ضرورة إيجاد استراتيجية إعلامية كاملة الأركان وخطاب للتنوع الثقافي يعزز فضائل الحوار

الإثنين، 09 آذار/مارس 2020

من أهم قواعد التعامل الإعلامي مع أي تهديد داخلي أو خارجي لأمن واستقرار المجتمع هو رسم الرؤية الكاملة لأبعاده ووضع التصور الدقيق لأقصى ما يمكن أن يحققه من نتائج ممكنة، ثم التنبيه الواعي الذي يثير سواكن الهمم نحوه ويحرك رواكد العزائم إليه، وهو ما يعتبر جوهر اليقظة في الإعلام الذي يعد معيارًا لجودة العمل الإعلامي نفسه التي نراها تتحقق على قدر ما يمكن أن تتمتع به الصحافة من إمكانيات صناعة الرأي العام تجاه القضايا الحيوية والمصيرية، أي من خلال قدرتها على تشكيله وتوجيه حركته انطلاقًا من طبيعة دور وسائل الإعلام في تشكيل مواقف المجتمع تجاه القضايا المختلفة والتي عليها يتبلور الرأي الحزبي الضاغط على مراكز اتخاذ القرار السياسي، وأيضًا يمكن أن تتحقق هذه الجودة وفقًا لما يتوفر للصحافة من وسائل ليس فقط من أجل التباهي بفضل السبق التاريخي لنشر الخبر والتسابق نحو الاستمتاع بشهوة السبق الإعلامي، بل لتحقيق فضل الاستباق الموضوعي للأحداث بهدف تحليل أبعادها وبغاية تقدير احتمالات تطورها قبل وقوعها واحتواء تأثيراتها قبل حدوثها، أي التأثير على مجرى الأحداث من خلال "تطبيقات اليقظة الإستراتيجية" بمعنى الاستشراف السياسي والاجتماعي والتي تعنى بمهارات رصد المعلومة وإجادة تحليلها وحسن اختيار وضعها في إطارها الموضوعي وفي سياقها الزمني المحدد، فالقضايا الوطنية والدولية على اختلافها يمكن أن يكون لبعضها نفس البدايات تقريبًا ولكن ليس لها نفس النهايات، ومن هنا تبرز استراتيجية التنوير والتوعية في الأزمات، فالإعلام يترجم صور الاحتقان الاجتماعي تجاه مختلف القضايا، ودوره الاستراتيجي مؤثر سواء في تعميق الخلاف أو في تقريب وجهات النظر، ومساهمته أكيدة في جهود مد الجسور بين قوى المجتمع، وبين الشعوب إذ يساهم في التعريف بتاريخ الشعوب وتعزيز التفاهم بين الثقافات، والتاريخ لا يمكن إيصاله إلى الأجيال دون دعم الإعلام الوثائقي فهو الكفيل بمواجهة محترفي السياسة الانتهازية الذين يمارسون البهتان على التاريخ وعلى الذاكرة الانتقائية للشعوب لإخراجها عن سياقها الزمني، ولذلك عليه في نفس الوقت تجنب التهويل وعدم خلق النزاعات أو تعمد صناعة حماسة التفريق واختلاق العداوات الافتراضية التي أدخلت من قبل العديد من الدول في حالة استعصاء سياسي رهيب ووجدت أن مربع أزمتها قد استطال بعدما تحول الصراع على التاريخ إلى تسابق للتاريخ فحدث الانجراف نحو الإفلاس المادي والأخلاقي، والتاريخ ما زال يشكل مادة هامة بالنسبة لأي فنان أو أديب مبدع، والفن يغرف موضوعاته من ينبوع التاريخ ويرتوي من الواقع المعاش والفنان أو الأديب ليس مؤرخًا مكلفًا بتوثيق الحقيقة ولكنه يستعمل الحقيقة التاريخية كوسيلة للتعبير عن أفكاره وآرائه وتصوراته بعيدًا عن أسلوب الاختزال التاريخي للأحداث الذي يحدث شللا واستكانة، وإذا كان تحقيق الصدق هو غاية المؤرخ الذي يمتلك الجرأة الكافية لاكتشاف الوجه الخفي لتاريخه، فان الصدق الفني هو أهم شيء بالنسبة للمبدع لذلك يدعو البعض إلى غض النظر عن قضية الالتزام بالحقيقة على اعتبار أن الفنان حر في نظرته للتاريخ وأن من حقه تفسير الشخصيات والحوادث كما يشاء بما يخدم رؤيته وغايته الإبداعية، ولكن في مقابل هذا إذا كان الإيمان بحرية المبدع يرفض أساسًا مبدأ الإلزام فإنه لا يعفيه من تحمل المسؤولية تجاه فنه فالحرية لا تعني العبث و التحامل والتزوير بل تعني الالتزام بقيم الحق والخير والجمال وتناولها من هذا الجانب هو لتثمين المواضيع ذات العلاقة بالقيم الإنسانية وليس محاكمة أخلاقية للأعمال الفنية أو الأدبية حتى لو تضمنت ما يمكن أن يعد من قبيل محاكمة المشهد الأخلاقي للدولة كتناول مظاهر الفساد والسلبية والانطفاء والشعور بالعجز والأنانية والمحسوبية بالرغم من أنها تؤدي كلها إلى اليأس، ومع ذلك فالكثير من الموضوعات ما يستدعي التقرب منها الحيطة والتريث والأكيد أن توخي إرادة الصدق تجعل الإبداع دائما مهما كان نوعه فعلاً أخلاقيًا.

 

لابد من خلق خطاب لاستراتيجية إعلامية كاملة الأركان، شاملة لجميع مجالات النشاط الإنساني، كخلق خطاب إعلامي صديق للتنوع الثقافي، وجعله وسيلة لتعزيز فضائل الحوار من أجل تشكيل مجتمع متماسك، ولكن ذلك يواجه تحديات المعلوماتية ذات الأبعاد المختلفة لأن الواقع يؤكد أن هناك انكشاف ثقافي للمجتمعات في القنوات الفضائية وشبكة الانترنيت ومختلف تطبيقات الهاتف المحمول التي أصبحت مجالا واسعا للتفاعل الالكتروني نحو الانفتاح على ثقافات العالم المختلفة المتخمة بالتراكم التاريخي للمنظومة الفكرية التي تواجه تحديات معادلة معقدة قائمة على السعي لتحقيق الإرضاء من جهة وضيق خيارات الوصول إلى هذا الرضا كلما استمر ارتقاء الفكر الإنساني، وإذا كان مفهومًا أنه إذا تطور السياق الاقتصادي والاجتماعي فعلى قدر هذا التطور لابد أن يرافق ذلك أن يعرف القطاع الثقافي تحولات في المبادئ أو تغييرات في المفاهيم ستتطلب ضرورة وضع مخطط تحسينات يرفع مستوى التعليم والتكوين والتأهيل، ويرفع مستوى القوانين المنظمة له لتكون أكثر تجاوبًا في عملية التأسيس لمجتمع المعلومات الذي ينبغي أن يقوم في إطار قانوني فعال يرصد المعطيات التي نملكها ويرسم سبل الوصول إليها واستخدامها وتأمينها، ويسمح بإنشاء بنوك معلومات حقيقية وصحيحة، ويسهل توفير المعلومة الصحيحة في الوقت المناسب وبالطرق العلمية المتعارف عليها بعيدًا عن الخلفيات السياسية أو ذات الطابع العدائي، لأن عندما لا يجد الإعلام المعلومة يكتب ما يريد أو ما يملى عليه، إلا أن الحديث عن مجتمع المعلومات يقتضي التأسيس أولا لمجتمع انسياب المعلومات، وحق في الوصول إلى المعلومة يسبقه الحديث وجود المعلومة أصلا في إطار من الحرية المسؤولة، والمفروض أن مصدر الخبر يملك المعلومة وأن الجهات المختصة في الإحصاء هي المصادر الأولى لذا ينبغي أن تتم معالجة مشاكلها من ضعف الإمكانيات العلمية وتقديم الدعم اللوجستي لها وتطوير أداء كوادرها لذلك كانت من أبرز معالم استراتيجية بناء مجتمع المعلومات القائمة على "المعرفة " وعلى القناعة بديمقراطية الاستفادة من تكنولوجيات الإعلام والاتصال التي أكدتها " القمة العالمية لمجتمع المعلومات" ، جنيف ـ 2003م، ومن النزاهة القول إن الضرورة تتطلب أن تفكر وسائل الإعلام في لغة إعلامية توحد المواطنين ولا تكون كحال من يتخلص من عبء كان يومًا سندًا، وكذلك أن تمثل وسائل الإعلام عرسًا لتخليد العطاءات الأدبية والروائع الفنية وتمجيدها من أجل سمو النفس وشفافية الروح ذلك عندما تنقل عين الأديب جماليات فنية لمنطقة ما أو يرسم الكاتب بالكلمات قصيدة أو عندما يتجلى الفن التشكيلي في رواية، أو ترسم ريشة الفنان أبيات شعرية بالجمالية الاستثنائية وبلمساته الإبداعية وحسه الراقي بل عندما تروي ريشة الفنان حكايا المكان، وبين الأمل والوجع يستطيع الفنان أن يعزف بريشته لوحة فنية تتردد ألحانها بتوهجها المضيء والمليء بالخيال، والجميل في العمل الفني أو الأدبي أو الدرامي هو التركيز على اللمسة الإنسانية في العمل وتقديم الصور الحية في حالاتها الأولى بالإضافة إلى الحساسية الفنية الخاصة لدى الفنان الملهم ، فالكثير من جماليات العمل الأدبي أو الفني والمعالجة الإبداعية للمحظور من المواضيع بإمكانها أن تتحدى "الرقابة" وأن تخوض في السياقات الملغمة بالريبة والشك فتساهم في عملية التقييم الوطني ويبقى المعول لتفعيلها هو مدى نجاح عملية انتقال العاملين في الحقل الإعلامي من مستوى الصحفي الموظف إلى الإعلامي المثقف، ومن درجة المثقف المنشط إلى مستوى المثقف الفاعل، ويسوقنا الحديث هنا إلى مفهوم الاستثمار الثقافي والمقصود به كيفية تحويل الثقافة إلى عنصر اقتصادي فعال بدلا من بقائها مستهلكة فقط، وهذا التحول يعالج مسألة امتصاص الأموال دون مقابل ، والسبيل إلى ذلك خلق تنظيم ثقافي مستقل يساهم في تنشيط الحياة الأدبية والفنية بوعي ونضوج والتزام، ويساعد في إنشاء بنك للنصوص السينمائية والمسرحية مثلا لتصنيف الأعمال الجيدة، فالسينما الوثائقية ضمير الإنسان وركيزة أساسية في الهوية الوطنية والثقافية لمختلف الشعوب وهي عمل نضالي ثقافي فيه إثبات للمواطنة ،وفيها توظيف الصورة في معالجة التراث الثقافي والتعريف به، وهي القادرة على تحويل الذاكرة المجروحة إلى وعي سياسي واجتماعي، وهي المؤهلة لتفكيك الروابط بين "الخطاب الفيلمي" و " الخطاب التاريخي" وبين " الحقيقة السينمائية " و" الحقيقة التاريخية" بعيدًا عن سطوة رأس المال، فالمشاهد في الواقع أن رأس المال أصبح أقوى من أي شيء، ولكن الإعلام يظل يتحكم في المحتوى حتى وإن كان يتعامل أحيانًا في نظر الكثيرين مع المتلقين ككائنات ناقصة الأهلية ليس لديها أي تفاعل لأنه قد يصل به الأمر إلى حد التضليل في الرأي عمدًا أو التغليط في المفهوم قصدًا وبالتالي الانحراف في الموقف حتمًا، فيفقد الإعلام بذلك البوصلة نحو جادة الصواب خاصة عندما يتبع أسلوب تكرار ذكر معلومة مضللة حتى يصعب نفيها،أو تكرار أمر ما على خطئه حتى يصبح مألوفًا فيتحول إلى قناعة ثابتة، أو أن يتعامل بنوع من عدم الجدية تجاه بعض الاهتمامات "الحساسة " لتبق على طبيعتها المعتادة، أو أن يتجاهلها حتى تنسى فلا تذكر، ومن هنا يحدث الاصطدام التسلسلي للأحداث فيربك الحياة الوطنية، ويخسر بذلك الإعلام امتحان الجدارة كسلطة رابعة لأنه فقد قبلها معايير جودته .

 

أصبح سائدًا في مفردات الحياة الوطنية مسألة "الإعلام الأمني " انطلاقًا من القناعة بضرورته لبناء مجتمع يسوده القانون والنظام واحترام مبادئ حقوق الإنسان، والحقيقة أنها رؤية مستقبلية في مجال الاتصال تعتمد بداهة على الإعداد الكافي والمستمر لرجال الأمن في المجال الإعلامي بما في ذلك إكسابهم إمكانيات ومهارات التنسيق مع مختلف الهيآت الإعلامية بهدف خدمة المواطنين وحسن معاملتهم وتقديم العون لهم وحل مشاكلهم وحث المواطنين على التعاون مع أجهزة الأمن والقيام بدور إيجابي يعزز جهودها في مجالات حفظ الأمن وفي توعية المواطنين بمكافحة الجريمة بكل أشكالها، ويقتضي تحقيق وجود إعلام امني فاعل وناجح إمداده المتواصل بالحقائق والمعلومات الأمنية لتمكينه من صياغتها في الشكل الإعلامي المناسب لإيصالها بكل أمانة للرأي العام بما يحقق التجاوب مع الأفكار الأمنية المطروحة، ومن هنا تبرز أهمية مساهمة وسائل الإعلام في تنمية الوعي الأمني لدى المواطن والدفع نحو تطوير التعاون مع وسائل الإعلام لضمان تهيئة رأي عام واع بقضاياه الأمنية ودور أجهزة الشرطة من أجل إقرار الأمن والنظام العام .

الملاحظ في ظل الأوضاع التي تشهدها المنطقة العربية والظروف التي تمر بها بعض الدول العربية تنامي دور "الإعلام الحربي" يتناول الأخبار الأمنية باهتمام كبير وفق إيديولوجية بحتة يخدمها ويعالجها بالمشاهد الأمنية في مناطق التوتر ، والحقيقة أن الإعلام في هذه الحالة يقع بين اعتبارين، الأول، أن يحاول توخي أقصى درجات الصدق في الأخبار الأمنية مهما كانت طبيعتها، والثاني، يلتزم برؤى تهدف إلى المحافظة على الروح المعنوية مرتفعة لدى المواطنين، ولكن بالنظرة المهنية إلى طبيعة التناول الإعلامي للأحداث ومساحات التغطية الصورية لميادين القتال تكشف لنا الكثير من الحقائق التي تتأرجح، وفي سياق التناول الإعلامي للأخبار الأمنية تتنافس وسائل الإعلام المختلفة في الحصول على ما يمكن أن تتباهى به من انفراد في الخبر من واقع الميدان أو حصولها على صور "حصرية " في أخطر المناطق يقوم بها صحفيون كمراسلين عسكريين، والمفارقة هنا أنها تقع في فخ التسرع لتحقيق هدف السبق، فالحديث مثلاً عن عمليات قوات عسكرية منظمة من مختلف الأسلحة كبيرة العدد والعدة ضد من تصفهم التعليقات الإعلامية بمجرد عصابات إرهابية هو في حد ذاته تضخيم لشأن العدو لأنه سيتم تقدير حجمه من خلال ما تطلبت مواجهته كل هذا الحشد، وقد يقع الخطاب الإعلامي في فخ التغرير بالشر بإبراز حجم ما تعرضت له إحدى المناطق الحساسة من دمار وتخريب وقتل لأنه يعزز ثقة أنصارهم فيهم ويلهب حماسة الخلايا النائمة ويثير الفتنة لدى ضعاف النفوس من المراهقين للتجرؤ على معاداة المجتمع لغرض تحقيق شهرة أو مال أو التمتع بسطوة يرضي بها عقده النفسية، لذلك أصبح واجبًا في ظروفنا الحالية توخي الحرص في الخطاب الإعلامي بما يحقق نزاهته ويكسبه المصداقية من جهة والحذر في تناول الأخبار الأمنية وصياغتها في كل الأحوال.

مقالات لنفس الكاتب