;
الرئيسية / إدارة الرئيس أوباما وهموم العالم العربي: وجهة نظر خليجية

إدارة الرئيس أوباما وهموم العالم العربي: وجهة نظر خليجية

الخميس، 01 كانون2/يناير 2009

إن المهمة الأولى لإدارة الرئيس باراك أوباما في منطقة الشرق الأوسط تتمحور حول إيجاد معالجات فعالة للمشكلات والتحديات الخطيرة التي ولّدتها السياسات الخاطئة لإدارة الرئيس جورج بوش، وبخاصة في ما يتعلق بالأزمة العراقية، والدور الإيراني في العراق، فضلاً عن التحرك بجدية وفاعلية على طريق تسوية القضايا والتحديات التقليدية التي شكلت – وتشكل - عائقاً لتحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.

وإذا كان من غير المتوقع أن تلقي الإدارة الجديدة بثقلها في قضايا المنطقة قبل مرور نحو عام على الأقل باعتبار أن هناك أوضاعاً داخلية ضاغطة يتعين على الإدارة التعامل معها، فإنه من المهم أن تتحرك تجاه قضايا المنطقة في ضوء الدروس المستخلصة من إخفاقات سياسات إدارة بوش من ناحية، والنظر إلى طبيعة المصالح الأمريكية في المنطقة العربية من ناحية أخرى، لا سيما أن ممارسات إدارة بوش كثيراً ما أحرجت الدول العربية الصديقة للولايات المتحدة، بل أصبحت تشكل عبئاً عليها في بعض الأحيان.

وبناءً عليه، فإنه على صعيد الصراع العربي – الإسرائيلي، يتطلع العرب إلى أن تقوم الإدارة الجديدة بدور أكثر فاعلية وأكثر حيادية في دفع عملية التسوية وفق رؤية جديدة لا تقوم على مجرد الضغط على الجانب الفلسطيني أو تتجاهل بعض القضايا والجوانب الجوهرية المرتبطة بالقضية الفلسطينية، أو تركز على عزل سوريا، أو تطالب العرب بالتطبيع مع إسرائيل قبل التوصل إلى تسوية شاملة ومقبولة، أو تغض الطرف عن السياسات الإسرائيلية العدوانية التي تعوق جهود التسوية.

وبخصوص المسألة العراقية، فإن ما طرحه الرئيس الجديد خلال حملته الانتخابية بشأن تحقيق انسحاب تدريجي للقوات الأمريكية من العراق خلال 16 شهراً، يجب أن يقترن بخطوات فعّالة وإيجابية من أجل تدعيم الجيش والشرطة العراقيين، وتفعيل جهود تحقيق مصالحة وطنية داخلية حقيقية، ودعم عملية إعادة الإعمار، وإفساح مجال أكبر للأمم المتحدة ودول الجوار الجغرافي للمساعدة في جهود تحقيق الأمن واستقرار الأوضاع في العراق. ومن دون ذلك فإن أي انسحاب غير مدروس من العراق قد يؤدي إلى حرب أهلية طاحنة، كما أنه سوف يجعل العراق ساحة خصبة لجماعات التطرف والإرهاب، ناهيك عن كونه سيصيب هيبة الولايات المتحدة الأمريكية في مقتل.

وبغض النظر عن الجدل الداخلي في الولايات المتحدة الأمريكية بشأن الاستغناء عن نفط الشرق الأوسط، فالمؤكد أن الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاءها سوف يظلون لسنوات مقبلة يعتمدون على نفط المنطقة، لذا فإن قضية أمن الطاقة يجب أن تأتي ضمن أولويات الإدارة القادمة، لا سيما أن هناك أطرافاً دولية كثيرة معنية بهذا الملف. ويمكن لواشنطن أن تقوم بدور أكثر فاعلية في حشد الجهود الدولية لتحقيق هذا الهدف.

وبخصوص مستقبل العلاقات الأمريكية – الإيرانية، وانعكاسات ذلك على دول المنطقة، يمكن القول إنه من حيث المبدأ لا يوجد اعتراض عربي أو خليجي على فكرة قيام إدارة الرئيس أوباما بفتح قنوات الحوار مع طهران، فتأسيس علاقات طبيعية بين واشنطن وطهران لا يُعد مصدراً للقلق، بل سيمثل تطوراً إيجابياً من المتوقع أن يصب في النهاية في مصلحة الأمن والاستقرار الإقليمي. لكن ما يشكل مصدراً للقلق هو قيام واشنطن وطهران في ظل الإدارة الأمريكية الجديدة بالتوصل إلى عقد صفقة على حساب المصالح الاستراتيجية للدول العربية بصفة عامة والدول الخليجية على وجه التحديد.

إن بروز احتمالات تبني دبلوماسية (الصفقة الشاملة) مع الولايات المتحدة في ظل إدارة الرئيس أوباما سوف يدفع طهران إلى بذل الجهود القصوى من أجل تعزيز موقفها التفاوضي بما يجعلها ترفع سقف مطالبها في حالة الانخراط بترتيبات الصفقة بين الجانبين. لذا فإن العام المقبل قد يشهد تصعيداً تدريجياً في سياسة إيران التدخلية في العالم العربي، وبالخصوص في ساحات المواجهة الرئيسية المتمثلة في العراق ولبنان وفلسطين، كما أن أحد أهداف السياسة الإيرانية الراهنة هو العمل على مقاومة الجهود المبذولة من قبل بعض الأطراف الإقليمية والدولية والرامية إلى تفكيك التحالف الاستراتيجي السوري – الإيراني، إلى جانب سعي طهران إلى تعزيز دورها في العراق والحفاظ على استمراريته، وذلك من خلال ما يلي: وضع العقبات والقيود التي من شأنها منع الولايات المتحدة من الحصول على تفويض عراقي يمنح الشرعية لبقاء القوات الأمريكية في الأراضي العراقية، أو على أقل تقدير تخفيض السقف الزمني لبقاء هذه القوات، وتشجيع ودعم مشروع قيام (الإقليم الشيعي) أو إقليم الجنوب في حالة تمكن الأكراد من تأسيس وإعلان (إقليم كردستان)، فالإقليم الشيعي سيرتبط استراتيجياً بإيران، فضلاً عن الاستمرار في تقديم مختلف أشكال الدعم لكافة الفئات والأحزاب الشيعية من أجل ضمان استمرارية نفوذها المؤثر في الساحة العراقية، ومن ثم ضمان تحقيق أهداف إيران الاستراتيجية في العراق.

وفي ضوء ما سبق، فإن ملف إيران النووي وطريقة معالجته، يأتيان في مقدمة القضايا التي ستكون لها انعكاساتها على منطقة الخليج بصفة خاصة والمنطقة العربية بصفة عامة. ويتمثل التحدي الرئيسي هنا في حقيقة فشل العقوبات الاقتصادية والمالية في التأثير الفعال في الموقف الإيراني. ولذلك فإن القيادة الإيرانية تأمل بصفقة مع واشنطن قد تتضمن (غضّ الطرف) عن البرنامج النووي الإيراني والسماح باستمراره من دون ضغوط أمريكية أو دولية كبيرة. وفي حالة الفشل في تضمين مشروع الصفقة قضية مستقبل البرنامج النووي الإيراني فإن التطورات المستقبلية بخصوص هذا الملف، يمكن تحديدها بالمسارات التالية:

1- تصعيد كبير في العقوبات غير العسكرية المباشرة (اقتصادية ومالية ودبلوماسية) التي ستفرضها الإدارة الأمريكية على طهران، مما يستوجب على دول الخليج أخذ ذلك في الاعتبار في تعاملها المستقبلي مع إيران.

2- في حال فشل نظام العقوبات الدولية في توليد الضغوط الكافية لإخضاع إيران لقرارات الشرعية الدولية، فإن بديل العمل العسكري سيحصل على مزيد من الشرعية الدولية والقبول السياسي.

3- تبقى احتمالات شن عمل عسكري ضد إيران خلال السنة الأولى من تولي الرئيس الأمريكي الجديد زمام السلطة غير واردة أو ضعيفة إلى حد كبير، فالرئيس الأمريكي الجديد سيحتاج إلى السنة الأولى من رئاسته لتثبيت إدارته الجديدة والتعامل مع التحديات الداخلية، وسيحاول قدر الإمكان تجنب التورط في مغامرة عسكرية خارجية. لكن احتمالات العمل العسكري قد ترتفع بمرور الزمن في حالة عدم التوصل إلى تسوية مرضية لأزمة الملف النووي الإيراني. وبالمقابل فإن القيادة الإسرائيلية ستحاول تجنب إحراج الرئيس الأمريكي الجديد خلال فترة رئاسته في السنة الأولى، ولن تلجأ إلى العمل العسكري إلا في حالة الحصول على معلومات تؤكد حدوث تقدم كبير في مسعى إيران لتطوير السلاح النووي أو حدوث تحدٍّ خطير من إيران يبرر العمل العسكري.

ولذلك، فإن المطلوب من الرئيس أوباما وإدارته القادمة هو العمل على احتواء الطموحات الإيرانية المتنامية شريطة ألا يكون ذلك على حساب المصالح الخليجية بصفة خاصة والعربية بصفة عامة، فضلاً عن التعامل مع مشكلات وقضايا العراق، والصراع العربي – الإسرائيلي، والحرب ضد الإرهاب، ودارفور، والإصلاح في دول المنطقة وفق رؤى وسياسات جديدة تعيد للولايات المتحدة الأمريكية مصداقيتها، وتعزز من فرص الأمن والاستقرار في المنطقة.

وفي كل الحالات، فإن التغيير في سياسة واشنطن في المنطقة سيتوقف في جانب مهم منه على مدى نجاح الدول العربية في بلورة رؤى وسياسات مشتركة لإدارة علاقاتها مع الولايات المتحدة الأمريكية وغيرها من القوى الدولية والإقليمية الكبرى. أما الاستمرار في سياسة رد الفعل وانتظار أن تأتي المبادرات من واشنطن أو غيرها من العواصم، فإن ذلك لن يخدم القضايا العربية كثيراً سواء أكان ساكن البيت الأبيض هو أوباما أم غيره. 

مقالات لنفس الكاتب