array(1) { [0]=> object(stdClass)#12052 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 152

تركيا وإيران: قفز الذئاب في الفراغ الاستراتيجي .. والتحالفات المرتقبة

السبت، 01 آب/أغسطس 2020

هرولة الذئاب الإقليمية للفراغ الاستراتيجي: لا يمكن لمراقب لأمن الخليج أن يتجاوز مايجري حولنا أو قراءته كعواء ذئاب ليل بعيدة، حيث تحول السماع إلى رؤية هرولة الذئاب الإقليمية نفسها رأي العين. هذه الذئأب تريد القفز في فراغ استراتيجي واسع لاينحصر في منطقة الخليج العربي، بل يشمل أجزاء كبيرة من الوطن العربي.

والغريب في الأمر أن هذا الفراغ الاستراتيجي الذي نعاني من توابعه، لم يكن موجودًا قبل وصول الأطماع الدولية الكبرى منذ العثمانيين مرورًا بالاستعمار الحديث حتى الاستقطابات بين أميركا وروسيا خلال الحرب الباردة، والموجع في الأمر أننا لم نذهب بحثًا عنه طمعًا في مصالح كما تفعل الدول الأخرى. بل نحن الضحية التي تأتي لها القوى الكبرى لرعاية مصالحها بالمنطقة بآليات قهر وذرائع لإدارة تلك المصالح وحمايتها. ولم تكن أزمة الفراغ الاستراتيجي مغيبة يومًا أو مجهولة بل نوقشت من أعلى المستويات العربية في دوائر صنع القرار ومراكز الأبحاث الاستراتيجية العربية والخليجية.

فقد لاحظت الجامعة العربية –أكبر مرجعية عربية موحدة-على لسان الأمين العام أحمد أبو الغيط أن الفراغ الاستراتيجي العربي هو أصل كل الأزمات التي تضرب عالمنا العربي؛ وإذا كان الأمر كذلك فما هي أسباب تشكل مثل هذا الفراغ في الخليج العربي أو في بقية أرجاء العالم العربي؟

وفي تقديرنا أن تشكل الفراغ الاستراتيجي العربي بدأ أوله حال انهيار النظام العربي جراء العدوان العراقي الغاشم على دولة الكويت 1990م، أما أغلبية الأزمات فكانت نتاج مباشر للفراغ الاستراتيجى الذي توسع بعد أحداث 11 سبتمبر ومهاجمة برج التجارة العالمي، ثم ثورات الربيع العربي عام 2011م، وما تلاه من تبعات ذلك الربيع العربي بإسقاط حكومات وكياناتٍ سياسية ومنظومات أمنية كانت تتحكم فى أعداد هائلة من السكان وتُسيطر على مساحات من الأراضي. وكان من مُحصلة ذلك ظهور فراغ استراتيجي كبير إما استمرار الضعف العربي فمرده أسباب منها:

- غيابُ التصدي للقضايا الاستراتيجية العربية في سياقها الشامل وترك كل دولة تواجه مشاكلها منفردة ومع حليف خارجي جراء تدني قدرة جينات المناعة العربية المشتركة من حماية الأمة كجسد واحد.

- فقدانَ زمام الفعل الواعي واستخدام أسلوب رد الفعل وليس المبادأة في التعامل مع القضايا المصيرية والتي لا تتعدى أحيانًا الدعوةُ لعقدِ اجتماعٍ وزاري طارئ فيحضر البعض ويغيب البعض ليُصدِر قرارًا هزيل في ذلك الشأن، بقرار ردة فعل لأمر كان يجب أن يكون له استراتيجية متكاملة وشاملة

 - غياب الإجماع العربي بعد انفراط عقد الإجماع الخليجي والإجماع المغاربي وظهور محاور عربية غير معلنة كمحور المقاومة ومحور حرب اليمن ومحور حرب ليبيا ومحور قضية سد النهضة.

فالفراغ الاستراتيجي العربي يتميز بكثرة الثغرات فيه بدرجة لم يعد السؤال فيه عن مصدر قدوم هذه الذئاب، بل متى تأتي الذئاب الإقليمية وماذا ستنهش بعد الأجزاء الشمالية التي يجري افتراسها من الذئاب الفارسية والذئاب التركية والصهيونية غير الذئاب الأوروبية التي ترتدي جلود الخراف في تقربها من عالمنا في هجمة جديدة.

تبعات الفراغ الاستراتيجي في الخليج بعد كورونا

نكاد نجزم أن المحرك للقتال الجاري حاليًا في ليبيا هو استباق تفرغ ذئاب دولية قيدت فيروس كورونا ميزانياتها الدفاعية ومنعتها من الانخراط في الشأن الليبي، فنهاية فيروس كورونا تعني زيادة عدد اللاعبين هناك. ويحتاج العرب ودول الخليج خاصة إلى استراتيجيين للقيام بمُبادراتٍ تعزِّز مفهوم القوّة الذكيّة الجامِعة بين القوّة النّاعمة والصلبة، في مُواجَهة تبعات كورونا التي تلوح في الأُفق. فمن تبعاتها العسكرية في الخليج أن الذئاب الإقليمية تنتظر ذوبان جليد كورونا فتنزل للسهول من الجبال، حيث تنتظر دول عدة انحسار فيروس كورونا في بلدانها نفسها. ومخطئ من يعتقد أن ما يجري في إيران من هجمات على المفاعلات أو قصف صهيوني في سوريا للتجمعات الإيرانية أو تقلبات الموقف العسكري في ليبيا وعدم رد الأطراف التي تمثل دور الضحية ليس ضمن سكوت مقصود، بل هم مجبرون على ذلك جراء تقييد الميزانيات العسكرية التي لا تحتمل العمليات الكبرى. ويشير ملامح السلوك السياسي لدول الغرب أو إيران أو تركيا أنها حكومات تنتظر إشارة طبية بتعافيها لتعود لتحقيق أجندتها، فتعويض ما صرفه الأطباء على فيروس كورونا لن يحققه إلا ما سيكسبه العسكر من حقول نفطية في الخليج وسوريا وليبيا.

 ففي دول الخليج ولخبرتهم الطويلة القاسية، ولسلامة أركان منظمتهم، ووضوح الأهداف، والأولويات، كان العسكر هم الأكثر استقرارًا في مواجهة الارتباك حين كانت أعصاب الشارع مشدودة في الأزمة من الوباء، كما أن التعامل مع فيروس كورونا أفضل اختبار لمعنى قوة الدولة الشاملة، العسكرية، والبشرية والاقتصادية، والاجتماعية، والمعنوية. وقد تم في دول مجلس التعاون تزايد التعبئة في صفوف القوات للمشاركة في الحرب ضد فيروس كورونا لتعدد الأمور التي يمكن أن يقوم بها العسكر خلال الوباء . ففي الكويت استخدم الجيش والحرس الوطني لعزل مناطق كاملة وتوفير الدعم اللوجستي للمعزولين من طعام وماء.

ومن مراقب لأمن الخليج يمكننا القول إن الجاهزية العسكرية في القوات الخليجية تستند حتى الآن إلى قاعدة التطابق السليمة بين أهداف الاستراتيجيات المعتمدة وقدرة القوات على مواجهة التحديات المطروحة، ففيروس كورونا وانخفاض أسعار النفط يجب أن لا يحدا من طموح مسألة الجاهزية كمبرر للحصول على ميزانيات إضافية، خارج الميزانيات السنوية المقررة. كما يمكن أن نشير ببعض الإعجاب إلى تبادل الأدوار الناجح الذي تم بأن يحمي الوطن الجيش، حتى يستمر الجيش في حماية الوطن في زمن لاحق، من خلال حفظ الجاهزية العسكرية، سواء بإبعاد وحداته عن التعرض للوباء أو بحفظ جاهزية القوات.

لكن أهم دور للعسكرية الخليجية في أزمة فيروس كورونا - سبق أن فصلناه في مقال سابق لمجلة آراء حول الخليج -هو الاستعداد لاستلام ملف أمن الخليج في جانبه العملياتي، فأشد ما يقلق المراقب هو تبدد الوهم الاستراتيجي، جراء إعلان القيادة المركزية للجيش الأمريكي في العراق وسوريا عن إعادة انتشار قواتها في المنطقة انسحابًا أمام انتشار جحافل فيروس كورونا. فالمعنى المهذب للانسحاب الأمريكي عادة هو حين يستخدم رجال البنتاغون ألفاظاً شديدة المراوغة كإعادة تمركز مؤقت لقواتهم، فحذارِ من هيمنة قناعات، أخذت شرعيّتها من عصر ما قبل فيروس كورونا.

التدخل التركي ـ الإيراني 

دفعت البيئة الأمنية المعقدة التي تعيشها المنطقة جراء وباء كورونا وانخفاض أسعار النفط، دفعت تركيا للسعي حثيثًا لتحقيق بعض الاستحقاقات الجيوسياسية والتي قدرت أن لها قابلية التحقق جراء حالة الفراغ الجيواستراتيجي الذي تعاني منه دول المنطقة، ما دفع إيران أيضًا لمحاولة إعادة هيكلة التوازنات الاستراتيجية في الإطار الذي يَخدُم طموحاتها السياسية، كالنشاط ضد الأكراد في العراق والتوسع البحري في خليج عمان والمحيط الهندي.

-نحو تشكل واقع تركي شمال الخليج

هناك إدراك تركي بأن الموقف الأمريكي ما بعد وباء كورونا، سيكون معقدًا في العراق لذا يخوض الطرفان العراقي والأمريكي حوارًا استراتيجيًا قد يدفع إلى الانسحاب الأمريكي من العراق، ومن ثمّ فإن الضرورة الاستراتيجية التركية تستدعي إنشاء واقع إقليمي شمال الخليج، لذا جاءت العملية العسكرية التي تشنها تركيا شمال العراق منذ 15 يونيو 2020م، ضد قواعد حزب العمال الكردستاني، فالعملية العسكرية، المتعددة المراحل والمستويات، متعددة الأسماء أيضًا فمرة "مخلب النسر" ومرة"مخلب النمر"، وكان الهدف الرئيسي منها، القضاء على القوة العسكرية للحزب، فالعملية العسكرية الأخيرة في تقديرنا أشمل وأكثر قوة من العمليات العسكرية السابقة، فهي لتأسيس تقرب من الخليج العربي من الشمال، عبر تواجد ثلاثي الارتكازات فالقوات التركية في شمال العراق  للتقرب من الخليج في تحالف مع إيران، وهم في ليبيا ضد مشروع خليجي يدعم مناوئي التواجد التركي، وثالثهم في بعض دول الخليج العربي نفسها على شكل تسهيلات وقواعد وتعاون تدريبي وفني.

  • إيران والتحضير لتصدير الأزمة

تمر إيران بمخاض عنيف لا يمكن تجاوز تبعاته على أمن الخليج العربي، فحسب الأهمية في تقديرنا كانت هناك انفجارات داخل طهران، وهناك استغلال تبعات الاتفاق الاستراتيجي العراقي مع واشنطن، بالإضافة إلى التحركات الإيرانية التركية شمال العراق، ثم اتفاقية تعاون عسكري مع سوريا  للتقليل من تبعات قانون قيصر على الأسد، وأخيرًا تحركات إيران باتجاه المحيط الهندي، ففي مناسبة الذكرى الخامسة للتوقيع على الاتفاق النووي شهدت إيران سلسلة انفجارات وحرائق هزت عدة منشآت ومواقع عسكرية وصناعية بينها منشأة نطنز الأساسية في برنامجها النووي ومنشأة بارشين المحورية في برنامجها الصاروخي. وهناك من يراهن على أن إيران لن تتمكن من الرد على هذه التفجيرات، لكننا نميل إلى أسوأ السيناريوهات وهو أن إيران بدأت بالرد، فمن السهل الربط بين ألسنة اللهب المتصاعدة من البارجة الأمريكية يو إس إس ريتشارد وتلك التي تصاعدت من مفاعل نطنز الإيراني، كما قد نشاهد تكرار ماحدث بعد اغتيال سليماني فالاحتمال الأقوى هو تنفيذ الرد من قبل إحدى الأذرع الإيرانية مما يضع كل الإقليم على صفيح ساخن وقد تشمل العراق وسوريا ومعسكرات الأمريكان ومصالحهم في الخليج العربي.

أما نقطة السخونة الإيرانية الأخرى فهي الاتفاق الاستراتيجي بين واشنطن وبغداد فالحوار كان من المفترض أن يضم "ثلاثة ملفات: الاقتصاد، والسياسة، والأمن، لكن طهران أوعزت لرجالها العراقيين لإضافة مصالحها في العراق حتى لم يعد حوار بين واشنطن وبغداد، بل حوار مع إيران بالوكالة، وأداتها للضغط هي تهديد المصالح الأمريكية في المنطقة وأهمها في العراق والخليج العربي. فلا يزال لدى طهران الكثير من الجنود الأمريكيين بالعراق وسوريا، مستفيدة من نظرية ماوتسي تونغ الذي كان يعتبر التعزيزات الأمريكية في فيتنام مصلحة صينية وكان يقول: (نريد المزيد من اللحم الأمريكي هنا قريبًا منَّا)  We need more of the American flesh

أما التحركات العسكرية الإيرانية ضد الأكراد فأكثر مايقلق فيها هو التنسيق بين طهران وأنقرة وهو تزامن عسكري يثبت تواصل المخطط العسكري على جانبي القضية والهدف بلد عربي هو العراق مما يبني قاعدة توافق بين تركيا و إيران قد يتكرر مثلها في الخليج العربي. أما التطور المهم الآخر فهو الاتفاقية الأمنية بين إيران وسوريا والتي تنص على تعزيز التعاون العسكري والأمني في مجالات عمل القوات المسلحة ومواصلة التنسيق، وهي خطى مثقلة بالرسائل التي منها أن طهران تثبت أقدامها في سوريا، والاتفاقية أيضًا لإفقاد تل أبيب الأمل بتغيير سلوك الأسد، والأهم هو أنها رد على قانون قيصر الذي يمنع التعاون مع نظام الأسد والذي ربما فرضته الإدارة الأميركية ومن أهم أهدافه إخراج إيران من سوريا. أما التطور المهم الأخير فهو عزم إيران إنشاء قاعدة دائمة لها في المحيط الهندي لبحرية الحرس الثوري، ونقدر أن ذلك يتم لثلاثة أسباب: أولها أن حاملات الطائرات الأمريكية تعمل في المياه الدولية بالقرب من الأراضي الإيرانية لذا تسعى طهران لإبعاد ساحات المواجهة لتكون بعيدة عن إيران نفسها، ثانيًا للإحاطة بدول الخليج من الشرق والجنوب وهو حلم كان يراود الشاه منذ السبعينيات فقد عبر عن طموحه لنائب الرئيس الأمريكي نلسون روكفيلر في عام 1976م، عندما قال له إنه يريد لعب دور في المحيط الهندي.

 

الأمريكان بين غض الطرف والاستدارة الاستراتيجية الكاملة

  يمكن رد الفراغ الاستراتيجي في الخليج العربي الآخذ بالتشكل لأسباب كثيرة تحدثنا عنها فيما سبق، لكن أهمها الاستدارة الاستراتيجية الأمريكية التي وضعت منذ عصر الرئيس أوباما الكئيب على دول مجلس التعاون؛ لكنها تبدو أحيانا مايمكننا أن نسميه غض الطرف الأميركي، فالأمر محير حتى للمراقبين! فهل يكون الانكفاء الأمريكي كاملاً فُيتشكل «الفراغ» الذي توجسنا منه طويلاً؛ أم سيكون انسحاب تدريجي وهو الأقرب للحدوث كما يبدو حتى الآن. وعلى النقطة الأولى يقوم سؤال عن البديل، والذي لن يخرج عن اللاعبين الدوليين الثلاثة الكبار روسيا والصين والاتحاد الأوروبي فهل يتقاسمون الفراغ! أم يتصادمون ويقتسمون الحطام، وكما يبدو لنا أنهم سيجسون نبض بعضهم البعض كما يحدث في سوريا وليبيا يعقبها أوجاع بعض ثم تقاسم مناطق النفوذ. وفي تقديرنا أن الخليج سيكون ضمن سيطرة بقايا حلف شمال الأطلسي الذي له تواجد وتسهيلات في منطقة الخليج العربي أكثر من غيره.

السياج الاستراتيجي الخليجي الشامل.

كما تتبعنا أعلاه كانت الذئاب منفردة في بادئ الأمر تشن غارات تكتيكية هنا وهناك لكن الجديد هو التعاون بينها مما يستدعي قيام كافة أطراف الوطن العربي بسرعة إنجاز السياج الاستراتيجي الشامل، إما على البعد الخليجي فالخيارات المتاحة والممكنة لدول مجلس التعاون في مواجهة هذه الذئاب فمتعددة، فلم تعرف دول الخليج بقلة الحيلة الاستراتيجية، بل إن دول الخليج هي أمهر من مارس لعبة الاعتماد على الحليف الاستراتيجي القادم من الأفق لحماية مصالحة؛ وأول الخيارات في الدخول في تحالفات جديدة خارج الاتفاقيات الأمنية الأمريكية والغربية، فطريق الحرير مصلحة صينية لا يمكن لها أن تتم بدون مد ذراعها لدول الخليج فالاعتماد على الإيرانيين ليتجاوز الطريق منطقة الخليج غير كافية ولا مؤهلة للغرض لما في فكر المخطط الصيني الذي يبحث عن الاستقرار وهو أمر غير متوفر في طهران الثورية .

أما الممكن الثاني فهو الدفاع الذاتي بعد تخلص دول الخليج من معوقات كثيرة أولها تجاوز حرب اليمن بنجاح، ثم تعافي دول الخليج من الأزمة النفطية، وتجاوز تبعات كورونا الاقتصادية التي قيدت الكثير من ميزانيات الدفاع، أما الممكن الثالث فهو لعب دور الحياد السلبي والانكفاء الإقليمي مثلما كانت دول الخليج العربي تقوم بدور المتفرج لا دور اللاعب خلال الفترة منذ الاستقلال حتى مطلع القرن الحادي والعشرين، لكن مع حفظ الحد الأدنى من حدودنا وسيادتنا الخليجية.

 

مقالات لنفس الكاتب