;
الرئيسية / بايدن انتصر للتعددية وبدأ ولايته بإعادة الانفتاح وأتى بالممحاة على تراث سلفه الانعزالي

العدد 159

بايدن انتصر للتعددية وبدأ ولايته بإعادة الانفتاح وأتى بالممحاة على تراث سلفه الانعزالي

الأحد، 28 شباط/فبراير 2021

تحميل    ملف الدراسة

الولايات المتحدة الأمريكية هي اليوم، أقوى وأغنى وأكثر دول العالم تقدمًا ونموًا، سياسيًا واقتصاديًا وحضاريًا وعلميًا. هذه الإمكانات، غير المسبوقة في تاريخ البشرية، جعلت من الولايات المتحدة قوة كونية مهيمنة، ربما بعيدًا عن إرادتها ورغبتها، مهمة استراتيجيًا لتوازن النظام الدولي.. واستقرار العالم وأمنه... بل ولسلام العالم. بالرغم من وجود قوى دولية عظمى أخرى شاركت في تشكيل نظام الأمم المتحدة عقب الحرب الكونية الثانية، ربما ظهر بعضها كقوى منافسة لها في اقتسام الهيمنة على النظام الدولي، كما كان الاتحاد السوفيتي في عهد الحرب الباردة، إلان أنه في حقيقة الأمر لم تصمد أي قوة عظمى دولية منافسةً حقيقيةً أمام الولايات المتحدة الكونية المهيمنة على مقدرات النظام الدولي على المستوى الاستراتيجي، بوجه عام.   

 

الولايات المتحدة الأمريكية تختلف عن بقية الدول الكبرى، التي تعاقبت على قيادة النظام الدولي، حديثاً، منذ نهاية القرن السادس عشر. لم تدفعها نوازع إمبراطورية استعمارية، كالقوى الاستعمارية التقليدية، مثل: إسبانيا، والبرتغال، وفرنسا، وبريطانيا، واليابان بحثاً عن النفوذ والثروة والمواد الخام والأسواق الخارجية. كما أنها لم تكن في تداخليةِ سياستها الخارجية، ولا حتى في فترات عزلتها، مدفوعة بأيدولوجيات تقليدية دينية أو قومية، عدا ليبراليتها السياسية والاقتصادية. الولايات المتحدة الأمريكية، قياساً بعمر الدول الكبرى الحديثة، هي دولة شابة فتية، ولدت، ولادة متعسرة وعنيفة، من رحم ظاهرة الاستقلال بعد مخاضٍ دموي وعنيف في مقاومة الاستعمار، طلباً للحرية من أجل السيادة الوطنية. وكأن الولايات تمثل باكورة، الدولة القومية الحديثة، لتعكس الأهمية الاستراتيجية للعالم الجديد، وبداية أفول شمس العالم القديم، شرقه وغربه، خاصة أوروبا.

 

بين العزلة والتداخلية

 

الولايات المتحدة، تاريخياً، دولة انعزالية. لم تدفعها مغريات المغامرات الخارجية، لاستكشاف مصادر الثروة والنفوذ والمواد الخام والأسواق الخارجية، لتنخرط بقوة وعنف في مسرح السياسة الدولية، كبقية القوى الاستعمارية التقليدية، مثل: إسبانيا والبرتغال وفرنسا وبريطانيا. لم تسيطر على الولاياتِ المتحدة أحلام ومغامرات الغزو والفتح.. أو تدخل في صراعات أممية، من أجل الهيمنة الكونية، على قيم وحركة النظام الدولي، السائد في أيٍ من النظم الدولية الحديثة، مثل تلك القوى الاستعمارية، التي تعاقبت على حكم العالم.. وتصارعت فيما بينها على مكانة الهيمنة الكونية، منذ تعاقب الأنظمة الدولية الحديثة، نهاية القرن السادس عشر.

 

      لعلَ ذلك يرجع لظروف نشأتها، كدولة حديثة، نالت استقلاها بعد مقاومة عنيفة مع الاستعمار. ولعلَ ذلك راجع لخلفية شعبها المتميز بالتعددية والتنوع الثقافي والعرقي والقومي والديني. ولعلَ ذلك يرجع لخلفية شعبها المتعطش للحرية، التي هاجر رواده الأول المتطهرون( Puritans ) القادمون من إنجلترا، في القرنين السادس عشر والسابع عشر،  هرباً من الظلم والاضطهاد الديني والعنصرية والأوضاع المعيشية المتردية.. وهم نواة نشر البروتستانتية في قارة أمريكا الشمالية.  

 

مهما كانت أسباب عزلة الولايات المتحدة التاريخية، التي تأبى إلا وتؤكد ذاتها، مهما بلغت وطالت تداخلية سياستها الخارجية وانخراطها في الشأن الدولي، فإن عزلة الولايات المتحدة متجذرة في وجدان شعبها، وليست تعبيراً أيدولوجياً، لبعض نخبها السياسية، في عصرٍ من العصور. عدا ظروف توسع الدولة غرباً، لتصبح خمسون ولاية، بعد أن كانت ثلاثة عشر ولاية فقط في أقصى شمال شرق البلاد.. وتتحول من دولة كونفدرالية، إلى دولة فيدرالية، بعد حربٍ أهليةٍ ضروس، استمرت أربع سنوات (١٨٦١ – ١٨٦٥م) بين ولايات الشمال الصناعية الغنية وولايات الجنوب الزراعية الفقيرة، على قضية الرق، لم تدخل الولايات في حروبٍ كونية، مدفوعةٍ بمغريات استعمارية، ولا حتى بحثاً من مكانة الهيمنة الكونية. 

 

لقد دخلت الولايات المتحدة الحرب العظمى (١٩١٤ – ١٩١٩)، مدفوعةً دفعاً.. كما كان دخولها الحرب الكونية الثانية (١٩٣٩ –١٩٤٥)، رغمًا عنها.  وفي كلا الحربين كانت هناك معارضةٌ داخلية شرسة، لاشتراك الولايات المتحدة في كلا الحربين.. وإن كان تدخلها لصالح الحلفاء في كلا الحربين، دورٌ حاسمٌ في وضع نهاية لكلا الحربين العالميتين.

 

دور رجل الإطفاء الدولي

 

في كلا الحربين العظميين، مارست الولايات المتحدة دور رجل الإطفاء الدولي، الذي يُستدعى لإطفاء النيران، ربما يكون بعيداً عن موقع اشتعال تلك النيران وما يلبث أن يعود إلى حيث توجد محطة الإطفاء، تاركاً موقع الحريق لمسؤوليات غيره، وإن ترك خلفه إرشادات لمنع وقوع الحريق، مرةً أخرى.

 

هذا ينطبق تماًماً، على سلوك أمريكا الخارجي، في الحرب العظمى لقد منع الشعب الأمريكي حكومته أن تتورط أكثر في الشأن العالمي بعد انتهاء الحرب، إذ رفض الكونجرس أي دورٍ للولايات المتحدة على مسرح السياسة الخارجية في العالم القديم، بما في ذلك تفعيل خطة الرئيس وودرو ويلسون (١٩١٣ – ١٩٢١م) للسلام، المكونة من أربعة عشر بنداً، تفادياً لأي حرب كونية جديدة، دعماً لمعاهدة فرساي ١٩١٩م.  

 

اشتركت الولايات المتحدة في صياغة معاهدة فرساي.. وإن تحفظت على بنود الاستسلام الجائرة على ألمانيا، فيما يخص مسؤولية الحرب وتعويضاتها، التي رأت فيها إرهاصات لحربٍ كونية قادمة. إلا أن الولايات المتحدة لم تنضم إلى عصبة الأمم، لأن الكونجرس رفض التصديق على المعاهدة أو الانضمام لعصبة الأمم، وكان ذلك سبباً رئيسياً، في انهيار نظام عصبة الأم، وبعد عقدين، اندلعت الحرب الكونية الثانية.

 

بداية التداخلية

 

لم تهتم الولايات المتحدة بالشأن الدولي، خارج مجالها الإقليمي الحيوي في العالم الجديد، كقوة كونية عظمى، إلا بعد الحرب العالمية الثانية، التي فرضت على الولايات المتحدة التزامات أمنية كونية، ذات علاقة استراتيجية بأمنها القومي، بالدرجة الأولى. خارج إرادتها الوطنية، بل وحتى توجهات شعبها، حيث اكتشفت واشنطن، بعد الحرب العالمية الثانية أن أمنها القومي وثيق الصلة بسلام العالم وأمنه، وبالذات أوروبا، حيث مسرح الحربين العالميتين الرئيس، ومنطقة شرق الباسفيك.

 

لقد كانت مخاوفها بعدم صمود نظام عصبة الأمم وتوقعها نشوب حربٍ كونية جديدة في محلها. خشيت الولايات أن تضطرها اعتبارات توازن النظام الدولي التي ألقت على عاتقها، بعد تجربة خوض الحرب العالمية الثانية، مسؤوليات دولية قد لا ترغب في تحملها. مهما كان عائد الانتصار في حربٍ كونية مجزياً، كما هو شأن القوى الكونية التقليدية، فإن الولايات المتحدة كانت تفضل العزلة وأن يتركها العالم وشأنها.  لقد اكتشفت واشنطن أن القيام بدور رجل الإطفاء الدولي رغماً عنها، دون أن تترك وراءها إجراءات أمنية وقائية فعالة، تحول دون اشتعال حربٍ كونية جديدة، تضطر لإطفائها، لا يتماشى مع مقتضيات أمنها القومي.

 

لقد اتبعت الولايات المتحدة، في سياستها التداخلية الجديدة بعد الحرب العالمية الثانية، مسارين متوازيين، للقيام بدورها التوازني لاستقرار نظام الأمم المتحدة الجديد. الأول اقتصادي، لتفادي مشكلة مسؤولية اندلاع الحرب العالمية الثانية، وما يترتب على ذلك من نظام تعويضات مجحف على الدول المنهزمة، الذي يؤذن بحربٍ كونية ثالثة. في هذا المسار تكفلت الولايات المتحدة بإعادة إعمار أوروبا واليابان ضمن مشروع مارشال. 

 

كان مشروع مارشال من الناحية الاقتصادية والتنموية ناجحاً، خلق بدوره قناعة لدى الدول الكبرى التقليدية، بجدوى استراتيجية التعاون فيما بينها، على الإبقاء على حالة الصراع التاريخي المزمنة.  كان من ضمن مشروع مارشال، إدخال الاتحاد السوفياتي، إلا أن جوزف ستالين (١٨٧٨ – ١٩٥٣م) كان له مشاريعه التوسعية شرق أوروبا، لأسباب أمنية واستراتيجية، مما يفتح أمامه مجال المنافسة الكونية... وكان من نتيجة ذلك نشوب الحرب الباردة، التي أكدت للولايات المتحدة مدى ارتباط أمنها القومي، باتباع سياسة تداخلية نشطة، على مسرح السياسة الدولية، تنهي عقيدتها الانعزالية التقليدية، أو على الأقل تخفف من وطأتها على أمنها القومي.

 

المسار الثاني، أمني واستراتيجي. لقد رأت واشنطن، أن مشروع مارشال، لن يتحقق له النجاح، إلا إذا توفرت له مظلة أمنية، تعتمد أساساً على قدراتها النووية الضاربة، الرائدة.  فكان أن تكفلت الولايات المتحدة بأمن حلفائها في أوربا وشرق الباسفيك (اليابان وكوريا الجنوبية والفلبين). 

 

كانت تكلفةَ هذين المسارين باهظة، على موارد الولايات، لكن ذلك لا يمكن أن يُقارن بعوائد ذلك على أمنها القومي، في عصرٍ أصبحت تكلفة أي حربٍ كونية جديدة، تعني الفناء الكامل للبشرية، بسبب تطور أسلحة الدمار الشامل غير التقليدية، بالذات النووية. هذا، بالإضافة إلى تكلفة نشوبِ حربٍ جديدة، حتى لو كانت تقليدية، في أوروبا ومنطقة الباسفيك، تضطر معها الولايات القيام من جديد بدور رجل الإطفاء الدولي.

 

من وجهة نظر موضوعية، بعيداً عن أي اعتبارات أيدلوجية تتعلق بتجذر عقيدة الانعزالية في الثقافة السياسية الأمريكية، كان التحول إلى التداخلية في السياسة الخارجية، يصب في صميم أمن الولايات القومي، بحيث لم يعد بالإمكان تجاهل ما يحدث على مسرح السياسة الدولية، دون أن ينال ذلك من أمن الولايات المتحدة القومي، ذاتها. 

 

هذا، بالإضافة إلى عائد المكانة الدولية المهيمنة، الذي لا يمكن تجاهله، وإن أبدت واشنطن عدم رغبتها في تقلد هذه المكانة، وإن قُدمت لها على طبقٍ من ذهب، دون أن تضطر لخوض حربٍ كونية تطلب نصراً حاسماً فيها، كما هو حال القوى الكبرى، التي تعاقبت على قيادة الأنظمة الكونية الحديثة، منذ نهاية القرن السادس عشر.

 

تجدر الإشارة هنا: عندما انتصرت الولايات المتحدة الأمريكية في الحرب الباردة بانهيار الاتحاد السوفيتي من الداخل بداية تسعينيات القرن الماضي، بدا عزوف واشنطن من تقلد منصب ومسؤوليات القوة الكونية المهيمنة، وإن حاولت الاستفادة من مكانة الهيمنة الكونية، التي وجدت نفسها عليها، دون تحمل تكلفتها، عكس ما كان عليه وضع القوى الكبرى التقليدية. تاريخياً: وضعية الهيمنة الكونية، تطلب خوضُ حربٍ كونية حاسمة والانتصار فيها، للانتقال من نظام دولي لآخر. بالإضافة إلى الاستعداد لدفع تكلفة الهيمنة الكونية، لجني عوائدها والتمتع بامتيازاتها. كلا الحالتين، لم تتوفرا، في السياسة الخارجية الأمريكية، عقب انهيار نظام الحرب الباردة.

 

بين الانعزالية والتداخلية 

 

الانعزالية والتداخلية اقتربا في السياسة الخارجية الأمريكية، ليسا ببعيدين عن مسرح السياسة الأمريكية الداخلية. تاريخياً: الانعزالية كانت الاقتراب المفضل لرسم وتنفيذ السياسة الخارجية الأمريكية، لدى الحزب الجمهوري، بخلفيته المحافظة... بينما التداخلية من صميم عقيدة الحزب الديمقراطي، بخلفيته الليبرالية، لصنع وإدارة السياسة الخارجية الأمريكية. 

 

لكن لا يمكن الاخذ بتلك الفرضية على إطلاقها. أحياناً: تفرض تكلفة التداخلية الباهظة، خاصةً عند التورط في حروبٍ خارجية قد يترتب عليها ضحايا بشرية في الجنود الأمريكيين. تجربتي حربي كوريا (١٩٥٠ – ١٩٥٣م) وفيتنام (١٩٦٠ -١٩٧٥م)، عززت من تيار الانعزالية، حتى بين الديمقراطيين.  كما أن الجمهوريين، أكثر ميلاً باتباع السياسة التداخلية، في شكلها العنيف.  حرب تحرير الكويت (١٩٩١م) والحرب على العراق وأفغانستان (٢٠٠٣م) وكذا التدخل في لبنان (١٩٥٨، ١٩٨٣م) كانت في عهود رؤساء جمهوريين، عدا التدخل في الصومال، فيما عُرف بعملية إعادة الأمل (١٩٩٢م)، كانت في عهد الرئيس الديمقراطي بيل كلنتون (١٩٩٣ – ٢٠٠١م).

 

لكن، غالباً، يمكن القول: بأن الانعزالية عقيدة سياسية للحزب الجمهوري، عدا في شكلها العنيف (العسكري)، فإن الجمهوريين أقرب للعقيدة التداخلية، من الديمقراطيين.  بينما الديمقراطيين يميلون إلى التداخلية، من ناحية استخدام أدوات القوة الناعمة، وأيضاً، فيما يخص القضايا الأمنية الاستراتيجية. 

 

الانعزالية الشعبوية

 

 لم يحدث أن تبلورت الانعزالية، في شكلها المحافظ المتطرف، الذي لا يتردد في المساومة على القيم الليبرالية والممارسة الديمقراطية الامريكية، كما كان الوضع عليه في عهد الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب (٢٠١٧ – ٢٠٢٠م). بنى الرئيس ترامب حملته الانتخابية (٢٠١٦م) وكذا رئاسته، على شعار أمريكا أولا.. وأمريكا للأمريكيين، من أجل عودة أمريكا عظيمةً، من جديد، كما قال. 

 

عهدٌ جديدٌ من الانعزالية وَسَمَ به الرئيس الجمهوري الخامس والأربعون دونالد ترامب، ولايته الوحيدة. كلا الشعارين، لهما علاقة بالعودة للانعزالية، بصورة متطرفة، لم تتخذها أي إدارة أمريكية، ربما منذ تاريخ نشأة الجمهورية. 

 

لنأخذ أولاً، عَجُزَ الشعار، إن صح التعبير، باستعارته من لغةِ الشِعْرِ. يُقصد بالقول: أن أمريكا للأمريكيين، توجهاً انعزالياً داخلياً، يصل لدرجةِ الإغلاق.  هذا، بالإضافة إلى الإيحاء العنصري الخفي للشعار.  لقد أقدمت إدارة الرئيس ترامب السابقة على إغلاق البلاد من الداخل، مجتمعياً وثقافياً، وحتى سياسياً. فتم وقف الهجرة، وحتى الزيارة، في وجه قوميات معينة، ذات خلفيات دينية وثقافية محددة، خاصةً الراغبين في الهجرة والمجيء للولايات المتحدة، سواء للزيارة أو التعليم أو حتى العلاج، من دول بها أغلبية مسلمة!

 

كما تم شن حملةٍ بوليسية شرسة ضد ما يُطلق عليهم المقيمين غير الشرعيين، لدرجةِ الفصل التعسفي للأسر، بأخذِ الأطفال المولودين في البلاد من أبويهم قسراً وإيداعهم في ملاجئ خاصة، لرعايتهم وتربيتهم بعيداً عن أبويهم الشرعيين، ومن ثَمّ ترحيل الاباء والأمهات قسراً إلى بلدانهم الأصلية، بغض النظر عن الأوضاع في بلدانهم التي كانت السبب الرئيس لهروبهم منها، بحجةِ عدم حصولهم على إقامة شرعية في الولايات المتحدة. وزاد على ذلك إغلاق البلاد، بسياجٍ عازلٍ على طول حدود البلاد الجنوبية مع المكسيك.  حتى الجارة الديمقراطية شمالا، التي تشترك مع الولايات المتحدة في قواسم كثيرة مشتركة، سياسيا واقتصاديا وثقافياً وحضارياً وأمنياً، لم تَسْلَمَ من شعارِ أمريكا للأمريكيين، بتشديد حركة التجارة مع كندا، وكذا وقف العمل اتفاقية النافتا للتجارة الحرة بين دول أمريكا الشمالية (١ يناير ١٩٩٤م)، التي تجمع الدولتين مع المكسيك.

 

لم يكن الرئيس ترامب وإدارته يقصدون بشعار أمريكا للأمريكيين، على إطلاقه. يقصدون، بالذات الأمريكيين البيض المسيحيين، دون غيرهم من ذوي الخلفيات العرقية الملونة، وحتى ذوي الأصول السامية، مثل اليهود والعرب. لقد تجلى هذا البعد العنصري للشعار، الذي يجافي قيم الليبرالية، في بعدها، التعددي، بخلفيته الثقافية والعرقية والدينية، في الانتخابات الرئاسية الأخير (٣ نوفمبر ٢٠٢٠م)، عندما جادل الرئيس ترامب، بتزويرها وتزييف نتيجتها، مطالباً باحتساب فقط الأصوات الصحيحة، يقصد: استبعاد أصوات السود والملونين، خاصةً في المدن الكبرى، في الولايات التي خسرها، وكان قد فاز بها في انتخابات ٢٠١٦م، مثل: فيلادلفيا (بنسلفانيا).. وأتلانتا (جورجيا)..  وديترويت ( ميتشيغان ). 

 

هذه الانعزالية الشعبوية المتطرفة، لابد أن تنعكس على السياسة الخارجية الأمريكية، في عهد إدارة الرئيس دونالد ترامب الجمهورية السابقة. هذا، بالذات ينطبق على صَدْرِ الشعارِ، القائلِ: أمريكا أولاً. أي العودة إلى العزلة، بشكلها التقليدي، كما كان الوضع، في فترة ما بين الحربين العالميتين، وما قبلهما.

 

هذه الانعزالية، في صورتها المتطرفة شعبوياً داخلياً، ترفض أي شكل من أشكال الارتباط الاستراتيجي بين الولايات المتحدة وحلفائها التقليديين في معاهدة حلف شمال الأطلسي ( النِتو )، وكذا حلفاء وأصدقاء الولايات المتحدة التقليدين في مناطق أخرى من العالم، خاصةً منطقة الشرق الأوسط والخليج العربي، عدا بالطبع إسرائيل.  لم تعنِ سياسة إدارة الرئيس ترامب الانعزالية، في ما يخص السياسة الخارجية الأمريكية فقط التنصل من نظام الحماية الأمريكية لحلفائها التقليديين، فحسب... بل طالبتهم بدفع تكلفة تلك الحماية بأثرٍ رجعيٍ.. والدفع نقداً ومقدمًا نظير أي مساعدة أمنية مستقبلاً!

 

صحيح: إدارة الرئيس ترامب لم تتورط في أي عملٍ عسكريٍ في الخارج... بل التزمت، إلى حدٍ كبيرٍ، بوعودها الانتخابية بعودة الجنود الأمريكيين في مناطق الصراع المتوترة في الخارج مثل: العراق وأفغانستان وسوريا. لقد وصل الأمرُ بإدارة الرئيس ترامب، في تطرفها الانعزالي هذا، لدرجةِ المساومة على أمن حلفائها الأوربيين في (النِاتو)، بتخفيض قواتها في مناطق استراتيجية حساسة لأمنها القومي، مثل: ألمانيا.. وكذا خفضت من مساهمتها في ميزانية النِاتو، والضغط على شركائها الاستراتيجيين في الحلف للرفع من نصيبهم في الميزانية.  نفس الضغط مارسته على حلفائها شرق الباسيفيك في اليابان وكوريا الشمالية. 

 

التداخلية المنتقاة

 

أما في منطقة الشرق الأوسط، فإن الأمر مختلف، لحدٍ ما. إدارة الرئيس ترامب، عَرّضت الاستقرار في المنطقة للخطر، بما لم يحدث في تاريخها، منذ قيام إسرائيل، بل حتى مع أهم محاولاتها التداخلية في المنطقة، فيما عُرف برعايتها للسلام، بتبنيها لأول معاهدة سلام بين إسرائيل ومصر، فيما عُرِف باتفاقيات كامب ديفيد (٢٩ مارس ١٩٧٩م). 

 

مهما قيل عن الاتفاق النووي مع إيران في عهد إدارة الرئيس الرابع والأربعون باراك أوباما (٢٠٠٩ – ٢٠١٦م)، بشراكة أوربية أممية، فإن إلغاء تلك الاتفاقية من جانب إدارة الرئيس ترامب، عرضت منطقة الخليج العربي لخطرٍ استراتيجيٍ كبير. بالذات، إذا ما تذكرنا، أن استراتيجية الانعزالية، التي اتبعتها إدارة الرئيس ترامب، أضرت أمنياً بحلفاء الولايات المتحدة في الخليج العربي، في الوقت الذي أتاحت لإيران توسع نفوذها في العراق وسوريا واليمن. ومما زاد الأمر سوءاً تطبيق استراتيجية الانعزالية، أمنياً على حلفائها العرب في الخليج العربي، إسوةً، بما فعلته تجاه حلفائها الأوربيين وشرق الباسفيك، بمعنى: الدفع مقابل الأمن .. وليس الربط بين أمن الولايات المتحدة القومي، وأمن حلفائها الخارجيين. 

 

تشذ عن هذه القاعدة الانعزالية إسرائيل.  لم تحظ إسرائيل بدعمِ إدارة أمريكية، منذ قيامها على أرض فلسطين العربية، مثل ما حظيت به الدولة العبرية من إدارة الرئيس دونالد ترامب. ربما وجه التداخلية النشطة، الوحيد، في السياسة الخارجية الأمريكية في عهد إدارة الرئيس ترامب، كان في الدعم السياسي والأمني اللا محدود لإسرائيل. في عهد إدارة الرئيس ترامب مورس ضغطٌ كبيرٌ على الفلسطينيين، طال مجالات المساعدة الإنسانية، كما حدث في تقليص المساهمة الأمريكية في ميزانية وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل الفلسطينيين (الاونروا)، من ١٣٠ مليون دولار إلى النصف، حيث تبلغ مساهمة أمريكا في ميزانية الوكالة ٢٥ ٪؜. 

 

لم يتوقف دعم إسرائيل من قبل إدارة الرئيس ترامب عند الضغط اقتصادياً على الفلسطينيين، بل أيضاً كان هناك ضغطٌ سياسي. لقد أقدمت إدارة الرئيس ترامب على تعليق علاقاتها مع السلطة الفلسطينية وغلق مكتب منظمة التحرير الفلسطينية (١٠ سبتمبر٢٠١٨م)، الأمر الذي نال من ثوابت السياسة الخارجية تجاه الصراع بين العرب وإسرائيل، بعدم اعتراف الولايات بما يترتب على احتلال إسرائيلُ للأراضي العربية، عقب حرب الأيام الستة ١٩٦٧م، بما في ذلك الأراضي الفلسطينية المحتلة.. وعدم الإقرار بواقع وجود المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية بما فيها القدس... على أن يترك مصير تلك الأراضي، عن طريق التفاوض، في إطار حل الدولتين، كما هو معروف تاريخياً عن السياسة الخارجية الأمريكية، التزاماً بقرارات الأمم المتحدة، خاصةً قراري مجلس الأمن ٢٤٢ لعام ١٩٦٧م، والقرار رقم: ٣٣٨ لسنةِ ١٩٧٣م. 

 

كما اعترفت إدارة الرئيس ضمنياً بضم إسرائيل القدس، بنقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس (١٤ مايو ٢٠١٨م)، إجراءٌ امتنعت عن اتخاذه حكومات أمريكية سابقة.  وكذلك الاعتراف بضم إسرائيل لمرتفعات الجولان السورية (٢٥ مارس ٢٠١٩م). 

 

يظل أهم مؤشرات تداخلية السياسة الخارجية الأمريكية في عهد إدارة الرئيس السابق ترامب، خروجاً عن القاعدة الانعزالية المتطرفة، التي اتبعتها واشنطن: القيام بدورِ "العرّاب" المتحمس النشط، لحملة التطبيع بين بعض الدول العربية وإسرائيل: الإمارات العربية ١٣ أغسطس ٢٠٢٠م، البحرين ١١ سبتمبر ٢٠٢٠م، السودان ٢٣ أكتوبر ٢٠٢٠م، وأخيراً المغرب ١٠ ديسمبر ٢٠٢٠م، كما هو ملاحظ: استمرت جهود إدارة الرئيس ترامب، للدفع تجاه التطبيع بين إسرائيل وبعض الدول العربية، حتى الساعات الأخيرة من عمر تلك الإدارة!

 

التداخلية، من جديد

 

الرئيس الأمريكي الجديد جو بايدن التي بدأت ولايته الدستورية، بعد ظهر يوم العشرين من يناير الماضي، حال انتهاء ولاية سلفه دونالد ترامب، مباشرة، أعاد انفتاح الولايات المتحدة، من جديد، داخلياً وخارجياً. في الساعات الأولى من دخوله البيت الأبيض أصدر من المكتب البيضاوي، عدة مراسيم رئاسية، تعكس توجهه الانفتاحي الجديد للولايات المتحدة الأمريكية. لقد أتى بالممحاة، على تراث سلفه الانعزالي، تنفيذا لوعوده الانتخابية، التي اختاره الشعب الأمريكي، من أجلها. 

 

داخلياً: أنهى معظم السياسات التي اتخذها الرئيس ترامب، وأغلق بها البلاد من الداخل، رافعاً شعار التعددية، بدلاً من شعار أمريكا للأمريكيين، التي كان يقصد بها ضمنياً الأمريكيين البيض، المعتنقين المسيحية، كما سبق تفصيله أعلاه. بجرة قلم أتى على إجراءات الرئيس ترامب، التي اعتبرت متطرفة وعنصرية. لقد أعاد فتح البلاد للزائرين والمهاجرين، من دول غالبية سكانها مسلمون، التي سبق وأن حظرتهم إدارة الرئيس ترامب السابقة.

 

كما أعاد لم شمل الأسر، التي فرقت شملهم إدارة الرئيس ترامب السابقة، بحجة محاربة الإقامة غير الشرعية في البلاد. لقد جرت فوراً البحث عن الأطفال، الذين أودعوا قسراً، مراكز الرعاية الاجتماعية، بعد أن جرى ترحيل والديهم. ثم بدأت جهودٌ مضنية وحثيثة للتعرف على ذويهم الذين رُحلوا لبلدانهم الأصلية قسراً.

 

لقد عادت الولايات المتحدة بمثل هذه الإجراءات الداخلية السريعة والحاسمة، إلى جذورها التعددية، التي كانت من أسباب تقدم الولايات المتحدة ووراء غناها الثقافي، بوصفها البلاد التي قامت أساساً على قيم ليبرالية متسامحة.. وكون شعبها، في الأساس، يتكون من أمم مهاجرة وجدت الفرصة، لكلِ إنسانٍ مبدعٍ، ليفجر طاقاته الإبداعية، بعيداً عن التهميش والإقصاء، الذي قد يصل إلى درجة الاضطهاد، في بلادهم الأصلية. 

 

 

قوة النموذج، لا نموذج القوة

 

من أهم معالم التداخلية، في بعدها الخارجي، إعلان الرئيس بايدن عن تطبيق نهج التعددية هذا على سياسة الولايات المتحدة الخارجية. لقد أكد الرئيس بايدن أن قوة الولايات ومنعتها، من قوةِ ومنعةِ حلفائها وشركائها الدوليين. وأن مصلحة وأمن الولايات المتحدة لا ينفصلان عن مصالح وأمن حلفائها الدوليين، ولن تبقي أو تضمن الولايات المتحدة مصالحها وأمنها القومي، بعيداً عن أمن ومصالح حلفائها وشركائها الخارجيين.

 

لم يخف الرئيس جو بايدن قلقه، بل امتعاضه، من شعار أمريكا أولاً وأمريكا للأمريكيين، الذي في صورته الخارجية طبق انعزالية متطرفة في السياسة الخارجية الأمريكية، تنظر بمنظار "شيفوني" مادي ضيق للعلاقة مع حلفاء أمريكا وشركائها الدوليين. لقد سارع لطمأنة أولئك الحلفاء والشركاء الدوليين، بأن الولايات مازالت ملتزمة بأمنهم، امتداداً لالتزامها بأمنها القومي، نفسها. وأن معادلة الأمن مقابل المال، التي أخذت بها الإدارة السابقة، لم تعد قائمة.

 

أيضاً الرئيس الجديد جو بايدن سارع بتطمين العالم بأسره، بأن الولايات المتحدة مازالت متمسكة بقيمها الليبرالية الأساسية، فيما يخص رسم وتنفيذ سياستها الخارجية، في عهده. لقد تضررت سمعة الولايات المتحدة، بسبب إجراءات التطرف الانعزالي، غير التقليدي، الذي اتبعته إدارة الرئيس ترامب الجمهورية السابقة. لقد أكد الرئيس بايدن عودة الولايات المتحدة لقيادة العالم، كما قال: بقوة النموذج وليس بنموذج القوة، مركزاً على الدبلوماسية النشطة، لسياسة الولايات المتحدة الأمريكية، في عهده. لقد ظهرت أهمية ملف السياسة الخارجية للرئيس جو بايدن، بزيارته لوزارة الخارجية الأمريكية ولقائه بموظفيها وطاقم سفرائها، كأول زيارة يقوم بها لوزارة سيادية في إدارته.

 

لا شك، بأن هذه العودة النشطة للدبلوماسية الأمريكية، كأهم معالم السياسة الخارجية التداخلية، في إدارة الرئيس جو بايدن الجديدة، قد لقيت ترحيبا من قبل حلفاء الولايات المتحدة وشركائها الدوليين، ليس فقط في دول منظمة حلف شمال الأطلسي ( النِتو )، بل ولدى أصدقاء أمريكا وشركائها الدوليين، خاصة في منطقة الشرق الأوسط والخليج العربي.

 

هذا بالإضافة إن عودة قضايا حقوق الإنسان والبيئة والمناخ، تُعدُ من أهم القضايا، التي تتبناها عودة السياسة الخارجية للنهج التداخلي الإيجابي، لإدارة الرئيس جو بايدن الديمقراطية الجديدة، بعيداً عن الخط الانعزالي المتطرف، الذي اتبعته إدارة الرئيس ترامب السابقة.

 

 

البناء على اختراقات الإدارة السابقة

 

ليست جميع ما أفرزته سياسة الانعزالية المتطرفة، التي اتبعتها إدارة الرئيس ترامب السابقة.. وخاصة انتقائية بعدها التدخلي، بالذات في منطقة الشرق، يُنتظر أن تعي إدارة الرئيس بايدن الجديدة النظر فيها... دعك من الزعم: بإمكانية مراجعتها، أو عدم الاستفادة منها. عدا التأكيد بالتزام الولايات المتحدة بأمن أصدقاء الولايات المتحدة في المنطقة، بعيداً عن ابتزاز الإدارة السابقة، فإن هناك اختراقات أحدثتها الإدارة السابقة، لن تتجاهل الإدارة الجديدة أهميتها والبناء عليها.

 

لقد أعلنت إدارة الرئيس جو بايدن الجديدة عن نيتها إعادة العمل بالاتفاق النووي مع إيران، الذي أبرمته الإدارة الديمقراطية السابقة، وكانت إدارة الرئيس ترامب السابقة قد ألغته، من جانب واحد، دون أن تراعي شركاء الولايات المتحدة الأوربيين، الذين وقعوا الاتفاق معها... دعك من مراعاة مشاركة الأمم المتحدة، في ذلك الاتفاق.

 

لكن، لا يمكن الزعم: بأن إدارة الرئيس بايدن، ستعود إلى ذلك الاتفاق، متجاهلةً ما حدث في السنوات الأربع الماضية، للبناء عليها، لمعالجة قصورٍ في ذلك الاتفاق، أثار حفيظة أصدقاء الولايات المتحدة في منطقة الخليج العربي. لم يراع ذلك الاتفاق أمن أصدقاء الولايات المتحدة، في دول مجلس التعاون، بالذات أمن المملكة العربية السعودية، كما غض الطرف عن السلوك التوسعي الإيراني في المنطقة، مثل ما هو حادث في العراق وسوريا واليمن.  من هنا: فأي عودة للاتفاق مع إيران حول برنامجها النووي، لا يتوقع أن يتجاهل أو يغض الطرف عن مصالح دول الخليج العربية.. ولا عن سلوك إيران التوسعي في المنطقة.

 

بالإضافة إلى مشاكل كانت في الاتفاق السابق، لها علاقة بمدته.. واستبعاده لمقدرة إيران الصاروخية. المهم، هنا، بالنسبة لأمن أمريكا له علاقة بكبريائها الوطني.. وتكلفة العودة للاتفاق، بما يعنيه اعتراف بالخطأ، الذي يمكن أن يترتب عليه أعباء مادية وسياسية وأخلاقية، خاصة بعد أعلنت محكمة العدل الدولية في الثالث من فبراير الماضي عن اختصاصها النظر في شكوى إيران ضد الولايات المتحدة، بسبب انسحابها من ذلك الاتفاق، من جانبٍ واحد. 

 

كما أن إدارة بايدن لن تتراجع عن قرار نقل السفارة الأمريكية للقدس، الذي سبق واتخذته إدارة الرئيس ترامب، لأسباب سياسية داخلية، نظراً للدعم القوي الذي تتمتع به إسرائيل في الولايات المتحدة، ظالمة أو مغرقةٍ في الظلم. على أي حال: القرار كان متوقعاً، آجلاً أم عاجلاً، والسفارة بنيت فعلاً منذ وقت طويل في القدس، لذا قد يكون فيه نوعٌ رفعٌ للحرجِ عن أي إدارة أمريكية يمكن أن تتخذه مستقبلاً، خارج أي تسوية شاملة لأزمة الشرق الأوسط.

 

لكن إدارة بايدن، لن تأخذ بإجراءات إدارة الرئيس ترامب السابقة، فيما يخص الشأن الفلسطيني. لقد أعلنت عن رغبتها في إعادة الاتصال بالسلطة الفلسطينية، التي سبق وجمدته إدارة الرئيس ترامب.. وإعادة فتح مكتب منظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن. كما أن واشنطن، في ظل إدارتها الجديدة، ستعيد مساعداتها الاقتصادية للفلسطينيين. من المنتظر أن تعيد مساهمتها في وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل الفلسطينيين ( الأونوروا)... وهذا يأتي في إطار موقفها "المعتدل" تجاه سياسة العقوبات الاقتصادية، التي تستثني منها أي الإضرار بالشعوب، واقتصارها فقط على الأنظمة ورموزها الحاكمة، التي تراها مارقة. ويأتي في هذا الإطار ما أعلنته وزارة الخارجية الأمريكية، من اقتصار قانون قيصر للعقوبات الاقتصادية على رموز النظام السوري، لا أن يشمل أو يتضرر منه الشعب السوري.

 

أيضاً: لا يُتوقع من الإدارة الجديدة أن تأخذ بما اتخذته الإدارة السابقة من موقفٍ متطرفٍ في دعم إسرائيل، فيما يخص قضية الأراضي المحتلة.  الاعتراف بضم الأراضي الفلسطينية والتوسع في المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية، حتى اعتراف الولايات المتحدة، في عهد الرئيس ترامب، بضم هضبة الجولان السورية، جميعها إجراءات تخالف ما اتبعته الولايات المتحدة من تعاطي مع أزمة الشرق الأوسط.. وبعضها يتعارض مع القانون الأمريكي نفسه. من المنتظر، إذن: أن تتم مراجعة كل تلك الإجراءات من قبل إدارة الرئيس بايدن الجديدة. كما أعربت الإدارة الجديدة، في البيت الأبيض عن اهتمامها بحل الدولتين، كأساس لأي تسوية بين الفلسطينيين وإسرائيل، الذي التزمت به الإدارات الأمريكية المتعاقبة، منذ بداية القرن.  

 

يظل التوجه الإيجابي الرئيس لإدارة الرئيس جو بايدن الجديدة، تأكيدها على الالتزام بأمن أصدقائها في منطقة الخليج العربي، بالذات أمن المملكة العربية السعودية، بعيداً عن مساومات وابتزاز إدارة ترامب السابقة. حتى ما جاء عن الإدارة الجديدة، بخصوص الحرب في اليمن، فإنه يأتي في إطار الجهود الإيجابية، التي تقوم بها أطرافٌ إقليمية ودولية عدة، بما فيها المملكة العربية السعودية. وقف الحرب في اليمن هدفٌ تسعى إلى تحقيقه الدول المحبة للسلام في المنطقة والعالم، حيث تأتي جهود الإدارة الأمريكية الجديدة، في هذا الإطار. 

 

 

الخاتمة

 

لم يحدث في تاريخ الولايات المتحدة، أن حدثت قفزة نوعية حادة من الانعزالية الأمريكية إلى التداخلية، وبالعكس، كما حدث من انقلاب في السياسة الخارجية بهذا العمق والسرعة، من إدارة سابقة إلى إدارة حالية.  في أقل من شهر، بل أيام جرى الانتقال من سياسة خارجية انعزالية إلى سياسة خارجية ليبرالية أكثر انفتاحاً على العالم الخارجي. تحولٌ من الانعزالية إلى التداخلية، في السياسة الخارجية الأمريكية عادةً ما يحدث في فترات طويلة نسبياً، وبالتدريج.  لقد أخذ، على سبيل المثال: من الولايات المتحدة أكثر من عشرين عاما لتخرج من انعزالية فترة ما بين الحربين، إلى عالم التداخلية، بكل ما يعنيه الاصطلاحان من خلفياتٍ ومعايير سياسية واقتصادية وأكاديمية.

 

ربما تكون فترة إدارة الرئيس ترامب السابقة بداية النهاية للانعزالية الأمريكية. وربما تكون الانعزالية الأمريكية، بشكلها العنيف داخلياً والمتزمتة، بصور ابتزازية، مغرقة القتامة والظلامية، خارجياً، ولادة جديدة لقيم الليبرالية، بشكلها المتسامح الذي يعلي من شأن قيمة وحركة التعددية، ليس فقط في الولايات المتحدة فقط، لكن على مستوى العالم، بأسره.

 

إنما يحدث الآن في الولايات المتحدة من انتصار لحركة وقيم التعددية السياسية، كعماد للسياستين الداخلية والخارجية، في أقوى وأغنى أمم الأرض وأكثرها تطورًا ونمواً، لا يُفهم إلا من خلال تقدم حركة التاريخ، تجاه السلام والحرية.

مقالات لنفس الكاتب