اكتسبت قضية الإصلاح السياسي والتغيير الديمقراطي في اليمن حيزاً من الأهمية والزخم خلال عام 2006 الذي شهد تفاعلات عدة على هذا الصعيد، ورغم أنها لم تصب بمجملها في اتجاه حدوث تفعيل حقيقي لعملية التطور الديمقراطي في اليمن، إلا أنها مثلت تراكماً يمكن أن يشكل قوة دفع في الفترة المقبلة باتجاه إجراء إصلاح حقيقي.
وفي كل الأحوال، يجدر القول إن منحنى أداء عملية الإصلاح السياسي والتغيير الديمقراطي في اليمن، مثل معظم الدول العربية، لايزال منخفضاً، فالتحديات التي يواجهها اليمن وضعته أمام مأزق البدائل الضيقة: فهو من جهة مدفوع بفعل ضغوط داخلية وأخرى خارجية نحو إجراء إصلاح سياسي وتغيير ديمقراطي، حيث تكثفت الدعوة الإصلاحية بما تحمله من مطالب التغيير السياسي باتجاه الديمقراطية والليبرالية. وفي هذا السياق، قدمت أحزاب (اللقاء المشترك)، وهو تجمع يضم أقوى حزبين معارضين في اليمن هما: التجمع اليمني للإصلاح، والحزب الاشتراكي اليمني، بالإضافة إلى ثلاثة أحزاب صغيرة هي: التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري، وحزب الحق، وحزب اتحاد القوى الشعبية، قدمت ما سمي (مبادرة اللقاء المشترك للإصلاح السياسي والوطني الشامل) في نوفمبر 2005، شخصت فيها أزمة النظام السياسي القائم على التركيز الشديد للسلطة، وهو التركيز الذي قاد إلى تغليب مبدأ القرابة والولاء السياسي على مبدأ الكفاءة والقدرة في اختيار كبار المسؤولين في الدولة، وإلى إضعاف شديد لمؤسسات الدولة، وخصوصاً القضاء والبرلمان. ووفقاً للمبادرة، فقد ساهم الخلل القائم في النظام السياسي في انتشار الفساد إلى الحد الذي حقق فيه اليمن خلال السنوات من 2003 إلى 2005 درجات متواضعة على مقياس الشفافية الدولية تراوحت بين 2.4 و2.7 من أصل عشر درجات. وجرى نقاش حاد حول المبادرة انتهى بتوقيع اتفاق مبادئ بين حزب المؤتمر الشعبي العام الحاكم وأحزاب (اللقاء المشترك)حول نزاهة الانتخابات الرئاسية والبلدية في 18 يونيو 2006، أي قبل فتح باب الترشيح للانتخابات الرئاسية بأيام.
لكن التهديدات الأمنية التي تواجه اليمن نتيجة ظهور موجة جديدة من العمليات الإرهابية الكبيرة دفعت النظام السياسي، وبدعم من جانب القوى الخارجية خصوصاً الولايات المتحدة الأمريكية، إلى اتخاذ تدابير أمنية تتعارض كلية مع الممارسة الديمقراطية، رغم اقتناع الكثيرين بأن مواجهة أعمال العنف والإرهاب تتطلب ضرورة إجراء إصلاح سياسي وتغيير ديمقراطي. وتشير بيانات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي والبنك الدولي إلى انخفاض معدل الاستقرار السياسي فى اليمن من 17.7 في المائة عام 1996 إلى 7.3 في المائة في عام 2004. وتمثل أحداث صعدة التي اندلعت في عام 2004، وتجددت في عام 2005، ثم في عام 2006، وأحداث العنف التي اندلعت في يوليو عام 2005، وكذلك العودة القوية لظاهرة خطف السياح خلال الربع الأخير من عام 2005، أبرز المؤشرات إلى تدهور الاستقرار في اليمن.
وكان الاعتبار الأمني من أهم ما استند إليه الرئيس علي عبد الله صالح ومؤيدوه لتبرير ترشيحه في الانتخابات الرئاسية، بعد أن سبق وأعلن عزمه عدم الترشيح فيها. فخلال تقديمه أوراق ترشيحه لانتخابات الرئاسة قال الرئيس صالح: (لقد جئت لأقدم الوثائق الخاصة بالترشيح طبقاً للدستور والقانون بعد أن لبيت نداء الملايين من الجماهير التي خرجت إلى الشوارع في المدن والميادين العامة عندما رأت وسمعت بأن هناك ناقوس خطر ووحوشاً تكشر بأنيابها تريد أن تنقض على الثورة والجمهورية والوحدة والديمقراطية). وحصر أهدافه للفترة المقبلة في أربع مهام رئيسية، كلها تتعلق بحالة الأمن والاستقرار في البلاد، وهي: أولاً، الحفاظ على الثورة والجمهورية والحرية والديمقراطية. وثانياً، الحفاظ على الوحدة من دعاة الفتنة والانفصال. وثالثاً، الحفاظ على الوطن من الغلو والتطرف والإرهاب. ورابعاً، الحفاظ على الوحدة والثورة والجمهورية من (دعاة الإمامة الذين بدأت ترتفع أصواتهم من وقت لآخر في محافظة صعدة ولهم ذيول في بعض عواصم المحافظات).
هذه التطورات في مجملها تفرض تساؤلات عدة حول طبيعة الجدل الدائر حاليا في اليمن بين تحدي الإصلاح السياسي والتغيير الديمقراطي من ناحية، وتحدي الأمن والاستقرار من ناحية أخرى، فإلى أين وصلت العلاقة بين المتغيرين في اليمن؟ وما هي حدود استجابة النظام السياسي اليمني لكلا التحديين؟ وما مدى تأثير تلك الاستجابة في انتخابات الرئاسة المقبلة في اليمن؟
الإجابة عن هذه التساؤلات سوف تحكم إلى حد بعيد مستقبل عملية الإصلاح السياسي والتغيير الديمقراطي في اليمن: إلى مزيد من الانفتاح على الداخل بما يقتضيه ذلك من توسيع هامش الحريات وتداول السلطة واستقلالية السلطتين القضائية والتشريعية في مواجهة السلطة التنفيذية، ومنح المواطن الحق في الاختيار والتعبير عن آرائه في ظل سيادة القانون، بما يعني الاستجابة لتحدي الإصلاح والتغيير، أم إلى مزيد من التضييق على الحقوق والحريات، والتغول على صلاحيات السلطتين القضائية والتشريعية وانتهاك القانون، ومصادرة مبدأ تداول السلطة، تماشياً مع معادلة الاستمرار من أجل الاستقرار، أم إلى مزيج من الاستجابة للبديلين؟ بمعنى إجراء إصلاح متردد ومتعثر في ضوء وجود اتفاق داخلي على حتمية إجراء إصلاح، لكنه يصطدم بتفاقم حالة عدم الاستقرار نتيجة التهديدات الأمنية التي يواجهها اليمن؟
إرهاصات انتخابية مبكرة
شهدت الساحة السياسية اليمنية في الآونة الأخيرة تطورين مهمين سوف يكون لهما تأثير مباشر في انتخابات الرئاسة المقبلة، ومن ثم في مستقبل عملية الإصلاح السياسي والتغيير الديمقراطي في اليمن: التطور الأول، تمثل في توقيع حزب المؤتمر الشعبي العام الحاكم في اليمن وأحزاب (اللقاء المشترك) على اتفاق مبادئ لضمان إجراء انتخابات حرة ونزيهة وشفافة وآمنة في 18 يونيو 2006. وقد مثل الاتفاق استجابة للمبادرة التي تقدمت بها أحزاب (اللقاء المشترك) في نوفمبر 2005 حول نزاهة الانتخابات. ونص الاتفاق على إضافة عضوين من (اللقاء المشترك) إلى اللجنة العليا للانتخابات والاستفتاء ليصبح عدد أعضائها تسعة بدلاً من سبعة، وذلك لضمان نوع من التوازن داخل اللجنة. واتفق الجانبان أيضاً على تشكيل لجان انتخابية ميدانية، وهى لجان الاقتراع والفرز الإشرافية والأصلية والفرعية بنسبة 54 في المائة لحزب المؤتمر الحاكم، و46 في المائة لأحزاب (اللقاء المشترك)، إضافة إلى تشكيل فريق عمل قانوني مهني يتولى فحص السجل الانتخابي، الذي كان محل خلاف بينهما. وأكد الاتفاق على إعطاء جميع الأحزاب والتنظيمات السياسية المشاركة في الانتخابات المحلية ومرشحي الرئاسة مساحة متساوية وكافية في وسائل الإعلام الرسمية لعرض برامجهم، مشددا على أن أي إخلال بحيادية الإعلام الرسمي من قبل أي موظف عام يستوجب العزل. وينص أيضا على أن تقوم اللجنة العليا للانتخابات بمراقبة حيادية وسائل الإعلام الرسمية وتلقي الشكاوى من الأحزاب والتنظيمات السياسية أو المرشحين والبت فيها وإحالة من تثبت مخالفته للمساءلة الإدارية أو القضائية. وأكد الاتفاق أيضاً على عدم تسخير الوظيفة العامة لمصلحة خاصة بحزب أو تنظيم سياسي معين وإلزام كل من المديرين والمحافظين والقادة العسكريين والأمنيين بالتزام الحياد التام.
أما التطور الثاني، فتمثل في قرار الرئيس علي عبد الله صالح بالترشيح في الانتخابات الرئاسية بعد أن سبق وأعلن اعتزامه عدم الترشيح، وقد أثار القرار الجديد ردود فعل متباينة داخل الساحة السياسة اليمنية ما بين مؤيد ومعارض، حيث قوبل القرار برفض من جانب أحزاب المعارضة اليمنية وعلى رأسها أحزاب (اللقاء المشترك) التي اعتبرته تراجعا من جانب الرئيس عن وعوده السابقة بعدم الترشيح وفتح الباب أمام أجيال جديدة لتولي القيادة في البلاد، ويبدو أن القرار فاجأ أحزاب المعارضة، وهو ما دفعها إلى المطالبة بتأجيل الانتخابات إلى ثلاثة أشهر لإتاحة الفرصة لإجراء التعديلات التي جاءت في اتفاق إعلان المبادئ، وهو ما قوبل بالرفض من جانب اللجنة العليا للانتخابات باعتبار أن الوقت كاف لإنجاز كل ما تم الاتفاق عليه. ودفع ذلك الرفض أحزاب (اللقاء المشترك) إلى الإسراع بتسمية مرشحها للانتخابات، ووقع اختيارها على فيصل بن شملان وزير النفط السابق، والمعروف عنه محاربته للفساد، ودعوته إلى ضرورة إجراء إصلاح سياسي حقيقي داخل اليمن.
إن موقف المعارضة الرافض لترشيح الرئيس علي عبد الله صالح قوبل بموقف آخر مؤيد للرئيس استند إلى مجموعة من المحددات أهمها مواجهة حالة عدم الاستقرار على خلفية تصاعد بعض عمليات التمرد كان آخرها، وأسوأها على الإطلاق، التمرد الذي قاده حسين بدر الدين الحوثي في محافظة صعدة في صيف 2004، ولا تزال تداعياته قائمة حتى الآن رغم قرار العفو العام الذي أصدره الرئيس صالح عن أنصاره في سبتمبر 2005. بالإضافة إلى استكمال عملية البناء المؤسسي لسلطات الدولة التشريعية والتنفيذية والقضائية والمحلية التي بدأها الرئيس صالح ولم تنته بعد، حيث تم إنجاز شوط من هذه المهمة السيادية، ولا تزال البلاد بحاجة لوقت ليس بالقليل باعتبار أنها عملية تراكمية تتكامل فيها التنمية السياسية والبناء الثقافي والتشريعات القانونية وتطور المجتمع المدني.
وتكشف المؤشرات المتاحة أن المعركة الانتخابية في اليمن سوف تنحصر بين كل من الرئيس علي عبدالله صالح مرشح حزب المؤتمر الشعبي العام الحاكم، وفيصل بن شملان مرشح أحزاب (اللقاء المشترك)، وهو ما بدا جلياً خلال جلسة تصويت مجلسي النواب والشورى في 24 يوليو الماضي، على أهلية المرشحين للانتخابات والذين بلغ عددهم 48 شخصا توفرت فيهم شروط الترشيح بحسب الشروط القانونية والدستورية المعمول بها في اليمن، وقد حصل الرئيس صالح مرشح حزب المؤتمر الحاكم على 237 صوتاً، فيما حصل فيصل بن شملان مرشح أحزاب (اللقاء المشترك) على 51 صوتاً، وحصل المرشح المستقل عن الحزب الاشتراكي أحمد عبد الله المجيد على 33 صوتاً، والمرشح عن أحزاب المجلس الوطني للمعارضة ياسين عبده سعيد على 28 صوتاً، فيما حصل فتحي العزب المرشح عن حزب الإصلاح على 22 صوتاً.
إن انحصار المعركة الانتخابية بين كل من مرشح الحزب الحاكم ومرشح أحزاب (اللقاء المشترك) يعني أن ثمة برنامجين رئيسيين للانتخابات: برنامج يقوم على اعتبارات الأمن والاستقرار والحفاظ على وحدة الدولة وهو برنامج النظام الحاكم، وبرنامج يتبنى قضية الإصلاح السياسي والتغيير الديمقراطي ومحاربة الفساد، وهو برنامج المعارضة، فأيهما سوف يحرز قصب السبق: الأمن أم الإصلاح؟ سؤال سوف تحدد إجابته بدرجة كبيرة مستقبل العملية السياسية فى اليمن خلال المرحلة المقبلة.





