العدد 156

اهتمام السعودية بالإسلام والمسلمين مبدأ أساس لا تحيد عنه يتوارثه قادتها

الأحد، 29 تشرين2/نوفمبر 2020

تحميل    ملف الدراسة

صوت المسلمين إلى العالم: أجريتُ قبل عقدين تقريبًا بحثًا عن القضايا الإسلامية في كلمات المملكة العربية السعودية التي تلقيها سنويًا في الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك. واستعرضتُ الكلمات التي ألقيت في المدة من عام 1982 إلى عام 2002م، لمعرفة طبيعة القضايا الإسلامية التي تواجه بها المملكة المجتمع الدولي في اجتماعه السنوي. لقد تصدرت القضية الفلسطينية تلك الكلمات، وأجزم أن الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل لم تسمعا من على منبر المنظمة الأممية نقدًا أقسى مما سمعته من المملكة العربية السعودية. أعلنت المملكة للعالم بأن إسرائيل تنتهج "السياسة الاستيطانية العنصرية البغيضة "، وأنها تستهتر "بالمبادئ والمثل العليا الإنسانية"، معتبرة :"أن إسرائيل تمثل عبئًا ثقيلاً على كاهل المجتمع الدولي"، ومؤكدة في كل مرة أن "الذين يساندون الكيان الصهيوني إنما يقفون صراحة إلى جانب العدوان والتوسع". وعندما قرر الرئيس ياسر عرفات -رحمه الله-الاصطفاف إلى الجانب الخطأ عام 1990م، إبان احتلال العراق للكويت، كانت المملكة ثابتة على المبدأ تدافع عن القضية الفلسطينية من على منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة في كلمتها التي ألقتها عامي 1990 و1991م، فالقضية بالنسبة للمملكة قضية مبدأ وليست حركة فتح أو حماس أو السلطة الفلسطينية.

وإلى جانب القضية الفلسطينية حفلت خطابات المملكة السنوية في الأمم المتحدة بما يدعم ويساند القضية الأفغانية، وجامو وكشمير، والصومال، والعراق ولبنان وسوريا، وشعب الروهينجيا، وحيثما كان هناك جرح إسلامي وجدت المملكة تضمده، ومتى لاح في الأفق بصيص أمل وجدت المملكة هناك تدعم الدول، والأقليات الإسلامية حول العام. وغير بعيد في التاريخ، كانت القضية الفلسطينية حاضرة في خطاب الملك سلمان بن عبد العزيز أثناء افتتاح أعمال السنة الأولى من الدورة الثامنة لمجلس الشورى يوم الأربعاء 11 نوفمبر 2020م، عندما أكد حفظه الله على استمرار وقوف المملكة "إلى جانب الشعب الفلسطيني لإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية، وفق قرارات الشرعية الدولية ومبادرة السلام العربية"، مؤكدًا على مساندة المملكة "الجهود الرامية لإحلال السلام في الشرق الأوسط بالتفاوض بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي للوصول إلى اتفاق عادل ودائم".

ولم يتوقف الدعم السعودي على إيصال قضايا الدول والشعوب الإسلامية إلى أسماع المجتمع الدولي ووضعها على أجندات أعمالهم، بل صاحب ذلك مشروع سعودي للإغاثة والتنمية بدأ مع بواكير إيرادات النفط السعودي، وذلك من خلال المساعدات الثنائية، أو بدعم المنظمات الإغاثية الدولية أو من خلال الصندوق السعودي أو البنك الإسلامي للتنمية. وبحسب إحصاءات مركز الملك سلمان بن العزيز للإغاثة والأعمال الإنسانية فإن عدد الدول التي استفادت من مشاريع المركز حتى نهاية أكتوبر 2020م، بلغ 54 دولة غالبيتها الساحقة دول إسلامية استفادت من 1403 مشروعًا بتكلفة بلغت نحو 5 مليارات دولار أمريكي. 

تسخير العلاقات السعودية لدعم قضايا المسلمين:

عندما التقى الملك سلمان بن عبد العزيز في أول زيارة رسمية له إلى الولايات المتحدة الأمريكية، الرئيس الأمريكي باراك أوباما في البيت الأبيض في 4 سبتمبر 2015م، قال له نصًا: "نحن بلدنا الحمد لله لسنا في حاجة لشيء، لكن يهمنا أن يكون هناك استقرارًا في المنطقة يخدم شعوب المنطقة". وهو ديدن القادة السعوديون عندما يزورون أو يلتقون قادة الدول المؤثرة عالميًا، يكون ضمن أولويات الحوار مع نظرائهم مصالح شعوب المنطقة، والعالمين العربي والإسلامي، وتجد كمتابع أن فلسطين والعراق واليمن ولبنان وجامو وكشمير وشعب الروهينجيا، والصومال، وسوريا، ودول الساحل في إفريقيا، وأفغانستان ضمن دائرة الاهتمام السعودي. ولأن التنمية لا تتحقق في دول العالم الإسلامي إلا بتوفر ظروف الاستقرار، وهو ما يتطلب استتباب الأمن، فقد وضعت المملكة العربية السعودية في مقدم أولوياتها في محاربة الإرهاب إلى جانب المواجهة الفكرية والأمنية الاهتمام بالتنمية وبذلك قال الملك سلمان في افتتاحه القمة الإسلامية ـ الأمريكية في الرياض منتصف عام 2017م: "إن القضاء على الإرهاب لا يكون بالمواجهة المباشرة فقط بل إن التنمية المستدامة هي جرعة التحصين الناجح بإذنه تعالى"، مضيفًا  "وبدون شك فإن المملكة العربية السعودية تدعم وتشجع كل توجه لدى الدول الشقيقة والصديقة يهدف إلى تفعيل التنمية المستدامة في بلدانهم"، ثم تطرق أمام الولايات المتحدة الأمريكية و 55 دولة حضرت تلك القمة إلى شأن مهم من شؤون المسلمين كان حريصًا على أن يسمعه الرئيس الأمريكي وهو الشأن الفلسطيني: "كما أننا نشدد على أن تحقيق السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين مطلب عادل وضروري ويتطلب تضحياتٍ مشتركة وعزيمة صادقة من أجل صالح الجميع ، كما أنه يتعين على المجتمع الدولي تكثيف الجهود".

لقد سخرت المملكة العربية السعودية علاقاتها مع الولايات المتحدة الأمريكية لصالح شعوب المنطقة، ولم يكن لدول الخليج على سبيل المثال أن تستقل وتتوحد وتنمو وتزدهر لولا الدعم السعودي السياسي والاقتصادي والتنموي الذي سخرت له مواردها المالية وعلاقاتها الدولية بدول عظمى مثل الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وأوروبا عمومًا. لقد كانت السعودية دائمًا مركز استقرار لمحيطها الجغرافي كلما كان ذلك ممكنًا.

والصلح خير:

لم يكن ضرب مدن في جنوب السعودية من قبل الجيش المصري عام 1962م، بالأمر الهين على المملكة، ولكن سرعان ما ضربت السعودية مثلاً في تجاوز الخلافات الثنائية من أجل مصلحة الأمة، فحضرت في 29 أغسطس 1967م، القمة العربية الرابعة في الخرطوم، لتؤكد أنها تصالحت مع مصر، وأودعت الماضي الخلافات الثنائية، وتبنت مع القادة العرب مشروع القرار الذي أكد على "وحدة الصف العربي ووحدة العمل المشترك، وضرورة التنسيق والقضاء على جميع الخلافات. وقد أكد الملوك والرؤساء وممثلو رؤساء الدول العربية الأخرى في المؤتمر موقف بلادهم من قبل تنفيذ ميثاق التضامن العربي الذي تم التوقيع عليه في مؤتمر القمة العربي الثالث في الدار البيضاء". ولأنها بادرت طي صفحة الماضي مع مصر، فقد اكتسبت المملكة دورًا قياديًا ومصداقية في لم شمل الأشقاء في العالمين العربي والإسلامي.

لقد بذلت الدبلوماسية السعودية جهودًا لرأب الصدوع التي عصفت بكيان الدول العربية والإسلامية، فكانت القمة الإسلامية الثالثة في الطائف عام 1981م، وهي التي تبنت دعم المجاهدين الأفغان لتحرير بلدهم، وألقى فيها الزعيم الأفغاني عبد رب الرسول سياف كلمته المشهورة، وما تلى ذلك التاريخ من محاولات مجهدة لجمع الفرقاء الأفغان حول طاولة الحوار وتقديم مبالغ طائلة لإعادة إعمار أفغانستان لعل ذلك يشجع الأخوة الأعداء للاجتماع على كلمة سواء، وينهي معاناة الشعب الأفغاني. وعلى الرغم من فشل الجولة تلو الأخرى فلم تتخل المملكة عن دعم الشعب الأفغاني سواء من خلال الإغاثة السعودية أو باستضافة عشرات الآلاف من الأفغانيين العاملين والدارسين في المملكة.

وفي عام 1987م، نصب الملك فهد بن عبد العزيز ـ يرحمه الله ـ خيمته على الحدود بين المملكة المغربية والجزائر حيث عقدت بوساطته قمة بين الملك الحسن الثاني، والرئيس الشاذلي بن جديد -رحمهم الله-يوم 4 مايو من ذلك العام، وتعتبر أولى محطات التقارب السياسي بين البلدين الجارين بعد 12 سنة من الخلاف. وبعد ذلك بعامين تقريبًا استضافت الطائف اللبنانيين في مصالحة قادتها المملكة العربية السعودية لإنهاء الحرب الأهلية وعودة السلم والوفاق إلى لبنان بناء على وثيقة الوفاق الوطني التي صدرت في الطائف بتاريخ 30 سبتمبر 1989م. ومنذ توقيع الاتفاق، وقفت المملكة العربية السعودية بكل ثقلها السياسي وإمكاناتها الاقتصادية خلف مشروع الراحل رفيق الحريري لإعمار لنان حتى انتزعت لبنان من الخراب إلى مصاف الدول السياحية في المنطقة ببنية تحتية حديثة ومؤسسات مالية مرموقة، إلى أن قرر أعداء لبنان والعرب والتوافق الإسلامي اغتيال الحلم اللبناني الجميل لتغرق لبنان منذ عام 2006م في أزمة تلو الأخرى.  

وإلى الجوار اللبناني، أدى الانقسام الفلسطيني بين فتح وحماس إلى ظهور سلطتين تنفيذيتين في كل من رام الله وقطاع غزة، مما كان له أثره على القضية الفلسطينية، واعتبرته السعودية مؤشرًا خطيرًا على تراجع القضية الأساسية لصالح الخلافات الهامشية بين الأشقاء، وهو ما لم تقبله المملكة العربية السعودية، فبذلت وسعها في جمع الفلسطينيين حول طاولة الحوار. وتفهمًا لخطورة الخلاف، وضرورة تنقية الأجواء وحلحلة المسائل العالقة بين فتح وحماس حشدت المملكة كل جهودها وقوتها لإنجاح المصالحة، ومن ذلك دعوة الفرقاء إلى مكة المكرمة للتباحث ومن ثم توقيع اتفاق مكة المكرمة بين فتح وحماس، وأخذ الفلسطينيون على أنفسهم المواثيق المغلظة تحت أستار الكعبة المشرفة، لكنهم ما إن غادروا المملكة حتى نكص كل فريق على عقبيه ليصل الحال بالقضية الفلسطينية إلى ما هي عليه ومن الهوان على الدول الأخرى.

لقد كانت المملكة العربية السعودية قبلة دائمة للمسلمين عندما يحتدم الخلاف بينهم في شؤون داخلية أو بين بلدين إسلاميين، وكان يدفعهم إلى ذلك وضوح النهج السعودي المعلن والقاضي بعدم التدخل في الشؤون الداخلية لأي بلد آخر، وبذلك اكتسبت ثقة مكّنتها من لعب دور الوسيط النزيه، إضافة إلى ثقلها في القرار الدولي حيث تستطيع حشد الدعم لما تبرمه من مصالحات على صعيد المنظمات الإقليمية والدولية كجامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي ومنظمة الأمم المتحدة وتمتعها بعلاقات مع دول ضامنة كأمريكا والاتحاد الأوروبي وروسيا والصين وهو ما يجعل لأي اتفاق مصالحة ترعاه السعودية قبولاً دوليًا يساعد على تفعيل بنوده ويدعم ما بعد الاتفاق من ترتيبات.

منظمة التعاون الإسلامي:

منذ 1969م، و"منظمة المؤتمر الإسلامي" التي تحول اسمها لا حقا إلى: منظمة التعاون الإسلامي"، تتخذ من جدة في المملكة العربية السعودية مقرًا لها. وقبل أن أعمل في هذه المنظمة مديرًا عامًا لديوان أمينها العام وكبيرًا لمستشاريه، لم تكن لدي صورة واضحة عن هذه المنظمة سوى أنها ربما تجمعًا دينيًا لا يختلف كثيرًا عن "رابطة العالم الإسلامي"، إلا أن هذه الصورة النمطية سرعان ما تكشفت بمجرد مباشرتي العمل في أول عام 2018م، لأدرك ما هو أعظم من ذلك وهي أنها ثاني أكبر منظمة بعد الأمم المتحدة في عدد الأعضاء البالغ 57 دولة، وتضمن لها المملكة العربية السعودية المقر والحصانة الدبلوماسية والاستقلالية في ممارسة أعمالها كأي منظمة دولية معتبرة وبغض النظر عن العلاقات الثنائية التي تربط المملكة بالدول الأعضاء.

إن طبيعة العمل الدولي لا تجعلك تستغرق الكثير من الوقت في السؤال عما قدمته هذه المنظمة الكبيرة لبلد المقر المملكة العربية السعودية، وإنما تذهب إلى أبعد من ذلك للسؤال عما قدمت لدولها الأعضاء؟  الشروع في الإجابة عن هذا السؤال يستدعي الوقوف على تجارب الأمم المتحدة في نيويورك، والاتحاد الإفريقي في أديس أبابا، والاتحاد الأوروبي في بروكسل، ومن ثم مقابلة الفرص والتحديات، والنجاحات والإخفاقات ومقاديرها في كل منظمة. وبدون شك فإن منظمة التعاون الإسلامي OIC تصارع التحديات ذاتها، وتعاني من الإخفاقات نفسها. ولكن ما يميز هذه المنظمة عن غيرها هو غلبة الجانب الروحي المتمثل في التضامن الإسلامي على الجوانب المصلحية المتعلقة بما تكتسبه كل دولة من الانتماء لهذه المنظمة. وأذكر ذات مرة عندما احتدم الخلاف حول مكان انعقاد أحد اجتماعاتها في ضوء إصرار دولتين عضوين على تجاذب الأحقية أن رئيس الجلسة لوح بالتصويت، فتحدث أحد أقدم المندوبين مذكّرًا بأن التصويت يكسر التضامن الإسلامي وأن مقاصد المنظمة أكبر من الخلافات الهامشية، ولطالما تجنبت اجتماعات المنظمة الدخول في تصويت يكسر الرباط الأسمى بين الدول الأعضاء. وفي سياق التصويت والميل الدائم عنه إلى التوافق فإن الأمين العام لمنظمة التعاون الإسلامي لم يتم انتخابه بالتصويت سوى مرة واحدة في تاريخ المنظمة في عام 2004م، عندما تقدم ثلاثة مرشحون من المجموعة الآسيوية وتمسكت كل دولة بمرشحها فكان التصويت هو الحاسم في هذه الحالة.

إن رعاية المملكة لشؤون المسلمين جعلتها تتزعم مع الشقيقة المملكة المغربية تأسيس المنظمة، ويتفرع عنها أجهزة سياسية ومالية واجتماعية وتربوية وعلمية تعمل جميعها تحت مظلة المنظمة وإشرافها الروحي في خدمة المسلمين في كل مكان. ولعل من أبرز أجهزتها المتخصصة منظمة العالم الإسلامي للتربية والثقافة والعلوم (إيسيسكو) التي تتخذ من الرباط مقرا لها، ومجموعة البنك الإسلامي للتنمية الذي يتخذ من جدة مقرًا له. وفي حديث له في افتتاح القمة الإسلامية الرابعة عشر التي رأستها المملكة العربية السعودية في مايو 2019م، قال الملك سلمان بن عبد العزيز: "من المؤلم أن يشكلَ المسلمون النسبةَ الأعلى بين النازحينَ واللاجئين على مستوى العالم جراء الاضطراباتِ والحروب وانحسارِ فرص العيشِ الآمنِ الكريم في بلدانهم. ومن هذا المنطلق فإنٌ المملكةَ العربية السعودية كانت ولا تزالُ تسعى ما استطاعت إلى الإصلاحِ وتوفيقِ وجهات النظر المختلفةِ خدمة للدولِ الإسلامية وشعوبها. مع الاستمرار في مدِ يد العونِ والمساعدة عبر الجهدِ الإنساني والإغاثي حرصًا على سيادةِ وأمن واستقرار الدولِ الإسلامية في ظل وحدةٍ وطنية وسلامةٍ إقليمية". ونبه الملك سلمان إلى أن "إعادةَ هيكلة منظمةِ التعاون الإسلامي وتطويرَها وإصلاحَ أجهزتها أصبحت ضرورة ملحة لمجابهة التحديات الإقليمية والدولية التي تمر بها أمتنا"، واعدًا بأن تسعى المملكة من خلال "رئاسِتها لأعمالِ هذه القمة للعمل مع الدولِ الأعضاء والأمانةِ العامة للمنظمة للإسراع في تفعيلِ أدوات العمل الإسلامي المشترك تحقيقًا لما تتطلعُ إليه شعوبُ أمتنا الإسلامية".

لقد صبرت المملكة العربية السعودية 45 عامًا لتحصل على أول أمين عام من الجنسية السعودية، ملتزمة في ذلك بالتناوب الجغرافي بين الدول ومؤثرة التضامن الإسلامي على مصالحها الخاصة. كما ضمنت حضور جميع الدول الأعضاء اجتماعاتها فلم تمنع دولا لا ترتبط معها حاليًا بعلاقات دبلوماسية مثل إيران وقطر من حضور الاجتماعات في جدة، كما أنها سمحت للدولتين بفتح مندوبيتيها لدى المنظمة في مدينة جدة وتعيين مندوبين لها وموظفين على الرغم من قطع العلاقات الدبلوماسية مع الدولتين. وتلتزم المملكة بالحصانة الدبلوماسية الكاملة لمقر المنظمة ومنسوبيها غير السعوديين، وتمنحهم الصفة الدبلوماسية، وتلتزم بالتوزيع الجغرافي للتعيين في الأمانة العامة وأجهزتها المتفرعة.

المشاعر المقدسة:

ربما يكون من نافلة القول إن الملك المؤسس عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل -رحمه الله-كان واحدًا من أبرز قادة القرن العشرين، وربما العصر الحديث. ولست بصدد بسط الحديث عن مناقب ابن سعود كما يحلو للغرب تسميته. إلا أن قصة توحيده شبه الجزيرة العربية في المملكة العربية السعودية لم تكن ضربة محظوظ، بقدر ما تمتعت ببعد نظر لم يتوقعه البريطانيون والفرنسيون، وهما الدولتان النافذتان في المنطقة آنذاك.

لم يكن مخولاً للملك عبد العزيز أن يجمع بين النفط في المنطقة الشرقية -وإن كان لم يكتشف بما أصبح عليه لاحقا-وبين المشاعر المقدسة في مكة المكرمة والمدينة المنورة. ومن يدرس وتيرة الأحداث ونمطها يدرك أن البريطانيين يستبقون بؤر توتر تعيق تقدم أصدقائهم وأعدائهم على حد سواء، وكان الحجاز هو المصيدة التي أريد لجيش ابن سعود أن يقع فيها ريثما تنتهي بريطانيا من الحرب الأولى. كانت المفاجأة أن مكة المكرمة سلمت طواعية للفاتح القادم من نجد، وبعدها كان من اليسير انضمام المدينة المنورة والحجاز بأكمله إلى الدولة السعودية.

ليست خدمة الحرمين الشريفين ميزة لحكام السعودية فحسب، وإنما هي مسؤولية جسيمة أمام المسلمين وأمام العالم. ومن يتتبع سيرة حكام المملكة العربية السعودية في خدمتهم للحرمين الشريفين يجد تطورًا مضطردًا في عمارة الحرم المكي في مكة المكرمة، والمسجد النبوي في المدينة المنورة من جانب، ومن جانب آخر يُلحظ تمسك المملكة بخطاب ديني معتدل يوفق ولا يفرق، ويعزز التعايش الإنساني، ولا يضع العالم على شفير مواجهة بين المسلمين وغير المسلمين. وبقراءة سريعة للأحداث السابقة يتضح حرص الجماعات الإرهابية على الاستحواذ على الحرمين الشريفين سواء من داخل المملكة؛ حيث كانت حركة جهيمان التي احتلت الحرم المكي لمدة أسبوعين (20 نوفمبر – 4 ديسمبر 1979م)، وكان الهدف الأساس متمثلاً في استغلال قداسة المكان لإعلان خطاب متطرف يؤسس لدولة إسلامية تؤمن بالمناجزة مع الآخر وهو ما لم تحققه الدولة السعودية للمتطرفين. وعلى المستوى الخارجي يلحظ بوضوح محاولات الحرس الثوري الإيراني تصدير الثورة وخطاب ولاية الفقيه من خلال جعل البراءة من المشركين منسكا من مناسك الحج لدى أتباع الثورة الخمينية، حيث عارضت الحكومة السعودية وبشدة تحويل الحج أو الحرمين إلى ميادين سياسية لتوتير العلاقات الدولية وإشعال الحروب، ويكفي للدلالة على ذلك استحضار الفوضى التي أحدثها حجاج إيرانيون اندفعوا بالآلاف نحو المسجد الحرام لإيصال رسالة آية الله الخميني التي تتبرأ من المشركين وتنادي بالموت لأمريكا وإسرائيل وتلعن اليهود.

ولم يقف تنظيما الإخوان المسلمين، والقاعدة مكتوفي الإرادة، فقد استبدلا بلاد الحرمين الشريفين بالمملكة العربية السعودية تعبيرًا عن مركزية الحرمين في مشروعهم السلطوي. ولطالما ناصبا الدولة السعودية العداء لأنها تحول بينهم وبين الشرعية التي لن يكتسبها تيار إسلامي أو ثورة إسلامية بدون حيازته على قبلة المسلمين. ومن البديهي الإشارة إلى أن الدول الحالمة في قيادة المسلمين لا تأل جهدها إلى يومنا هذا في الإساءة للمملكة العربية السعودية، وتشويه خدماتها للحجاج والمعتمرين والزوار، واختلاق الكثير من الأراجيف لتشويه سمعة المملكة عند المسلمين في كل مكان للدفع بعدم جدارتها بخدمة الحرمين الشريفين. وأي كانت دوافع هذه الذرائع المتشنجة فإن عامة المسلمين يدركون أن الحرمين الشريفين في أيد أمينة ويكنون تقديرًا خاصًا لقيادة وشعب المملكة العربية السعودية.

لقد بدأ الملك عبد العزيز آل سعود أول عملية إعمار في تاريخ الدولة السعودية بعد دخول مكة المكرمة بعام واحد حيث أمر بترميم عمارة المسجد الحرام عام 1926م، وتوالت الإصلاحات في عهده إلى عام 1950م. وكذلك فعل الملك سعود والملك فيصل إلى أن تولى الملك فهد بن عبد العزيز -رحمهم الله جميعا-المُلك فأمر بتوسعة عرفت فيما بعد بتوسعة الملك فهد، وبدأت عام 1983م، ودامت سنوات شملت سطح الحرم والساحات الخارجية والمرافق العديدة. إلا أن واحدة من التوسعات التي شملت الحرمين الشريفين والمشاعر المقدسة بدأت في عهد الملك عبد الله بن عبد العزيز -رحمه الله-وتواصلت في عهد الملك سلمان وشملت المطاف والجمار وتطوير النقل وقطار الحرمين الشريفين.

إلى جانب ما قدمته المملكة العربية السعودية من إعمار للحرمين الشريفين فإنها قد نأت بالحجاج تحديدًا عن القيود المفروضة على طالبي التأشيرة لزيارة المملكة العربية السعودية، فلا يمنع أحد قدم للحج لأسباب سياسية أو إدارية، وهي سياسة ثابتة أوقعت المملكة في حرج مع بعض الدول التي كانت تتابع بعض المطلوبين، ورفضت المملكة رفضًا قاطعًا تسليمهم وقد قدموا للحج. كما أن المملكة سمحت للطائرات الليبية السفر مباشرة إلى مطار جدة الدولي رغم الحصار الجوي المفروض على ليبيا بعد أزمة لوكربي.

ويضرب بالمملكة العربية السعودية المثل في كرم الوفادة للحاج والمعتمر والتعامل مع القادمين على أنهم ضيوف بيت الله، لهم التقدير والإجلال والاحترام حتى يؤدوا نسكهم بسلام مع تقديم كامل الرعاية الصحية لهم مجانًا، ونقل المرضى منهم إلى المشاعر في سيارات الإسعاف والمستشفيات المتنقلة إيمانًا بأن هؤلاء الحجاج تجشموا عناء السفر من أجل الركن الخامس من أركان الإسلام ولذلك تبذل المؤسسات السعودية المعنية بخدمة الحجيج جهودها لمساعدتهم على إكمال متطلبات الحج.

إن الاهتمام الذي توليه المملكة العربية السعودية للإسلام والمسلمين مبدأ أساس لا تحيد عنه، يتوارثه قادتها منذ المؤسس إلى رؤية المملكة 2030 حيث بنيت الرؤية على ثلاثة محاور أول تلك المحاور هو الإسلام باعتباره ركيزة ومحركًا مهمًا لرؤية تعبر عن تطلعات شعب مسلم إلى مستقبل أكثر تقدمًا وازدهارًا.

 

مقالات لنفس الكاتب