذولة لمعالجة المشكلات الاقتصادية والتصدي لها. ولذلك فإن إنشاء المؤسسات يعتبر من الأمور المهمة فعلاً والتي كان لا بد من إعطائها الأولوية التي تستحق على جدول اجتماع القمة في لندن.

 لقد حذَّر البنك الدولي مؤخراً من أن العاصفة الاقتصادية التي تعصف بالعالم ستلحق بالدول النامية والأسواق الناشئة في العالم خلال العام الحالي وذلك بشكل يفوق كل التوقعات السابقة. إن بعض الدول في أوروبا الشرقية مثل أوكرانيا وهنغاريا سبق لها أن لجأت إلى صندوق النقد الدولي طلباً للمساعدة، كما أن هاجس إفلاس المصارف في أوروبا الشرقية بدأ يفرض نفسه بقوة، الأمر الذي ستكون له تبعات سلبية على بعض مصارف أوروبا الغربية التي تعاني أزمات حادة ونقصاً في السيولة في النمسا والسويد وسويسرا على سبيل المثال لا الحصر.

 كان رئيس الوزراء البريطاني، غوردون براون ، قد حظي باستقبال فاتر خلال زيارته إلى منطقة الخليج في شهر نوفمبر الماضي وذلك عندما حاول أن يروج لفكرة أن دول مجلس التعاون قادرة على جمع (مئات المليارات) لعمليات الإنقاذ المقترحة للمؤسسات المتعثرة. لقد تغيرت الأولويات، أصبح لزاماً ضخ المزيد من الأموال في الأسواق المحلية ولا سيما في ظل تراجع معدلات السيولة العالمية والخسائر الفادحة التي تعرضت لها صناديق الثروة السيادية بسبب الفوضى العارمة التي شهدتها أسواق المال العالمية. أضف إلى ذلك أنه بسبب أسعار النفط المنخفضة. فإن بعض الدول المصدرة للنفط ستعاني عجزاً في ميزانياتها لعام 2009 ولن يكون لديها فائض مالي تقدمه إلى صندوق النقد الدولي.

 إلا أنه على الرغم من هذه الأوضاع الصعبة فإنه لا يزال هناك مجال للتعاون، لأن من مصلحة دول المجلس عدم التخلي عن مسؤولياتها تجاه المجتمع الدولي. وهي مستعدة للمساهمة بنسبة 10 في المائة من الخمسة مليارات دولار التي رصدها البنك الدولي لدعم مكافحة الفقر في دول إفريقيا. كما أن بإمكان دول المجلس إقراض صندوق النقد الدولي مبالغ مالية تساهم في حل الأزمة المالية العالمية. ولكن من حق دول المجلس أن تطالب مقابل هذه الأموال بأن تحصل على معدلات فائدة أفضل، وأن تحظى بدور وصوت أقوى في المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي. وتصر دول المجلس كذلك على حقها في معرفة الجهة المستفيدة من الأموال التي تقدمها وذلك لضمان وصولها إلى الجهات التي تحتاجها.

وعلى صعيد آخر، فإن دول المجلس تتعهد بأن تستمر في انتهاج سياسة معتدلة فيما يتعلق بأسعار النفط. فهذه الدول لم تشارك في المضاربة على أسعار النفط، ولم تعمل يوماً على تأجيج أسعاره.

وتجدر الإشارة في هذا السياق إلى أن استمرار الإنفاق المحلي في دول المجلس على مشاريع البنية التحتية سيؤدي إلى دعم وازدهار الاقتصاد العالمي ولا سيما أن دول المجلس تستورد معظم احتياجاتها من الأسواق العالمية.

وتهدف دول المجلس من وراء الاستثمار في القطاع الزراعي إلى تغطية الاحتياجات المحلية للدول الفقيرة أولاً ومن ثم تصدير الفائض. كما يمكن إقامة علاقة تعاون بين دول الخليج العربية التي تمتلك رؤوس الأموال والدول التي تمتلك التقنية والدول التي تجتذب هذه الاستثمارات والتي تعمل على توفير الأرض واليد العاملة وموارد المياه الكافية.

أضف إلى ذلك إلى أن رئيس مجموعة البنك الدولي روبرت زوليك تقدم باقتراح يهدف إلى استثمار واحد في المائة من الأسهم العادية للصناديق السيادية في أغراض التنمية والتطوير في منطقة جنوب الصحراء الإفريقية. كما أن هناك إمكانية لصفقات تقوم على مبدأ ضمان الأمن الغذائي مقابل ضمان أمن الطاقة، وتقديم المساعدة لسياسات الطاقة المحلية.

وينبغي على دول المجلس أن توظِّف هذه المبادرات لإبراز دورها الإيجابي المتميز على الساحة الدولية وإعطاء دفعة جديدة لسوقها المشتركة وتعزيز دور اتفاقيات التجارة الحرة والاتحاد النقدي المزمع إطلاقه في المستقبل القريب، فهذه الدول مجتمعة يمكن أن تلعب دوراً عالمياً بارزاً، وتدفع اقتصاداتها لتحقيق المزيد من النمو والازدهار. إن المملكة العربية السعودية قادرة على لعب دورٍ مهمٍ لما فيه خير دول مجلس التعاون ومصالحها في إطار اجتماعات وقمم مجموعة العشرين وغيرها من المؤسسات الدولية، مثل صندوق النقد الدولي. ومن أجل تحقيق هذه الغاية فإن على المملكة إجراء مشاورات مكثفة مع دول المجلس حول المصالح المشتركة وكيفية رعايتها وحمايتها في ظل الظروف الصعبة التي فرضتها الأزمة المالية العالمية.

 

كلمات دليلية