;
الصفحة السابقة

أفغانستان وإحياء التحالف الأمريكي – الإيراني

انشأ بتاريخ: الأربعاء، 01 نيسان/أبريل 2009

تبادل المصالح بين الأصدقاء، وأحياناً بين الأعداء، لا يعد ظاهرة جديدة في العلاقات بين الدول، فالعلاقات بين الدول لا تعرف العداءات الدائمة ولا الصداقات الدائمة، بل جوهرها هو المصالح الدائمة. وتُعتبر علاقة التعاون بين الولايات المتحدة الأمريكية (الشيطان الأكبر) من جهة وجمهورية إيران الإسلامية (قلب محور الشر) من جهة أخرى مثالاً نموذجياً يجسد هذه الحقيقة في الوقت الراهن. فعلى الرغم من التهديدات والضجيج الإعلامي السلبي الذي صدر، ويصدر كل يوم، من كلتا الدولتين ضد الدولة الأخرى، وعلى الرغم أيضاً من تبادل النعوت والأوصاف السيئة، ناهيك عن إطلاق التصريحات والإدانات العلنية والإعلامية التي تصدر من كبار المسؤولين في كلتا الدولتين، والمدعومة عادة بالحملات الإعلامية المتبادلة، رغم كل ذلك وغيره فثمة مؤشرات عديدة تؤكد أن علاقة التعاون، بل التحالف بين واشنطن وطهران،هيأقوى من أي تحالف رسمي، وأصلب من أي تحالف معلن شهدته منطقة الشرق الأوسط خلال العصر الحديث باستثناء واحد هو التحالف الأمريكي – الإسرائيلي.

إن التحالف بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران يقوم على مبدأ سحري أثبت فاعليته منذ بداية العلاقات الدولية، وهو مبدأ (خدمة المصالح المشتركة). والمراقب لتطور العلاقات الأمريكية – الإيرانية منذ الثورة الإيرانية وحتى اليوم سيجد حقيقة أن العلاقات بين الدولتين غائبة وسيئة (سياسياً)، ولكنها حية وفاعلة (استراتيجياً). فهناك فارق كبير بين العلاقات السياسية الرسمية والعلنية من جهة، والعلاقات الاستراتيجية من جهة أخرى، والتي تقوم على تفاهمات مباشرة أو غير مباشرة بين الطرفين بشأن عدد من القضايا.

وفي هذا السياق، فإن التحالف الاستراتيجي الأمريكي – الإيراني، والذي تبلور سريعاً في فترة ما بعد اعتداءات الحادي عشر من سبتمبر 2001استمد – ويستمد – قوته وفاعليته من كونه يمثل علاقة استراتيجية تقوم على أسس راسخة وعملية هدفها الأساسي هو خدمة المصالح الوطنية العليا والمشتركة لكلتا الدولتين. وكان الدعم المباشر وغير المباشر الذي قدمته إيران للولايات المتحدة في عملية إزالة نظام طالبان في أفغانستان عام 2001، وأيضاً إزالة نظام البعث في العراق عام 2003 يمثل قمة ثمرة التحالف الاستراتيجي من أجل خدمة المصالح المشتركة للطرفين رغم انعدام أو غياب حاله التوافق السياسي العلني.

وتجسد العلاقة بين الدولتين حقيقة أن السياسة الخارجية لكل منهما تقوم على حسابات خدمة المصلحة العليا للدولة، فالولايات المتحدة الأمريكية كقوة عظمى لها سياستها الكونية وحساباتها الخاصة، كما أن السياسة الإيرانية الإقليمية والدولية لا تحكمها العواطف والأهواء والشعارات العلنية، فإيران ليست دولة عقائدية في سياستها الخارجية، كما يعتقد الكثيرون.ولنأخذ مثالاً واحداً في هذا المجال،فدعم مصالح الأقليات الشيعية في العالم، الذي أمسى إحدى الدعائم الأساسية لسياسة الدولة الخارجية، لا يقوم على أساس حماية مصالح هذه الأقليات، ولا يقوم أيضاً على أسس خدمة المذهب الشيعي، بل على أساس واحد هو مدى خدمة المذهب الشيعي والأقليات الشيعية للمصالح الوطنية العليا للدولة الإيرانية. فتوظيف الورقة الطائفية في سياسة إيران الخارجية،والذي أدى إلى تأجيج التنافس والتناحر الطائفي في العالم الإسلامي، هو جزء من (استراتيجية الدولة التدخلية) في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، وأيضاً جزء من (استراتيجية بناء مراكز النفوذ الإيراني) في مجتمعات ودول المنطقة.

وعلى المنوال نفسه(خدمة المصالح الوطنية العليا) تقوم أسس علاقة إيران بالولايات المتحدة الأمريكية اليوم في ظل إدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما. فقد حملت وكالات الأنباء العالمية مؤخراً معلومات حول قيام الإدارة الأمريكية ودول حلف شمال الأطلسي العاملة في ساحة الحرب الأفغانية بدراسة احتمال استخدام الأراضي الإيرانية كقاعدة خلفية لدعم العمليات الحربية لحلف الناتو في أفغانستان، وذلك عبر تفاهمات خاصة مع النظام الإيراني، حيثأكد الجنرال جون كرادوك من قيادة حلف شمال الأطلسي أن قيادة الحلف لن تعترض على أي من الدول الأعضاء في الحلف ترغب في الاتفاق مع إيران بهدف تمرير الإمدادات لقواتها العاملة في أفغانستان عبر الأراضي الإيرانية.

وجاء هذا التطور بعد قيام جمهورية قيرغيزستان بإلغاء اتفاقية تقديم الدعم اللوجستي للقوات الأمريكية في أفغانستان عبر أراضيها، وكذلك على خلفية تدهور الوضع الأمني في باكستان وارتفاع وتيرة المعارضة الداخلية لدور باكستان في توفير الدعم للمجهود الحربي الأمريكي والغربي في ساحة العمليات الأفغانية. وقد استشعرت القيادات الأمريكية والغربية خطورة الموقف في باكستان بعدما تمكنت حركة طالبان والمجموعات الباكستانية الداعمة من قطع طرق الإمداد البرية عبر مضيق (خيبر) الذي يعد شريان الإمداد الرئيسي للقوات الغربية العاملة داخل أفغانستان. وفي ضوء ذلك يبدو أن الخطة الغربية البديلة تقوم على فكرة إمكان استخدام أراضي إيران لغرضين حيويين يتحكمان في استمرار وسير العمليات العسكرية في أفغانستان، هما:

 الأول، إن إيران من الممكن أن توفر الممر الآمن عبر موانئها البحرية وأراضيها ومجالها الجوي لضمان إيصال تعزيزات القوات الغربية وعمليات استبدالها الدوري، وإيصال الأسلحة والمؤن والمعدات إلى داخل أفغانستان.

الثاني، إن الأراضي الإيرانية من الممكن أن تُستخدم كملاذ آمن للقوات الأمريكية والغربية في حالة قيام ظروف خاصة تستوجب الانسحاب الطارئ من الأراضي الأفغانية. وهذا يعني قيام حالة اعتماد كبير على التعاون الإيراني في استمرار الحرب في الساحة الأفغانية التي أكد الرئيس أوباما مراراً أنها ستحظىبالأولوية في سياسته الخارجية.

 وتقوم أسس هذا الاقتراح على الحسابات الاستراتيجية والمنطقية نفسهاالتي تحكم العلاقات بين واشنطن وطهران، وهي أن النظام الإيراني يجد (مصلحة استراتيجية عليا) في منع عودة نظام طالبان السني المتطرف والعدو الطبيعي لإيران إلى السلطة في كابول وبأي ثمن. ومن هنا فإن تحالف طهران مع الولايات المتحدة عام 2001 لإسقاط نظام طالبان، الذي قام على أسس (المصلحة المشتركة)،لايزال يتحكم في وجوب استمرار التعاون بين الدولتين من أجل منع عودة النظام المعادي لكليهما إلى زمام السلطة.

وفي ضوء كل ذلك، فإنه يتعين على الدول العربية أن تدرك أن الولايات المتحدة في مأزق كبير،وتحاول إيجاد مخرج منه بأي ثمن، وأن طهران في حالة ترقب لقطف ثمار هذا المأزق. لذا فإن فكرة إعادة التعاون والتحالف الاستراتيجي بين واشنطن وطهران للسيطرة على الوضع في أفغانستان قد تكون بداية لعودة تحالف استراتيجي متعدد الأبعاد بين الدولتين، وقد يقود واشنطن وحلفاءها الغربيين إلى تقديم تنازلات جذرية لإيران في مواقع وقضايا خطيرة يمكن أن تمس الأمن والمصالح الوطنية العليا لدول عربية وخاصة في منطقة الخليج. 

كلمات دليلية