تركيا تخطط لإنشاء "منطقة آمنة" بعمق 50 كم داخل العراق وإيران تتحكم بمفاصل الدولة العراقية

السبت، 01 آب/أغسطس 2020

تعرض العراق منذ احتلاله من قبل الولايات المتحدة الأمريكية عام 2003م، إلى تدخلات إقليمية جمة في ظل وهن البلاد نتيجة لتداعيات الاحتلال التي انعكست سلبيًا على مختلف مجالات الحياة السياسية، والأمنية، والاقتصادية، والاجتماعية، التي وجدت فيها دول الجوار الإقليمي (إيران، تركيا) فرصة سانحة لتدخلها وتمددها في الساحة العراقية سياسيًا وأمنيًا وعسكريًا واجتماعيًا وأيديولوجيًا بالاستناد الى مسوغاتها الخاصة والتي جعلت منها أسس لتدخلاتها.

     ولولا ما يمر به العراق من أزمات كان لها تأثيرها السلبي على مكانته الإقليمية والدولية وانشغاله الداخلي لما استطاعت إيران وتركيا التدخل في شؤونه والتأثير على مجريات الأحداث فيه واستغلالها لتحقيق مصالحها. ويتباين مستوى التدخل لكل من إيران وتركيا في العراق والمستند على ما أتيح لكل منهما من محفزات التدخل والتأثير وما استطاع استغلال كلا الدولتين من ظروف لتنفيذ أجندتها ومصالحها على حساب العراق. ويمكن أن نبين التدخل الإيراني والتمدد التركي في العراق بشكل موجز:

أولاً-التدخل الإيراني: 

     تدخل إيران وأطماعها في العراق ليس وليد المرحلة الراهنة وإنما يعود إلى مراحل تاريخية سابقة، إلا أن تدخلها الحالي جاء نتيجة الأوضاع التي أفرزتها مرحلة الاحتلال الأمريكي للعراق علم 2003م، التي أزاحت العراق عن الموازنة الإقليمية كأحد أشد خصوم إيران والموازي لها إقليميًا لعقود، وبالرغم من أن إزاحته جاءت على يد من يسميها قادة إيران بـ "الشيطان الأكبر" الولايات المتحدة بيد أن هذه المرحلة قد أتاحت لإيران فرصة لا تقدر بثمن حيث مكنتها الدخول إلى الساحة العراقية والتغلغل فيها، حتى صارت إيران الطرف الخارجي الأكثر تأثيرًا في مجريات الساحة العراقية بل أن لها الكلمة الفصل في أحداث وملفات العراق في ظل التدهور الأمني والأزمة السياسية المزمنة الراهنة، وفي كل مرحلة من المراحل التي مر بها العراق تجد إيران ما يمكنها من الإيغال في زيادة نفوذها، ففي مرحلة الاحتلال الأمريكي كان لإيران مجالان من التأثير، الأول من خلال دعم القوى والأحزاب السياسية الموالية والحليفة لها لتمكينها من السيطرة على العملية السياسية، والمجال الثاني عبر دعم الجماعات والفصائل المسلحة المختلفة التي قاتلت القوات الأمريكية وحتى الجماعات الإرهابية المتطرفة التي كانت تتقاطع أيديولوجيًا مع إيران، فإن العديد من التقارير أشارت إلى وجود صلة بين الطرفين, وهنالك من يرى أن إيران كانت سببًا أساسيًا في تأجيج العنف الطائفي والاقتتال الداخلي في العراق كجزء من سياستها لأشغال القوات الأمريكية في العراق، فضلاً عن استغلال إيران لظروف تلك المرحلة لزيادة نفوذها وتدخلها في العراق فدعمت العديد من القوى السياسية والجماعات المسلحة باعتبارهم وكلاء لها والعمل من أجل تمكينهم من مفاصل الدولة المهمة ما يساهم في زيادة تأثيرها في توجهات وتطورات البلاد.

     وفرضت إيران دورها في العراق منذ عام 2003م، حتى صار من الصعب الحديث عن التطورات السياسية والأمنية والاقتصادية في العراق من دون ذكر التأثير الإيراني، وبعد أن كان التدخل يأخذ الطابع السياسي الظاهر، أتاحت عملية الانسحاب الأمريكي من العراق عام 2011م، ومن بعدها أحداث استلاء تنظيم داعش على مناطق واسعة من البلاد في يونيو 2014م، فرصةً مهمة للتواجد الأمني والعسكري المباشر وغير المباشر في الساحة العراقية، ليتعزز التأثير الإيراني بأشكاله المختلفة في البلاد.

       ولعل أهم مسوغات ومحفزات إيران للتدخل في العراق هي تداعيات سياسة الولايات المتحدة وإجراءاتها في العراق التي أتاحت الفرصة وهيأت الظروف لتدخل إيران في العراق، ومثلما كان للبيئة العراقية سواء السياسية أو الاجتماعية الأمنية دورها في توفير الأرض الخصبة لتزايد النفوذ الإيراني في العراق من حيث وجود الأحزاب والحركات والتنظيمات والمليشيات المسلحة، التي تحقق بدورها ما يتطلبه ترسيخ النفوذ الإيراني في الساحة العراقية في ظل حاجة هذه الأطراف للدعم الإيراني من أجل بقائها واستمرارها، ناهيك عن ما يشكله العراق من أهمية استراتيجية لإيران يمكنها إحكام السيطرة عليه من التأثير أو السيطرة على مفاتيح المنطقة، ويرى الإيرانيون أن العراق بمثابة العمق الاستراتيجي لهم وأنه ركن مهم في المنطقة ومنطلقًا هامًا للتدخل الإيراني فيها، مثلما يُعد العراق بمثابة حلقة الوصل بين المجتمعات الشيعية في إيران وسوريا ولبنان ودول الخليج من جهة، ويحتوي على أهم الأماكن والحوزات الدينية والمقدسة لدى الشيعة في العالم.

يضاف إلى ذلك أن التدخل الإيراني في العراق قد اتخذ مظاهر عدة، لعل أهمها:

  • التدخل السياسي: ويظهر عبر تأثير إيران في العملية السياسية بالعراق وتأثيرها في تشكيل الحكومات المتعاقبة منذ عام 2005م، وسعيها ألا تخرج هذه الحكومات عن السيطرة الإيرانية ، وحتى الانتخابات البرلمانية التي فازت بها القائمة العراقية بزعامة إياد علاوي في عام 2010م، تم الالتفاف على نتائجها واستبعاد علاوي من تولي رئاسة الحكومة، وحتى إزاحة نوري المالكي من رئاسة مجلس الوزراء للمرة الثالثة في عام 2014م، تشير تقارير إلى أنها كانت بترتيب إيراني، وغالبًا ما كان قائد فيلق القدس الإيراني السابق قاسم سليماني يقوم بدور تحكيمي سياسي بين القوى والأحزاب السياسية العراقية ويشترك بشكل مباشر في كل مناقشات تشكيل الحكومات العراقية, فضلاً عن دعم إيران لعدد من المرشحين في الانتخابات المختلفة وتشكيل التحالفات والكتل البرلمانية، الأمر الذي أشار له النائب السابق في البرلمان العراقي ورئيس حزب الحق أحمد المساري بقوله إن: "التدخل الإيراني في الانتخابات العراقية والعملية السياسية من خلال تفاوضها مع قادة الكتل لتشكيل تحالفات سياسية كشف مدى حجم التغلغل الإيراني في العراق. ولم يقتصر التدخل الإيراني في المجال الداخلي فحسب بل تتدخل إيران في مواقف علاقات العراق الدولية وسياسته الخارجية إذ اعترضت إيران على الاتفاقية الأمنية بين العراق والولايات المتحدة عام 2008م، والتدخل في توجيه القوى السياسية الحليفة لها لاتخاذ مواقف تتناغم مع الموقف الإيراني، لا سيما تجاه سوريا ولبنان والبحرين واليمن ولبنان.

    كما تدخلت إيران في قرار تنظيم التواجد العسكري الأمريكي الذي اتخذه البرلمان العراقي مطلع العام الجاري، إذ أعلن رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الإيرانية محمد باقري أن بلاده تتابع قضية تنفيذ الحكومة العراقية لقرار البرلمان القاضي بإخراج القوات الأجنبية من البلاد.

-التدخل الأمني والعسكري، ويتجلى بطريقتين الأولى من خلال دعم حلفائها ووكلائها من الفصائل المسلحة والمليشيات التي لها دور وتأثير كبيرين في الساحة العراقية لاسيما منذ عام2014م، عندما صار تواجدها علنيًا ومبررًا، والطريقة الثانية من خلال التواجد العسكري الإيراني المباشر الذي يتم تبرير وجوده بدعم العراق في الحرب على الإرهاب، وبالرغم من النفي الرسمي لهذا التواجد إلا فيما يخص المهام الاستشارية، إلا أن العديد من التقارير والدلائل تؤكد التواجد العسكري الإيراني المباشر في العراق،  فقائد القوات البرية الإيرانية قد تحدث عن عناصر رصد واستطلاع إيرانية، وعن مروحيات موجودة في العراق ما بعد عام 2014م، واشارت تقارير إلى مشاركة عسكرية إيرانية في معركة تحرير تكريت من سيطرة داعش، مثلما كشفت لجنة الأمن والدفاع النيابية في الدورة السابقة عن وجود ما يقارب من 30 الف مقاتل إيراني في العراق على أقل تقدير، ناهيك عن مقتل العديد من القيادات الكبرى في الحرس الثوري الإيراني في العراق مثل الجنرال محمد تقوي وصادق ياري وغيرهما. يضاف إلى ذلك أن تقارير تم تسريبها قد كشفت عن وجود شبكة من الجواسيس والعملاء في مختلف المؤسسات تعمل لمراقبة النشاط الأمريكي ومراقبة أي شخصيات سياسية وأمنية وأجنبية في العراق، والتسلل إلى كل جوانب الحياة السياسية والأمنية والاقتصادية والدينية في العراق.

-التدخل الاقتصادي: ويتجلى في سعي إيران إلى إغراق الأسواق العراقية بالسلع والبضائع الإيرانية ذات الأسعار المنخفضة حتى أصبح العراق ثاني أكبر مستورد للسلع الإيرانية غير النفطية، وتعمل إيران لرفع التبادل التجاري مع العراق مثلما جاء على لسان حميد حسيني رئيس غرفة التجارة الإيرانية العراقية المشتركة بأن إيران تتطلع إلى زيادة صادراتها غير النفطية إلى العراق من 10 إلى 15 مليار دولار خلال العامين المقبلين، كما تعمل إيران على الإنفاق على مخططات اقتصادية من شأنها الحفاظ على نفوذها الاقتصادي في العراق من خلال إنشاء مؤسسات اقتصادية مرتبطة بوكلائها في الساحة العراقية على غرار المؤسسات الاقتصادية المرتبطة بقوات النظام في إيران وتكرار تجربتها في العراق،  هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن أهمية العراق الاقتصادية لإيران في ظل تشديد العقوبات الأميركية عليها جعلت من العراق المتنفس الأساس الذي ينقذ الاقتصاد الإيراني. ناهيك عن أن أغلب القطاعات الصناعية والزراعية وحتى الصحية العراقية قد تم تعطيلها ويتهم الشارع العراقي إيران بأنها وراء ذلك من أجل فرض هيمنتها على الأسواق العراقية.

     وتبرز نتيجة لهذا التدخل الإيراني في مختلف المجالات مخاطر عدة تنعكس على العراق وأمنه القومي، أهمها:

  • أدى تدخل إيران في العراق ما بعد عام 2003م، ودعمها للجماعات المسلحة المختلفة (الشيعية والسنية) لمقاتلة القوات الأمريكية أدى إلى نشر العنف وإرباك الساحة الأمنية العراقية، وشجع هذه الجماعات على استهداف المكونات المجتمعية التي تختلف معها، فكانت النتيجة تأجيج الصراع المذهبي والاحتراب الطائفي الذي انعكس بشكل خطير على العراق دولةً ومجتمعًا، وما ينتج عن ذلك من تزايد للتطرف والإرهاب ومسوغ لنشاط الجماعات الإرهابية فيما بعد.
  • تستخدم إيران نفوذها وسيطرتها في العراق كورقة ضغط في القضايا الدولية مثلما حصل في مفاوضات الملف النووي الإيراني عندما سعت إليه إدارة باراك أوباما عام 2015م، وبالفعل نجحت إيران بذلك التوظيف للورقة العراقية في شؤونها الإقليمية والدولية، مثلما عملت على ربط السياسة العراقية بالسياسة الإيرانية وتوجيهها بالاتجاه الذي يخدم الاستراتيجية الإيرانية، وكل ذلك يفقد العراق حاضنته العربية ويقيد أي محاولة عراقية جادة لتبوء المكانة الإقليمية العراقية المستحقة وفقًا لما يمتلكه العراق من مقومات ومرتكزات.
  • إن استمرار إيران باستغلال الساحة العراقية في صراعها مع الولايات المتحدة الأمريكية بشكل مباشر أو غير مباشر عبر وكلائها يشكل معضلة أمنية كبيرة على العراق ويربك وضعه الأمني والسياسي، ويتسبب في زعزعة الأمن والاستقرار ويمثل خرقًا للسيادة العراقية، وإفشالاً للجهود العراقية والأمريكية في مجال محاربة الإرهاب.
  • أدى سعي إيران للهيمنة على الأسواق العراقية والقطاعات الصناعية والتجارية والزراعية والسياحة الدينية إلى تعطيل كبير لعجلة الاقتصاد والمصانع والمعامل التي يقدر عددها بالآلاف من أجل استمرار الهيمنة الاقتصادية الإيرانية في العراق، فبقدر ما تستطع إيران تخريب وتعطيل للقطاعات العراقية المختلفة ستكون لها فرصة أكبر لانتعاش صادراتها إلى العراق.
  • إن تعتمد عليهم إيران من قوى سياسية وتنظيمات مسلحة تعمل خارج نطاق الدولة تشكل كيانات موازنة لمؤسسات الدولة تعيق أي برنامج حكومي يسعى إلى بناء دولة المؤسسات والمواطنة وتقيد الإرادة الوطنية لصالح الخارج الإقليمي.

 ثانيًا-التمدد التركي: 

     تركيا هي الدولة الإقليمية الثانية التي لا تختلف عن إيران في مطامعها للحصول على النفوذ السياسي والأمني والاقتصادي في العراق وأن كانت تختلف عن نظيرتها بقلة الأدوات والحلفاء، ولكنها لا تخفي طموحاتها بأن تحصل على أوراق تأثير أكثر في الساحة العراقية أسوةً بإيران، ولاسيما أنها وجدت ما يسوغ لها تدخلها العسكري المتكرر المتمثل بالوهن الذي تمر به الدولة العراقية ومؤسساتها المختلفة من أزمة سياسية وأمنية انتقلت من الصراع المذهبي إلى الحرب على الإرهاب بالتزامن مع أزمات اقتصادية متكررة جعلت من الحكومات العراقية المتعاقبة أكثر انشغالاً بهذه القضايا من الاهتمام بالعمليات العسكرية التي تشنها تركيا في شمال البلاد بحجة مطاردة عناصر حزب العمال الكردستاني، ولولا هذا الوهن الذي أصاب العراق لما كان استطاع حزب العمال الكردستاني أن يؤسس لعناصره قواعد على الأراضي العراقية ولا تجرأت القوات التركية أن تطارد عناصره الإرهابية عبر الحدود مع العراق.

      ويجد المتتبع لعمليات التدخل العسكري التركي في شمال العراق أنها ليست وليدة المرحلة الراهنة وإنما تعود في أساسها إلى عقد الثمانيات عندما عقد كل من العراق وتركيا اتفاقًا أمنيًا في  15أكتوبر 1984م، من أجل مكافحة الإرهاب والعناصر المخربة عبر الحدود، وهذا الاتفاق يسمح لقوات أي من الدولتين بعمليات مطاردة داخل أراضي الدولة الأخرى لمسافة بعمق 10 كم، وهي الاتفاقية التي تحتج بها تركيا لتبرير تدخلاتها العسكرية في العراق، لا سيما في ظل عدم طرد العراق لعناصر حزب العمال المصنف كمنظمة إرهابية لدى كل من تركيا والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية وألمانيا.

     وتوالت العمليات العسكرية التركية منذ ذلك الوقت إلى يومنا هذا، ولعل أهم الهجمات التي شنتها القوات التركية كانت حملة عسكرية عام 1992م، عبر الحدود العراقية شارك فيها 15 ألف عنصر من مختلف القوات التركية، والعمليات العسكرية خلال المدة 20 مارس إلى 4 مايو 1995م، مستهدفة تواجد عناصر حزب العمال الكردستاني ومعسكراتهم في شمال العراق، والعملية العسكرية خلال المدة 12 مايو 1997 إلى 2 يوليو 1997م، حيث أرسلت الحكومة التركية ما يقارب 30 الف جندي لمحاربة حزب العمال ودعم الحزب الديمقراطي الكردستاني، وعملية عسكرية خلال المدة 25 سبتمبر 1997م، إلى 15 اكتوبر1997م، وعملية عسكرية خلال المدة 21-29 فبراير 2008م، وفي الأعوام 2015 و 2018 و2019م، أيضًا هنالك عمليات عسكرية أخرى شنتها القوات التركية على عناصر حزب العمال في الأراضي العراقية، وقد لا يكون التدخل الذي أعلنت عنه وزارة الدفاع التركية في يونيو الماضي هو الأخير من نوعه، والذي تضمنت عمليتين الأولى جوية بدأت في 14 يونيو استهدفت 81 هدفًا لحزب العمال تبعها عملية تدخل بري في 26 من نفس الشهر شملت الضربات مقرات لحزب العمال في عدة مناطق عراقية منها في قضاء زاخو ومناطق ومدن أخرى، ومن الجدير بالذكر أن هذه العمليات لم تكن بمعزل عن موافقة  القوى السياسية والسلطات في إقليم كردستان العراق التي ترى أن حزب العمال هو المنافس لها على قيادة القضية الكردية من جهة، وسبب لها العديد من المشاكل الأمنية والسياسية في الإقليم من جهة أخرى، من دون أن يتم تجاهل مدى العلاقات الوثيقة بين قيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني والحكومة التركية.

       وللتدخل التركي في العراق مظاهر عديدة، أهمها:

- تقوم تركيا بين فترة وأخرى بتدخلات وعمليات عسكرية وتتوسع باستمرار هذه العمليات ضد عناصر حزب العمال في المناطق الحدودية داخل العراق، وتنوع العمليات التركية بين القصف المدفعي والضربات الجوية والتدخل البري والعمليات الخاطفة التي تقوم بها قوات خاصة.  

- تقيم تركيا عددًا من القواعد والمعسكرات (العسكرية والاستخباراتية) وبمبررات شتى في محافظتي دهوك ونينوى، وتختلف التقارير في تحديد عدد هذه القواعد، بيد أن رئيس الوزراء التركي السابق علي بن يلدريم قد صرح بوجود 11 قاعدة فقط وأنها من أجل مطاردة عناصر حزب العمال مثلما إنها بناءً على اتفاقية عقدتها تركيا مع حكومة الإقليم عام 1995، فضلاً عن وجود قواعد ومعسكرات في الموصل ومنها معسكر في بلدة بعشيقة التي بررت تركيا وجودها بمهمة تدريب فصائل محلية عراقية لمواجهة داعش، وتُعد هذه القواعد كجزء من استراتيجية تركيا لإبعاد خطر داعش عن حدودها كما تدعي.

   وهذا التمدد العسكري ومحاولات التدخل والتأثير يترتب عليه مخاطر على العراق يضاف إلى ما تعانيه البلاد من أزمات سياسية واقتصادية وأمنية، ولعل أهم هذه المخاطر هي:

- إن العمليات العسكرية التي قامت وتقوم بها تركيا في الأراضي العراقية تثير التساؤلات حول دور تركيا مستقبلاً في العراق، والخشية من عدم اقتصار هذه العمليات على استهداف معاقل حزب العمال بل إنها قد تؤسس لإنشاء تواجد عسكري تركي دائم في الأراضي وما يرتبه ذلك من مخاطر على سيادة العراق وأراضيه.

- تتلقى تركيا كميات كبيرة من النفط العراقي الذي يتم بيعه من خلال إقليم كردستان خارج الضوابط والقوانين العراقية التي لا تجيز لأي جهة استغلال الثروة النفطية سوى الحكومة الاتحادية كون هذه الثروة من الموارد الوطنية الرئيسية، وتقدر كميات النفط المباع بشكل غير قانوني عن طريق تركيا بأكثر من 600 ألف برميل وتعد هدرًا لمصدر مالي مهم للبلاد.

- لتركيا مزاعم تاريخية بولاية الموصل على الرغم من الاعتراف الرسمي وفقًا لمعاهدات دولية عديدة بالحدود مع العراق، وغالبًا ما تتحدث الأدبيات الثقافية والقومية وحتى تصريحات العديد من الرؤساء والمسؤولين الأتراك عن "ولاية الموصل" وكأنها جزء "مسلوب" من تركيا، هذا الأمر يبين بوضوح أن لتركيا مطامح في العراق أو على أقل تقدير استغلال لملفات معينة للتدخل بالشأن العراقي.

- هنالك تقارير تشير إلى أن العمليات العسكرية التركية الأخيرة في شمال العراق تهدف لإنشاء "منطقة آمنة" على امتداد 40 إلى 50 كم من الحدود داخل العراق ([1])، وهو امر يتنافى مع العلاقات الودية بين الدول وضرورات حسن الجوار ويمثل انتهاكًا للسيادة العراقية.

ختامًا، يمكن القول أن كلاً من إيران وتركيا ما كان لأي منهما أن تستطيع التدخل في الشأن العراقي لولا مرحلة الوهن التي تمر بها الدولة العراقية، فاستغلت هاتان الدولتان كل الظروف للتدخل والتمدد السياسي والأمني والاقتصادي لتحقيق مصالحها على حساب مصالح العراق وشعبه، ومن الجدير بالذكر أنه على الرغم من مطامع الدولتين في الساحة العراقية إلا أن التدخل الإيراني هو الأكثر تأثيرًا وخطورة على الوضع العراقي وغير مخفي ما تؤديه إيران من أدوار لها تداعياتها السلبية والخطيرة على العراق دولةً وشعبًا.

     وعلى الرغم من أن المفترض أن تحافظ الدولتان على مبدأ حسن الجوار ومساعدة العراق في أزماته لكن الخلل يكمن أيضًا في السياسات والحكومات العراقية المتعاقبة التي فشلت في إدارة البلاد واستنزفت قدراته وجعلته عرضة لمطامع القوى الإقليمية، وما أن تتحقق الرغبة والإرادة الوطنية لدى صانع القرار العراقي -الذي سيجد كل الدعم من الشعب العراقي-في أن يخطو نحو الاستقلال الكامل للقرار الوطني من التأثير الإقليمي فلن نرى أي تدخل لكل من إيران وتركيا في الساحة العراقية مستقبلاً

 

[1] -  عماد أبو الروس، تركيا تخطط لإنشاء منطقة امنة بهذا العمق شمال العراق, عربي21,23/6/2020، الرابط: https://arabi21.com/story/1280758/%D8%AA%D8

مقالات لنفس الكاتب