العدد 152

دراسة الدوافع السلبية للدول العربية ضد اُمتها وترتيب البيت العربي من الداخل

السبت، 01 آب/أغسطس 2020

 يكتسب الوطن العربي أهمية دولية كبرى نظرًا لموقعه الجيوستراتيجي في مركز العالم القديم وسيطرته على أهم البحار الداخلية وبالتالي على أهم المضايق والممرات وطرق الملاحة الدولية التي تربط بين ثرواته الكبيرة وخاصة بين مصادر الطاقة وأسواقها عبر العالم، مما جعله عرضة للأطماع الدولية والإقليمية عبر التاريخ، كما أنه يشكل معظم إقليم الشرق الأوسط متى أضيفت إليه بعض الدول غير العربية سواء على الحواف أو الداخل، بالإضافة إلى الأهمية الروحية والدينية فهو مهبط الديانات السماوية الثلاث.

وقد شكلت تلك المطامع على المستوى الإقليمي، العديد من التحديات والمخاطر التي ترقى أحيانًا إلى مستوى التهديد الذي يؤثر بالسلب على الأمن القومي العربي، مما يستلزم من إجراءات مضادة لدعمه وتقويته سواء على المستوى الجمعي تحت مظلة جامعة الدول العربية، أو على مستوى المحاور ارتباطًا باتجاهات التهديد. وهو ما سنعرض له في المقال من حيث (الخلفية التاريخية -التهديدات والمخاطر من دول الجوار الإقليمي إيران، تركيا، إسرائيل، إثيوبيا -خيارات دعم الأمن القومي تجاه تلك الدول).

أولاً: الخلفية التاريخية: يرجح التاريخ أن بدء تواجد الإنسان على الأرض من لدن آدم وحواء كان في هذا الجزء من العالم، كذلك أبناء سيدنا نوح، ثم سيدنا إبراهيم العابر من بلاد ما بين النهرين في العراق إلى أرض كنعان وذريته من إسماعيل في شبه الجزيرة العربية وإسحاق في أرض كنعان وفلسطين حيث تنزلت الرسالات السماوية الثلاث في مثلث صغير بين الطور في سيناء والناصرة في فلسطين ومكة المكرمة في الجزيرة العربية.

ولاحقًا تعرضت المنطقة العربية-الناطقة بالعربية-للاحتلال العثماني الذي حاول أن يضفي غطاءً دينيًا لهذا الاستعمار وتلك الأطماع فأسماه الفتح العثماني، علمًا بأن تلك المنطقة العربية كانت سابقة في الإسلام بزمن طويل عن تركيا تحت حكم آل عثمان. الذين هزموا في الحرب العالمية الأولى 1914-1918م، أمام الحلفاء وحكمت عليهم اتفاقية لوزان بسويسرا بالانكماش داخل حدود تركيا القديمة بآسيا الصغرى وهضبة الأناضول، لتتحول إلى العلمانية تحت حكم أتاتورك وتترك الأبجدية العربية إلى اللاتينية لتبتعد خطوة عن لغة القرآن. حيث وضعت المنطقة العربية تحت انتداب الحلفاء المنتصرين كشكل جديد للاستعمار، من غالبية بريطانية وفرنسية وأقلية إيطالية وإسبانية. حيث أفضى الانتداب البريطاني إلى تقسيم فلسطين عام 1947م، ثم قيام إسرائيل في مايو 1948م.التى زُرعت في قلب الوطن العربي لتفصل مشرقه عن مغربه.

بنهاية الحرب العلمية الثانية 1939-1945م، وقيام الأمم المتحدة كآلية دولية، بدأ انتهاء الاستعمار التقليدي للمنطقة العربية ليحل محلة نفوذ القوتين العظميين من استقطاب ومناطق نفوذ والسيطرة على المناطق الاستراتيجية من ممرات ومضايق بحرية، خاصة أن تلك المرحلة تزامنت مع اكتشافات النفط بكثافة ثم الغاز لاحقًا، حيث توجد 9 دول عربية مصدرة للبترول هي ست دول في مجلس التعاون الخليجي والعراق ثم ليبيا والجزائر، حيث أخذ التواجد الأجنبي شكل التحالفات وخاصة الأمنية لحماية تلك الدول بعد انكشافها نتيجة مأساة الغزو العراقي للكويت في الثاني من أغسطس 1990م.

 ويقود هذا المدخل التاريخي المختصر إلى التأصيل والتعريف بجذور التحديات والمخاطر والتي تصل إلى مستوى التهديد، من قِبل القوى الإقليمية المحيطة والمتداخلة مع المنطقة العربية التي تظلها مظلة جامعة الدول العربية، وخاصة كل من تركيا – وإيران -وإسرائيل – وإثيوبيا. وكيف يؤثر ذلك سلبًا على الأمن القومي القطري لبعض الدول العربية، وبالتالي على محصلة منظومة الأمن القومي العربي الشامل. لنخلص الى إمكانيات وأسلوب المواجهة العربية من خلال المتاح من الخيارات أمام صانع القرار العربي.

ثانيًا: التهديدات والمخاطر الإيرانية

1-مستوى التهديدات: 

 احتلال أراضٍ عربية: يندرج تحته الاحتلال الفعلي للجزر الإماراتية الثلاث طنب الكبرى والصغرى وأبو موسى التي أصبحت قضاء إداري ضمن الإقليم، وتعذر الحلول التوافقية وعدم إمكانية التحكيم الدولي الذي يشترط أولاً، وجود قضية بين دولتين أو أكثر وثانيًا، موافقة الأطراف على التحكيم كما تم بين مصر وإسرائيل بخصوص طابا، وهو ما ترفضه إيران.

-التهديد العسكري المباشر: المتمثل في قصف المملكة العربية السعودية بالصواريخ الباليستية أو الطائرات المسيرة الإيرانية، سواء بأيدي إيرانية سرية غير معلن عنها كما تم من فوق الكويت بعدد من طائرات الدرونز ضد أهداف اقتصادية كشركة أرامكو للنفط، أو من خلال الحرب بالوكالة في اليمن ذات الحدود الطويلة المشتركة مع السعودية، سواء ضد المنشآت الاقتصادية النفطية أو ضد أهداف عسكرية ومدنية كالمطارات والقواعد والتجمعات السكنية كما تم مرارًا ضد جازان وأبها.

2-مستوى المخاطر والتحديات:

-التواجد العسكري في سوريا: وهو تواجد كثيف منذ يناير 2013م، لدعم النظام السوري ذو الأقلية العلوية الشيعية، مع استخدام قوات حزب الله تحت الجناح الإيراني، مما جلب ردود أفعال عسكرية إسرائيلية عنيفة ليس ضد القوات الإيرانية وحزب الله فقط، بل ضد الجيش السوري والمنشآت والبنية التحتية السورية.

- التواجد العسكري في اليمن والعراق: التواجد الكثيف في اليمن لدعم الانقلاب الحوثي الشيعي. مع دعم عسكري وتسليحي متطور ليقوم الحوثيون بدور الحرب بالوكالة نيابة عن إيران وخاصة ضد المملكة العربية السعودية، مع نفوذ للحرس الثوري في العراق ودعم من هم على شاكلته، ولنا أن نتذكر حرية حركة قاسم سليماني ورجاله داخل العراق دون أدنى قيود، وهو ما سهل من تعقبه واستهدافه واغتياله فور مغادرته مطار بغداد من قرية البضائع، بواسطة طائرة أمريكية مسيرة أقلعت من قاعدة العديد الأمريكية في قطر دون أن تشعر بذلك القيادة القطرية على أي مستوى، بما يعكس أن تلك القواعد هي دولة داخل الدولة.

- تهديد المضايق والممرات البحرية الاستراتيجية: هُرمز وباب المندب وتأثير الأخير على قناة السويس.

- نشر النفوذ الشيعي في المنطقة العربية: وخاصة في الجناح العربي الآسيوي بما يشكل قوسًا يحاصر شبه الجزيرة العربية وامتدادها، بداً من إيران -العراق-سوريا-لبنان قطاع غزة وصولاً إلى اليمن، ومحاولات في الجناح العربي الإفريقي وخاصة في السودان في عهد الرئيس السابق عمر البشير. مع تصاعد النفوذ لدرجة المطالبة بضم البحرين ذاتها كدولة مستقلة ذات سيادة إلى ميراث الإمبراطورية الفارسية.

- منع سوريا من تمرير الغاز الخليجي إلى أوروبا: كانت تأمل بعض الدول الخليجية من إيصال ثروتها الغازية إلى أوروبا عبر سوريا وتركيا، ولكن النظام السوري رفض ذلك لصالح وإرضاءً لإيران.

ثالثًا: التهديدات والمخاطر التركية:

1-مستوى التهديدات:

-الاحتلال، تحتل تركيا حزام سوري بعمق 35-40 بدعوى إقامة نطاق أمن يسيطر على أكراد سوريا ويمنع اتصالهم بأكراد تركيا الذين يشكلون معظم حزب العمال الكردستاني المعارض الذى تصنفه تركيا منظمة إرهابية، وخوفًا من انتقال العدوى الفيدرالية الكردية من سوريا إلى تركيا كأحد السناريوهات المحتملة لحل القضية السورية، وقد أطلقت تركيا معظم سجناء داعش في هذا الشريط الأمني الذين قاتلهم أكراد سوريا والعراق في معركة عين العرب(كوباني) ولكن أردوغان أطلقهم ليقاتلوا في صفوفه ضد الأكراد- ردًا للجميل- ليعيد استخدامهم في إدلب سوريا، ثم لاحقًا نقلهم إلى ليبيا كمرتزقة بالأجر كما سيرد..  ورغم أن قبرص ليست دولة عربية، إلا أن الاحتلال التركي لشطرها الشمالي يدلل على تأصل هذا السلوك التركي، حيث تم هذا الاحتلال عام 1974م، بدعاوى ضعيفة، استنادًا إلى أن هذا الإقليم ينتمي إلى جذور ولغة تركية منذ الاحتلال العثماني، ولو استندنا إلى هذه القاعدة المُختلقة لاحتل نصف العالم نصفه الآخر!!

الطريق إلى احتلال ليبيا:  يتم ذلك بدءًا بشبه احتلال للغرب الليبي بموجب (مذكرتين أمنية وبحرية) كالتفاف غير قانوني للطرفين، فحكومة الوفاق الموقتة طبقًا لاتفاق الصخيرات الاُممي بقيادة السراج والتي انتهت مدتها 2016-2018م ، لا يحق لها عقد اتفاقات أو مذكرات دولية، إلا بعد اعتماد مجلس النواب الذى اعترف بصلاحياته واستمراره اتفاق الصخيرات الاُممي، وهذا لم يتم بحجة  تواجد المجلس في مدينة طبرق بشرق ليبيا، مما يرسخ المناطقية ويمهد إلى تقسيم الدولة، كما إنه ليس من حق حكومة أردوغان أن توقع مذكرات أو اتفاقيات بحرية مع أي دولة لأنها لم توقع على الاتفاقية البحرية الدولية 1982م، كما أن معاهدة لوزان تمنعها من التنقيب البحري خارج مياهها الإقليمي 12 ميل بحري والأهم أنه لا يوجد حدود بحرية مشتركة بين الدولتين طبقًا للقانون الدولي البحري!! 

أعقب ذلك ومنذ بداية 2020م، نقل مرتزقة إدلب ومليشيات داعش الذين حررهم أردوغان من سجون شمال سوريا – كما سبق- ومن خلال المطارات التركية و يقدر عددهم طبقًا للخبراء من 10-15 ألف لدعم جيش السراج وميليشياته، مع الدعم  التركي البحري والجوي وطائرات الدرونز، مما غير الموقف العسكري في طرابلس وحولها لصالح الغرب، كما تم ذلك النقل والدعم رغم المؤتمرات الدولية التي حضرها اردوغان وتمنع نقل الإرهابيين إلى ليبيا، ولكنه ما زال مستمرًا في ذلك، ضاربًا عرض الحائط ومتجاهل سفن الخطة إرينى كآلية أوروبية معنية بمنع السفن التركية وما عليها من أسلحة ومرتزقة من الوصول إلى الموانئ الليبية

 سلسلة القواعد التركية والتواجد العسكري حول قلب الوطن العربي: وخاصة السعودية ومصر، بدءًا من سوريا إلى شمال العراق في بعشيقة-إلى قطر إلى الصومال-إلى محاولة في سواكن السودان-إلى ليبيا-إلى قبرص، في سلوك تركي متغلغل في المنطقة العربية مع الحنين إلى الموروث العثماني.

2-على مستوى المخاطر والتحديات:

- تهديد منطقة غاز شرق المتوسط: بإثارة المشاكل تجاه ترسيم الحدود البحرية مع كل من قبرص واليونان وإحدى النقاط المصرية، رغم أن جزءًا من حدودها البحرية المزمع ترسيمها مستند على قبرص التركية المحتلة، وبالطبع ما يبنى على باطل فهو باطل.

- تركيا وتهديد الأمن المائي لكل من سوريا والعراق: وذلك بإقامتها السدود على نهري الفرات ودجلة، حيث أن تركيا هي دولة المنبع لتلك الأنهار من هضبة الأناضول، كما أن سوريا هي دولة الممر أو العبور بينما العراق هي دولة المصب، ولكن تركيا تحبس المياه خلف تلك السدود لفترات طويلة وغير منتظمة بما يضر بسوريا والعراق مما زاد من الجفاف والتصحر، مع عدم مراعاة تركيا للاتفاقيات الدولية المنظمة للأنهار المشتركة العابرة للحدود. وهو ما تحذو إثيوبيا حذوه -كما سيرد-

رابعًا: التهديدات والمخاطر الإسرائيلية:

1-مستوى التهديدات: 

 احتلال أراض عربية: فلسطين: بدءًا من الجور على قرار الأمم المتحدة للتقسيم في نوفمبر1947م، رغم أن القرار أعطى لإسرائيل حوالي 56%، ومنذ هذا التاريخ وحتى الآن متبقى للفلسطينيين حوالي 15% وبداخلهم مجموعة عنكبوتية من المستعمرات، وبإرساء طرق إليها سوف تتفتت الضفة الغربية إلى ما هو أصغر ويتلاشى مع الزمن، بتكتيك فرض الأمر الواقع على الأرض قياسًا على ما سبق.

-احتلال الجولان السوري: تم احتلاله منذ حرب عام 1967م، رغم قرام مجلس الأمن رقم 24، ثم ضمته إسرائيل من جانب واحد في ديسمبر 1981م، قبل أن يدعٍم هذا الجوُر الرئيس الأمريكي ترامب مؤخرًا.

2-على مستوى المخاطر والتحديات:  

-بناء السور العنصري لعزل الضفة الغربية: سحب المياه الجوفية من تحت أراضي الضفة الغربية، الجور على مياه الأنهار العربية: وخاصة نهر الأردن والأنهار الصغيرة الأخرى التي تنبع من الجنوب السوري أو الجنوب اللبناني.

-زيادة التهديد السوري بقصف بنيته التحتية وأهدافه العسكرية: في إطار مهاجمة الأهداف العسكرية الإيرانية وحزب الله، والغريب عدم الرد الإيراني، رغم أن قوات الحرس الثوري تحت اسم فيلق (القدس!!)  فإما تواطؤ أو خوف من تصعيد الرد الإسرائيلي على أهداف استراتيجية داخل إيران ذاتها وخاصة البنية التحتية لمشروعها النووي.

-التحالف مع أعداء الوطن العربي: مع تركيا في المجال العسكري والطاقة (خط غاز اشكولون-جيهان) المقترح، ومع إثيوبيا بخصوص سد النهضة للإضرار بكل من مصر والسودان مع تأمينه بنظام دفاع جوى إسرائيلي، بالإضافة للتعاون السري مع قطر، من منطلق أن عدو عدوي صديقي.

-تهديد جنوب البحر الأحمر: بالتواجد في الجزر الإريترية (دهلك) في شكل تسهيلات عسكرية ولوجستية، والموروثة منذ الحقبة الإثيوبية بما يهدد الممرات الحيوية في باب المندب وقناة السويس.

خامسًا: التهديدات والمخاطر الإثيوبية:

1-مستوى التهديدات:

احتلال أراضي عربية: في الصومال: باحتلال إقليم الصومال (الأوجادين) عام 1978م، بدعوى أنه جزء وامتداد لجنوب شرق إثيوبيا التاريخية (الكاتب شاهد الإقليم وآثار الحرب على الطبيعة وشارك في إعادة تنظيم القوات الصومالية عام 1979م)

-استمرار احتلال أجزاء من أراضي إريتريا (غير العربية) بعد انفصالها عن إثيوبيا كدولة ذات سيادة منذ عام 1994م، كسلوك إثيوبي وخاصة أن هذا الانفصال حول إثيوبيا إلى دولة حبيسة حيث الشاطئ جنوب غرب البحر الأحمر الهام إلى إريتريا، وأصبح المنفذ البحري الإثيوبي الوحيد من خلال جيبوتي العربية، وحصل أبى أحمد رئيس الوزراء الإثيوبي على جائزة نوبل للسلام لإيقاف الحرب مع إريتريا وحل مشكلة الحدود، وإن كان منح نوبل يضع علامة استفهام حيث ما زال جزء اريتري محتل، كما لم تمنح مناصفة مع الرئيس الإريتري أسياسي أفورقي كما هو متبع مع الطرفين من أجل إحلال السلام.

2-المخاطر والتحديات التي ترقى إلى التهديد:

- سد النهضة وتهديد الحياة في مصر والسودان: اقتدت إثيوبيا بخطوات تركيا في سدود جنوب شرق الأناضول-وخاصة سد أتاتورك-التي أضرت كثيرًا بسوريا والعراق-كما سبق لتضر بالمقابل بكل من السودان دولة المرور ومصر دولة المصب. وكما شرعت تركيا في بناء سدها عام 1992-1993م، والعراق القوي متكسٍر نتيجة إخراجه من الكويت عام 1991م، ثم الإجهاز عليه بالاحتلال الأمريكي عام 2003م، كذلك اختارت إثيوبيا فوضى بدء الربيع العربي في بدية عام 2011م، لتشرع في بدء سد النهضة كأكبر سد في إفريقيا ومن أكبر سدود العالم النهرية.

ولا مانع لدى كل من مصر والسودان أن يكون السد من أجل تنمية إثيوبيا وخاصة في مجال الكهرباء، بشرط ألا يضر بالبلدين، فالماء هو شريان الحياة، والفرق كبير بين التنمية والحياة ذاتها، مع وجوب احترام الاتفاقيات الدولية الخاصة بالأنهار العابرة للحدود، ولنا عبرة من العالم المتقدم حيث يعبر نهر الدانوب العديد من الدول الأوروبية دون أدنى مشكلة - مع احترام الاتفاقات الإقليمية بين الدول الثلاثة عام 1902م، والتي أعطيت  بموجبها أرض (شنقول)من السودان إلى إثيوبيا والتي يبنى عليها السد حاليًا بشرط احترام جريان النيل الأزرق إلى السودان ومنها إلى مصر.. ومعروف أن الاتفاقيات لا تزول بالزمن إلا باتفاق كافة أطرافها، وأن ادعاء إثيوبيا بأنها وقعت في عهد الاستعمار حجة واهية، وإلا تلٌغيها الأطراف الثلاثة وتعود أرض شنقول بموقع السد إلى السودان!!

سادسًا: الخيارات الممكنة لدعم الأمن القومي العربي:

هناك قاسم مشترك يحد من فعالية التكتل العربي المتمثل في جامعة الدول العربية كآلية إقليمية رائدة سبقت الأمم المتحدة ذاتها، فلا تستطيع اتخاذ قرارات هامة حتى على مستوى القمة العربية، إلا بالإجماع، وهذا يهدر بعض القرارات الهامة، فيكفي اعتراض الدولة العربية المخطئة لإيقاف القرار، وأكبرها اعتراض العراق على إدانته لاحتلال الكويت !! لولا الضغوط التي مورست لفداحة الخطأ.

ولنراجع مؤخرًا عدم القدرة على إدانة الموقف التركي في ليبيا ونقل دواعش ومرتزقة إلى طرابلس، لاعتراض المستفيد ومن يدور في فلك تركيا حيث اعترضت ليبيا وقطر والصومال، ذوي القواعد التركية. وأيضًا عدم إدانة إثيوبيا لإضرار سد النهضة بالسودان ومصر، لاعتراض الصومال ذات القاعدة التركية، رغم احتلال إثيوبيا لإقليم الصومال الغربي وسدودها على نهري شبيلي وجوبا !!  

1-في مواجهة التهديد والمخاطر والتحدي التركي:

أهمية المواجهة العربية الجماعية للتهديد والتمدد التركي وبناء حزام قواعدها العسكرية -السابق ذكرها-وخاصة في سوريا والعراق والصومال وليبيا. مع أهمية مد يد العون العربي التكافلي المادي والعسكري إلى الدول العربية الفقيرة لإبعادها عن تركيا، والصومال أفضل مثال لذلك. مع التنسيق مع الاتحاد الأوروبي المتضرر من تركيا وخاصة فرنسا وألمانيا وبريطانيا واليونان وقبرص وأخيرًا النمسا. رغم التسليم بأن جزءًا كبيرًا من السلوك التركي الخاطئ مرتبط بشخص أردوغان وأحلامه العثمانية التوسعية، وأن السلوك التركي ينتظر تحسنه تجاه العرب باختفائه من الساحة كما هو متوقع.

 

2-فى مواجهة التهديد والمخاطر والتحدي الإيراني:

كما سبق بالنسبة للموقف التركي على مستوى الجامعة العربية، مع خصوصية الدعم العسكري لدول الخليج العربي والعراق، بواسطة الدول المستقرة طبقًا لاتفاقية الدفاع المشترك، مثل مصر والأردن والجزائر، إلى أن يستقر باقي الوطن العربي تباعًا. وضرورة الخروج من سوريا لأن استمرار وجودهم فقط يؤمن النظام ولكنه مُضر بسوريا لرد الفعل الإسرائيلي دون أي رد إيراني من فيالق القدس !!

3-في مواجهة التهديد والمخاطر والتحدي الإسرائيلي:

ستظل المشكلة الفلسطينية الإسرائيلية هي المشكلة المركزية، ويجب التكتل العربي مع العديد من دول العالم وخاصة الأوروبية، من أجل عدم تآكل حل الدولتين والأرض مقابل السلام كالمبادرة السعودية في قمة بيروت، مع انتظار القادم الجديد إلى البيت الأبيض، فلا يرجى حل متوازن في وجود ترامب.

4-في مواجهة التهديد والمخاطر والتحدي الإثيوبي:

ضرورة الاصطفاف العربي مع السودان ومصر في مواجهة التعنت الإثيوبي غير المبرر، فالدولتان لا تمانعان التنمية في إثيوبيا دون إضرار بمياههما التي تُشكٍل عصب الحياة، والفرق كبير بين التنمية والحياة، مع التلويح بسحب الاستثمارات العربية لبناء السد. والتلويح بإمكانية معاونة وتعويض جيبوتي مقابل قفلها للطريق الوحيد الذي يربط إثيوبيا بالعالم الخارجي بحرًا.

خاتمة: تواجه المنطقة العربية تحديًا ومخاطر تصل إلى درجة التهديد من القوى الإقليمية غير العربية سواء دول الحواف المتمثلة في تركيا وإيران وإثيوبيا أو إسرائيل في مركزها، بشكل متزامن وغير مسبوق بما يهدد الأمن القومي العربي سواء على المستوى القطري أو الجمعي. ومما يُؤسف له هو مساهمة بعض الدول العربية في ذلك سواء بالدعم المباشر لتلك القوى أو بعضها عسكريًا وسياسيًا واقتصاديًا أو بالدعم غير المباشر بمنع صدور قرارات إدانة لتلك القوى، تحت المظلة العربية المتمثلة في جامعتها، نظرًا للعوار الذي يستلزم الإجماع وليث الأغلبية، مما يستدعي تعديله فورًا إلا إذا وقف الإجماع عقبة في طريق التعديل أيضًا !!

إن الدول العربية تمتلك من كل مقومات القوة الشاملة ما يمكنها من إرساء تجمع إقليمي قوي ومتجانس يتحدى القوى الإقليمية غير العربية ويتفوق عليها، ولكن السلبيات والخلافات العربية ـ العربية تقف حائلاً ويغذيها المتربصون بالمنطقة العربية، كما يجب دراسة الدوافع السلبية لبعض الدول العربية ضد اُمتها، لنعالج ونرتب البيت العربي من الداخل بالتزامن مع مواجهة وتهديد الخارج، دعمًا لأمننا القومي العربي.

مقالات لنفس الكاتب