;
الرئيسية / "السياسة الأردوغانية ": الطموح لدولة عظمى تحرك الأحداث في المنطقة"

"السياسة الأردوغانية ": الطموح لدولة عظمى تحرك الأحداث في المنطقة"

الإثنين، 28 أيلول/سبتمبر 2020

نهجت حكومة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان سلوك "عسكرة" السياسة الخارجية، حيث عملت على التمدد العسكري في الدوائر البعيدة التي تتجاوز الإقليم التركي التقليدي لتركيا الحديثة، على عكس ما كان متبعًا من قبل فى سياسة التسلل الناعم في الجمهوريات السوفيتية السابقة المتاخمة لها والتي يتواجد بها مكونات تركمانية، فتواجدت في الصومال عسكريًا حيث منطقة القرن الإفريقي ذات الأهمية الاستراتيجية، وبعدها انتقلت إلى اختراق دوائر مختلفة فى إقليم الشرق الأوسط، فى مناطق الصراعات والأزمات مثل سوريا والعراق ، ثم الدائرة الخليجية عبر قطر ، والدائرة الإفريقية في ليبيا ومالي.
وتعكس خريطة جغرافيا الانتشار والنفوذ التركي في الإقليم، التحول في اتجاه معاكس من الإتجاه الأوروبي بعد فشل محاولات الحصول على عضوية كاملة فى الإتحاد الأوروبي ، إلى الاتجاه نحو الشرق الأوسط وشرق المتوسط والساحل والعمق الإفريقي، ويعكس هذا النهج ، عدة احتمالات، منها أن مخاوف أوروبا فى استيعاب تركيا الأردوغانية فى الاتحاد تأكدت في ظل اتجاه العسكرة التي انتهجها لاحقًا فى الدوائر غير الأوروبية، إلى أن بدأ التوتر يقترب من الدائرة الأوروبية فى شوق المتوسط، مع قبرص ثم اليونان مؤخرًا ، إضافة إلى مواقف أنقرة من ملفات مقلقة لأوروبا، منها تبعات السياسية التركية فى سوريا وليبيا لاسيما ملفات الإرهاب واللاجئين والأكراد والتسلح. فضلاً عن تداعيات العلاقات التركية – الروسية سواء على سياسات الاتحاد أو في إطار حلف الناتو.
وفى هذا السياق؛ يمكن القول إنه بعد قرن تقريبًا من سقوط الدولة العثمانية، تعيد السياسات الأردوغانية هواجس أوروبا والقوي الإقليمية العربية فى الشرق الأوسط تجاه الميراث العثماني " الغازى "، أو ما بات يعرف في بعض الأدبيات السياسية بـ "العثمانية الجديدة "، ومن أبرز ما يطرح فى هذا السياق تحديدًا مشروع "الوطن الأزرق" والذي يتلخص في الهيمنة على البحار والمضايق في المنطقة وجوارها، وتحديدًا يتضمن السيطرة التركية فى ثلاثة بحار رئيسية هي البحر المتوسط (شرق المتوسط)، البحر الأسود، بحر إيجة. إضافة إلى تواجد في الخليج العربي والبحر الأحمر (القرن الإفريقي ومحاولة التواجد فى سواحل السودان)، وطرحت بعض الأدبيات التركية التي خرجت عن العدالة والتنمية في بداية وصولها للسلطة ما يُسمى بالبحار الخمس.
"أردوغان" مشروع ماضوي
وفي هذا الإطار ، لابد من إدراك طبيعة السمات الشخصية والمكون النفسي لدى الرئيس التركي لفهم دوافع وأسباب تحركاته الخارجية في أغلب الملفات، إذ لا يمكن فصل تحركات تركيا في عدد من الساحات الإقليمية وتشابكها في مختلف الملفات عن البعد الأيديولوجي، خاصة رغبة "أردوغان" لاستعادة الإمبراطورية العثمانية وبصفة أساسية في الدول التي كانت جزءًا من الدولة العثمانية وعلى الرغم من نجاح " أردوغان" في تسويق هذا الخطاب وتوظيفه في الداخل لكسب تعاطف وتأييد التيارات المحافظة، إلا أن اتباع هذا النهج في الخارج رتب الكثير من التوترات مع عدد من القوى الدولية والإقليمية.
دائرة شرق المتوسط: الدوافع والمحركات
ديناميكيات التوتر: السؤال الذي يطرح نفسه الآن، لماذا تصاعد التوتر والاضطراب في شرق المتوسط بصورة كبيرة؟ والإجابة عليه تتطلب مراجعة الاستراتيجية التركية منذ وصول حزب العدالة والتنمية وتصدر "أردوغان" للمشهد السياسي سواء رئيس وزراء أو رئيس دولة ومشروعه لإعادة إحياء الإمبراطورية العثمانية بصورة كبيرة. وهنا لابد من الرجوع إلى محددات هذا الدور التركي والذي انطلق من خلال الوثائق التي طرحها منظروه منذ عام 2001 م، قبل وصول الحزب الحاكم للسلطة عام 2002م، وكان " أحمد داوود أوغلو" رئيس الحزب ووزير الخارجية ورئيس الوزراء الذي أقاله "أردوغان" في إطار التنافس الشخصي على السلطة قد يرتكز على عدد من المفاهيم الرئيسية الأول: العمق الاستراتيجي، والذي تلخص بوضوح في محاولة توظيف الموروث الثقافي والجغرافي والسياسي لتركيا لإعادة إحياء دورها في الإقليم والعالم والانتقال من الدور الهامشي إلى دور المحرك للأحداث. ولا شك أن متابعة ما يجرب من ممارسات تركيا سواء داخل المتوسط أو الدول العربية المتشاطئة وكذلك الدوائر الغربية منها سيكشف عن أن هذا المفهوم لا يزال يمثل الإطار الحاكم والهدف الاستراتيجي للسياسة التركية بصفة عامة ويهمنا هنا التأكيد على أن معظم القوى السياسية المتنافسة في تركيا تجعل من ذلك هدفًا أعلى بالنسبة لها.
تبرر أنقرة تحركاتها في شرق المتوسط بالحاجة إلى الطاقة بهدف تأمين احتياجاتها خاصة وأن مخصصات الطاقة تمثل عبئًا كبيرًا على الاقتصاد التركي، إذ بلغت فاتورة استيراد تركيا من الطاقة نحو 185 مليار دولار في الأعوام الخمس الماضية. وهو ما الإشارة إليه في الشكل التالي

في الوقت ذاته عملت تركيا على توظيف موقعها الجيوسياسي في أن تصبح مركزًا إقليميًا لنقل الطاقة إلى أوروبا بما يكفل لها الاحتفاظ بأوراق ضغط يمكن مساومة الدول الأوروبية أصحاب المصالح بهدف إعادة النظر في محورية الدور التركي على أمل الموافقة على انضمامها للاتحاد الأوروبي، فضلًا عن تحقيق منافع اقتصادية عبر عوائد عملية نقل الغاز إلى أوروبا وهو ما يعظم من الأهمية الجيوسياسية لتركيا. إلا أن هذا الطموح تعرض لعدد من القوى المنافسة من بينها قدرة مصر على القيام بهذا الدور خاصة في ظل اكتشاف حقل ظهر فضلًا عما تتمتع به مصر من بنية تحتية تؤهلها لتسييل الغاز ومن ثم تسويقه لأوروبا. وقد جاء الاتفاق المصري القبرصي عام 2018م، بهدف تسييل الغاز القبرصي في مصر ومن ثم نقله للأسواق الأوروبية، واتفاق مماثل بين إسرائيل ومصر ليزيد من حجم التحديات والعراقيل التي تحول دون تحقيق الطموح التركي في أن تصبح حلقة الوصل وبوابة عبور الغاز الطبيعي الأساسية إلى أوروبا.
كما لا يمكن تجاهل محاولات تركيا تجاوز العزلة التي فرضت عليها في المتوسط، إذ تعاني أنقرة من عزلة شديدة بفعل الترتيبات والتفاعلات التي تتم في منطقة المتوسط، إذ تقف تركيا في المتوسط بلا حلفاء باستثناء قبرص الشمالية، وقد ساهم تدشين منتدى غاز شرق المتوسط 2019م، وتوقيع اتفاقيات ترسيم الحدود بين عدد من دول المنطقة، وتشكيل عدد من التحالفات بين الدول أصحاب المصالح في إقصاء تركيا من المعادلة وإبعادها عن التأثير. وبالتالي فإن التحركات التركية تستهدف إثبات الحضور والتأكيد على امتلاك أدوات تأثير، بجانب العمل على تأمين حضورها في أية ترتيبات قادمة لهيكلة التوازنات الإقليمية.

على صعيد متصل تعمل تركيا على استعراض قوتها العسكرية وإثبات أنها رقم مهم في معادلة شرق المتوسط، كما تستهدف اختبار صناعتها العسكرية المحلية خاصة في ظل مساعيها لوقف استيراد المنتجات الدفاعية بحلول 2023م، ووفقًا لهذه الرؤية يمكن فهم مواصلة تركيا لتوظيف الأداة العسكرية في سياستها الخارجية، إلا أن هذا النهج قد وضع تركيا في صدام مباشر مع عدد من القوى وزاد من حدة التوتر في علاقاتها بدول الجوار في المنطقة.
الجوار المتوسطي: انخراط خشن
تكشف ممارسات تركيا عن مسارات محددة تحكم حركتها من أهمها ما يلي:
محاولة تجاوز الاتفاقيات الدولية، حيث أعلنت رفضها كافة الاتفاقيات الدولية التي وقعتها دول المنطقة رغم أنها تمت وفقًا للقانون الدولي للبحار. ففي فبراير 2018م، أعتبر وزير خارجية تركيا " جاويش أوغلو" أن اتفاق ترسيم الحدود بين مصر وقبرص لا يحمل أية صفة قانونية، كما أبدت تركيا اعتراضها على اتفاقية ترسيم الحدود بين إسرائيل وقبرص والتي أقرها الجانبان عام 2010م، وقد أعربت تركيا عن رفضها توقيع اتفاق ترسيم الحدود بين اليونان وإيطاليا (يونيو 2020م) وكذلك اتفاق ترسيم الحدود بين مصر واليونان (أغسطس 2020م)، حيث إن هذه الاتفاقيات تزيد من عزلة تركيا وتحد من تطلعاتها.


كما عملت تركيا على فرض أمر واقع عبر استمرار أعمال التنقيب عن الغاز الطبيعي في منطقة المتوسط على فرض أمر واقع يشرعن من وجودها ولتحقيق ذلك قامت بتوقيع اتفاقية لترسيم الحدود البحرية مع رئيس حكومة الوفاق فايز السراج ( نوفمبر2019م)، في تجاهل واضح لحقوق جزيرة كريت اليونانية وذلك وفقًا لتفسيرات تركيا بشأن عدم تمتع الجزر بجرف قاري وهو ما يخالف نصوص القانون الدولي للبحار، وفي إجراء مماثل نشرت الخارجية التركية (يونيو2020م) خريطة تظهر الحقول الجديدة التي تستهدف تركيا التنقيب فيها عن الغاز الطبيعي، وهو ما يُشير إلى تطلعات تركيا لفرض وجودها عبر الأمر الواقع، خاصة أن الحقول التي تضمنتها الخريطة لا تقع ضمن السيادة البحرية لتركيا.
ولم تكتف تركيا بهذا الحد بل عملت على عسكرة كافة التفاعلات في المنطقة وذلك من خلال إجراء المناورات العسكرية المتتالية بمشاركة كافة أسلحة قواتها البحرية وفي مناطق متعددة في المتوسط، في الوقت ذاته، ارتكزت مجمل التحركات التركية في المتوسط على نمطين متضاربين. تميل أحيانًا إلى انتهاج مسارًا تصعيديًا في حين تدور في بعض الأوقات حول مسارات المهادنة والتهدئة، ويبدو أن هذا النمط جزء من مناورات تركيا المعتادة في عدد من الملفات. حيث يمكن رصد مجموعة من الاتجاهات داخل دائرة صناعة القرار في تركيا تدعو للحوار والتفاوض على غرار ما أعلنه الرئيس التركي (10 أغسطس) فيما يتعلق بأن الحوار في السبيل نحو تهدئة الأوضاع وتجنب التصعيد، كما مثل قيام تركيا بسحب سفينة الأبحاث (19 سبتمبر) وعودتها إلى ميناء أنطاليا التركي للمرة الأولى منذ أسابيع خطوة إيجابية في هذا النهج الرامي إلى التهدئة.
ما بين الخطاب والأداء: سياسات متناقضة
على الرغم من ذلك إلا أن سلوكيات وتحركات تركيا في مجملها تتناقض مع هذا النمط، خاصة في ظل نمط العسكرة وإرسال سفن حربية لمتابعة أعمال التنقيب فضلًا عن إجراء عدد من المناورات العسكرية. يضاف إلى ذلك إصرار تركيا على استكمال مشروع الوطن الأزرق. وهذا النمط الذي يتأرجح بين التصعيد والتهدئة يتطابق بصورة كبيرة مع نهج تركيا الحالي في سوريا وليبيا –على وجه الخصوص-باعتبارها تتقاطع مع تفاعلات شرق المتوسط، فعلى الرغم من حالة الهدوء والتراجع عن التصعيد إلا أنها مستمرة في نقل ودعم المرتزقة، كما تعمل على صياغة ترتيبات ميدانية وأمنية جديدة عبر التنسيق الثلاثي بين قطر وتركيا وحكومة الوفاق، فضلًا عن تحويل ميناء مصراتة لقاعدة بحرية ونقل منظومة دفاع جديدة إلى قاعدة الوطية. ويبدو أن مسار التهدئة قد يتصاعد الحديث عنه والترويج له من قبل تركيا في الفترات القادمة خشية المواجهة الأوروبية والعقوبات المحتملة نهاية سبتمبر الجاري.
تحالفات مضادة: تقويض الطموحات التركية
ومن الضروري الإشارة هنا أن البعد الجيو-اقتصادي قد تصاعد بصورة كبيرة ارتباطًا بما جرى من عمليات ترسيم الحدود البحرية التي حددت المناطق الاقتصادية الخالصة خاصة بين كل من مصر وقبرص واليونان وإسرائيل وقبرص وإيطاليا واليونان والتي تحظر على أطراف أخرى عمليات الاستكشاف أو الدخول إلى المناطق التي تم ترسيمها، وكذلك عقد تركيا وحكومة الوفاق في ليبيا التي لا تملك حق توقيع الاتفاق على ترسيم المياه البحرية بين الطرفين بتجاهل الجزر اليونانية ولا يحترم معايير القانون الدولي بهذا الخصوص. الأمر الذي زاد من حدة الاحتقان والتوتر وقادت تركيا هذا التوتر بصورة كبيرة ونقلت مستوى التنافس والتحدي إلى المستوى العسكري فزادت عمليات عسكرة شرق المتوسط وأجرت تركيا مناورات عسكرية متعددة هددت بها كل من قبرص واليونان وحاولت المساس بالأمن القومي المصري سواء من داخل ليبيا أو قرب المنطقة الاقتصادية، وردت عليها اليونان بمناورات متعددة الأطراف شاركت فيها فرنسا بقوة وتصاعد الدور الفرنسي بصورة كبيرة سواء عسكريًا أو سياسيًا، الأمر الذي دفع أطراف أخرى معينة بعدما وصل الأمر للمواجهة الحادة للدخول في العملية خاصة الولايات المتحدة الأمريكية التي بدأت تتحفظ على الدور التركي بعد فترة كبيرة من المهادنة والتواطؤ. ونجحت فرنسا في تعبئة دول جنوب المتوسط لمساعدة اليونان وكبح جماح الاندفاع التركي، كما نجح الخط الأحمر الذي أعلنه السيسي في تحجيم التحرك التركي في ليبيا ومحاصرته سواء داخل ليبيا أو الانتشار العسكري البحري التركي انطلاقًا من السواحل الليبية.
هكذا نرى أن طموحات الرئيس التركي والتي صاغها استراتيجية لحزبه الحاكم في نقل تركيا من دولة إقليمية إلى دولة عظمى محركة للأحداث واستخدم نظريات تبرر مسارات حركته وبدلها من مرحلة إلى أخرى واستخدم أدوات تتجاوز القانون الدولي والأعراف الدولية وانصهر بهذه الاستراتيجية في استراتيجية التنظيم الدولي للإخوان المسلمين ليغلف مشروعه العثماني بمشروع التنظيم الإسلامي ومحاولة العزف على مشاعر المسلمين على اتساع العالم. إلا أن ما أثارته التحركات التركية فى مجملها من توترات إقليمية ودولية قد بدأت ترتب ضغوطًا على السياسة التركية ومناكفاتها خاصة في شرق المتوسط وهيأت مناخًا مواتيًا لتحالفات مضادة من المرجح أن تؤدي إلى محاصرة الانتشار التركي وتضبط الطموحات والممارسات التركية خلال الفترة المقبلة.
مسار متراجع:
في المحصلة الأخيرة يمكن القول إن المشروع الأردوغاني يتنامى في المناطق الرخوة، ويتمدد في الفراغ فأغلبها في مناطق الصراعات، حيث انهيار السلطة المركزية القوية كما في حالة ليبيا، أو تفتت الدولة كما في حالة الصومال، أو هشاشة الدولة بشكل عام كما في سوريا وإلى حدما العراق، وبالتبعية يعول على أدوات تلعب دورًا في تلك المساحات، وربما نقل خبرة "الوكلاء" من إيران، فيعتمد على أدوات مثل (تنظيم الإخوان، مليشيات مؤدلجة أو مستأجرة، مرتزقة )..إلخ لكن حينما يقترب من دوائر القوة يتراجع، كما فى حالة اليونان التي شهدت تكتل مضاد لتلك السياسيات، سرعان ما جعل أردوغان يتراجع تحت الضغط ويعيد حسابات الانخراط مرة أخرى.

 

مقالات لنفس الكاتب