كورونا .. وتحديات المستقبل

الثلاثاء، 05 أيار 2020

فيروس كورونا المستجد، الذي انتشر في العالم نهاية العام المنصرم، ثم انتشر بصورة مخيفة مطلع العام الحالي 2020م، وعبر الحدود ليملأ العالم رعبًا، وكشف عن تحديات صحية وبيئية خطيرة تواجه البشرية في كل دول العالم دون استثناء، كما كشف نقاط ضعف كبيرة في قدرات الدول الكبرى وغير الكبرى، وأظهر عدم قدرة التكتلات والأحلاف الاقتصادية والعسكرية والسياسية  في التصدي لفيروس لا يُرى بالعين المجردة، وأصاب العالم بحالة ارتباك غير معهودة منذ زمن بعيد، وفرض التقوقع والعزلة كأحد وسائل الدفاع ، وانشغلت كل دولة بالدفاع عن شعبها ومن يقيم على أرضها وانبرى العالم في البحث عن أدوات الوقاية، ثم البحث عن العلاج واللقاحات، ورصدت الدول ميزانيات ضخمة لعلاج المرضى ومواجهة تداعياته الصحية والاقتصادية، فقد كشف هذا الفيروس اهتمام الدول بالمواجهة وتجاوز التداعيات وأنفقت أموالًا طائلة للتصدي للمرض ودعم الاقتصاد حتى لا يخلف مشاكل معقدة، فعلى المستوى المحلي في المملكة العربية السعودية، كان لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز ـ يحفظه الله ـ وسمو ولي عهده الأمين صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان ـ حفظه الله ـ  ونفذتها الحكومة السعودية مواقف سجلها التاريخ في إطار مواجهة هذا الفيروس وتبعاته، فقد اعتمدت المملكة 61 مليار دولار لمواجهة هذا الخطر ودعم كل القطاعات ذات العلاقة المباشرة وغير المباشرة والقطاع الخاص حتى تنتصر المملكة في معركتها الضروس مع هذا الفيروس، وتعاملت في هذا الأمر مع المواطن والمقيم سواءً بسواء دون تفرقة وخصصت الكثير من مباني المدارس لإيواء العمالة  حتى لا يجد الفيروس مجالًا خصبًا للانتشار بين تجمعات العمالة الأجنبية  الكثيفة حيث بلغت نسبة إصابة الأجانب في المملكة بحدود 80% ، كما قدمت الدعم لليمن الشقيق بما قيمته 500 مليون دولار لتجاوز هذه المحنة.

الفيروس قد ينتهي في المستقبل المنظور بإذن الله تعالى، وتوصل العالم للعلاج  اللازم له بمشيئة الله وهذا ما لاحت بوادره في الأفق، فمن المؤكد أن يواجه العالم هذه الجائحة وينتصر عليها كما تصدى للأمراض الفتاكة والمعدية التي ظهرت من قبل وهي كثيرة ومتعددة وكانت مفاجئة أيضًا في حينه، لكن كيف يواجه العالم تداعيات انتشار هذا الفيروس، وهل سوف تستمر الجهود الأحادية لكل دولة، أم ستكون هناك جهودًا جماعية ؛ والسؤال الأهم هو : كيف ستكون خريطة عالم ما بعد "كورونا" ؟، هناك من يرى أن جائحة كورونا ستغيّر النظام العالمي للأبد، وتداعياتها قد تستمر لأجيال عديدة، وأن التأثيرات المرضية قد يمكن تجاوزها، لكن تظل التداعيات الاقتصادية والسياسية مستمرة لفترة طويلة، فالقوى الكبرى تعيش حالة شبه انقسام وتوتر ، ودول الاتحاد الأوروبي تبدو في حالة انكفاء حيث تبحث كل دولة عن طوق النجاة ومخرج من الأزمة بمفردها في ظل  تقاسم دول الاتحاد مع العالم عدد الإصابات إضافة إلى النصيب الأوفر من الوفيات ولم تتلق الدول الأكثر في الإصابات مساعدات تذكر من بقية المجموعة الأوروبية، وكذلك الوضع في الولايات المتحدة يبدو أكثر خطورة وسط حالة من شق الصف الأمريكي بصورة علانية، ما دعا وزير الخارجية الأمريكي الأسبق هنري كيسنجر يقول (تحتاج الولايات المتحدة في ظل الانقسام السياسي الذي تعيشه اليوم إلى حكومة تتحلى بالكفاءة وبعد النظر للتغلب على العقبات غير المسبوقة من حيث الحجم والنطاق المترتبة على تفشي الوباء).

 وبدت حالة من التراشق بين واشنطن وبكين وتبادل الاتهامات حول انتشار الفيروس ومصدره وأسباب انتشاره وهل هو فيروس مصنع أم غير مصنع؟، وإن كان ذلك سوف تجيب عليه الأيام القادمة، لكن يظل الأهم حاليًا هو النجاح في السباق نحو إيجاد العلاج واللقاح الناجع، لكن تظل كل هذه الإرهاصات تنذر بعالم له ملامح مختلفة بعد انتهاء أزمة فيروس كورونا .

 نخلص من ذلك  بأنه لا يمكن لأي دولة مهما كانت ، أن تواجه هذا الفيروس بجهود فردية، بل من الضروري التصدي بجهد جماعي، وتفعيل دور منظمة الصحة العالمية حتى لا تتحول إلى هيكل مترهل يمكن استقطابه تحت عامل التمويل، ومن الضروري إعلاء قيمة البحوث العلمية التطبيقية في كل دولة، وتعظيم شأن مراكز الأبحاث والدراسات المستقبلية التي تستشعر المخاطر والتحديات بما يناسب كل دولة، أي الاعتماد على الحلول الذاتية دون انتظار الحلول المستوردة المعلبة، ويجب زيادة نسبة الإنفاق على البحث العلمي من الناتج المحلي الإجمالي للدول، والتركيز على التعليم التطبيقي وإعادة النظر في هيكلة القطاعات الصحية والتوسع في دور القطاع الصحي سواء التعليمي أو العلاجي وزيادة عدد المستشفيات خارج المدن الكبرى للطوارئ والحجر الصحي والنقاهة والعمل على تحقيق الاكتفاء الذاتي من تلقي العلاج حيث كشفت أزمة كورونا أنه لا مزايا طبية في الخارج، بل لدينا  في المملكة على سبيل المثال مستشفيات وأطقم طبية متميزة، وجهاز تمريض كفء لا يقل عن نظيره في أي دولة متقدمة، وهذا ما يتطلب إعادة ترتيب الأولويات في المملكة العربية السعودية، وزيادة معاهد التمريض للاعتماد على جهاز تمريض وطني يمكن الاعتماد عليه في الأزمات والشدائد، وإعطاء أهمية للقطاعات الصحية والصناعات الدوائية لتلبية احتياجات المجتمع والاستفادة من التنوع المناخي في زراعة النباتات الطبية والعديد من هذه النباتات موجود لدينا بالفعل، وكذلك لدينا نواة صناعة طبية ناجحة في عدة مدن بالمملكة يجب دعمها وزيادتها وتوطين المزيد من هذه الصناعات مع التركيز على توطين الكفاءات، وكل هذا سوف يؤهل المملكة لأن تساهم في صناعة الأدوية بالمستقبل في ظل الدعم السخي للقطاع الصناعي الذي تقدمه حكومة المملكة، لذلك يجب أن يترتب على أزمة فيروس كورونا المستجد إعادة النظر في التعامل مع المستقبل.

مقالات لنفس الكاتب