;
الرئيسية / تعاظم الغاز المصري يقلق روسيا ويعرض علاقات البلدين لاختبار صعب

تعاظم الغاز المصري يقلق روسيا ويعرض علاقات البلدين لاختبار صعب

الإثنين، 28 أيلول/سبتمبر 2020

انطلاقًا من تعاظم الأهمية الجيواستراتيجية لإقليم شرق المتوسط إثر تقدير نتائج الدراسات التي أجرتها المؤسسة الأمريكية للمسح الجيولوجي موجودات الغاز الطبيعي الكامنة في أحشائه بنحو 122 تريليون قدمًا مكعبة، والسوائل النفطية بنحو 1.7 بليون برميل، بينما تتفاقم هذه الأيام حدة التوترات كما تتصاعد احتمالات الصدامات المسلحة بين دوله، جراء استمرار أزماته المزمنة وتجدد خلافاته العالقة، عمدت مصر إلى تبنى استراتيجية متعددة المقاربات، في التعاطي مع هذا الوضع المعقد والشائك بإقليم لم تزده أهميته الجيواستراتيجية وثرواته الهيدروكربونية إلا قلقًا واضطرابًا .

المقاربة القانونية:

انطلاقًا من حرصها على تقنين حقوقها في شرق المتوسط وشرعنة عمليات البحث والتنقيب عن الثروات بمناطق الصلاحية البحرية التابعة لها هناك، سعت مصر إلى إبرام اتفاقيات مع دول الجوار المتوسطي لتعيين حدودها البحرية وتحديد مناطقها الاقتصادية الخالصة، بما يؤطر المسؤوليات المختلفة لحماية السيادة والمصلحة الوطنية من النواحي السياسية والاقتصادية وغيرها، كتحديد المناطق التي يمكن التنقيب فيها عن الغاز والبترول والثروات الطبيعية ،فضلاً عن مباشرة  باقي الأنشطة الاقتصادية مثل الصيد ومد الكابلات وبناء الجزر الصناعية.

ففي 18 فبراير 2003م، واستنادًا للاتفاقية العامة للبحار عام 1982م، وقعت قبرص ومصر اتفاقية ترسيم حدودهما البحرية وتعيين المنطقة الاقتصادية الخالصة لكل منهما.وفى 6 أغسطس الماضي، وقع وزيرا خارجية مصر واليونان، اتفاق ترسيم الحدود البحرية بين البلدين، بما يتوافق مع قواعد القانون الدولي واتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار .وقد استجد متغيران مهمان عجلا بالتوصل للاتفاق الحدودي البحري بين مصر واليونان هما:

أولاً: مذكرة التفاهم التي توصلت إليها تركيا وحكومة الوفاق الليبية في نوفمبر 2019م، حول مناطق النفوذ البحرية بين البلدين إلى جانب التفاهمات الأمنية والعسكرية الأخرى، التي اعتبرتها تركيا "تفاهمات تاريخية" ستغير موازين القوى في الصراع على الغاز بمنطقة شرقي المتوسط.فبعد ساعات من الإعلان عن الواقعة، اجتمع وزيرا خارجية مصر واليونان بالقاهرة، وأصدرا بيانات حادة تدين التفاهمات بين أردوغان والسراج في تحرك حثيث لتبديد تأثير هاتين المذكرتين، اللتين أكدت القاهرة وأثينا عدم قانونيتهما. فدستوريًا، لا تتسق المذكرتان مع المادة الثامنة من اتفاق الصخيرات ، التي لا تخول رئيس الوزراء الليبي توقيع هكذا اتفاقات دولية، في الوقت الذى يعانى المجلس الرئاسي خللاً جسيمًا في تمثيل المناطق الليبية، كما تعتريه انقسامات سياسية ومناطقية حالت دون انعقاده كاملا.Wوجيوسياسيًا، أكدت مصر واليونان أن هذه التفاهمات تتعدى على المياه الإقليمية اليونانية، كما تخالف القانون الدولي، لأنه لا توجد بين تركيا و ليبيا حدود جوار مباشرة في البحر المتوسط، فيما يتم تعيين الحدود بمشاركة الدولة المتقابلة والمتلاصقة، كما أن حكومة السراج لا يجوز لها إبرام مثل هذه المذكرات مع دولة تخالف القانون الدولي في شرق المتوسط، عبر اعتراض سفن التنقيب داخل المياه القبرصية، ومواصلة التنقيب غير القانوني، كما تعترض على كافة الاتفاقات التي أبرمتها دول شرق المتوسط لترسيم حدودها البحرية، وترفض الانضمام لاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار عام 1982م، وهو ما لا ينفي التزامها بكافة الأحكام الواردة بها، بقدر ما يدلل على عدم احترام أنقرة للقانون الدولي، بما يمثل تهديدًا للأمن والسلم الدوليين. ونتيجة لكل ذلك، توجهت مصر واليونان نحو تسريع المناقشات بين الفرق الفنية حول عملية ترسيم وتحديد المناطق الاقتصادية الخالصة بين الدولتين.

ثانيها، اتفاق إيطاليا واليونان لترسيم الحدود بالبحر الأيوني في يونيو 2020م. والذى يمثل خطوة مهمة سيكون لها تداعيات هائلة على منطقة شرق المتوسط، ،حيث يتيح الاتفاق للجزر اليونانية المنتشرة بها التمتع  بمناطق اقتصادية خالصة، بما يعني قطع الطريق على الرئيس التركي ومحاولاته ابتلاع مناطق الصلاحية البحرية لهذه الجزر عبر مذكرته المبرمة مع حكومة الوفاق الليبية في نوفمبر 2019م، والتي كان يتوخى من خلالها إنشاء منطقة اقتصادية خالصة تمتد من ساحل تركيا الجنوبي على المتوسط إلى الساحل الشمالي الشرقي الليبي.

وبتوقيع مصر اتفاقيتين مع قبرص واليونان، وتوقيع الأخيرة اتفاقًا مع إيطاليا، لتعيين الحدود البحرية فيما بينهما، تم تقنين وشرعنة الحقوق الاقتصادية لتلك الدول مجتمعة بما يفتح لها آفاقًا واعدة في مجال الطاقة، حيث ستصبح المناطق الاقتصادية بين هذه الدول خالصة لها، إذ يخولها القانون الدولي الاستفادة من الاتفاقيات المبرمة في المجالات الاقتصادية اعتبارًا من لحظة التوقيع، كما تستطيع كل دولة أن ترخص للشركات الأجنبية للبحث والاستكشاف والتنقيب عن الثروات في المناطق الاقتصادية الخاصة بكل منهما، علاوة على طرح مزايدات عالمية في المناطق التي تم ترسيم حدودها، وزيادة أعمال البحث والاستكشاف في مياه البحر المتوسط، بالمناطق المحددة لكل طرف دون تداخل.كما أن هذه الاتفاقات تمنح الدول تراخيص امتياز البحث والتنقيب والاكتشاف لحقول الغاز والبترول وأيضًا الانتفاع بالثروات الحية و غير الحية الكامنة في تلك المناطق الاقتصادية.

 من منظور آخر، من شأن هذه الاتفاقات أن تجهض مخططات أنقرة لعسكرة شرق المتوسط، وتحرمها من مكاسب حاولت انتزاعها عنوة بعد توقيعها مذكرة تفاهم بشأن تحديد الجرف القاري مع حكومة السراج الليبية في نوفمبر الماضي.حيث سيتم قطع الطريق أمام الأطماع التركية الهادفة إلى سلب غاز منطقة شرق المتوسط، لاسيما وأن خط ترسيم الحدود البحرية اليونانية والمصرية لا يترك أية إمكانية للربط الحدودي البحري بين تركيا وليبيا، إذ يسد مجموعة من الثغرات، التي طالما سعت أنقرة إلى استثمارها لتوثيق علاقاتها مع حكومة الوفاق الليبية، معتقدة أن التفاهم حول ترسيم الحدود البحرية بين القاهرة وأثينا صعب وسيستغرق وقتًا طويلا ،خصوصًا وأن تصور اليونان لحدودها البحرية اعتُبر، حتى من قبل أصدقائها، مبالغًا فيه، بسبب إصرارها على أن تكون نقطة بداية تلك الحدود عند سواحل آخر جزيرة لها في البحر المتوسط، مما أوجد صعوبات فيما يخص التوافق بشأن المناطق الاقتصادية الخالصة لبعض الجزر اليونانية ،وهو ما كانت أنقرة تظن أنه سيخولها مواصلة عمليات التنقيب غير القانوني في بعض المناطق الاقتصادية ذات الطبيعة الرمادية، تحت حماية الجيش التركي لفرض أمر واقع مجحف من خلال تهديد وإرهاب بعض دول شرق المتوسط.

المقاربة الاقتصادية:

بالتزامن مع مساعيها الحثيثة لتطوير بنيتها التحتية بمجال الطاقة ،والتوسع في أنشطة البحث والتنقيب عن النفط والغاز برًا وبحرًا،  عمدت مصر إلى إشراك كبريات شركات الطاقة العالمية مثل: شيفرون وإكسون موبيل الأميركيتين، وتوتال الفرنسية، وبي.بي البريطانية، وشل الهولندية وإيني الإيطالية، في أعمال البحث والتنقيب والاستخراج والتصدير ،خصوصًا فيما يتصل بغاز شرق المتوسط، حيث أعلنت وزارة البترول المصرية، مطلع العام الجاري، موافقة مجلس الوزراء على 12 اتفاقية أبرمت مع شركات متعددة الجنسيات للتنقيب بالأمر المباشر عن الغاز والبترول في أعماق البحرين المتوسط والأحمر، والصحراء الغربية، يعنى نصفها بالتنقيب في مياه غرب المتوسط المتاخمة للحدود الليبية، أما النصف الآخر، فيعمل عبر آليات المزايدات، اثنتان في شرق المتوسط، وثلاث اتفاقيات في البحر الأحمر، وواحدة في الصحراء الغربية.

وعلاوة على ما تمنحه تلك الخطوة من زخم هائل لمكانة مصر الدولية وثقلها الإقليمي في مجال الطاقة، فإن من شأنها أن تكبح جماح أية مغامرات محتملة من قبل تركيا حيال مصالح مصر البحرية بشرق المتوسط ،كونها تحاصر الرئيس التركي المقامر بين قانونية موقف مصر وقدرتها على حماية حقوقها من جهة، وحرص كل من الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا وهولندا وإيطاليا على حماية مصالح شركاتها التي تم إسناد حقوق امتياز البحث عن الغاز والنفط في تلك المنطقة الملتهبة إليها، والتي لا تعمل بمنأى عن السياسات الخارجية لدولها من جهة أخرى، في الوقت الذى يشكل انخراط شركات أمريكية للتنقيب عن الغاز والنفط بشرق المتوسط للمرة الأولى، إحدى الأوراق الأساسية الداعمة لموقف مصر التفاوضي مع الأطراف المتوسطية حول تقاسم ثروات الإقليم ،كما يعزز مساعيها لأن تغدو ممرًا استراتيجيًا للطاقة.

المقاربة المؤسسية:

في مسعى منها لمأسسة جهود الاستفادة من ثروات شرق المتوسط على نحو فاعل وآمن ومستدام، أطلقت مصرفي يناير 2019م، إعلان القاهرة لإنشاء منتدى غاز شرق المتوسط بمشاركة إيطاليا، واليونان، وقبرص، والأردن، وإسرائيل، وفلسطين، كآلية ترسخ احترام حقوق الدول الأعضاء في استغلال مواردها الطبيعية وفقا للقانون الدولي، ومنصة لإطلاق حوار منظم ودائم حول الغاز، عبر وضع جدول أعمال لصياغة استراتيجيات مشتركة وسياسات غاز إقليمية تستند إلى رؤية مشتركة للتعاون من أجل ازدهار المنطقة. وقد اكتسب المنتدى زخمًا هائلا بعد انضمام فرنسا ثم الولايات المتحدة إليه، وإضافة واشنطن ملف الطاقة إلى حوارها الاستراتيجي مع مصر، وإطلاقها استراتيجيتها للطاقة بشرق المتوسط، في الوقت الذي يحرص البنك الدولي على حضور جميع فعاليات المنتدى.

 وبينما أعلنت وزارة الخارجية التركية عدم اعترافها بالمنتدى ،الذى اعتبرته مبادرة غير واقعية من بعض الدول الرامية لاستبعاد تركيا من معادلة الطاقة في شرق المتوسط، رد وزير البيئة والطاقة اليوناني كوستيس هاتزيداكيس بأن تركيا يمكن أن تنضم إلى المنتدى إذا احترمت القانون الدولي، فيما أكدت القاهرة أن عضوية المنتدى مفتوحة لمن يرغب من دول شرق البحر المتوسط المنتجة أو المستهلكة للغاز، أو دول العبور، أو حتى أي طرف دولي آخر يتفق مع مبادئه ومصالحه وأهدافه، وذلك بعد استيفاء الإجراءات اللازمة للعضوية.

ولما كان تفاقم واستمرار الانتهاكات التركية بشرق المتوسط على النحو الذى يحرك صراعات مزمنة ويؤجج نزاعات متجددة، بموازاة تأخر تسوية الخلافات الحدودية ،مع تنامى التخمة في معروض الغاز إقليميًا وعالميًا ،يعيق جهود الاستغلال الأمثل لثروات حوض شرق المتوسط، ارتأت مصر أن حلحلة تلك الصراعات وإنهاء هذه النزاعات بات ضرورة ملحة ،إذا ما أريد  لمقدرات الإقليم أن تتحول من مسببات للصدام والتوتر إلى بواعث للأمل والاستقرار والتنمية من خلال التعاون الاقتصادي الذي يوفر لدول الإقليم فرصة تاريخية للنهوض والاعتماد المتبادل. من هنا، جاءت الدعوة المصرية للمسارعة في تحويل منتدى غاز شرق المتوسط إلى منظمة دولية للغاز على غرار منظمة "أوبك" النفطية، انطلاقا من نقاط انطلاق حيوية يمكن البناء عليها بهذا الصدد تتمثل في التوصية التي صدرت بهذا الخصوص خلال اجتماعات الدورة الثانية للمنتدى في يوليو من العام الماضي، فيما تتواصل بدأب اجتماعات مجموعة العمل رفيعة المستوى التي شكلها المنتدى لاستكمال الإجراءات المطلوبة. وفى يناير الماضي، انتهى الاجتماع الوزاري الثالث لمنتدى غاز شرق المتوسط بالاتفاق على الإطار التأسيسي للمنتدى، وهي خطوة من شأنها الارتقاء بالمنتدى إلى مستوى "منظمة دولية حكومية" مقرها القاهرة. ومن المقرر توقيع الإطار التأسيسي من قبل الأعضاء المؤسسين بمجرد ضمان توافقه مع قانون الاتحاد الأوروبي الذي تنتمي إليه ثلاث دول من الأعضاء المؤسسين للمنتدى، وهي اليونان وقبرص وإيطاليا، إلى جانب فرنسا، التي انضمت مؤخرًا.

 فإلى جانب توافق أعضاء منظمة غاز شرق المتوسط المقترحة، التي ستفتح أبوابها لكل من يلتزم بمبادئها ويحترم تقاليدها دونما إقصاء، على تهيئة الأجواء لتحقيق الاستفادة المثلى من ثروات الإقليم وتأسيس بورصة أو آلية لتسعير الغاز عالميا ،بما يعزز التحول الكوني صوب الطاقة النظيفة ويرسخ دعائم استقرار أمن الطاقة العالمي، لن يستعصى على تكتل جيواستراتيجي يضم أبرز الفاعلين الإقليميين والدوليين، بلورة الصلاحيات وابتكار الأدوات الزجرية، التي تعينه على مجابهة شتى التحديات، كما ردع كل من تسول له نفسه إشهار سيف البلطجة أو التمرد، للمساس بسيادة الدول الأعضاء والجور على حقوقها، أو النيل من أمن واستقرار الإقليم، الذى أضحى رقمًا صعبًا في معادلة الأمن الدولي بمختلف أبعاده.   

المقاربة العسكرية:

على الرغم من جنوحها لاعتماد استراتيجية حصيفة تخولها بلوغ غايات سياستها الخارجية وحماية مصالحها الوطنية دونما اضطرار، قدر المستطاع، إلى استخدام القوة العسكرية، تعي القاهرة تمام الوعي أن نجاح تلك الاستراتيجية يتطلب درجة عالية من الاستقرار الاقتصادي ومستوى رفيع من الجهوزية العسكرية، انطلاقًا من مبدأ القديس أوغسطينوس في كتابه "مدينة الإله" بأن "أفضل وسيلة لمنع الحرب أو تجنبها، إنما يكمن في حسن الاستعداد لها." وبناء عليه، مضت القاهرة في الارتقاء بمستوى استعدادها العسكري عبر تطوير قدراتها التسليحية وكفاءة جيشها القتالية من خلال استجلاب المنظومات التسليحية المتطورة ،وإجراء المناورات الحربية الفردية والمشتركة، ومواصلة التنسيق الأمني والعسكري مع الدول الصديقة في إقليم شرق المتوسط كاليونان وقبرص، علاوة على إنشاء القواعد العسكرية المتطورة بالمواقع الجيواستراتيجية الحيوية المنتشرة في مختلف الاتجاهات الاستراتيجية للبلاد، وعلى امتداد سواحلها من رأس التين وأبو قير بالإسكندرية إلى بورسعيد ثم السويس وسفاجا، بالإضافة إلى قاعدة اللنشات في مطروح ،كما الأرصفة الحربية في موانئ دمياط والغردقة وشرم الشيخ، بغية حماية العمق الاستراتيجي البحري للبلاد عبر خطة تشمل مختلف المناطق الحدودية، لاسيما المياه المفتوحة بشمال المتوسط والحدود الغربية على ساحل البحر المتوسط.

واستكمالاً لتلك المنظومة، افتتح الرئيس السيسي عام 2017م، قاعدة محمد نجيب، التي تبعد 6 كيلومترات عن شاطئ البحر المتوسط ، و 60 كيلومترا غرب الإسكندرية، كما تضم 20 ألف جنديًا تمثل جميع فروع الجيش، مدعومة بوحدات إدارية وفنية متطورة، مع إعادة تمركز عدد من الوحدات التابعة للمنطقة الشمالية العسكرية بداخلها بما يعزز من قدرتها على تأمين المناطق الحيوية بنطاق مسؤوليتها غرب مدينة الإسكندرية ومنطقة الساحل الشمالي، بما فيها محطة الضبعة الكهروذرية، وحقول البترول وميناء مرسى الحمراء ومدينة العلمين الجديدة وغيرها. وفى يناير الماضي، افتتح الرئيس أيضًا قاعدة برنيس العسكرية على البحر الأحمر، التي تضم أفرع أسلحة للبر والبحر والجو، لحماية وتأمين السواحل المصرية الجنوبية، وحماية الاستثمارات الاقتصادية والثروات الطبيعية، ومواجهة التحديات الأمنية في نطاق البحر الأحمر فضلاً عن تأمين حركة الملاحة العالمية عبر محور الحركة من البحر الأحمر وحتى قناة السويس والمناطق الاقتصادية المرتبطة بها.

 بموازاة ذلك، تواصلت أنشطة التأهيل والتدريب المستمرين لتشكيلات القوات المسلحة بغية رفع الكفاءة القتالية لأفرادها، مع مواصلة التحديث النوعي والكمي للمنظومات التسليحية عبر استقدام حاملات المروحيات الفرنسية من طراز ميسترال، ومقاتلات الجيل الخامس الفرنسية من طراز رافال، والغواصة الألمانية دولفين، ومنظومات الدفاع الجوي الروسية من طرازي "إس 300 "وقريبًا "إس 400 "، وغيرها، جنبًا إلى جنب مع توفير البنية الأساسية اللازمة لاستيعاب هذه المعطيات. الأمر الذي كان له بالغ الأثر في تشجيع شركات الطاقة العالمية على التعاقد مع الحكومة المصرية، القادرة على حماية مصالحها البحرية والشركات المتعاملة معها، من أجل التنقيب عن الغاز والنفط في المياه العميقة بمناطق الصلاحية البحرية المصرية التي حددت معالمها اتفاقات دولية أبرمتها مصر مع دول الجوار البحري كقبرص واليونان وأودعتها لدى الأمم المتحدة، وكفلت حقوقها الكاملة في الاستفادة من كافة الامتيازات المتاحة والثروات الكامنة بتلك المناطق.

المقاربة الجيوسياسية:

عديدة هي المقومات التي تمتلكها القاهرة وتنطلق منها صوب بلوغ الغاية التي تتسابق لإدراكها دول عديدة بالمنطقة، والمتمثلة في التحول إلى مركز إقليمي للطاقة، عبر تبني استراتيجية متكاملة لا تقتصر فقط على قطاع الغاز الطبيعي وإنما يتسع نطاقها ليطال قطاعي النفط والبتروكيماويات، ومن أبرز هذه المقومات:

دور قناة السويس وخط سوميد: تصنف معلومات وكالة الطاقة الأمريكية قناة السويس وخط سوميد، كأهم الممرات الاستراتيجية لشحن النفط الخام والمنتجات البترولية والغاز الطبيعي المسال المستخرج من الخليج العربي والمتجه إلى أوروبا وأمريكا الشمالية. فبينما تكمن أهمية القناة في الربط بين البحرين الأحمر والمتوسط ​​، بما يضعها في صدارة أهم الممرات الحيوية بين الطرق البحرية العالمية التي يرتكن عليها أمن الطاقة العالمي، ينقل خط أنابيب سوميد ،الذى يمتد من العين السخنة على خليج السويس إلى سيدي كرير على ساحل البحر المتوسط بطول 200 ميل، النفط الخام شمالًا عبر مصر من البحر الأحمر إلى البحر المتوسط، فيما يتدفق النفط الخام عبر خطي أنابيب موازيين تبلغ طاقتهما الإجمالية 2.8 مليون برميل يوميًا، ويعتبر خط أنابيب سوميد الطريق البديل الوحيد لنقل النفط الخام بين البحرين الأحمر والمتوسط حالة تعذر مرور السفن عبر قناة السويس.وقد بلغت إجمالي تدفقات النفط عبر قناة السويس وخط أنابيب سوميد نحو 9٪ من إمدادات النفط العالمي المنقول بحرًا (النفط الخام والمنتجات البترولية المكررة) في عام 2017م، فيما تبلغ تدفقات الغاز الطبيعي المسال عبرهما حوالي 8 ٪ من تجارة الغاز الطبيعي المسال عالميًا.

تحقيق الاكتفاء الذاتي من الغاز: ففي سبتمبر 2018م،أعلن وزير البترول والثروة المعدنية طارق الملا  رسميا، تحقيق مصر الاكتفاء الذاتي من الغاز الطبيعي والتوقف عن استيراد الغاز المسال ،بعد سلسلة الاكتشافات الغازية المبهرة خلال السنوات الأخيرة، التي أدرجت أربعة حقول غاز مهمة ضمن خطة الإنتاج هي آتول ونورس وشمال الإسكندرية ،فضلاً عن حقل ظهر العملاق الذي يحوي 32 تريليون قدمًا مكعبة من الغاز، حتى وصل إنتاج البلاد من الغاز الطبيعي إلى نحو 7.2 مليار قدمًا مكعبة يوميًا، وهو أعلى معدلات الإنتاج المصرية.وتتطلع استراتيجية مصر بمجال الطاقة إلى السير بعدة اتجاهات ، فإلى جانب السعي لاكتشاف المزيد من حقول الغاز عبر توقيع 12 اتفاقية بحث عن الهيدروكربونات بالصحراء الغربية وشرق وغرب البحرين المتوسط والأحمر، وتنمية الحقول المتاحة، وتحقيق الاكتفاء الذاتي والاتجاه إلى تصدير الفائض، تستهدف القاهرة زيادة صادراتها من الغاز الطبيعي إلى نحو 2 مليار قدمًا مكعبًا يوميًا، بدلاً من 1.1 مليار حاليًا.

  وفي مجال النفط، تعمل مصر بدأب لبدء تشغيل معمل تكرير "مسطرد" الجديد، شمال القاهرة ، لإنتاج 4.4 مليون طن سنويًا من المنتجات النفطية ،ستوفر للدولة واردات وقود بقيمة  ملياري دولار سنويًا، لاسيما بعد أن بلغت واردات مصر من النفط والمنتجات النفطية خلال عام 2017 قرابة 5,2 مليار دولار تشكل ضغطًا على الاحتياطي النقدي وميزان المعاملات التجارية، فضلاً عن تطوير معمل "ميدور" بالإسكندرية بما يؤدي إلى زيادة طاقته الإنتاجية بنسبة 60% ، من البوتاجاز والبنزين العالي الأوكتان ووقود النفاثات والسولار والفحم والكبريت من 4.6 مليون طن حاليًا إلى 7.6 مليون طن .وبينما تستهلك مصر مليون برميل من النفط يوميًا تنتج منها 700 ألف برميل وتستورد 300 ألف آخرين، فقد خطت خطوات مهمة على طريق التحول نحو الطاقة النظيفة، حيث جاءت في المركز 84 عالميًا بين 115 دولة في 2020م،  وفق مؤشر التحول في مجال الطاقة لنظام أكثر استدامة وأمنًا. وفى مجال البتروكيماويات، يتم حاليًا بناء مجمع التحرير للبتروكيماويات بالعين السخنة على البحر الأحمر شرق القاهرة، بطاقة إنتاجية 4 ملايين طن من المنتجات البتروكيماوية تبلغ قيمتها 6 مليارات دولار سنويًا، ما يتيح لمصر دخول عصر تصدير البتروكيماويات.

سداد ديون الطاقة: بعد نحو تسع سنوات من التراكم الاضطراري للديون، تمكنت مصر من سداد جزء ضخم من مستحقات شركات النفط الأجنبية، حيث أكد وزير البترول، أن إجمالي المستحقات المتأخرة لشركات النفط الأجنبية تراجع من 900 مليون دولار نهاية السنة المالية 2018-2019م،إلى 850 مليون دولار في نهاية يونيو الماضي، رغم تداعيات جائحة كورونا.ولطالما شكلت تلك المستحقات عائقا أمام مصر فيما يخص جذب استثمارات شركات النفط الأجنبية،خصوصًا بعدما تراكمت إثر انتفاضة يناير 2011م، لتصل إلى 6.3 مليار دولار في السنة المالية 2011-201م.غير أن تلك المديونيات بدأت في الانخفاض تدريجيًا منذ السنة المالية 2014-2015 مع سعي مصر الدؤوب للانتهاء من سدادها ،توطئة للتحول إلى مركز إقليمي للطاقة.

بنية صناعية غازية: تنفرد مصر دونا عن باقي دول شرق المتوسط بامتلاكها بنية صناعية بتروكيماوية لتسييل الغاز الطبيعي تمهيدًا لتحميله على سفن وتصديره للخارج، وعلاوة على جدواها الاقتصادية ،تعد هذه المزية مؤشرًا قويا لاستعادة مصر مكانتها الاقتصادية لدى المستثمرين الأجانب، بعد فترة اضطراب منذ 2012م، جراء نقص إمدادات الغاز المصرية، نتيجة تخوف المستثمرين الأجانب العاملين في تنمية حقول الغاز، حتى تحولت مصر إلى مستورد له في عام 2015م، لسد العجز بين الإنتاج والاستهلاك والذي يقدر بنحو 6 مليارات قدما مكعبة يوميًا، بعد أن كانت تقوم بتصديره. وتتمثل تلك البنية الصناعية في ثلاث محطات تعد الأكبر من نوعها بين 634 محطة عالمية، تقع أولاها في مدينة ادكو بمحافظة البحيرة وتملكها الشركة المصرية للغاز الطبيعي المُسال، وتم افتتاحها في أبريل 2006م، وتضم وحدتين للإسالة وتعمل بطاقة استيعابية تصل إلى نحو 1.35 مليار قدم مكعب يوميًا من الغاز الطبيعي، و4.1 مليون طن سنويًا من الغاز. وتشتمل المحطة على ميناء لتصدير الغاز المسال لاستقبال ناقلات بسعة 165 ألف مترًا مكعبًا، كما تضم مستودعين لتخزين الغاز المسال بطاقة تخزينية تصل إلى 140 ألف متر مكعب لكل مستودع.

أما ثانيتها، فتقع في دمياط وتم تأسيسها عام 2000م، وبدأ العمل بها في سبتمبر 2003، وتم استخراج أول شحنة منها في 20 يناير2005م، وتعمل هذه المحطة بطاقة استيعابية تصل إلى نحو 750مليون قدمًا مكعبًا يوميًا من الغاز الطبيعي. وتضم وحدة إسالة واحدة، وتديرها شركة "يونيون فينوسا" الإسبانية بالشراكة مع شركة "إيني" الإيطالية، فيما تصل حصة مصر فيها إلى نحو 20% مقسمة بين الشركة المصرية القابضة للغازات الطبيعية التي تملك نسبة تقدر بـ10%، والهيئة المصرية العامة للبترول التي تملك هي الأخرى نحو 10%. وهناك محطة ثالثة لكنها متعطلة حاليا، بينما تعمل الحكومة المصرية جاهدة على إعادة تشغيلها في أقرب وقت.

تعظيم مخزونات الغاز: إلى جانب إنتاج حقل ظهر الضخم الذى يتجاوز 32 تريليون قدم مكعبة من الغاز الطبيعي ،والذى تقوم شركة "إيني" الإيطالية بتطويره إثر بدء الإنتاج في 2019م،  ليصبح مركزًا إقليميًا للغاز بشرق المتوسط عبر منصة أنابيب تجعله محور الصادرات بعد ربطه بحقول قريبة ذات احتياطات محدودة نسبياً، كما تفتقر للجدوى الاقتصادية الكافية للتصدير، تتطلع مصر إلى زيادة مخزوناتها من الغاز عبر السماح لشركات القطاع الخاص بشراء كميات إضافية من دول الجوار كإسرائيل وقبرص، توطئة لتسييله وإعادة ضخمة إلى الأسواق الأوربية ،لتغدو القاهرة مركزا إقليميا لتجميع الغاز وإسالته تمهيدًا لإعادة بيعه وتسويقه عالميا بأسعار أفضل.

ففي فبراير 2018م، أعلنت الشركات المالكة لحق استغلال حقل" تمار" الإسرائيلي للغاز عن توقيع مذكرة تفاهم لبيع الغاز الطبيعي لشركة "كاز ناتورال فنوسا" الإسبانية، التي تملك مع شركة "إيني" الإيطالية مصنعًا لتصدير الغاز المسال في دمياط. ويعتبر هذا الاتفاق هو أول عقد لبيع الغاز الإسرائيلي لمصر، عبر ضخ إسرائيل 4.5 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي سنويًا لمصر، لمدة 15 سنة، بما يعني خُمس إنتاج الحقل الإسرائيلي بقيمة 20 مليار دولار. وعلى الرغم من أن الحكومة ليست طرفًا فيه كونه يخص القطاع الخاص، من شأن هذا الاتفاق، وفقًا للقواعد المنظمة لاستيراد الغاز بقانون تنظيم سوق الغاز ولائحته التنفيذية، أن يدر عائدات اقتصادية غير مباشرة على الدولة المصرية، تتمثل في تحصيل رسوم نظير استخدام الشبكة القومية للغازات، بالإضافة إلى عائدات استخدام محطات الإسالة المصرية بادكو ودمياط، كما سيطوى صفحة قضايا التحكيم الدولي ضد مصر جراء توقفها عن تصدير الغاز لإسرائيل عام 2012م، وتغريمها بمليار دولار تعويضًا للأخيرة. وفى منتصف عام 2018م، تم إبرام اتفاق إقامة خط أنابيب بحري مباشر لنقل الغاز الطبيعي من حقل أفروديت القبرصي، الذي يحوي نحو 4.5 تريليون قدم مكعبة من الغاز، إلى محطات الإسالة بمصر وإعادة تصديره إلى الأسواق المختلفة. ومن المقرر أن تصل الطاقة الاستيعابية لهذا الخط إلى 700 مليون قدمًا مكعبًا سنويًا، وسيبدأ تشغيله بحلول 2024م.

ضعف المنافسة: بينما تواجه مساعي تركيا للتحول إلى مركز إقليمي للغاز مصاعب شتى ومتنوعة ،أبرزها: الفقر المدقع في موارد الطاقة ، وتدهور البنية التحتية بمجال الطاقة، وتدهور علاقاتها بمحيطها الإقليمي والدولي، تقف العديد من العقبات أمام مقترح إنشاء مشروع أنبوب لنقل الغاز الإسرائيلي إلى أوروبا عبر قبرص واليونان منذ عام 2014م، من أبرزها: تكلفته المادية الباهظة والتي تناهز سبعة مليارات دولار، حيث سيمتد إلى نحو ألفي كيلومتر أغلبها في المياه العميقة للبحر المتوسط، بما يستتبع تحديات طبوغرافية شتى قد تقفز بالتكلفة إلى أبعد من ذلك، كما سيمر الأنبوب في مناطق بحرية "متنازع عليها"، في الوقت الذى أبدت إيطاليا ،التي من المفترض أن تكون نقطة انتهاء الأنبوب رسميًا ،مخاوفها من الأضرار البيئية المتوقع أن يحدثها الأنبوب. وحتى إذا تم التغلب على كل تلك العراقيل، ليس من المتوقع للمشروع أن يبصر النور قبل عام 2027م.

تبقى الإشارة إلى أن مساعي مصر الدؤوبة والمشروعة لأن تكون مركزًا إقليميًا للطاقة ربما تفضى إلى استفزاز أطراف إقليمية كتركيا وقطر، كونها ستنتزع دورًا كانت تصبو إليه الأولى، كما ستقتنص قرابة 70% من حصة الثانية بالأسواق الأوروبية والإفريقية، في وقت تحتدم المنافسة بين مصدري الغاز للعثور على أسواق جديدة وسط تخمة المعروض المتفاقمة واستمرار الركود الاقتصادي العالمي، الأمر الذى يوحد جهود الحليفين لإجهاض تلك المساعي المصرية بطرق لاحت معالمها في المهاترات التركية بشرق المتوسط بموازاة الحملات الدعائية العدوانية الممنهجة التي أنشأتها وسائل الإعلام القطرية والتركية ضد القاهرة. كذلك، قد يثير تعاظم الدور المصري اللوجيستي بمجال الغاز قلق روسيا، التي تعاني حصارًا أطلسيًا قاسيًا منذ مطلع تسعينيات القرن الماضي لمساعيها الرامية إلى توسيع هيمنتها على مصادر الطاقة المختلفة بمنطقة أوراسيا، كما تصارع ملاحقة أمريكية شرسة لدورها المتعاظم في أمن الطاقة الأوروبي والعالمي، الأمر الذي قد يعرض التطور الحذر في العلاقات الاستراتيجية بين مصر وروسيا لاختبار صعب.

مقالات لنفس الكاتب