array(1) { [0]=> object(stdClass)#13180 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 159

الجزائر تتوجه نحو روسيا والصين وأمريكا مطالبة بتفعيل الحوار الاستراتيجي

الأحد، 28 شباط/فبراير 2021

أزعم أن الابتعاد عن التفكير النمطي الجاهز فيما يخص تفسير السياسة الخارجية الأمريكية تجاه القضايا العربية ومنطقة شمال إفريقيا، من حيث أن إدارة بايدن ستكون استمرارية لإدارة أوباما في التعامل والتعاطي مع القضايا العربية أو قد تختلف اختلافًا جذريًا مع إدارة دونالد ترامب فيما يخص المصلحة الوطنية الأمريكية، قد يمنحنا القدرة على حرية التفكير لرفع الكثير من الغموض والاقتراب أكثر لاستشراف مستقبل التوجهات والقرارات التي ستتخذها إدارة بايدن طيلة عهدتها الرئاسية التي ستستمر إلى غاية 2024م.

 كما أنه يجب الابتعاد عن التفكير الرغبوي بصيغة ما يجب أن يكون، لأن التجربة السياسية للرئيس جو بايدن، بخبرة تفوق أربعين سنة في مؤسسات واشنطن، والمحيطين به الذين عملوا في إدارة أوباما (2008-2016) لا يمكن استنساخها، وهي قناعة الرئيس بايدن ذاته، الذي صرح لقناة أ.بي.سي الأمريكية بقوله: "هذه ليست ولاية أوباما الثالثة، لأننا أمام عالم مختلف تمامًا عما كان في عهد أوباما-بايدن"، وذلك لأسباب موضوعية يمكن إجمالها في الآتي:

أولاً، أن الرئيس جو بايدن سيكون أكثر برغماتية وعقلانية في رسم السياسة الخارجية تجاه القضايا العربية، بالاعتماد على النموذجين البيروقراطي والعقلاني في اتخاذ القرارات، عكس الرئيس السابق دونالد ترامب تمامًا من حيث أسلوب اتخاذ القرارات، وليس نسخة طبق الأصل لإدارة باراك أوباما، وبالتالي فإن القرارات المتخذة ستكون من جهة، حصيلة التناقضات والتفاعلات داخل البيروقراطية الرئاسية وفق النمط التشاركي بمساهمة كل الفاعلين في السلطة التنفيذية (الرئيس- نائب الرئيس- مستشار الأمن القومي- كاتب الدولة للخارجية- البنتاغون- السفير والمبعوث الخاص في الأمم المتحدة و المبعوثين الخاصين)، مع الاعتماد على الحسابات العقلانية التي تقلص الخسائر والتكاليف التي لا تطيق إدارة بايدن تحمل أعبائها بسبب تكاليف كوفيد 19 والتدخلات العسكرية الأمريكية الخارجية، من جهة أخرى.

 كما ستعمل إدارة جو بايدن على تجنب الصدامات مع الكونغرس، رغم الأغلبية الديمقراطية في مجلسي الشيوخ والنواب، وتجنح إلى التعاون معهما لا سيما في القضايا الأمنية الحساسة التي تمس الأمن القومي العربي، مثل الملف النووي الإيراني وتمدد النفوذ الإيراني في سوريا، العراق، لبنان واليمن، وتسوية القضية الفلسطينية ومسألة التطبيع الإسرائيلي-العربي.

ثانيًا، ستعتمد إدارة بايدن على إشراك الحلفاء التقليديين في تسوية القضايا الإقليمية العربية، لا سيما دول الاتحاد الأوروبي مع الاستعداد للتكيف الواقعي والمصلحي مع كل من الصين وروسيا بما يخدم المصلحة الوطنية الأمريكية، في إطار تفعيل دور الأمم المتحدة، والتقارب أكثر مع الدول العربية الفاعلة لاسيما المملكة العربية السعودية، مصر والجزائر في تفعيل التسوية السياسية للقضايا الإقليمية العالقة في الأزمات القائمة في اليمن، سوريا، العراق، ليبيا والنزاع في شمال مالي ومنطقة الساحل الإفريقي وقضية الصحراء الغربية.

ثالثًا، ستنتهج إدارة جو بايدن استراتيجية توازن القوى الإقليمية في منطقة الشرق الأوسط، بالحفاظ على المصالح الأمنية لإسرائيل دون التفريط الكامل في حقوق الشعب الفلسطيني بإعادة فتح مكتب منظمة التحرير الفلسطينية في نيويورك، وإعادة المساعدات المالية الأمريكية للأونروا على أن يتم بعث المفاوضات المباشرة بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل مع حركية الدور الدبلوماسي المصري لتقريب الأطراف الفلسطينية المتناقضة، مع احتمال إحياء المبادرة العربية للسلام لتوسيع دائرة المفاوضات العربية- الإسرائيلية، وقد تضطلع الدبلوماسية السعودية بهذا الدور لتجنب المبادرات العربية الفردية السابقة. 

رابعًا، ستخضع القضايا العربية إلى منطق السياسة الكونية الأمريكية، لأن إدارة جو بايدن ستكون استمرارية لكل الإدارات الأمريكية المتعاقبة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، بلونيها الديمقراطي والجمهوري، والتي تتلخص أهدافها في الحفاظ على المصلحة الأمريكية في المناطق الحيوية العالمية، الفرق بين إدارة ترامب وبايدن، أن هذا الأخير يؤمن بقيادة أمريكا للعالم بشعار "أمريكا أولا" وليس بشعار" أمريكا لوحدها" الذي تبناه ترامب عمليًا، وقد عبر عن هذا الإدراك الرئيس بايدن في مقال بمجلة الشؤون الخارجية  Foreign Affairs بعنوان: "لماذا على أمريكا قيادة العالم من جديد: إنقاذ السياسة الخارجية الأمريكية بعد ترامب" (عدد أبريل 2020)، حيث يطالب بإعادة الزعامة الأمريكية على العالم ومواجهة المنافسين لهذه القيادة حفاظًا على المصالح الأمريكية وتجنبًا للفوضى العالمية التي يرددها الخطاب الديمقراطي منذ عهد الرئيس الديمقراطي، هاري ترومان، الذي أمر بإطلاق قنبلتي هيروشيما ونجازاكي أثناء الحرب العالمية الثانية، حفاظًا على المكانة الأمريكية في النظام العالمي. وعليه، فإن المصلحة الوطنية الأمريكية في الإدارات الأمريكية المتعاقبة تبقى هي المتغير الثابت، بينما تتغير الأدوات والأساليب، لأن كل من ترامب وبايدن ينظرون للصين كتهديد للمكانة العالمية الأمريكية، حتى بالنسبة لانسحاب دونالد ترامب من الاتفاق النووي الإيراني كان لدواعي المصلحة الوطنية الأمريكية في الأساس، التي عبر عنها ترامب بكل صراحة: "بأنه أسوأ اتفاق في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية لمصلحة الأمريكيين"، حيث استفادت منه الشركات الأوروبية من خلال الاستثمارات في السوق الإيرانية على حساب المصالح الأمريكية، فكانت توتال الفرنسيةـ سيمنس الألمانية، إيرباص الأوروبية، بيجو-ستروين للسيارات، ومؤسسة إنفيطاليا القابضة الإيطالية، وعليه، فإن الشعار الأمريكي التقليدي "ما هو صالح لجنرال موتورز صالح للولايات المتحدة الأمريكية" سيبقى هو محرك العلاقات الأمريكية-العربية مستقبلاً.

وفق هذا الإطار العام من التصورات، أي اعتبار المصلحة الوطنية الأمريكية هي المحرك الثابت للسياسة الخارجية الأمريكية، يمكننا أن نرسم مستقبل العلاقات الأمريكية مع دول شمال إفريقيا في ظل إدارة جو بايدن(2021-2024)، وسيتم التطرق إلى هذه العلاقات وفق العلاقات الثنائية مع مجموع الدول الأربعة ليبيا، تونس، الجزائر والمغرب، مع الأخذ بعين الاعتبار مجموعة من الملاحظات الأساسية:

أولاً، تخضع دول شمال إفريقيا ضمن الاستراتيجية الأمريكية الشاملة التي تجمع منطقة "الشرق الوسط وشمال إفريقيا"MENA ، ومن الناحية الأمنية والعسكرية فهي تخضع للقيادة الأمريكية الإفريقية "أفريكوم".

ثانيًا: هناك مجموعة من الآليات التعاونية بين الولايات المتحدة الأمريكية ودول شمال إفريقيا، سيتم تفعيلها وإعطائها ديناميكية أكثر مقارنة بفترة إدارة دونالد ترامب، على المستوى الثنائي سيتم تحريك الحوار الاستراتيجي الأمريكي مع كل من الجزائر، تونس والمغرب، أما على المستوى الإقليمي فسيتم إعطاء دور للأمن الإقليمي الجماعي في إطار الحوار الأطلسي-المتوسطي الذي يجمع الدول الأوروبية ودول جنوب المتوسط من أجل المشاركة والتشاور في محاربة التهديدات الأمنية المتعددة الأبعاد. أما على المستوى المناطق الإقليمية الفرعية لدول شمال إفريقيا، فإن التركيز سيكون على تفعيل مبادرات بأن ساحل ودعم مسارات التسوية السياسية في مالي ومحاربة الإرهاب والجريمة المنظمة في إطار التعاون مع المبادرات الأوروبية ودول منطقة الساحل الإفريقي.

هذه هي سياسة إدارة بايدن تجاه النزاع الدولي والإقليمي في ليبيا.

ستحدد المصلحة الأمريكية تجاه النزاع الدولي والإقليمي في ليبيا مجموعة القرارات التي ستعتمد عليها إدارة بايدن، والتي سترتكز أساسًا على دعم مشاريع التسوية السياسية، الأمنية والاقتصادية الناتجة عن توافقات مخرجات مؤتمر برلين، بما تفضي إلى احترام الرزنامة السياسية التي أفرزتها ندوة الحوار السياسي تحت مظلة الأمم المتحدة، التي قادتها مبعوثة الأمين العام للأمم المتحدة، الأمريكية ستيفاني وليامز، بحيث ستدعم الانتخابات الرئاسية والتشريعية المزمع إجراءها في 24 ديسمبر 2021م.

من أجل التوصل إلى هذه الرزنامة السياسية، حددت إدارة بايدن العقبات الأساسية التي تقف في وجه العملية السياسية، أول هذه العراقيل الضغط على القوى الدولية والإقليمية من أجل سحب القوات العسكرية الأجنبية والمقاتلين الأجانب الداعمين لأحد الطرفين في النزاع الليبي-الليبي، وقد عبر عن هذا الاتجاه الممثل الأمريكي بالنيابة لدى الأمم المتحدة، ريتشارد ميلس، في اجتماع مجلس الأمن (28 يناير 2021م) بقوله :" طبقًا لاتفاق وقف إطلاق النار الموقع في ليبيا في شهر أكتوبر 2020م، نطالب كل من تركيا وروسيا بالعمل الفوري على سحب قوات بلادهما وكذا انسحاب كل المرتزقة والأعوان العسكريين الأجنبيين الذين تم تجنيدهم، ونشرهم وتمويلهم في ليبيا". وتمثل هذه العقبة مشكل ميداني يستوجب حله لبناء السلم والاستقرار في ليبيا، لأن تقرير الأمم المتحدة الصادر في ديسمبر 2020م، قدر عدد المرتزقة والعسكريين الأجانب المنتشرين لدى الطرفين بحوالي 20 ألف شخص، كما تم إحصاء عشرة قواعد عسكرية تتمركز بها القوات الأجنبية، وطبقًا لاتفاق وقف إطلاق النار بين الطرفين الليبيين المتنازعين، فإن على جميع القوات الأجنبية والمرتزقة الانسحاب من ليبيا خلال ثلاثة أشهر من توقيع الاتفاق، لكن المصالح الجيوسياسية المعقدة ستبقى هذا الملف عاملاً ضاغطا على العملية السياسية، وتحدي أكبر لإدارة جو بايدن. وعليه، فإن النزاع الليبي وفق الرؤية الأمريكية الجديدة لإدارة بايدن ستدمج في إطار التنافس الجيوسياسي الأمريكي-الروسي، مع اختبار السلوك الأمريكي تجاه الدور التركي في المنطقة. هذه الأخيرة التي عمدت قبل انتخاب السلطة التنفيذية الجديدة في ليبيا على تمديد تواجدها العسكري لفترة ثمانية عشر شهرًا إضافية.

سيكون الاختبار الأمريكي تجاه تركيا في المدى القريب يدور حول الإبقاء أو التراجع على الهامش الكبير الذي سمحت به إدارة دونالد ترامب لنظام رجب طيب أردوغان، لكي يتمدد في شمال سوريا وشرق المتوسط وتوقيع الاتفاق الأمني والعسكري والبحري مع حكومة الوفاق الوطني الليبي. ووفق الاتجاه الواقعي، فإن الإدارة الأمريكية الجديدة ستمنع استنساخ التجربة السورية حيث كان التوافق الروسي-التركي على إدارة نفوذهما في شمال سوريا على حساب المصلحة الأمريكية، في الوقت الذي سيمنح هامش من الحركة الأمنية لتركيا في حالة تصلب الموقف الروسي في ليبيا، التي تصر على أنها تريد استرجاع مصالحها الحيوية في ليبيا بعد تجريدها منها في فترة ما بعد الإطاحة بنظام القذافي. بشرط أن تقوم تركيا بالدور الأطلسي الذي يخدم المصالح الأمريكية، وهو ما يتضح من الاستعداد البراغماتي الذي بدأت أنقرة تلوح به، من خلال التراجع عن استخدام الصواريخ الروسية إس.400، بسبب الضغط الأمريكي الذي تراه تهديدًا لأمن تكنولوجيا الحلف الأطلسي، فضلاً عن التوجه للخيارات الدبلوماسية لإذابة النزاعات الإقليمية في شرق المتوسط، والتقارب التركي-السعودي.

أما المعضلة الأمنية الثانية التي ستواجه إدارة بايدن في ليبيا، فتتمثل في التطبيق الصارم لحظر إمداد ليبيا بالأسلحة المفروض عليها الحصار منذ سنة 2011م، لأن التجربة السابقة وفق تقارير الأمم المتحدة أثبتت الحجم الهائل من الأسلحة والعتاد العسكري الذي وصل إلى ليبيا والقواعد العسكرية القائمة هناك، وعليه، فإن إدارة بايدن سيكون أمامها مجموعة من الخيارات لمراقبة حظر السلاح منها، تفعيل التعاون مع الآليات الأوروبية القائمة، المتمثلة في الوكالة الأوروبية لمراقبة حدود اتحاد الأوروبي "فرونتاكس"، والآلية البحرية الأوروبية "إيريني" التي تقوم بالمراقبة البحرية بتفويض من مجلس الأمن الأممي، والسهر على متابعة حظر الأسلحة وتهريب النفط.

 كما يمكن لإدارة بايدن اللجوء لخيارات العقوبات الأمنية والاقتصادية على الأطراف المتورطة في توريد السلاح لليبيا، سواء في الداخل الليبي أو التركيز على الطرف الروسي بفرض العقوبات على جماعة فاغنر، التي تراها الإدارة الأمريكية بأنها الغطاء الأمني والعسكري للكرملين في ليبيا. 

وفيما يخص مستقبل إعادة بناء ليبيا، فإن المشاركة الأمريكية في لجنة الحوار الاقتصادية والمالية لمسار برلين، إلى جانب الاتحاد الأوروبي ومصر، يعطيها القدرة على متابعة الرهانات الجيوسياسية في ليبيا من حيث الصراع على الأصول الليبية، والموارد النفطية ومستقبل إدارة الإصلاحات الاقتصادية لمراقبة العائدات النفطية الليبية، لأن تكلفة الحرب الاقتصادية في ليبيا تجاوزت 576 مليار دولار في الفترة (2011-2020) حسب دراسة تم نشرها من قبل اللجنة الاقتصادية والاجتماعية للأمم المتحدة لغرب آسيا، ضمن تقرير بعنوان:" التكلفة الاقتصادية للنزاع الليبي"، ومن أجل بناء السلم في ليبيا أوصى الخبراء الاقتصاديون بضرورة وضع مخطط لإعادة البناء والإنعاش يقوم على الحوكمة الاقتصادية الفعالة والشفافية، وإعادة الاعتبار للقطاعات التي تم تدميرها في النزاع لاسيما قطاعي النفط والخدمات. وقد بادرت غرفة التجارة الأمريكية في ليبيا بدعم من السفير الأمريكي بليبيا، ريتشارد نورلاند، باجتماعات مع مجموعة من الشركات الأمريكية التي أبدت رغبتها في المساهمة في إعادة بناء البنية التحتية والاقتصاد الليبي في إطار الإصلاحات التي ستدعمها الولايات المتحدة الأمريكية لاسيما في إعطاء الفرص لاستثمارات القطاع الخاص في كل المجالات الحيوية.

إدارة بايدن..من أجل إنقاذ ثورة الياسمين في تونس

تمثل تونس بالنسبة لإدارة بايدن نموذجًا للتحول الديمقراطي في العالم العربي، بفضل "ثورة الياسمين" التي جنبت المنطقة الصدامات العنيفة مقارنة بما شهدته الدول العربية التي عرفت "الثورات"، ابتداء من جارتها ليبيا إلى سوريا، مما يستدعي دعمها تنمويًا وأمنيًا، وهو ما أدى بإدارة باراك أوباما في 10 يوليو 2015م، أن تعلن تونس كحليف أساسي غير عضو في الحلف الأطلسي، بما يمنح الجيش التونسي مكانة متميزة لإقامة علاقات مع الجيش الأمريكي والاستفادة من الامتيازات على المستويين اللوجستيكي والمالي. مع نهاية إدارة دونالد ترامب، تم التوقيع على اتفاق التعاون العسكري بين البلدين لعشر سنوات قادمة (2020-2030)، الذي وقعه كاتب الدفاع، مارك إسبر، بالعاصمة تونس، واضعًا بذلك خريطة الطريق للتعاون العسكري والأمني ضمن الرؤية الأمريكية القائمة على دعم الحلفاء، مواجهة التهديدات الأمنية في ليبيا واحتواء التنافس الروسي-الصيني في المنطقة، وهو ما أكده م.إسبر بقوله:" نسعد بدعم هذه العلاقات من أجل مساعدة تونس على حماية موانئها وحدودها ومواجهة الإرهابيين الذين يمثلون تهديدًا، وفي الوقت ذاته، لمواجهة منافسينا الاستراتيجيين الصين وروسيا".

إلى جانب الأهمية الاستراتيجية التي تمثلها تونس، فإن الولايات المتحدة الأمريكية مع إدارة بايدن أمامها اختبار جدي فيما يتعلق بتقديم المساعدات التنموية لتونس في إطار الوكالة الأمريكية لدعم التنمية، وهي بمثابة القوة الناعمة التي ستستند عليها الإدارة الجديدة لكسب دعم القوى المجتمعية في تونس التي لعبت دورًا كبيرًا في التحول الديمقراطي، بالأخص بعد حصول الرباعية على جائزة نوبل في المرحلة الجنينية للرسوخ الديمقراطي، لأن الإدارة السابقة لدونالد ترامب حاولت تقليص المساعدات التنموية المخصصة لتونس، حيث خصص ترامب بعنوان الميزانية الجبائية لسنة 2020م، مساعدة بقيمة 86.4 مليون دولار أي بتخفيض ثلثي القيمة التي خصصها الكونغرس في ميزانية 2019م، أي 241.4 مليون دولار، وبالرغم من المحاولات المتكررة للرئيس ترامب من أجل خفض الإعانات المخصصة لتونس، فإن الكونغرس كان دائما يقف في وجه الرئيس بدافع أن تونس تمثل النموذج الديمقراطي الذي يحتاج لدعم من أجل مواجهة السخط الشعبي الداخلي بسبب الأزمة المالية والاقتصادية الخانقة التي تمثل تهديدا للتحول الديمقراطي، وانعكاساته على مستقبل العلاقات الأمريكية-التونسية، حيث تبين معطيات سبر الآراء الذي قام به "البارومتر العربي" حول تونس، بأن ثلاثة تونسيين من عشرة يعتبرون بأن استخدام العنف ضد الولايات المتحدة الأمريكية يمكن تبريره، وهو مؤشر على المعطيات السابقة التي بينت بأن التونسيين يمثلون أكبر عدد من المقاتلين العرب الذي التحقوا بالقتال في سوريا والعراق. كما بينت المؤشرات المقدمة من قبل البارومتر العربي، أن التونسيين يميلون أكثر إلى المنافسين الأمريكيين فيما يخص المساعدات، حيث يفضل 45 بالمائة من التونسيين علاقات قوية مع واشنطن، بينما يفضل 63 بالمائة العلاقات مع الصين و57 بالمائة مع تركيا و50 بالمائة مع روسيا.

وعليه، فإن إدارة بايدن أمامها مجموعة من الخيارات لاسترجاع المكانة الأمريكية كما يطمح إليها في تونس، ليس بالخطابات المتكررة حول قيم الديمقراطية والحرية، لأن الأمن المجتمعي في النهاية مرتبط بالتنمية وأن الديمقراطية التي لا تتغلب على الاختلالات الاجتماعية والتنموية قد تؤدي إلى نتائج عكسية، وأعتقد أن المؤشرات السابقة تعبيرًا صريحًا على ذلك. 

الجزائر الحليف الاستراتيجي لبناء السلم والاستقرار الإقليمي.

ستبقى إدارة بايدن تتعامل مع الجزائر في الفترة (2021-2024) بنفس الرؤية التي اعتمدتها الإدارات السابقة خصوصًا منذ فترة ما بعد 11 سبتمبر 2001م، بحيث تتقاسم هذه الرؤية بيروقراطية الخارجية وجناح قوي داخل البنتاغون، والتي تقوم على خمسة دعائم أساسية كما وضحتها بعض التقارير الصادرة عن البنتاغون. أول هذه الدعائم، أن الجزائر شريك استراتيجي حيث تقيم معها واشنطن علاقات صلبة في ميادين الدبلوماسية، الاقتصاد والأمن. ثانيًا، هناك توافق كبير بين واشنطن والجزائر لتحقيق الأهداف المشتركة للأمن الإقليمي من خلال التعاون، وتبادل الخبرة والتجربة وإقامة العمليات العسكرية المشتركة والتكوين العسكري. أما الدعامة الثالثة، فإن الجزائر تمتلك إحدى الجيوش القوية في إفريقيا ولديها خبرة كبيرة في مكافحة الإرهاب، بما لديها من أرضية متقدمة برًا، جوًا وبحرًا. وفيما يخص الدعامة الرابعة، فإن الجزائر تقوم بدور بناء في ترقية الاستقرار الإقليمي لاسيما في ليبيا ومنطقة الساحل الإفريقي، خامسًا وأخيرًا، فإن الولايات المتحدة الأمريكية تعد أحد الشركاء التجاريين الأساسيين للجزائر في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

إذا كانت هذه الدعائم الخمسة هي التي ستحدد مستقبل التفاعل الأمريكي-الجزائري، فإن دوائر صنع القرار في واشنطن يدركون أن الجزائر من خلال استراتيجية تنويع الشركاء قد تشكل في مراحل معينة مصدر قلق بالنسبة لبعض الدوائر الأمريكية غير الرسمية، فمثلاً، صحيفة الواشنطن بوست كتبت تقول:" بأن الشريك الاستراتيجي المفضل للجزائر في ميدان الدفاع تبقى روسيا التي تزود الجزائر بـ 85 % من قدراتها الدفاعية"، لأن الجزائر لا تقبل في كثير من الأحيان الشروط التي يضعها المركب الصناعي العسكري الأمريكي، لا سيما فيما يخص مستقبل الأمن الإسرائيلي، التي تعد ورقة ضاغطة لكل شركاء واشنطن فيما يخص اقتناء السلاح المتطور من الولايات المتحدة الأمريكية.

إلى جانب الارتباط الجزائري في مسألة الدفاع بروسيا، فإن العلاقات الاقتصادية والتجارية المتقدمة بين الجزائر والصين ستشكل تحدي آخر لمستقبل العلاقات الأمريكية-الجزائرية، بانضمام الجزائر لمشروع الحزام والطريق، ومنذ سنة 2013م، أضحت الصين الممول الأول للجزائر متجاوزة الشركاء التقليديين الأوروبيين، وما بين 2016 و2019م، عززت الصين مكانتها التجارية بحصة في السوق الجزائرية تتراوح ما بين 18 و20 %، بمعدل 8 مليارات دولار من الصادرات سنويًا. بينما لم يتجاوز حجم التبادلات التجارية الأمريكية الجزائرية في سنة 2019م، المليارين دولار، تمثل أقل من 7 % من صادرات الجزائر الخارجية.

يبقى أن نشير بأن أمام إدارة بايدن الكثير من الآليات من أجل التكيف مع منافسيها الاستراتيجيين الروسي-الصيني، من خلال تفعيل الحوار الاستراتيجي الأمريكي-الجزائري، وإعطاء ديناميكية أكبر للوكالة الأمريكية للتنمية والتجارة التي تمول القطاع الخاص الأمريكي في استثمارات الطاقة والاتصالات، لاسيما بالنسبة لشركة سوناطراك التي تشكل قلب الاقتصاد الجزائري.

المغرب.. الحليف الاستراتيجي المتميز خارج الحلف الأطلسي.

بغض النظر عن تغير الحزب الحاكم في البيت الأبيض الأمريكي، فإن المغرب تبقى تحافظ على العلاقات المتميزة التي تربطها بدوائر صنع القرار في المؤسسات الأمريكية عسكريًا وتجاريًا، باعتبارها الحليف الاستراتيجي الأساسي غير العضو في الحلف الأطلسي، التي اكتسبتها مع إدارة بوش الابن في سنة 2004م، والتي تستفيد من علاقات متقدمة مع الجيش الأمريكي، فضلاً عن كونها إلى جانب دول شمال إفريقيا الأخرى، الجزائر وتونس، مندمجة في الحوار الأطلسي-المتوسطي وتقيم علاقات استراتيجية ضمن آلية الحوار الاستراتيجي الأمريكي-المغربي.

 أما تجاريًا، فإنها البلد الوحيد في إفريقيا الذي تربطه اتفاقية التبادل الحر مع واشنطن منذ سنة 2006م، إلا أن واقع التبادلات التجارية لا يزال يؤشر على تبعية المغرب مثلها مثل دول شمال إفريقيا للسوق الأوروبية التي ترتبط بها باتفاقيات الشراكة ومنطقة التبادل الحر، حيث بقي حجم الصادرات المغربية إلى الولايات المتحدة الأمريكية ضئيلاً جدًا، انتقل من 2 بالمائة سنة 2006 إلى ما يقارب 4% في الفترة ما بين 2012-2014م، من إجمالي الصادرات المغربية، بينما لم تتجاوز حصة الواردات نسبة 4.5 إلى 7%، في الوقت الذي لم تصل نسبة الاستثمارات الأمريكية 6 %. وبالرغم من ذلك فإن الولايات المتحدة الأمريكية انتقلت من الرتبة العشرين بالنسبة للشركاء التجاريين للمغرب في سنة 2000 إلى الرتبة السابعة سنة 2020م، وبتواجد 150 شركة أمريكية تستثمر في السوق المغربية.

وأخيرًا، فإن تفاعل إدارة بايدن مع المغرب ستكون مع صفقة دونالد ترامب فيما يخص الاعتراف بمغربية الصحراء الغربية مقابل التطبيع المغربي-الإسرائيلي، وهي في الواقع مأزق عبر عنه موقع سي.إن.إن في تقرير مطول بعنوان" صفقة ترامب مع المغرب.. صداع آخر لفريق بايدن"، بحيث سيكون بايدن وفريقه أمام خيارين، الاستمرار في دعم التطبيع العربي / الإسرائيلي مع خيار تفعيل دور الأمم المتحدة لتسوية قضية الصحراء الغربية لتجنب تصدعات أكثر في منطقة شمال إفريقيا وللالتفاف على الصداع الذي تركه ترامب.

مقالات لنفس الكاتب