لاعبون جدد دخلوا مسرح لبنان لمهادنة إسرائيل واللعب بالنـار لمصلحة إيران وتركيا

الأحد، 23 آب/أغسطس 2020

في ذروة ثلاث أزمات متزامنة يعيشها لبنان حصل تفجير مرفأ بيروت المهول، فلم يكن ليخطر في بال أي لبناني أو لبنانية أن الرابع من آب/أغسطس سيحل ليحول مرفأ بيروت إلى رماد ويدمر جزئيًا أو كليًا نصف العاصمة التي كانت في الأمس القريب تحتضن شبان وشابات لبنان المتظاهرين المطالبين بوطن أفضل خال من كل الطبقة السياسية التي تتحكم برقاب اللبنانيين منذ عقود من الزمن، والراغبين بوطن تكون الكلمة الفصل فيه لدولة واحدة موحدة تنحصر فيها الشرعية وقرارات السيادة الوطنية.

جاء التفجير إذن، على وقع أزمة اقتصادية لم يشهدها لبنان من قبل؛ أزمة مترافقة مع حصار دولي وإقليمي على السلطة لا الدولة في لبنان، وذلك على خلفية خيارات سياسية غير متوازنة اعتمدها الفريق الحاكم الممسك بزمام القرار بكل أبعاده. وهي السلطة المولودة من رحم عهد وعد اللبنانيين بإصلاح وتغيير ووجها آخر للوطن، لكن اللبنانيين لم يشهدوا إلا النقيض. وهذا النقيض عبر عن نفسه بتراكم الأزمات واستشراء الفساد، ففي لبنان، حتى السرقة ونهب المال العام والفساد أوبئة يجب أن تكون ميثاقية، فالشعار الطائفي المعروف في لبنان في هذا الإطار هو "بقدر ما سرقتم يحق لنا أن نسرق". ليأتي في خضم كل ذلك وباء كورونا فيصب الزيت على نار الأزمات فتفقد السلطة الحاكمة قدرتها على معالجة الأمور وتكبر الكارثة ويدخل لبنان في لظى التداعيات ومستنقع المجهول.

حصل الانفجار بين عصر ومساء الرابع من آب / أغسطس، في توقيت مريب للغاية، حيث يكون الميناء فارغًا إلا من بعض الموظفين، فلو حصل في الظهيرة لكانت بيروت شهدت المجزرة الأكبر ولكان عدد الضحايا تجاوز العشرة آلاف. وحصل التفجير في عنبر يقال إنه مستودع خاص بأحد التنظيمات النافذة في لبنان. فتربعت بذلك هاتين الركيزتين على عرش التحليلات الصحفية والسياسية التي تفرغت للبحث عن الحقيقة، حقيقة ما حصل، وحقيقة الفاعل والمفعول به.

 ولقد أفرز هذا التفجير مجموعة من النتائج السريعة والمباشرة، فكانت النتيجة الأولى أن الحصار الذي فرض على سلطة الحكم في لبنان بقي في السياسة ولم تلغه الجسور الجوية والبحرية والبرية التي شيدت لمساعدة الشعب اللبناني من النتائج الكارثية للتفجير، فالدول الصديقة للبنان، صحيح انها تعالت وتجاوزت مآخذها، لكنها كانت واضحة وصريحة وعنيدة في القول إن مساعداتها هي للشعب اللبناني المنكوب وليس للسلطة الناكبة، وهذا ما حصل بالفعل. وتمثلت النتيجة الثانية باستقالات عديدة في مجلس النواب شكلت بدورها عنصر ضغط مؤازر من شعب مجروح أنتجت استقالة نصف جماعية لوزراء في الحكومة أجبرت رئيس الحكومة المحسوب على العهد وحزب الله بتقديم استقالة الحكومة. أما النتيجة الثالثة فتجسدت بتأجيل المحكمة الدولية الخاصة باغتيال الرئيس رفيق الحريري حكمها للثامن عشر من الشهر نفسه، لكن النتيجة الأكبر هي أن التفجير بقي لقيطًا، فلا أما له ولا أب، أقله حتى كتابة هذه السطور.

غير أن المسألة ليست مسألة نتائج مباشرة وحسب، فمعالجة وتطويق انعكاسات وتأثيرات التفجير تقتضي البحث في مسبباته وخلفياته. وبذلك نحن أمام أربعة مسائل مترابطة ارتبطًا وثيقًا لا يمكن فكه.

أولاً-مسببات الانفجار وخلفياته

قيل وكتب الكثير عن ظروف الانفجار، وطرحت العديد من السيناريوهات حول كيفية حصوله والجهة الواقفة خلفه. غير أن التعاطي الدقيق مع التفجير يستلزم التمييز بين مسألتين اثنتين، الأولى الخطأ الفادح في وضع أطنان نترات الأمونيوم في المرفأ دون الاكتراث بخطورة ذلك، والثانية هوية الفاعل المرتكب. وبالنسبة للمسألة الأولى، أي إبقاء المادة القابلة للانفجار في عنابر المرفأ، فلم يقم أحد من الخبراء والمحللين بطرح فرضيتين في صددها، بل تم التعاطي مع الموضوع من باب حتمية الإهمال والفساد والخطأ. لكنني أرى ان هناك فرضيتين تتسابقان في هذه النقطة. وتقول الفرضية الأولى أن الموضوع بالفعل يأكل ويشرب من إهمال وعدم جدية أو اهتمام من المسؤولين في الدولة، فترك مواد متفجرة بهذا الكم الضخم في ميناء يشكل رئة اقتصادية أكثر من هامة للاقتصاد اللبناني يشكل أحد مفردات الفساد الضارب الجذور والمعشعش في خلايا الدولة النائمة والمستيقظة والفاشلة بإجماع الجميع وبشهادة وزير الخارجية المستقيل ناصيف حتى، أما الفرضية الثانية فتقول إن وجود مادة نترات الأمونيوم في مرفأ بيروت المسيطر عليه أمنيًا واستراتيجيًا من حزب الله كما يجمع المعنيون في لبنان قد يكون مقصودًا وغير ناتج عن إهمال، إذ لطالما اقتضت ضرورات تغيير قواعد اللعبة إنجاز تفجير يقلب الطاولة ليعيد تزويتها وفق منطق البلياردو. لكن كلاً من تلك الفرضيتين تعني أمرًا واحدًا وهو أن الفساد في لبنان هو القاعدة وحب الوطن هو الاستثناء. فلا أحد من كل الطبقة السياسية في لبنان يتعاطى مع الوطن كدولة، وإنما كجغرافيا وديمغرافيا يجب صياغتهما لبناء سلطة، نعتليها ونستخدمها للإثراء وإطعام الحاشية. فحتى حزب الله في لبنان لا يشكل استثناء على ذلك، لا بل هو من يملك المصلحة الأكبر في تضييع المعنى الدستوري والسياسي والقيمي لفكرة الدولة في لبنان، لأنه يدرك تمام الإدراك أن بناء دولة حقيقية ينتمي اليها اللبناني وفق منطق المواطنة تشكل مقتلاً لمشروعه المستور والمستورد عبر مرافئ هلالية. وهذا كلام في السياسة والنقد ويردده مئات الآلاف من اللبنانيين يوميًا. وقيمة هذا الكلام تبرز وتعلو عندما نعلم علم اليقين أن حزب الله هو الوحيد القادر في لبنان على إجبار كل الأحزاب والأطياف والتنظيمات والزعامات اللبنانية على صياغة دولة لكنه ليس فقط لا يريد، فالحقيقة الخطيرة هي أن الدولة الحقيقية تقتل مشروعه الخاص.

وبالنسبة للمسألة الثانية، أي البحث عن الفاعل، فأيضًا قيل وكتب الكثير ووضعت عدة احتمالات، من حريق غير مفتعل إلى تفجير إرهابي إلى قصف إسرائيلي، لكن لم يصمد أي احتمال بعد. وإذا كان الشعب اللبناني حمّل السلطة في لبنان مسؤولية ما حدث، بصفتها مسؤولة عن حياة وممتلكات ولقمة عيش اللبنانيين، لوحظ بشكل واضح أن لاوعي تمركز في عقول اللبنانيين ووضع القضية في رقبة حزب الله، عززه أكثر ثنائية تشكلت في رأس الأمين العام حسن نصر الله تمثلت في اضطراره لنفض يد الحزب عما جرى من جهة وعدم تحميله إسرائيل مسؤولية التفجير من جهة ثانية. فاعتبر نصر الله أن حزب الله يعرف في مرفأ حيفا أكثر مما يعرف في مرفأ بيروت وهذا غير دقيق ومختلف مع الواقع، فالكل في لبنان يعرف أن مرفأ العاصمة هو مرفأ ضاحية بيروت أكثر مما هو مرفأ بيروت. وفي الجهة الإسرائيلية اكتفى نصر الله بوضع الأمور في ملعب لجنة التحقيق اللبنانية التي إن اعتبرت أن إسرائيل هي من يقف وراء التفجير فالحساب سيكون عسيرًا، وهذا منطق وأسلوب جديد في الكلام يسنّه نصر الله، الذي لطالما اتهم الدولة بالتقصير وضياع الحقوق فالثقة في مؤسساتها معدومة، هكذا كان يقول أمين عام حزب الله طيلة سنين سبقت تفجير الرابع من آب/ أغسطس.

وعلى أية حال، فإن هاتين المسألتين تنضويان تحت إطار البحث عن الفاعل؛ لكنه البحث الذي يجد مقدمته ومنطلقاته في جملة حقائق يتسم بها السياق السياسي والأمني في لبنان؛ إنه سياق بلد "ولا أقول دولة"، تعيش فيه السياسة بالمفرق وليس بالجملة؛ بلد ليس فيه حياة سياسية حقيقية وإنما مال سياسي ومشاريع سياسية متأتية من خارج حدوده السياسية كما الجغرافية، بلد لم يتفق بنوه بعد على هوية جامعة، وتتكون السلطة فيه عبر تحالفات لمشاريع وأجندات لم تلتق يومًا إلا على سبيل الوصول إلى السلطة. وعندما يحصل ذلك يستشري الفساد بطريقة منظمة ووفق منطق المناصفة والمثالثة الطائفية، ويكون الشعب هو الضحية الأولى والوطن هو الضحية الثانية. وبسبب كل ذلك ثار شباب لبنان في 17 أكتوبر، ولولا متانة الحسابات الطائفية والوكالات الشرعية لتغير الواقع السياسي رأسا على عقب، لكن الحقيقة تقول إن كورونا الطائفية والمذهبية في لبنان تعطل أي مشروع وطني تغييري. وعملية التعطيل هذه كفيلة بتعطيل الحقيقة المتعلقة بمن يقف خلف بركان بيروت المقاوم. إنه التعطيل الذي يجد مفرداته حتى في عدم الرد على العدو الإسرائيلي أحيانا، ليس لأن البراغماتية تفرض التطبيع أو الهدنة الطويلة الأمد، وإنما لأن اتهام إسرائيل بالوقوف وراء العمل غير متناسب مع المصلحة الراهنة، لا بل تتطلب المصلحة منع إسرائيل من شن هجوم هنا أو هناك، وعملية المنع هذه تستدعي بدورها عملاً استباقيًا يلغي او يؤجل خطة الهجوم الإسرائيلية، ترى هل كان تفجير مرفأ بيروت عملاً استباقيًا ذات بعد استراتيجي؟ ذلك هو السؤال الأخطر والذي لا أدري إن كان مقبل الأيام سيقدم إجابة عنه.

ثانيًا-تداعيات التفجير على الأوضاع الاقتصادية والسياسية في لبنان

إن لبنان الغارق أصلاً بأزمتين اقتصادية ونقدية، حيث وصل سعر صرف الدولار ولأول مرة في تاريخه إلى حدود العشرة آلاف ليرة، وذلك كحصاد طبيعي لتاريخ من السياسات الاقتصادية تارة غير مدروسة وتارة معولة على شرق أوسط جديد، ولنظام مصرفي سيء، ولعهود من الحكم شاعت فيه المحاصصة والسرقات والعمولات والفساد وصلت إلى ذروتها مع عهد الرئيس ميشال عون، بعد أن أكمل وباء كورونا مسيرة الإفلاس الشامل في المؤسسات الرسمية والخاصة، جاء تفجير المرفأ ليسكب الزيت على النار. فعندما نعلم أن متوسط عدد البواخر التي تدخل ميناء بيروت بنحو 170 باخرة شهريًا، تفرغ نحو 700 ألف طن، وتشحن نحو 70 ألف طن، فيما يقدر متوسط عدد المستوعبات المفرغة بنحو 23 ألف مستوعب شهريًا، وعندما نعلم أن مرفأ بيروت يتعامل مع 300 مرفأ عالمي، ويقدر عدد السفن التي ترسو فيه بـ 3100 سفينة سنويًا، عند ذاك ندرك حجم الكارثة الاقتصادية التي ألمت بهذا البلد الذي يستهلك كل شيء دون أن ينتج أي شيء. فضلاً عن أن المرفأ يعد واحدًا من أهم الممرات لعبور السفن بين الشرق والغرب، ويتمتع بميزة تجارية عالية، إذ كان في السبعينيات يعد أهم محطة للتجارة الدولية مع الدول العربية المحيطة. ويتعامل المرفأ مع 300 ميناء عالميًا، ويعد نقطة ترانزيت للعديد من الشحنات. وقبل كل ذلك يعتبر مرفأ بيروت الشريان الحيوي والممر الوحيد الذي يمتلكه لبنان لتنفيذ عمليات الاستيراد والتصدير. فنحو 80% من البضائع التي يستوردها لبنان والتي يصدّرها تمر عبره.

وعلى صعيد التداعيات السياسية لتفجير مرفأ بيروت، فالمسألة هنا تأخذ أكثر من بعد، فالتدمير الكلي والجزئي لأكثر من 300 منزل ومدرسة ومصنع ومحل تجاري ومقتل أكثر من 150 شخصًا وجرح أكثر من 6000 آخرين والبحث المستمر عن مفقودين على خلفية فساد وإهمال ومقامرة بمصير وطن، لا شك سيضاعف مئات آلاف اللبنانيين الناقمين على النظام السياسي القائم منذ الطائف، لكنه بالمقابل سيدفع مئات الآلاف الآخرين لحمل حقائبهم ومغادرة لبنان ولو إلى الجحيم، مع ما يحمل ذلك من مخاطر كبرى. فالتفجير في جزء منه يحمل معنى التهجير القسري والضمني، في مشهد يذكرنا هذه المرة بموجات الهجرة الأولى التي شهدها لبنان الصغير في منتصف القرن التاسع عشر عندما كان لبنان جزءًا من السلطنة العثمانية، ففي ذلك الزمن البعيد تشكلت موجات الهجرة بشكل خاص من المسيحيين الذين ذاقوا مرارة التهميش و"التآمر" العثماني فهل يعيد التاريخ نفسه اليوم، فيتغير الفاعل فقط دون أن يتغير المفعول به؟ وإننا اذ نقول هذا الكلام، فذلك لأن التفجير ضرب المنطقة الشرقية من بيروت، حيث الغالبية المسيحية تقطن. وهذا الذي لم يحرك فيه قادة المسيحيين في لبنان ساكنًا بعد، ربما لأن المدعي تمثيل غالبيتهم هو ولي غير فقيه لعهد لم يرى اللبنانيون عمومًا والمسيحيون خصوصًا نظيرًا له في ثابتتي الفشل والخطر. لذلك إن الدعوات المتكررة من داخل لبنان وخارجه إلى انتخابات مبكرة وفق قانون انتخابي عادل ويعكس التمثيل الحقيقي تصب في هذا الاتجاه، فخسارة التيار السياسي التابع لرئيس الجمهورية والذي يتزعمه صهره جبران باسيل الذي قضى على كل أمل بمعالجة الفساد الأكبر في لبنان نتيجة أنفاسه العنصرية واضغاثه السلطوية، لأكثر من نصف شعبيته بات أمرًا مؤكدًا، فلسان حال مسيحيي بيروت يقول إن انفجار بيروت الشرقية هو تحالف العهد مع الضاحية الجنوبية.

لكن في المقابل، تتصدى الموضوعية لكل هذا المنطق لتجهر بالقول إن تفجير بيروت، رغم ضخامته ورائحة المؤامرة المعجونة بالفساد التي تنبعث منه، لكنه في نهاية المطاف لن يخرج عن مألوف ما عاشه اللبنانيون واعتادوا عليه. لا بل قد يكون فرصة لتكتلات سياسية أخرى في الداخل تستثمر فيه وتستقطب، لكنها تكتلات تتبع في سلوكياتها ومنهجها لنفس النسق القائم منذ ولادة الجمهورية الثانية. أضف إلى ذلك أن غالبية موصوفة من اللبنانيين لن تغير خياراتها أو بالأحرى تبعياتها السياسية لأسباب مذهبية وحزبية معروفة وواضحة، سيما أن أفكارًا مستوطنة في أدمغتها تشي بأن الخط السياسي الذي يمثلها مستهدف من "العدوين" الخارجي والداخلي. ما أريد أن أقوله في هذا الصدد هو أن النسق القائم في لبنان منذ ثلاثة عقود هو نسق قوي جدًا وقد أثبتت الأحداث أنه يشكل عمودًا فقريًا صلبًا لأي سلطة تحكم البلد، حتى وإن كان المكون الأساسي لهذا النسق خارج السلطة، فهو دائما في صلب الحكم ويسير قواعد اللعبة. والدليل على ذلك أن اللاعبين الدوليين والمؤثرين في معادلات الحكم في لبنان لم يستطيعوا أن يتجاوزوا هذا النسق في سياق دعواتهم للإصلاح وتشكيل حكومة جديدة على خلفية تفجير مرفأ بيروت. فاللاعب الفرنسي طالب بتشكيل حكومة وحدة وطنية شاملة لكل القوى السياسية، في حين أن اللاعب الأمريكي طالب بحكومة حياد وكفاءات. طبعًا تنطلق مطالب كل من اللاعبين من مصالح تخصهما لكنها في جميع الأحوال لا تخرج عن سياق سياسي ناتج بدوره عن قواعد اللعبة اللبنانية السائدة. لذلك وجدنا كيف أن الخارج سارع إلى اغتنام التفجير ليسجل نقاط سياسية وصلت أحيانًا إلى مرتبة الاستراتيجية. فحسابات أمريكا في لبنان تختلف عن حسابات فرنسا وحسابات الدولتين تختلف لا بل تتناقض مثلاً مع حسابات تركيا، وهذا الاختلاف الذي يمكن وصفه بالكبير في بعض أضلعه يعزز فرضية تشابك مصالح الخارج مع مصالح أفرقاء لبنانيين يجلسون على كرسي السلطة أو هم مشاركون فيها أو هم جزء منها. فإذا كانت مطالب واشنطن بحكومة حياد نابعة من رغبتها بتشكيل نظام جديد يفقد فيه حزب الله وحلفاؤه الأكثرية النيابية تمهيدًا للضغط عليه أكثر من خلال إمساكها بغالبية نيابية جديدة تعكس مشروعية مطلوبة، فمطالب فرنسا - التي كان رئيسها أول رئيس أجنبي يصل إلى العاصمة اللبنانية ومنطقتها الشرقية - بحكومة وحدة وطنية لا مانع من وجود حزب الله فيها نابعة من سعي فرنسا لتشكيل سلطة تكون من جهة معادية لتركيا (التي سارعت إلى إرسال مسؤولين كبار وعلى رأسهم نائب أردوغان فؤاد أقطاي ووزير الخارجية ليقفا على احتياجات لبنان وإلى الإعلان عن استعداد أنقرة لإعادة بناء المرفأ المدمر) أو بعيدة عنها وتكون من جهة ثانية متعاونة مع حزب الله الذي لا مانع لديه من التعاون مع فرنسا في حال أمنت له مصالحه، ففرنسا حتى اليوم لم تصنف حزب الله كمنظمة إرهابية بينما صنفته واشنطن منذ زمن.

إنه التدويل إذن، لكنه التدويل المختلف هذه المرة، فالذي وضع لبنان في ملعب الركلات الدولية هو حزب الله والعهد "القوي"، لذلك كانت الإدانة الشعبية والسياسية لهما هي الأقسى، اذ لطالما حملا على خصومهما في جماعات 14 آذار استجرار المواقف التي تقحم الدول الأخرى في الأحداث اللبنانية فإذا بهما مع تفجير ميناء بيروت يتسببان بأوسع رياح تدويلية للواقع الجديد ومن دون أي قدرة لديهما على تبرير السكوت عن التدويل الغازي. إنه التدويل الذي دفع بوزير خارجية إيران ظريف إلى الإكثار من التحذيرات من الوجود المتصاعد واللافت لبوارج حربية أوروبية وأمريكية في أحواض المرفأ المنكوب واعتبارها بمثابة "اعتداء على المقاومة". غير أن ظريف كان عليه أن ينتبه أن نصر الله سكت عن وجود البوارج الفرنسية ولم يشاطره هواجسه، فالحديث بين ماكرون ورئيس كتلة حزب الله في البرلمان اللبناني في قصر الصنوبر محمد رعد كان فيه بعض الحميمية.

ثالثًا-تداعيات التفجير على الوضع الأمني وحزب الله

في البحث عن انعكاسات وتداعيات التفجير اللغز، إن المقاربة العلمية تفرض الفرز بين لبنان ككيان وبين حزب الله كتنظيم. فأيًا يكن الفاعل، لا بل حتى لو كان الانفجار حصل نتيجة إهمال، فحزب الله سيعيد الكرة من جديد، وسيتعاطى مع التفجير كورقة يحدد زمان ومكان استخدامها، فقول السيد نصر الله أن البحث عن الفاعل في يد لجنة التحقيق التي شكلها رئيس الحكومة المستقيل حسان دياب وبأنه فيما لو خرجت هذه اللجنة بنتيجة أن إسرائيل تقف وراء الهجوم ستقوم "المقاومة" بالرد، هذا يعني أن حزب الله صادر مسبقًا نتائج عمل اللجنة ولن يكون باستطاعتها التقرير بعكس ما يريده الحزب القابض على كل تفصيل في لبنان. لكني أرى أيضًا ان في ربط النزاع الذي حبكه نصر الله نوعًا من الغزل المثلي والشاذ مع إسرائيل التي سارعت إلى نفض يدها من التفجير. فترك الباب مواربًا يشي بتوجيه رسالة من حزب الله إلى الأمريكي والإسرائيلي بأن تفاهما ما يمكن أن يحدث بيننا فلسنا حنبلين في العداء نحن، وإنما هناك مشروعًا كبيرًا تقوده طهران في المنطقة فتعالوا ونتفق ونقتسم النفوذ. المسألة مرتبطة إذن بمستقبل الصراع على المصالح وبمستقبل الصراع بين واشنطن وتل أبيب من جهة وبين إيران ووكيلها اللبناني من جهة ثانية.

وعلى جبهة فكرة "المقاومة"، فحزب الله ومنذ 2005م، عندما اتهم بجريمة قتل الرئيس رفيق الحريري وهو الاتهام الذي أكدته وحسمته ووثقته المحكمة الخاصة بلبنان بعدما أدانت أحد أكبر قياديي الحزب سليم عياش، مرورًا بجملة سياساته وتحالفاته في لبنان لتأمين غطاء لمشروعه تحت بند حماية "المقاومة" وانعكاساتها الكارثية على لبنان في الاقتصاد والسياسة والتي جاء الكثير منها على حساب حليفه الشيعي حركة أمل التي لا يطيق رئيسها نبيه بري وجود التيار العوني في السلطة، ودخولاً إلى الميدان السوري تحت يافطة المقاومة الاستباقية ضد الإرهاب، وصولاً الى الأزمة الاقتصادية الخانقة التي يعيشها لبنان والتي يتحمل الحزب الجزء الأكبر من مسؤوليتها وهذا لسان حال السواد الأعظم من اللبنانيين، وتتويجًا بتفجير مرفأ بيروت، هذا الحزب بات مفتقرًا لمنطق سياسي واجتماعي وأخلاقي متين يقنع حتى مناصريه ليس بجدوى المقاومة والممانعة فحسب، وإنما بماهية المقاومة ومفهومها وتحديدها ونبلها كفكرة يجب أن تكون جامعة لا مفرقة. نعم، لم يستطع حزب الله أن يقنع اللبنانيين بتعريفه للمقاومة، فالمقاومة التي هي للدفاع عن وطن باتت وكالة حصرية لتنظيم لم يكن موجودًا يوم دافع السُنّة مع الفلسطينيين عن لبنان وفلسطين وفق رأي لبناني من طرابلس استفزته رجولته وعروبته، وأضحت ويلاً على الوطن كما يردد مسيحي في بيروت فقد والده أو منزله أو ابنه. والحقيقة هي أن افتقار حزب الله لمنطق يحسم ثابتة "المقاومة" يجد سببه في أن المقاومة المدعاة ليست مقاومة وإنما تنظيم عسكري يعمل بشعار غير صحيح ومسروق لتحقيق برنامج عمل إقليمي.

رابعًا-مساعدة لبنان من الدول الصديقة والشقيقة

كانت شظايا التفجير لم تزل تتناثر حينما هبت الدول الصديقة والشقيقة لمد يد المساعدة الإنسانية لبيروت المنكوبة. وهذا عرف دولي في العلاقات الدولية، فحتى الدول العربية الشقيقة للبنان والتي اعتمدت سياسة الابتعاد عن لبنان وجمدت مصالحها فيه وجدناها كيف سارعت للوقوف إلى جانب الشعب اللبناني فتطابق القول مع الفعل عندما وصلت أطنان المساعدات الإغاثية والصحية والطبية والغذائية إلى مطار بيروت عبر أسراب من الطائرات المجيشة لغرض المساعدة. فالمملكة العربية السعودية والكويت بنتا جسورًا جوية لكن دولاً أخرى قدمت لمساعداتها بزيارات خاطفة وسريعة وأتبعتها ببوارج وسفن حربية.

وبالرغم من ضخامة المساعدات المقدمة خصوصًا من الدول العربية، غير أنها عادت لتطرح على بساط السياسة سؤالاً: هل ستقوم الدول العربية، لا سيما الفاعلة والمؤثرة في لبنان، باستئناف دعمها للبنان لينهض من مستنقع أزماته الاقتصادية ويقف على قدميه، كما كانت تفعل كلما أُوقع لبنان في ورطة؟

مما لا شك فيه أن العمل الإنساني لا يمكن أن يشكل مؤشرًا إيجابيًا في الإجابة عن السؤال، فالواقع السياسي الذي أبعد أشقاء لبنان عنه لم يزل قائمًا وسائدًا لا بل إن ملابسات انفجار ميناء بيروت ضاعفت من المخاوف والهواجس عندهم. فأيًا يكن السبب الواقف خلف الانفجار، وحتى لو كان مجرد إهمال وعدم اكتراث من السلطات اللبنانية، فارتهان لبنان لمشروع يقف على طرفي نقيض بين مصلحة لبنان العليا من جهة ويشكل في نفس الوقت رأس جسر يهدد دولا عربية من جهة أخرى، يؤكد بواعث الحذر. خصوصًا أن لاعبين إقليميين جددًا قد دخلوا على مسرح الأحداث في لبنان ليضعوا موطئ قدم على أرض تهادن إسرائيل لأجل إيران وتلعب بالنار مع إسرائيل لمصلحة إيران، وهؤلاء الجدد ومنهم تركيا الباحثة بجدية عن نفوذ قوي في شرق المتوسط والمستعدة لأجل ذلك دفع المقابل، يحاولون اكتساب اوراق تجارية وسياسية من التناقضات المسيطرة على الوضع اللبناني، ولكأني بالدول العربية تريد القول: طالما أن لبنان ليس للبنانيين وليس حليفًا بوجه الفرس والترك فلماذا أنقذه؟

هنا تتضاعف التداعيات، وذلك لأن اللاعبين الإقليميين من غير العرب، سوف يدعمون أطرافًا بعينهم ولا يدعمون لبنان كوطن عربي عضو في جامعة الدول العربية وملتزم بمواثيقها.

ويبقى السؤال: أي مستقبل ينتظر لبنان، وإلى أين ستقذف به رياح الأزمات الداخلية وأمواج المشاريع الإقليمية والدولية؟

مقالات لنفس الكاتب