;
الصفحة السابقة

انتفاضات "الربيع العربي" وصعود تنظيمات الإسلام السياسي في المنطقة العربية

انشأ بتاريخ: الأحد، 07 شباط/فبراير 2016

منذ عام 2011م، أصبحت المنطقة العربية مرتعًا خصبًا لتنظيمات الأفكار المتطرفة وممارسات العنف الذي لم يقتصر عليها وإنما امتد ليشمل دولاً أخرى عديدة في قارات العالم، وأصبحت مكافحة الفكر المتطرف وممارسات العنف مسألة عالمية، ويدل على ذلك التطورات المرتبطة بهذا الموضوع في الشهور الثلاثة الأخيرة من عام 2015م، مثل: التقرير الذي أعلنه رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون عن نتائج عمل اللجنة المكلفة بفحص أنشطة جماعة الإخوان المسلمين في المملكة المتحدة، والبيان الختامي لمجموعة دول العشرين التي اجتمعت في مدينة أنطاليا بتركيا، وقرار مجلس الأمن بشأن العمل من أجل وقف مصادر تمويل تنظيم داعش. فما هي الصلة بين ما شهدته منطقتنا العربية خلال السنوات الخمس الأخيرة، وصعود تنظيمات الإسلام السياسي وتنامي الأفكار التكفيرية التي تحض على التطرف والإرهاب؟

وفي مجال وصف هذه التطورات التي بدأت بالانتفاضة التونسية وما أعقبها من تطورات في مصر وسوريا وليبيا واليمن، شاع استخدام تعبير "الربيع العربي" وهو تعبير لم يولد في المنطقة بل له جذور تعود إلى ما يقرب من نصف قرن، فمن الناحية التاريخية، كان أول استخدام لكلمة "الربيع" للدلالة على حدث ما، هو ما تم في عام 1968م، عندما ذاع تعبير "ربيع براغ" للإشارة إلى الإصلاحات الاقتصادية والسياسية التي أدخلها دوبتشيك رئيس وزراء تشيكوسلوفاكيا بالمخالفة لأوضاع دول شرق أوروبا الخاضعة للنفوذ السوفيتي. كما استخدم التعبير بعض المعلقين لوصف الانفتاح السياسي الذي دشنه الرئيس السوري بشار الأسد في بداية حكمه وهو ما سُمي "ربيع دمشق". وفي عام 2011م، استخدم روبرت فيسك الصحفي الشهير تعبير "الربيع العربي" في مقال له بإحدى الصحف البريطانية لوصف الأحداث الجارية في المنطقة وقت ذاك، وبينما هلّل البعض لهذا التعبير، فقد اعترض عليه آخرون باعتبار أن ما أفضت إليه الانتفاضات الشعبية لا يمكن تسميته بالربيع، ولما حملته من آثار تفكيكية للمجتمعات والدول العربية.

وترجع هذه الآثار إلى أن تلك الانتفاضات كانت أقرب إلى "الهبَّات" الشعبية التي لم يكن لها قيادة واضحة أو تنظيم يحكم حركتها أو برنامج وأهداف واضحة ومتفق عليها، ونتيجة لهذا الاضطراب التنظيمي والفكري والقيادي في بنية هذه الانتفاضات فقد أدت إلى إيجاد البيئة المناسبة لإثارة المطالب الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، وإلى التناحر بين المكونات الاجتماعية ذات الطابع القبلي والمذهبي والديني والجهوي، وإلى تراجع مؤسسات الدولة التي تحافظ على القانون والنظام.

أدت تلك الانتفاضات إلى حالة من "السيولة" السياسية والاجتماعية، فقد كان من شأنها سقوط القواعد المنظمة للعلاقة بين الفاعلين السياسيين والاجتماعيين في وقت لم تكن فيه قواعد جديدة قد تبلورت، وأتاح هذا الموقف الفرصة للقوى السياسية المنظمة التي تمتلك القدرة على الحشد والتعبئة من أن يرتفع سقف طموحاتها ومطالبها، وأن تسعى للوصول إلى الحكم. وخلال هذه التفاعلات، تراجع دور المؤسسات وحكم القانون وساد المشهد "سياسات الشارع" واحتلال الميادين، وذلك في سياق اتسم بالفوضى والانفلات الأمني، وكان من جراء ذلك ازدياد التدخل والاختراقات الأجنبية في الشأن الداخلي لهذه الدول (من أوضح مظاهر ذلك في حالة مصر، الاختراق العسكري في 28 يناير 2011 م، لقوات من حركة حماس وحزب الله للحدود المصرية عند رفح واشتباكها مع القوات المصرية ووصولها إلى محافظة البحيرة وقيامها باقتحام سجن وادي النطرون لإطلاق سراح المعتقلين من قيادات حركة الإخوان، وما ترتب عليه من هروب آلاف السجناء مما كان من شأنه إثارة الفزع وترويع المجتمع).

وهكذا، فقد أوجدت تلك الحالة من "الفراغ السياسي والأمني" الفرصة المثلى للتنظيمات والحركات السياسية المنظمة والأكثر تمويلاً والتي تتمتع بدعم خارجي لانتهاز الفرصة، وصعود تنظيمات التطرف الفكري والإرهاب التي اتشحت بثياب الإسلام.

وفي هذا السياق، تسعى الورقة إلى عرض نماذج للتفاعلات بين تنظيمات الإسلام السياسي والقوى الأخرى في مصر وتونس، ثم تناقش خبرة وصول هذه القوى إلى سدة الحكم وذلك بالتركيز على الحالة المصرية.

أولاً: إقحام الدين كأحد عناصر الصراع السياسي  

بدأت المظاهرات في مصر وتونس على يد مجموعات من الشباب الذين رفعوا لواء التغيير والمطالبة بتحسين الأوضاع الاقتصادية والمعيشية وتوسيع دائرة المشاركة السياسية واحترام الحريات العامة. وبصفة عامة لم يكن لهذه المظاهرات طابعًا إيديولوجيًا، وإنما اتسمت بأنها "عابرة للإيديولوجيات" أي شارك فيها أفرادًا انتموا إلى مختلف عناصر الطيف السياسي.

كان من شأن ضعف البنية التنظيمية للمظاهرات والتحركات الشعبية – كما ورد سلفًا - إتاحة الفرصة لقوى الإسلام السياسي من شغلها لقدر أكبر من المجال العام وتصدرها المشهد وسعيها لفرض وجهات نظرها على القوى السياسية الأخرى، مما أوجد بيئة من الصراعات بين تيارات الإسلام السياسي والتيارات الأخرى، وألقى ذلك بظلاله على كل مراحل عملية بناء النظام السياسي الجديد.

فبالنسبة لوضع الدستور، شهدت مصر وتونس استخدامًا منظمًا من قوى الإسلام السياسي للدين كأداة لتحقيق مصالحها التي تمثلت في انتقاد المعارضين بدعوى عدم قبولهم لرأي الإسلام من ناحية، وكسب الشرعية ومساندة الرأي العام باعتبار أنهم الحريصون على الإسلام من ناحية أخرى. من أمثلة ذلك أزمة صياغة مواد هوية الدولة، وهل يُشار إلى أنها "مدنية" أم لا، وكذلك الخلاف بشأن المواد الخاصة بـ استقلال القضاء، وحرية التعبير والرأى، والحقوق والحريات العامة ومدى إخضاعها للتفسيرات الدينية لتلك القوى. ونشبت خلافات مماثلة بشأن بعض القوانين مثل الخلاف الذي حدث في تونس بنهاية 2013م، بخصوص مشروع قانون بإعادة نظام الوقف.

وفي حالة مصر، بدأ الصراع مبكرًا في مارس 2011 م، عندما أيدت التيارات الإسلامية الدعوة إلى عقد الانتخابات البرلمانية أولاً، بينما تبنت القوى المدنية والائتلافات الشبابية والتي كان لها الدور الأكبر في اندلاع الانتفاضة الشعبية ضرورة وضع الدستور قبل إجراء الانتخابات. وأدى الخلاف إلى حالة من الاستقطاب، فقامت قوى الإسلام السياسي بتنظيم عشرات المظاهرات الحاشدة والاعتصامات والتي شملت محاصرة أنصارهم للمحكمة الدستورية العليا ولمدينة الإنتاج الإعلامي ولدار القضاء العالي. كما تمثّل هذا الاستقطاب في لغة الخطاب السياسي لهذه القوى الذي اتهم معارضيها بعدم الالتزام بقواعد الدين وقبول الآراء الغربية المخالفة للشريعة. ورافق ذلك استخدام أنصار هذه القوى العنف في مواجهة معارضيهم كما سوف يرد في القسم الثاني من المقال.

وفي تونس، كانت الأطراف الأساسية للاستقطاب الديني/ المدني هي حزب حركة النهضة الإسلامي، وجبهة الإنقاذ، والجبهة الشعبية اليسارية. وامتد هذا الاستقطاب إلى داخل التيار الديني فبرز اختلاف بين حزب النهضة وتنظيم أنصار الشريعة، وهو من تنظيمات السلفية الجهادية الذي يعتقد أنصاره بأن الديمقراطية وتعدد الأحزاب مناهضة لمبادئ الإسلام. وانتهج التنظيم العنف ضد مؤسسات الدولة والمجتمع، فقام أنصاره على سبيل المثال بالاعتداء على رجال الشرطة ومنشآتهم، مما دفع الحكومة في أغسطس 2013م، إلى تغيير موقفها تجاه التنظيم من المهادنة إلى المواجهة، فاتهمته بممارسة العنف والإرهاب والتخطيط له، وقيامه باغتيال الشخصيات السياسية، وصنفته على أنه تنظيم إرهابي محظور.

من مظاهر استخدام العنف أيضًا في تونس تأسيس الرابطة الوطنية لحماية الثورة التي حصلت على ترخيص رسمى من الحكومة في فبراير 2012م، بهدف حفظ الأمن الداخلي وحماية الاستقرار السياسي، وقام بعض أنصار هذه الرابطة بممارسة العنف وفض الاجتماعات العامة لقوى المعارضة بالقوة مما أكد صورتها كواجهة للنظام الحاكم ولحزب النهضة، خصوصًا بعد قيامها بمظاهرات داعمة للنظام.

رافق ذلك، سعي تنظيمات الإسلام السياسي للوصول إلى السلطة والاستئثار بها، ففي الحالة المصرية، عملت قيادات جماعة الإخوان المسلمين – وحزبها الحرية والعدالة – على زيادة فرصها السياسية وناورت من أجل ذلك، فبالنسبة لانتخابات البرلمان (مجلس الشعب) أعلنت في البداية أنها سوف تخوض المنافسة الانتخابية على ثلث مقاعد المجلس فقط، وتترك الثلثين الأخرين لبقية الأحزاب، وذلك تحت شعار "مشاركة لا مغالبة"، ولكن سرعان ما تغير هذا الموقف، وخاض حزب الحرية والعدالة الانتخابات على كل المقاعد. وبالنسبة لانتخابات رئاسة الجمهورية، أعلن المرشد العام للجماعة أن الوقت غير مهيأ لتولي الإخوان منصب رئاسة الجمهورية، وأنهم لن يتقدموا بمرشح لهذا المنصب، وسرعان ما تغير أيضًا هذا الموقف وتقدم الإخوان بمرشحين اثنين لمنصب الرئاسة، وكانت الحكمة من التقدم بمرشحين اثنين هو الخوف من أن يتم استبعاد أحدهما وهو ما حدث بالفعل، واستمر المرشح الآخر في المنافسة ونجح بمنصب رئاسة الجمهورية.

استمر توجه جماعة الإخوان نحو الاستئثار بالسلطة والسيطرة على مفاتيحها ومقدراتها دون مشاركة جادة حتى من جانب حلفائها من أحزاب التيار الديني. كما اتبعت سياسة لإقصاء الأحزاب والقوى المدنية. برز ذلك في القواعد التي اقترحها الإخوان لتشكيل الجمعية التأسيسية الأولى والثانية لوضع الدستور، وفي تعيينات الوزراء والمحافظين وقيادات الإدارة المحلية. ولم يعمل الرئيس الأسبق الدكتور محمد مرسي على أن يعطي نظامه طابعًا وطنيًا عامًا، ولم يحرص على إقامة علاقة تواصل بين الحكم والمعارضة، وبالعكس كانت ممارساته تعمق الخلافات مع القوى المدنية، فنكث بوعده بتعيين امرأة وقبطي في منصب نائب الرئيس كما تراجع عن التزامه بعدم عرض مشروع الدستور على الاستفتاء في حالة عدم وجود توافق عام عليه.

وفي حالة تونس، قدم حزب حركة النهضة نموذجًا أكثر مرونة وتوافقية، فمع أنه سعى في البداية إلى فرض أولوياته، فإنه وصل إلى اتفاق مع القوى المدنية، وقام بتشكيل حكومة تستند إلى ائتلافه مع حزبين أخرين هما المؤتمر من أجل الجمهورية، والتكتل من أجل العمل والحريات، وهي ما سميت بحكومة "الترويكا" بعد انتخابات أكتوبر 2011م، ولكن أداء هذه الحكومة والمواقف المتشددة من بعض فصائل الإسلام السياسي أدى إلى نشوء مناخ التوتر السياسي في عام 2013م، وتبلور أزمة سياسية حادة كان من مظاهرها اغتيال المعارض اليساري شكري بلعيد، وتزايد الدعوة لإسقاط حكومة "الترويكا"، وترتب على فشل مبادرة رئيس الوزراء حمادي الجبالي - من حزب النهضة – لإعادة تشكيل الحكومة من عناصر تكنوقراطية غير حزبية، قيامه بتقديم استقالته في فبراير 2013م، وتلاه تشكيل حكومة على العريض - من حزب النهضة – مع الابقاء على ائتلاف أحزاب "الترويكا" وإدخال بعض التعديلات عليها، ولكن هذا الوضع لم يحقق الاستقرار.

فانفجرت الأزمة مرة أخرى في يوليو 2013م، بعد اغتيال محمد البراهيمي عضو المجلس الوطني التأسيسي والمعارض اليساري، واندلعت المظاهرات والإضرابات، وانسحب أعضاء المعارضة من المجلس الوطني التأسيسي، وتصاعدت الدعوة لتشكيل حكومة إنقاذ وطني. وترافق ذلك مع اندلاع المظاهرات الشعبية في مصر التي انتهت بإسقاط نظام الإخوان.

في مواجهة ذلك، بادر الاتحاد العام التونسي للشغل وثلاثة منظمات حقوقية بطرح مبادرة للخروج من الأزمة تتضمن: تشكيل حكومة كفاءات وطنية مستقلة وغير حزبية، وإقرار مشروع الدستور، وتشكيل هيئة مستقلة للإشراف على الانتخابات. وخوفًا من أن تخسر كل شيء كما حدث في مصر، قبلت الحكومة التي يسيطر عليها حزب النهضة خارطة الطريق المقترحة، والتي سُميت بالمبادرة الرباعية. وترتب على ذلك استقالة حكومة العريض وتكوين حكومة جديدة برئاسة مهدي جمعة، وإقرار دستور توافقي جديد في يناير 2014م، أعقبه إجراء الانتخابات البرلمانية التي فاز فيها حزب نداء تونس بأكثرية المقاعد وقام بتشكيل ائتلاف حزبي وتكوين الوزارة.

ثانيًا: خبرة نظام حكم الإخوان في مصر

مع حلول منتصف عام 2012م، سيطر الإخوان على مقاليد السلطة في مصر، فكان للتحالف الذي أقاموه مع حزب النور أغلبية مقاعد مجلس الشعب بنسبة 64% وانتخاب د. محمد مرسي مرشح الإخوان رئيسًا للجمهورية في يونيو، مما جعل السلطتين التشريعية والتنفيذية في يدهم، وشهدت فترة حكم الرئيس مرسي (يونيو 2012 إلى يوليو 2013م) سلسلة من الأزمات التي انتهت بسقوط النظام فقد انحسرت هيبة الدولة وصورتها، كما ظهر في الطريقة التي تعاملت معها الحكومة مع حادثة خطف الجنود المصريين في مايو 2013 بسيناء، ففي أسبوع هذه الحادثة تكرر تعبير "اهتزاز هيبة الدولة المصرية" بشكل لم يحدث قط من قبل، فظهر التعبير في البيانات الرسمية الرئاسية والحكومية، والتعليقات الصحفية، والبيانات الحزبية، والبرامج التليفزيونية. وكان الاتجاه السائد فيها هو أن هذا الحدث مثّل اعتداءً على هيبة الدولة، كما تكرر أن طريقة إطلاق سراح الجنود أوحت بوجود اتفاق أو تفاهم ما بين الخاطفين وبعض الأجهزة الرسمية بما فيم الرئاسة، مما آثار الشك والريبة في دوافع تلك المؤسسات.

ويشير مفهوم هيبة الدولة إلى معاني الاحترام والتوقير والثقة وامتلاك الخبرة والدراية والحكمة. وهي الصورة التي ارتسمت لدى الرأي العام وفي تفكير المصريين ومشاعرهم تجاه دولتهم. وكما أن الأفراد يكتسبون هيبتهم من سلوكهم وتصرفاتهم، فإن هيبة الدول تتأثر بنفس الأسلوب. وجاءت حادثة خطف الجنود التي تمت الإشارة إليها تتويجًا لتراكم عدد من التطورات التي أدت إلى "استنزاف الهيبة"، وتراجع الشرعية. كما أعقبها أحداث أخرى دعمت نفس التوجه، ويمكن تلخيص أهم هذه المظاهر فيما يلي:

1- افتقار أعضاء النخبة الحاكمة لسلوكيات رجل الدولة:

استقر في الفكر والممارسة السياسية مفهوم رجل الدولة الذي يشتغل بالعمل العام، ويتقلد المناصب العليا في جهاز السلطة والحكم، والذي تتوفر فيه سمات شخصية وسلوكية تؤهله للقيام بهذا الدور، منها: الثقافة والنظرة الشاملة للأمور، والخبرة بالقضايا العامة، وأن يكون خطابه باعثًا على الثقة والاحترام، وأن يكون قادرًا على تحمل مسئوليات عمله. وخلافًا لذلك فمنذ تولي الرئيس مرسي مهامه برزت لدى نخبة الحكم سلوكيات مخالفة، مثل:

‌أ.       صدور ألفاظ غريبة وعبارات مستهجنة وغير متوقعة من القيادات العليا للدولة بما فيهم رئيس الجمهورية (مثل إشارته مرة إلى القرد والقرداتي، وتشبيه الصوابع، والحارة الزنقة، وأنه نجح بالعافية)، ومن رئيس الوزراء (مثل نصيحته للمصريين بارتداء الملابس الداخلية القطنية، ومواجهة انقطاع الكهرباء بتجمع الأسرة في غرفة واحدة، وربطه انتشار بعض الأمراض التي تصيب الأطفال والرضاعة من ثدى غير نظيف للمرأة في محافظات الصعيد .. إلخ).

‌ب.  اختيار مرشحين في مجلسي الشعب والشورى ليست لديهم خلفيات سياسية، وعدم معرفتهم بالقواعد والأصول البرلمانية.

‌ج.    تنافس قيادات حزب الحرية والعدالة على إصدار تصريحات متنوعة ومتناقضة ثم التراجع عنها بعد ذلك.

‌د.      الاتهامات التي وجهها اثنان من مستشاري الرئيس عقب تقديمهما استقالتيهما، وغرابة تعليق مسؤولي حزب الحرية والعدالة والتهديد بأن عليهما الصمت وإلا سوف يتم الكشف عن المخالفات التي قاما بارتكابها. وكان من شأن ذلك أن أصبحت تصريحات كثير من أعضاء النخبة السياسية الحاكمة مثارًا للتهكم والسخرية.

2- قصور الأداء:

كان يمكن لتلك السمات السلوكية للنخبة الحاكمة ألا يكون لها أثر سلبي كبير إذا عوضها أداء تنفيذي قوي يشعر معه أغلبية المصريين بأن ظروف حياتهم قد تحسنت، وهو ما لم يحدث. فقد شهدت مصر تدهورًا في كل المؤشرات الاقتصادية التي تمس حياة الناس مثل ارتفاع الأسعار، وزيادة نسبة التضخم والبطالة والضرائب، وتراجعًا في مؤشرات الاقتصاد الكلي مثل انخفاض سعر صرف الجنيه إزاء العملات الأخرى، وتدنيًا للتصنيف الائتماني للبنوك المصرية على المستوى العالمي، وغياب الشفافية في صنع السياسات.

3- اتباع سياسات الغلبة والإقصاء:

بعد أسبوع من توليه الحكم أصدر الرئيس مرسى مرسومًا بدعوة مجلس الشعب للانعقاد، وهو المجلس الذي قضت المحكمة الدستورية العليا بحله لعدم دستورية القانون الذي تم انتخابه وفقاً له مما دفع المحكمة إلى اتخاذ قرار بعدم دستورية قرار الرئيس واعتباره منعدمًا من الناحية القانونية، وكأنه لم يكن. وكان هذا المرسوم بداية لإجراءات سعت إلى السيطرة والاستحواذ على مفاصل القوة في الدولة والمجتمع مما دفع إلى مواجهات بين الحكم ومؤسسات القضاء، والإعلام، والأزهر، والأحزاب والقوى المدنية، وإلى نمو مخاوف الجيش والشرطة تجاه مخططات الإخوان. وكان الوجه الأخر للاستحواذ هو "اقصاء" المخالفين في الرأي عن مواقع التأثير وهي السياسة التي أصابت أقرب حلفاء الإخوان وهو حزب النور السلفي الذي أعرب عن اعتراضه على سياسات الحكم الاستحواذية.

4- توتر العلاقة بين مؤسسات الحكم:

تكتسب الدول هيبتها من كيفية أداء مؤسساتها الرئيسية لأدوارها والتعاون فيما بينها لتحقيق المصلحة العامة، وبالعكس فعندما يسود التوتر بين تلك المؤسسات، فإن ذلك يهدد صورتها في الداخل والخارج. وخلال هذه الفترة نشبت صراعات بين مؤسسات الحكم منها على سبيل المثال: الصراع الذي أدارته مؤسسة الرئاسة بهدف السيطرة على السلطة القضائية والتقليل من استقلالها، والتوتر بين الرئاسة وجهاز الشرطة الذي نشأ بسبب رغبة الرئاسة في تدخل الشرطة لصالح حزبها في النزاعات بين الأحزاب والقوى السياسية، ونتج عن عدم قيام الشرطة بهذا الدور تغيير ثلاثة وزراء للداخلية خلال عام واحد. أضف إلى ذلك، التوتر بين الرئاسة والجيش بسبب رغبة قياداته في التدخل لرأب الصدع بين الأحزاب السياسية ورفض الرئيس هذا التدخل، والتوتر بين النخبة الحاكمة ومؤسسات اجتماعية ذات دور مؤثر كالأزهر الشريف والكنيسة وأجهزة الإعلام.

5- تراجع القدرة على حفظ النظام وازدياد العنف:

الوظيفة الأولى للدولة هي حماية حدود البلاد والدفاع عنها إزاء الخارج، وتطبيق القانون وحفظ النظام في الداخل بما يحقق أمن الأفراد وسلامة الوطن. ومن أولى المهام في هذا الصدد فرض السيطرة الأمنية على كامل إقليم الدولة (الجيش)، والحفاظ على الأمن الداخلي (الشرطة). وخلافًا لذلك، فقد شهدت مصر تراجعًا كبيرًا في هذا المجال في فترة حكم الإخوان. فمن ناحية، تنامى وجود التنظيمات المتطرفة والإرهابية المسلحة في محافظة شمال سيناء، وانتشرت عمليات تهريب السلاح من ليبيا إلى هذه المنطقة. ومن ناحية أخرى، استمر الانفلات الأمني الذي نتج عنه ازدياد أعداد الجرائم الجنائية، بل بلغ الأمر قيام أمناء الشرطة وجنود الأمن المركزي بالاعتصام وإغلاق معبر رفح البري احتجاجًا على حادثة اختطاف الجنود.

وترافق ذلك مع اللجوء إلى العنف اللفظي والمادي. اتضح العنف اللفظي في أحاديث وبرامج القنوات الدينية وتصريحات قيادات أحزاب الإسلام السياسي في تناولها لموضوعات المسيحيين، والشيعة، والخصوم السياسيين. أما العنف المادي فقد ظهر في فض اعتصام الاتحادية في ديسمبر 2012 م، بواسطة مجموعات مدربة من الإخوان، وإطلاق الرصاص على المتظاهرين أمام المركز الرئيسي لجماعة الإخوان في المقطم في يونيو 2013م.

6- ازدواجية مؤسسات صنع القرار:  

نشأت في مصر خلال هذه الفترة الازدواجية والمفارقة بين دور مؤسسات الدولة ومؤسسات جماعة الإخوان في صنع القرار، فإلى جانب مؤسسات الدولة المنتخبة من جانب المواطنين كمجلس الشعب والرئيس، ازدادت الدلائل على أن مركز صنع القرار لا يكمن في هذه المؤسسات، وإنما في مجلس شورى الجماعة وهو أعلى هيآتها، والذي كان يحتل فيه الرئيس المرتبة السابعة، وترتب على ذلك الاعتقاد بأن القيادات المنتخبة هي واجهة لسلطة أخرى غير منظورة ولا تخضع للمحاسبة وليس جزءًا من التكوين الدستوري للدولة، وكان هذا الخلط بين "مؤسسات الدولة" و"مؤسسات الجماعة" أحد الأسباب الرئيسة التي أدت إلى رفض جمهرة المواطنين لهذا الحكم.

أدى كل ما تقدم إلى حالة من الارتباك في صفوف الحكم، فتعددت الأصوات المتحدثة باسمه سواء من داخل حزب الحرية والعدالة أو من جانب الأحزاب الحليفة. كما أدى هذا الارتباك إلى مبادرات غير مدروسة أعلنها أحد قيادات الحزب دون حصوله على موافقة حزبية أو رسمية بذلك مثل دعوة اليهود المصريين إلى العودة، ثم تنصل الحزب منها واعتباره مبادرة فردية. ومن مظاهر هذا الارتباك أيضًا ما نسبه نائب الرئيس السوداني للرئيس المصري بشأن استعداده للاستجابة للمطالب السودانية في منطقة حلايب وشلاتين، ورغم نفي الرئاسة المصرية أصر نائب الرئيس السوداني على موقفه. وكذلك ما تردد عن استعداد حكم الإخوان للتفاوض بشأن التنازل عن جزء من الأرض المصرية لتكون امتدادًا لقطاع غزة، وأدى تداول هذه الأخبار إلى صدمة مروعة للمصريين. وعلى المستوى التنظيمي اتضح الارتباك في بث مباشر لاجتماع عقده الرئيس مع عدد من القيادات الحزبية والسياسية لبحث التداعيات المترتبة على بناء سد النهضة الإثيوبي وكيفية مواجهة ذلك. وتمادى بعض المتحدثين في طرح تصورات عسكرية ومخابراتية تقوم بها مصر، وكان كل ذلك على الهواء مباشرة بالصوت والصورة مما أوقع مصر والدبلوماسية المصرية في حرج شديد.

وهكذا، تضافر عاملان لوضع شرعية حكم الإخوان على المحك والوصول إلى نهاية درامية له في يوليو 2013م؛ أحدهما ذاتي يتعلق بالسمات السلوكية لأعضاء النخبة الحاكمة وضعف خبرتهم في إدارة شؤون الحكم، وثانيهما موضوعي يتعلق بضعف الأداء وقصور الإنجاز والتوتر في العلاقات بين المؤسسات بسبب التعجل في إقصاء القوى الأخرى والاستئثار بالسلطة والتحكم في مفاصل الدولة.

كلمات دليلية