التحدي في ليبيا مرهون بالتفاعل التركي ـ الروسي والصدام مع أوروبا

الإثنين، 28 أيلول/سبتمبر 2020

 بدأ النزاع الليبي في سنة 2011م، بأبعاد دولية، فرنسية-أطلسية، رافعة شعار حماية الشعب الليبي وتصدير الديمقراطية، للتوسع أطرافها إلى الدولتين الأوراسيتين، تركيا وروسيا، ذات الطموح التوسعي في منطقة الهلال الحدي لأوراسيا التي زادت من تعميق درجة وحدة النزاع الذي أخذ أبعادًا جيوساسية دولية، ولاستشراف مستقبل النزاع الليبي نتساءل عن دور دول الجوار المباشر، لاسيما الجزائر، تونس ومصر في ظل هذا النزاع الجيوسياسي الدولي، ما تكسبه من نقاط القوة لدفع العملية السياسية السلمية والعقبات التي تقف في فرض مسارات التسوية المتعثرة لما يقارب العشر سنوات من عمر النزاع.

أولاً: طبيعة الصراع الدولي في ليبيا

شبهت افتتاحية يومية لوموند الفرنسية الصادرة في 12 يونيو 2020م، المشهد الليبي بالنموذج السوري حيث أضحت ليبيا تحت الوصاية الروسية-التركية، الدولتان الأوراسيتان اللتان اتفقتا على تقسيم النفوذ في المجالات الحيوية الليبية كما تم تقاسم النفوذ في الأراضي السورية. وهذا التشبيه يعكس واقع الإدراك الفرنسي الرسمي، حيث استخدم وزير الخارجية الفرنسي، جون إيف لودريان، صيغة "سورنة" ليبيا، التي أضحت منقسمة بين النفوذ الروسي-التركي الذي أحبط كل فرص الوساطة الدولية والإقليمية التي حاولت وضع مسارات لبناء التسوية السلمية بكل صيغها، من مؤتمر برلين إلى مبادرة القاهرة.

يتضح مشهد "سورنة" ليبيا في تحالف فايز السراج مع نظام رجب طيب أردوغان، من خلال التوقيع على اتفاقيتين عسكرية وبحرية، تحصلت بموجبها حكومة الوفاق الليبي على ترسانة عسكرية ودعم ما يقارب 7000 مقاتل من الميليشيات السورية التابعة لتركيا في منطقة إدلب. في الوقت الذي تلقى المشير حفتر، دعمًا روسيًا غير رسمي من قبل جماعة فاغنر يفوق عددهم الألف مقاتل. وعلقت الافتتاحية الفرنسية على هذا الوضع، بأنه يمثل تهديدًا للاتحاد الأوروبي ولاسيما فرنسا التي كانت صاحبة المبادرة بالإطاحة بنظام القذافي في فترة الرئيس نيكولا ساركوزي، فالتواجد التركي في ليبيا يشكل ضغطًا استراتيجيًا وسياسيًا على أوروبا في ملفين أساسيين، ملف النزاع الطاقوي في شرق المتوسط في صراع الإرادات القائم بين تركيا واليونان وقبرص، وملف استغلال اللاجئين والهجرة غير الشرعية من المياه الإقليمية الليبية باتجاه دول جنوب المتوسط، واستخدامها كورقة ضغط في المساومات التركية.

شكلت اللعبة الجيوسياسية الروسية-التركية في سرت والجفرة، المدينتين الليبيتين الاستراتيجيتين، نموذجًا لتقاسم المصالح بين الدولتين، عبر فتح المفاوضات العسكرية المباشرة من أجل وقف إطلاق النار بين طرفي النزاع في ليبيا، حيث تراهن تركيا على قاعدة الوطية العسكرية الاستراتيجية ومطار معيتيقة في طرابلس، التي قد تحولها إلى قاعدة عسكرية تركية، في الوقت الذي تراهن روسيا على الجفرة وسرت لتواجدها العسكري، وهي الخطوط الحمراء التي سطرتها روسيا لحكومة الوفاق الوطني عبر الوصي التركي، بحيث فرضت منطقة ممنوعة على التحركات العسكرية لقوات الوفاق المدعومة تركيًا بمسافة 60 كلم باتجاه سرت و80 كلم باتجاه جنوب الجفرة، رافضة بذلك المقترح التركي الذي يقترح العودة إلى الوضع الذي كان قائما قبل 2015م، أي بانسحاب قوات خليفة حفتر إلى غاية بنغازي. لأن الحسابات الروسية من وقف إطلاق النار واحترام الخطوط الحمراء في سرت والجفرة والهلال النفطي، فضلاً عن الحفاظ على مستقبل تواجدها في المياه الدافئة من شرق المتوسط إلى غربه، تهدف إلى أن تكون القوة الطاقوية المهيمنة على السوق الأوروبية، حيث تشكل ليبيا مكانة محورية في الاستراتيجية الطاقوية الروسية، قبل الإطاحة بنظام القذافي اشترت غازبروم نصف حصة شركة إيني الإيطالية التي تصل إلى 66 بالمائة في الحقل النفطي الليبي الفيل، مقابل مشاركة إيني في تطوير الموارد الطاقوية في سيبريا. والهدف الروسي من ذلك أن تكون القوة الطاقوية الفاعلة في شبكات تمويل أوروبا. كما عقدت الشركة الروسية "روس-نفط" اتفاقية شراكة مع الشركة الوطنية الليبية للنفط في سنة 2017م، بهدف السيطرة على تموين الدول الأوروبية جنوب المتوسط مثلما تراقب الأمن الطاقوي في شمال ووسط أوروبا عبر أنبوب السيل الشمالي الذي يمد ألمانيا بالغاز الروسي. وتعد هذه الحسابات الطاقوية الروسية نقطة الصدام الجيوسياسي بين موسكو وأنقرة، تترجمها صراع الإرادات بين البلدين في المثلث الاستراتيجي الليبي، سرت، الجفرة والهلال النفطي، كما اتضح ذلك في الميدان في نهاية يونيو 2020م، عندما تموقعت جماعة فاغنر الروسية حول حقل شرارة النفطي، الذي يعد من أهم الحقول النفطية في ليبيا، بقدرة إنتاجية تصل إلى 300 ألف برميل في اليوم. وإجمالا، فإن الأهداف الروسية في ليبيا تتمثل أساسًا في استعادة نفوذها الذي فقدته في شمال إفريقيا بعد سقوط نظام القذافي في سنة 2011م، حيث عارضت التدخل العسكري الأوروبي لكي تحافظ على استثماراتها التي وصلت إلى أربعة مليارات دولار مع عقود طاقوية مغرية إلى جانب عقود للتسلح تعود إلى فترة الحرب الباردة، وصفقات للتسلح مبرمة قبل الإطاحة بالقذافي بلغت إلى 4.5 مليار دولار، مع وعود بإقامة قاعدة عسكرية بحرية روسية ببنغازي كما أقامتها في طرطوس بالمياه الإقليمية السورية.

لا يمكن أن نفهم الموقفين الروسي-التركي في ليبيا بدون تحليل مصالحهما العليا المشتركة القائمة أصلاً بين قيصر روسيا و"الخليفة العثماني الجديد" على الأمن الطاقوي والأمن العسكري، ففي بداية يناير 2020م، دشنت تركيا أنبوب الغاز الروسي-التركي الذي يمد أوروبا بــ 31 مليار متر مكعب من الغاز، نصفه تستفيد منه تركيا، وفي الفترة ذاتها تم الإعلان المشترك بين البلدين عن توافقهما تجاه النزاع الليبي بالدعوة لوقف إطلاق النار بعد 48 ساعة من تدشين السيل التركي. أما فيما يخص الأمن العسكري المتبادل، فإن شراء تركيا للصواريخ الروسية المضادة للطيران أس.400، بقيمة 2.5 مليار دولار شكل تحديًا تركيًا للحلف الأطلسي، الذي اعتبرته واشنطن تهديدًا للقدرات القتالية الأطلسية بسبب احتمال تفكيك شفرة الأسرار التكنولوجية لطائراتها العسكرية من قبل رادارات الصواريخ الروسية، مما جعل القيادة الأمريكية والأطلسية تهدد بوقف تزويد تركيا بطائرات أ.ف 35، كما طالب أعضاء الكونغرس الأمريكي بفرض العقوبات على تركيا، كما جاء في البيان المشترك لعضوي الكونغرس، إليون أنجل وميكائيل ماك.فول :" لا يمكن فهم لجوء شريك للحلف الأطلسي بالتحالف مع روسيا وفلاديمير بوتين على حساب الحلف الأطلسي والتعاون الوثيق مع الولايات المتحدة الأمريكية".

وهنا، نتساءل عن الموقف الأمريكي-الأوروبي من هذه الوصاية التركية-الروسية في ليبيا؟ وما هي الاستراتيجية المنتهجة تجاه دولتين أوراسياتين ذات طموح توسعي متعطشتين للمياه الدافئة والطاقة من شرق المتوسط إلى غربه؟

ثانيًا: الموقف الأمريكي: إدارة النزاع من الخلف وسياسة الاحتواء المزدوج.

عادت واشنطن للاهتمام أكثر بالنزاع الليبي بعد الصدمة النفسية التي سببها الهجوم الإرهابي على القنصلية الأمريكية في بنغازي التي أدت إلى مقتل السفير الأمريكي، كريستوفر ستفنز، بتاريخ 11 سبتمبر  2012م، ودوافع هذا الاهتمام تزايد النفوذ الروسي-التركي في ليبيا الذي أقلق الإدارة الأمريكية، وقد عبر عن هذا القلق البنتاغون الذي نشر صورًا للأقمار الصناعية في نهاية يونيو 2020م، تظهر التجهيزات العسكرية التي قدمتها جماعة فاغنر الروسية على خط تماس النزاع في منطقة سرت الليبية، وحسب بعض التقارير الأمنية الأمريكية، فإن الصور توضح طائرات الشحن الروسية مثل إل-76 س، الطائرات المقاتلة، الشاحنات المضادة للطيران أس.أي-22 وكذا السيارات المصفحة المضادة للقنابل بمنطقة سرت وبالقاعدة الجوية الخذيم في شرق ليبيا. كما أكد الجنرال برادفورد غرينغ، قائد العمليات للقيادة الأمريكية في إفريقيا، بأن روسيا تقوم بتعزيز تواجدها العسكري في ليبيا من أجل توازن القوى مع تركيا وبسط نفوذها في المناطق الحيوية وبأن " حجم التجهيزات العسكرية الروسية يوحي بنية إقامة قدرات عسكرية دائمة بدعم من وزارة الدفاع الروسية". حاولت أطراف في حكومة الوفاق الوطني الليبي توظيف القلق الأمريكي من النفوذ الروسي في ليبيا من أجل المطالبة علانية بالتحالف مع الولايات المتحدة الأمريكية من خلال العرض عليها ببناء قاعدة عسكرية :" حكومة الوفاق الوطني الليبي لا تعارض إنشاء قاعدة عسكرية أمريكية في منطقتنا، لأنها ستستعمل في مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، لأن القاعدة العسكرية ستؤدي إلى الاستقرار"، هذا ما صرح به فتحي باشاغا، وزير الداخلية في حكومة الوفاق الليبي، وفي تسويقه لهذا العرض، أن الأهمية الجيوستراتيجية لليبيا بامتدادها على ساحل البحر المتوسط بطول 1900 كلم، وامتلاكها للثروات النفطية والموانئ تجعلها بوابة إفريقيا، ستؤدي إلى خدمة الاستراتيجية الأمريكية في إفريقيا التي حددت أولوياتها في مواجهة التهديد الروسي-الصيني في القارة. والملاحظ هنا، أن السياسة الأمريكية في ليبيا منذ الإطاحة بنظام القذافي بقيت في نفس الاتجاه، أن تدفع بالحلفاء للميدان للتصادم وهي تراقب وتنتظر اللحظة الاستراتيجية الحاسمة بعد إنهاك قدرات الكل بسياسة الاحتواء المزدوج، لا تريد لا منهزم ولا منتصر في الحرب الليبية، رافضة التواجد الروسي-التركي على حساب مصالحها الحيوية، بنفس السياسة التي انتهجتها في إطار التنافس الفرنسي-الإيطالي، وهذا ما جعلها في التدخل الأطلسي في ليبيا في سنة 2011م، تنتهج سياسة " القيادة من الخلف" محملة الأعباء المالية والعسكرية لفرنسا وبريطانيا، بعد تورطها في حربين مكلفتين في كل من أفغانستان والعراق. وربما هذا ما يفسر بعض الضبابية في الموقف الأمريكي تجاه طرفي النزاع الليبي داخليًا، بعدما أعطت الضوء الأخضر للمشير خليفة حفتر في هجومه على طرابلس في أبريل 2019م، من أجل محاربة الإرهاب، عادت لتلقي المدح على حكومة الوفاق، فحسب تقرير لنيويورك تايمز الأمريكية صدر في مايو 2019م، فإن مستشار الأمن القومي السابق، جون بولتون، قال لخليفة حفتر:" إذا أردت الهجوم على طرابلس، قم به الآن ولكن بأكثر سرعة" وقبل عشرة أيام من الهجوم العسكري على طرابلس، تلقى حفتر مكالمة من الرئيس دونالد ترامب، يشيد بمجهوداته في محاربة الإرهاب، وفق البيان الصادر عن البيت الأبيض، وزاد الموقف الأمريكي تناقضًا ما صرح به وزير الخارجية، مايك بومبيو، :" نحن ضد هذا الهجوم العسكري ونطالب بوقفه الفوري".

ثالثًا: الاتحاد الأوروبي... قزم سياسي وأمني

يستند الموقف الرسمي للمؤسسة الأوروبية في بروكسل تجاه النزاع في ليبيا على دعم خيار الحل السياسي في إطار مسار برلين تحت مظلة الأمم المتحدة، مطالبة بالوقف الفوري للقتال وعودة أطراف النزاع لطاولة المفاوضات. ويعكس هذا الموقف الأوروبي سلوك عواصم الدول الثلاثة الفاعلة، برلين، باريس وروما، التي أضحت تخضع لسياسة رد الفعل تجاه الوصاية الروسية-التركية في ليبيا، حيث عبر الإعلان المشترك للدول الثلاثة الصادر في 25 يونيو 2020م، عن هذا القلق الأمني الذي يهدد المصالح والنفوذ الأوروبي في جنوب المتوسط، مما جعلها تطالب باحترام قرار الأمم المتحدة فيما يخص الحظر الشامل على الأسلحة، ودعوة أطراف النزاع الليبية للوقف الفوري وبدون شروط للقتال، وإلغاء تعزيز الوسائل العسكرية القائمة في البلد.

لمواجهة التهديد التركي في ليبيا لجأ الاتحاد الأوروبي بتاريخ الأول من أبريل 2020م،إلى تفعيل العملية العسكرية البحرية "إيريني"، التي تعني باليونانية "السلام"، من أجل حظر الأسلحة على ليبيا من خلال مراقبة البحر المتوسط، خصوصًا تلك التي تصدرها تركيا لحكومة الوفاق الوطني، حيث مثلت حادثة محاولة مراقبة الباخرة التركية "سيركين" المشتبه فيها بنقل الأسلحة والمرتزقة لميناء مصراتة من قبل الفرقاطة الفرنسية الاختبار الواقعي للدور الأوروبي في النزاع الليبي، بسبب المعارضة العسكرية التركية عن طريق مرافقة فرقاطتين تركيتين لعملية المراقبة. وبتاريخ العاشر من شهر يونيو 2020م، حاولت الفرقاطة اليونانية "سبيتزاي" التي كانت تقوم بمهمة المراقبة في إطار العملية البحرية الأوروبية "إيريني" أن تفرض التفتيش على الباخرة التجارية التركية المشتبه فيها، لكن تدخلت البحرية العسكرية التركية رافضة التفتيش بحجة أن الباخرة التجارية تحمل معدات طبية وأنها تحت حمايتها العسكرية. ومثلت هاتان الحادثتان تحديًا كبيرًا للدور الاستراتيجي والعسكري الأوروبي في البحر المتوسط وقدرتها على تطبيق قرارات مجلس الأمن القاضية بحظر تصدير الأسلحة لليبيا. وهذا ما دفع بوزير الخارجية الفرنسي، جون إيف لودريان، بأن يطالب من الاتحاد الأوروبي بضرورة فتح نقاش عميق وبدون طابوهات أو سذاجة حول مستقبل العلاقات الأوروبية-التركية، وأن يدافع الأوروبيون عن مصالحهم الخاصة بالإمكانيات التي تملكها. بالرغم من أن تركيا تشكل ثاني أكبر جيش في الحلف الأطلسي، فإن سلوكها العسكري الانفرادي في شمال شرق سوريا، شرق المتوسط ونزاعها مع اليونان وقبرص وإمدادها العسكري لحكومة طرابلس، يعكس الانقسام الحاصل داخل الحلف الأطلسي بسبب سياسة "القيادة من الخلف" التي تنتهجها الولايات المتحدة الأمريكية، من جهة، وللضعف في آليات الأمن والدفاع الأوروبي التي تفتقد للديناميكية والفعالية بسبب تطلب إجماع الدول الأعضاء في كل القرارات الاستراتيجية، وهو ما حصل مع مالطا التي عطلت إطلاق عملية إريني إلا بعد التدخلات الأوروبية لوقف هذا التعطيل.

رابعًا: دور دول الجوار الليبي ومعوقات التسوية السياسية.

ترتبط دول الجوار الليبي لاسيما الجزائر، تونس ومصر بروابط تاريخية، اجتماعية قبلية وجغرافية بليبيا، وما يجري في الساحة الليبية ينعكس سلبًا على أمن هذه الدول، وهو ما تعبر عنه الدول الثلاث بصيغة:" أمن ليبيا من أمن أمننا القومي"، مع رسم الخطوط الحمراء التي لا يجب تجاوزها في النزاع الدولي في ليبيا، حيث هددت مصر بالخيار العسكري في حالة تجاوز قوات الوفاق الليبية المدعومة من تركيا، خط "سرت-الجفرة"، الذي اعتبرته مصر تهديدًا لأمنها القومي، ولقي هذا القرار دعمًا دستوريًا من قبل مجلس الدفاع الوطني ومجلس النواب المصريين مع تأييد بعض القبائل الليبية التي اجتمعت مع الرئيس عبد الفتاح السيسي، تطالبه بتدخل مصر عسكريًا لوقف التمدد التركي في المناطق الحيوية الليبية. كما استخدمت الجزائر نفس الصيغة الأمنية، "طرابلس خط أحمر لا نقبل تجاوزه" على لسان الرئيس عبد المجيد تبون، رافضًا تهميش الجزائر في أية مسارات للتسوية مستقبلاً، وهي تعلن الحياد الإيجابي رافضة كل أشكال التدخلات الخارجية في ليبيا.

وانطلاقًا من هذه الخصوصيات الجغرافية السياسية، فإنه من الضروري أن يكون هناك توافقًا تامًا بين دول الجوار الليبي، من خلال تفعيل الآلية الثلاثية، مصر الجزائر وتونس والآلية السداسية، التي تضم فضلاً عن الدول الثلاث، كلاً من مالي، النيجر، التشاد والسودان، حول المقاربة الشاملة لتسوية النزاع في ليبيا، القائمة على المبادئ الخمسة التي تم التوافق عليها في البيان الختامي لاجتماع الجزائر في نهاية يناير 2020م، بحضور دول الجوار الستة بالإضافة إلى ألمانيا، أولى هذه المبادئ، لا حل للأزمة الليبية إلا بالخيار السياسي السلمي، ثانيًا، أن يكون الحل ليبيًا-ليبيًا، ثالثًا، دعم وحدة الأراضي الليبية واحترام سيادتها كدولة موحدة، رابعًا، إشراك دول الجوار في الجهود الدولية لحل الأزمة مع الاتحاد الإفريقي باعتبار ليبيا عضوًا فيه، وخامسًا، رفض التدخلات الخارجية وتدفق الأسلحة تطبيقًا لقرارات الأمم المتحدة.

وفي الواقع، فإن هذه المبادئ المتفق عليها بين دول الجوار الليبي  تصطدم مع استمرار التدخلات الخارجية القائمة على حسابات المصالح الأنانية الضيقة التركية- الروسية بالأساس والغربية العاجزة عن فرض إرادة التسوية باعتبارها صاحبة الفوضى أصلاً في ليبيا، التي همشت الحوار الليبي-الليبي والحفاظ على وحدة شعبه وموارده، واستبدلته باستيراد المرتزقة استمرارًا للنزاعات الجيوسياسية في سوريا وشرق المتوسط، وإدارة الحرب بالوكالة طمعًا في النفط الليبي ومصادره المالية المحتجزة والمهدورة، وليس هناك أكثر دلالة على تشخيص هذا الوضع من الإحاطة التي قدمتها الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة بالنيابة في ليبيا، ستيفاني ويليامز، إلى مجلس الأمن، بتاريخ 2/9/2020م، مما جاء فيها:" منذ آخر إحاطة قدمها الأمين العام لمجلس الأمن في 8 تموز/يوليو، هبطت نحو 70 رحلة إمداد في المطارات الشرقية دعمًا للقوات المسلحة العربية الليبيةفي حين تم إرسال 30 رحلة إمداد إلى مطارات في غرب ليبيا دعمًا لحكومة الوفاق الوطني. وعلى غرار ذلك، رست حوالي تسع سفن شحن في الموانئ الغربية دعمًا لحكومة الوفاق الوطني، فيما أفادت التقارير وصول ثلاث سفن شحن دعمًا للقوات المسلحة العربية الليبية. وتقوم الجهات الخارجية الراعية بتحصين أصولها في القواعد الجوية الليبية الرئيسية في الشرق والغرب. وكل ما ذُكر آنفًا من نشاط يشكل خرقًا خطيرًا لسيادة ليبيا، وانتهاكًا صارخًا لحظر التسليح الذي فرضته الأمم المتحدة، ناهيك عن الالتزامات التي تعهد بها المشاركون في مؤتمر برلين. ولا تزال البعثة تتلقى تقارير عن وجود مرتزقة وعملاء أجانب على نطاق واسع، مما يزيد من تعقيد الديناميات المحلية وفرص التوصل إلى تسوية في المستقبل".

إن التحدي الأكبر بالنسبة لدور دول الجوار الليبي فيما يخص التوصل إلى تسوية سياسية في ليبيا يبقى مرهونًا بدرجة التفاعل مع الوصاية التركية-الروسية التي حاولت ملأ الفراغ الأوروبي-الأمريكي في ليبيا، من جهة، وبالصدام المرتقب بين المصالح التركية-الأوروبية الممتدة من شرق المتوسط إلى ليبيا من جهة أخرى، لأن الدور التركي في ليبيا قائم على علاقات ظرفية هشة مع حكومة ليبية انتقالية تفتقد للحاضنة الشعبية والشرعية الدستورية التي تمنحها القدرة على بناء استراتيجيات أمنية-عسكرية دائمة، ورهن موارد الشعب الليبي الذي لا تزال تتصارع حولها القوى الدولية رغم ما يبدو من تقاسم النفوذ مؤقتًا بين أنقرة وموسكو، كما  كان التنافس سابقًا بين روما وباريس في ليبيا الذي يختزل في صراع إيني الإيطالية وتوتال الفرنسية، اللتان عجزتا عن صد هذا الزحف الأوراسي إلى حديقتهما الخلفية. كما أن الدور التركي يفتقد للإجماع السياسي الداخلي بسبب تعظيم النزاعات مع دول الجوار، سوريا والعراق، ودول الحلف الأطلسي ودول الاتحاد الأوروبي، وهذا ما عبر عنه صراحة صاحب نظرية "تصفير النزاعات" داوود أوغلو، وزير الخارجية التركي السابق:" مع الأسف، سياستنا الخارجية اليوم تنفذ من خلال القرارات الانعكاسية للحالة النفسية للرئيس أردوغان وأهوائه، دون أي تحليل استراتيجي أو تسلسل تنفيذ". وبسبب هذه النزعة الفردية لصانع القرار التركي التي تتحكم فيها الأهواء والنزوات فإن الدبلوماسية التركية تتسم بتعظيم دائرة العداء من كل القوى الفاعلة دوليًا وإقليميًا، وهذا ما جعل واشنطن تتخذ قرارًا برفع حظر التسلح عن قبرص للسنة المالية 2021م، لخلق توازن القوى في شرق المتوسط ووقف التهديدات التركية العسكرية المتكررة.

مقالات لنفس الكاتب