array(1) { [0]=> object(stdClass)#12057 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 88

ماذا عن مستقبل الدور الخليجي في العراق؟

الأحد، 01 كانون2/يناير 2012

هذا المقال، بدايته ونهايته تكمنان في عقدة. فعندما طرحَت عليَّ مجلة )آراء حول الخليج( الكتابة في عددها الثامن والثمانين، اخترت محور )السياسات الخليجية تجاه العراق في مرحلة ما بعد الانسحاب الأمريكي) محدداً لما سأكتب. لكنني وبعد البدء في الكتابة حول ذلك المحور، تبيَّن لي أن المقال، يجب أن تسبقه مقدمة صغرى، لا يمكنها أبداً أن تسبق نظيرتها الكبرى، وذلك إذا ما رمْنا أن نخلص إلى نتيجة صحيحة وموضوعية. إذ لا تصلح الصلاة من دون وضوء.

بالتأكيد، فإن المقدمة الكبرى هي ما سيفرضه عليّ محور المقال، إلاَّ أن ما أعني به في المقدمة الصغرى، هو غياب دول الخليج العربية عن التأثير في مجريات الشأن العراقي، منذ سقوط بغداد في التاسع من إبريل من عام 2003م ولغاية الساعة، مستثنياً بذلك الحقبة التي استمرت ثلاثة عشر عاماً، والتي بدأت بغزو نظام صدام حسين للكويت الشقيق في أغسطس من عام 1990 ولغاية عام 2003م، وذلك لاستثنائية تلك المرحلة، التي كان فيها العراق، يُهيأ للسقوط بالشكل الذي رأيناه، لذلك آثرت الحديث عنه منذ ما بعد الاحتلال.

أضيف إلى ذلك ربطاً بذلك الغياب، أنه حتى عندما أرسلت كل من دولة الإمارات العربية المتحدة ومملكة البحرين ودولة الكويت بسفراء لها إلى بغداد خلال السنوات الماضية، فقد كان الأمر أشبه بالترميز السياسي والدبلوماسي فقط من دون أن يكون لهم دور محوري، يوازي ما كانت تقوم به دول أخرى، وبالتحديد الجمهورية الإسلامية الإيرانية، فضلاً عن دور العديد من الدول الغربية، كالولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا وإسبانيا كل على شاكلته.

هذا الأمر، هو الذي يجعل من الحديث عن دور خليجي ما بعد الانسحاب الأمريكي من العراق أمرٌ في غاية الصعوبة رغم أنه ليس مستحيلاً. كثيرة هي المحطات التي أتت فيها فرصة الولوج إلى العراق، لكن الدبلوماسية الخليجية لم تقتنصها، أو على أقل تقدير، لم تحسن استثمارها كما يجب، لذلك بقيت خارج نطاق التأثير والتأثر الطبيعي، ما خلا ذلك المتعلق بطوفان الاقتتال الأهلي واستعاره على الأراضي العراقية بين عامي 2006-2008 والذي أثر بدوره السلبي على مجمل المنطقة، واجتماع الناس، ومن بينها منطقة الخليج العربي.

كان الجميع، ممن أمل أن يكون للعرب والخليجيين دورٌ في العراق، يأمل أن يتم اغتنام فرصة انعقاد القمَّة العربية الثالثة والعشرين، والتي كان من المزمع عقدها في بغداد، إلاَّ أن الأمر لم يحصل. بل إن دول الخليج هي من أسهمت (ولو جزئياً) في تضييع تلك الفرصة، لموقفها من الخطاب السياسي العراقي بشأن أزمة البحرين، في حين كان الأجدى النظر إلى الموضوع بصورة أشمل وأوسع، تتعلق بتكريس المزيد من النفوذ الخليجي في العراق، وهو الأمر الذي كان سيعزز من مكاسب هذه الدول، ويعيد تصحيح العديد من السياسات البينية للطرفين.

لم يفعل العرب و الخليجيون ما يكفي للعب دور سياسي حقيقي في العراق بعد الاحتلال الأمريكي

الاهتمام بالعراق ليس نافلة من نوافل السياسة العربية بل فرض واجب لا يمكن تجاهله

طيلة السنوات التي أعقبت الاحتلال الأمريكي لهذا البلد، لم يفعل العرب، وبالتحديد الخليجيون ما يكفي لأن يقال عنه إنه دور سياسي حقيقي. فعلى المستوى الداخلي، أصبح العرب في مستوى المشاهدة السلبية فقط، لما كان يجري في بغداد من تذابح واقتتال أهلي. وكان الخليجيون قادرين على أن يفعلوا الكثير، ولو عبر المكوِّن السُّني في غرب العراق، إلاَّ أن ذلك لم يحصل كذلك مع الأسف. وعلى المستوى الخارجي، ترِكَ العراق أسيراً لتحالفات إقليمية، كان الخليجيون متضررين منها قبلاً، وبالتالي كانت حاجتهم ماسة لأن يكون لهم دور في العراق.

وكان يُمكن لذلك الدور، أن يفتح الباب أكثر نحو تسوية إقليمية أشمل، يدخل فيها الإيرانيون والأمريكيون الذين جلسوا فعلياً مع طهران في طاولة مستديرة ولثلاث مرات، ناقشوا خلالها الملف العراقي، الذي أصبح عملياً متقاسَماً بينهما. كما أن تلك التسوية (لو تمت) فإنها ستعيد التوازن الاستراتيجي للوضع في المنطقة بإيجاد علاقات نديّة إيجابية مع الضفة الشرقية من الخليج العربي، حيث إيران، وأيضاً على خط العلاقات العراقية تجاه الأقليم. فضلاً عن أنها ستنعكس أيضاً على الاستقرار الاقتصادي للأردن، الذي كان تاريخياً يعتمد على محددين اقتصاديين في مجال التجارة الخارجية والمياه والطاقة، وهما العراق وسورية.

ليس ذلك فحسب، وإنما كان سينعكس ذلك على مجمل الأمن القومي العربي، بوجود مساحة هائلة من الجغرافيا في الشمال الآسيوي (غرباً وشمالاً) ما يعني حزاماً يحمي سورية والأردن بالانعطاف نحو منطقة الخليج، ويصل بالطريق العربي نحو تركيا ومنها إلى أوروبا. وأيضاً مسار نَشِط باتجاه الشرق حيث إيران، وهي في عُمومها جغرافيا أكثر من استراتيجية لمحيط عربي مُهدّد إثنياً وأمنياً بيّنته الحوادث الأخيرة في مصر وتونس والجزائر. وبالتالي فإن الاهتمام بالعراق ليس نافلة من نوافل السياسة العربية بل هو فرض واجب لا يمكن تجاهله.

وحتى عندما فازت القائمة العراقية برئاسة إياد علاوي بـ 91 مقعداً، والقريبة جداً من حيث التوجهات مع الحالة العربية الأوسع، وكانت تطمح لأن تلقى دعماً خليجياً (حقيقياً) لم يحصل ذلك. وحتى عندما استُبدِلت مسألة أحجام الكتل الفائزة في انتخابات مارس 2010 النيابية بموازين أخرى تتعلّق بـ (حُجِّيّة) رأي المحكمة الاتحادية في تفسير الكُتلة الأكثر أو الأكبر، ولم تُعطَ حق تشكيل الحكومة وأعطيت لقائمة أقلّ منها عدداً في المقاعد (دولة القانون - 89 مقعداً). لم تفعل دول الخليج أي شيء لدعم القائمة العراقية وهي في معركة مصير.

هنا، وبعد كل ذلك الاستعراض، لا يمكننا إلاَّ أن نتساءل: هل دول مجلس التعاون لديها الاستعداد فعلاً لأن تعيد النظر في الكثير من سياساتها تجاه العراق؟ هذا هو السؤال المهم، قبل الحديث عن دور لهذه الدول بعد عملية الانسحاب الأمريكي من الأراضي العراقية، لأنه هو الأسبق عن أي شيء آخر. في كلّ الأحوال، فإن دول الخليج ملزمة بأن يكون لها دور إن هي أرادت حفظاً أكثر لأمنها القومي، وتوازن حضورها الاستراتيجي في المنطقة. فمن الخطأ أن يظل العراق، خارج المنظومة العربية، وبهذه الطريقة العرجاء، بحيث تستفيد منه دول غير عربية، كتركيا وإيران، ودول غربية من دون أن يكون للعرب دور، وهم الأقرب إليه ديناً ولغة وثقافة.

الحديث عن دور خليجي في العراق بعد الانسحاب الأمريكي أمرٌ في غاية الصعوبة

لذلك، فإن أهم شيء يمكن أن تقوم به دول الخليج في هذا المضمار وفي هذه اللحظة بالذات، هو الولوج إلى العراق وبطرق مزدوجة، من دون تأخير. ويُمكننا الإشارة في ذلك إلى عدد من البوابات التي يُمكن لدول الخليج أن تستثمرها في عملية نفوذها داخل العراق، وهي كالتالي:

البوابة البحرينية: لقد كان للبحرين تجربة رائدة في هذا المجال. فقد عيَّنت المنامة لها سفيراً مفوضاً فوق العادة في العراق منذ سبتمبر من عام 2008، وقبله كان هناك قائم بالأعمال منذ عام 2004م. كما كانت للبحرين علاقات متينة وأواصر اتصال رفيعة مع شخصيات وأحزاب عراقية مؤثرة في الدولة العراقية. ففي فبراير من عام 2007 زار الراحل عبدالعزيز الحكيم، رئيس المجلس الأعلى الإسلامي العراقي، وزعيم كتلة الائتلاف العراقي السابق البحرين، ثم تبعه بعد عامين نجله عمار الحكيم في نوفمبر من عام 2009 والتقيا ملك البحرين.

كما أن حمد بن عيسى آل خليفة ملك مملكة البحرين، أوفد مستشاره لشؤون السلطة التشريعية، ومبعوثه الشخصي الدكتور محمد علي بن الشيخ منصور الستري إلى العراق، حيث التقى المرجع الديني الأعلى في مدينة النجف الأشرف آية الله علي السيستاني، وعدداً آخر من مراجع الدين البارزين بينهم إسحاق الفياض ومحمد سعيد الحكيم وبشير النجفي، بالإضافة إلى رئيس الوزراء نوري المالكي وعدد من المسؤولين العراقيين وذلك في مارس من عام 2009، ثم أوفده معزياً بعد وفاة عبدالعزيز الحكيم في أغسطس 2009.

واليوم، وبعد اشتداد الأزمة السياسية في البحرين، ودخول شخصيات سياسية عراقية على الخط، قد عكَّر من صفو ذلك التقارب البحريني-العراقي. لكن الأكيد، هو أن الأساس الدبلوماسي لا تزال قائماً بين الجانبين، وهو جاهز لأن يُنفَض عنه الغبار في أيّ لحظة مصالحة، وبالتالي فإن التقارب الخليجي-العراقي، إذا ما أريد له أن يحصل، فيمكنه أن يكون (أو يستعين) بالبوابة البحرينية، التي لا تزال قادرة على تمرير العديد من المشروعات الخليجية باتجاه العراق.

البوابة العُمانية: تعتبر الدبلوماسية العُمانية من أكثر الدبلوماسيات العربية لياقة وقدرة على الاختلاف والتميُّز في آن. فـمسقط هي صاحبة علاقات الصداقة بامتياز مع الجميع، في الوقت الذي ليست لديها جبهات خلاف أو صراع سياسي، الأمر الذي جعلها (بيضة قبَّان) في العديد من الموضوعات والملفات في المنطقة، جعل حتى من الأمريكيين أن يستعينوا بها لحلحلة بعض مشكلاتهم مع الإيرانيين، سواء في الملف النووي أو قضايا الأسْر الأخيرة. وتأسيساً على ذلك، فإن سلطنة عُمان تمتلك أفضل العلاقات السياسية والاقتصادية مع الضفة الشرقية من الخليج حيث إيران. ولأن هذه الأخيرة، هي صاحبة اليد الطولى في العراق اليوم، وبالتالي فإن إيجاد خط اتصال خليجي-إيراني عبر البوابة العُمانية سيكون مفيداً.

ويمكن للدبلوماسية العُمانية، أن تهيئ أرضية مشتركة مع الإيرانيين في ما يتعلق بالملف العراقي. بل إن ذلك سيتيح المزيد من التسويات المزدوجة، والتي ستدخل فيها الإدارة الأمريكية وتركيا أيضاً فضلاً عن الإيرانيين أنفسهم، وهو ما سيوسِّع ويزيد من أهمية المسعى الخليجي داخل العراق، الذي يسعى هو الآخر لأن يفتح لها خطوط اتصال مع العمق العربي، سواء في منطقة الخليج العربي أو في الشمال الإفريقي.

البوابة الأمريكية: تعتبر الولايات المتحدة الحليف الاستراتيجي للعراق. وقد تعزَّز ذلك الحلف بعد عملية الانسحاب العسكري من الأراضي العراقية، عبر الشراكة الاستراتيجية بين الجانبين. فلم يكن النفوذ الأمريكي قائماً على وجود 170 ألف جندي الأمريكي منذ سقوط بغداد، بقدر ما كان هناك نفوذ اقتصادي على العراق منذ أن حرَّر الحاكم المدني الأمريكي في بغداد الاقتصاد العراقي مطلع سبتمبر من عام 2003م، وفتحه أمام الشركات الأمريكية. وبالتالي فإن دول الخليج، وبما تملكه من علاقات خاصة مع الولايات المتحدة، قادرة وعبر تلك البوابة أن تلِج العراق، خصوصاً أن واشنطن ترغب في ذلك بشدة، وقد طلبته صراحة منذ سنوات لإحداث المزيد من التوازن الاستراتيجي داخل العراق أمام قوة النفوذ الإيراني فيه.

وفي كل الأحوال، فإن وجود دور خليجي في العراق يصبح في غاية الأهمية، خصوصاً في هذه المرحلة الحساسة التي تمر بها المنطقة. فاحتواء العراق، وضمّه إلى الحاضنة العربية، سيأتي بالنفع على كافة الدول، بل هو داخل في عملية الاستقرار الشامل للمنطقة، وهو ما نطمح إليه كشعوب خليجية.

مقالات لنفس الكاتب